انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصف

تفسير البغويالآيات 1–14

تفسير سورة الصف آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝٢ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝٣

{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال أحب إلى الله عزّ وجلّ لعملناه, ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فأنزل الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً} فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين, فأنزل الله تعالى {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}.

وقال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر، [قالت الصحابة] لئن لقينا بعده قتالاً لنفرغن فيه وُسْعَنا، ففروا يوم أحد فعيّرهم الله بهذه الآية.

وقال قتادة والضحاك: نزلت في شأن القتال، كان الرجل يقول: قاتلت ولم يقاتل, وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، فنزلت هذه الآية.

قال ابن زيد: نزلت في المنافقين كانوا يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون.

{َكَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ}، في موضع رفع فهو كقولك: بئس رجلاً أخوك، ومعنى الآية: أي عظُم ذلك في المَقْت والبغض عند الله, أي: إن الله يبغض بغضاً شديداً أن تقولوا، {مَا لاَ تفعلون}، أن تعِدوا من أنفسكم شيئاً ثم لم توفوا به.

إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَٰنٌ مَّرْصُوصٌ ۝٤ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٥

{إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفّاً}، أي يصفون أنفسهم عند القتال صفاً ولا يزولون عن أماكنهم, {كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَرْصُوص}، قد رُصَّ بعضه ببعض أي ألزق بعضه ببعض وأحكم فليس فيه فرجة ولا خلل. وقيل أحكم كالرصاص.

{وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ}، من بني إسرائيل: {يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي}، وذلك حين رموه بالأدرة، {وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم}، والرسول يعظم ويكرم ويحترم، {فَلَمَّا زَاغُو}، عدلوا عن الحق، {أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، أمالها عن الحق، يعني أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ الفَاسِقِين}، قال الزجاج: يعني لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق.

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ قَالُوا۟ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٦ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَٰمِ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٧ يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ۝٩ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَٰرَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝١٠ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝١١ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١٢ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَٰهِرِينَ ۝١٤

{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرَٰءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}، والألف فيه للمبالغة في الحمد، وله وجهان: أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي الأنبياء كلهم حمادون لله عز وجل، وهو أكثر حمداً لله من غيره, والثاني: أنه مبالغة في المفعول, أي الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو أكثرهم مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد بها.

{فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى ٱلإِسْلَـٰمِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأفْوَاهِهم وٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ ٱلكَافِرُون}.

{هُوَ ٱلَّذِىۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ ٱلمُشْرِكُون}.

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍ تُنجِيكُم}، قرأ ابن عامر "تُنجِّيكم" بالتشديد, والآخرون بالتخفيف، {مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عزّ وجلّ لعملناه، وجعل ذلك بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيها رضا الله ونيل جنته والنجاة من النار. ثم بين تلك التجارة فقال:

{تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلفَوْزُ ٱلعَظِيمُ}.

{وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا}، أي: ولكم خصلة أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة تحبونها, وتلك الخصلة: {نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}، قال الكلبي: هو النصر على قريش، وفتح مكة. وقال عطاء: يريد فتح فارس والروم. {وَبَشِّرِ ٱلمُؤمِنين}، يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة، ثم حضَّهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين. فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَـٰرَ ٱللَّهِ}، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو: "أنصاراً" بالتنوين "لله" بلام الإضافة، وقرأ الآخرون "أنصار الله" مضافاً لقوله: {نَحْنُ أَنصَـٰرُ ٱللَّهِ}.

{كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّين}، أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى عليه السلام: {مَنْ أَنَّصَـٰرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}، أي: من ينصرني مع الله؟ {قَالَ ٱلْحَوَٰرِيُّونَ نَحْنُ أَنصَـٰرُ ٱللَّهِ فَـآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَٰءِيلَ وَكَفَرَت طَآئِفَةٌ}، قال ابن عباس: يعني في زمن عيسى عليه السلام, وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين، حتى بعث الله محمداً فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِين}، غالبين عالين. وروى مغيرة عن إبراهيم قال: فأصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى كلمة الله وروحه.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ