انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة العاديات

تفسير البغويالآيات 1–11

تفسير سورة العاديات آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَٱلْعَٰدِيَٰتِ ضَبْحًا ۝١

{وٱلعاديـٰتِ ضَبْحاً}, قال ابن عباس, وعطاء ومجاهد, وعكرمة, والحسن, والكلبي, وقتادة, والمقاتلان, وأبو العالية وغيرهم: هي الخيل العادية في سبيل الله عزّ وجلّ تَضْبَحُ، والضَّبْح: صوت أجوافها إذا عَدَتْ.

قال ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات تضبح غير الفرس والكلب والثعلب، وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيَّر حالها من تعب أو فزع, وهو من قولهم: ضَبَحَتْهُ النارُ, إذا غيَّرت لونه.

وقوله: "ضبحاً" نصب على المصدر، مجازه: والعاديات تضبح ضبحاً.

وقال علي: هي الإبل في الحج, تعدو من عرفة إلى المزدلفة, ومن المزدلفة إلى مِنىً، وقال: إنها نزلت في وقعة بدر, كانت أولُ غزوة في الإسلام بدراً، وما كان معنا إلا فَرَسان, فَرَسٌ للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون الخيل العاديات؟ وإلى هذا ذهب ابن مسعود, ومحمد بن كعب والسُّدِّي.

وقال بعض من قال: هي الإبل: قوله "ضبحاً" يعني ضباحاً تمد أعناقها في السير.

فَٱلْمُورِيَٰتِ قَدْحًا ۝٢ فَٱلْمُغِيرَٰتِ صُبْحًا ۝٣ فَأَثَرْنَ بِهِۦ نَقْعًا ۝٤ فَوَسَطْنَ بِهِۦ جَمْعًا ۝٥

{فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً}, قال عكرمة, وعطاء, والضحاك, ومقاتل, والكلبي: هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة، يعني: والقادحات قدحاً يقدحن بحوافرهن.

وقال قتادة: هي الخيل تهيج الحربَ ونارَ العداوة بين فرسانها.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي بالليل إلى مأواها فيورون نارهم, ويصنعون طعامهم.

وقال مجاهد, وزيد بن أسلم: هي مكر الرجال، يعني رجال الحرب، والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأقدحن لك ثم لأُورِيَنَّ لك.

وقال محمد بن كعب: هي النيران تجتمع.

{فَٱلْمُغِيرَٰتِ صُبْحاً}، هي الخيل تغير بفرسانها على العدو عند الصباح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال القرظي: هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جَمْع إلى مِنًى، والسُّنَّةُ أن لا تدفع يركبانها يوم النحر حتى تصبح، والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ثبير كيما نغير.

{فَأَثَرْنَ بِهِ}، أي هيَّجن بمكان سيرهن كناية عن غير مذكور, لأن المعنى مفهوم، {نَقْعَاً}، غباراً, والنَّقْع: الغبار.

{فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}، أي دخلن به وسط جمع العدو، وهم الكتيبة يقال: وَسَطْتُ القوم بالتخفيف، ووسَّطتهم, بالتشديد, وتوسَّطهم بالتشديد, كلها بمعنى واحد. قال القرظي: هي الإبل توسط القوم يعني جَمْع منى, هذا موضع القسم، أقسم الله بهذه الأشياء.

إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ ۝٦ وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ ۝٧ وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ۝٨ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ ۝٩ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ ۝١٠

{إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌَ}, قال ابن عباس, ومجاهد, وقتادة: "لكنود": لكفور جحود لنعم الله تعالى. قال الكلبي: هو بلسان مضر وربيعة الكفور، وبلسان كندة وحضرموت العاصي.

وقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم. وقال عطاء: هو الذي لا يعطي في النائبة مع قومه.

وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئاً.

وقال الفضيل بن عياض: "الكنود" الذي أنْسَتْه الخصلةُ الواحدة من الإساءة الخصالَ الكثيرة من الإحسان, و "الشكور": الذي أنسته الخصلةُ الواحدة من الإحسان الخصالَ الكثيرة من الإساءة.

{وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}، قال أكثر المفسرين: وإن الله على كونه كنوداً لشاهد. وقال ابن كيسان: الهاء راجعة إلى الإنسان أي: إنه شاهد على نفسه بما يصنع.

{وَإِنَّهُ}، يعني الإنسان، {لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ}، أي لحب المال، {لَشَدِيدٌ} أي: لبخيل، أي إنه من أجل حب المال لبخيل. يقال للبخيل: شديد ومتشدد.

وقيل: معناه وإنه لحب الخير لقوي، أي شديد الحب للخير، أي المال.

{أَفَلاَ يَعْلَمُ}،أي: أفلا يعلم هذا الإنسان، {إِذَا بُعْثِرَ}، أي: أُثِيرَ وأُخْرِج، {مَا فِى ٱلْقُبُورِ} من الموتى.

{وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ}، أي: مُيّز وأبرز ما فيها من خير أو شر.

إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌۢ ۝١١

{إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ}، جمع الكناية لأن الإنسان اسم الجنس، {يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ}، عالم، قال الزجَّاج: إن الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره, ولكن المعنى أنه يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ