نص الآية 2:183
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٨٣
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١٨٣
الآية 183 من سورة البقرة (2:183)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 2، في الصفحة 28 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 69 قارئًا.
75 تلاوة بأصوات 69 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله فُرِضَ عليكم الصيام من ربكم كما فُرِضَ على الأمم من قبلكم؛ لعلكم تتقون الله بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بالأعمال الصالحة ومن أعظمها الصيام.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم; لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده.
يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الآية، وآمراً لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله عز وجل؛ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الردئية والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم، فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا }[المائدة: 48] الآية، ولهذا قال ههنا: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ … تابع القراءة
يعنـي الله تعالـى ذكره بقوله:{ يا أيُّها الَّذين آمَنُوا } بـالله ورسوله، وصدّقوا بهما وأقرّوا. ويعنـي بقوله:{ كُتِبَ عَلَـيْكُمُ الصّيامُ} فرض علـيكم الصيام، والصيام مصدر من قول القائل: صمت عن كذا وكذا، يعنـي كففت عنه، أصوم عنه صوماً وصياماً، ومعنى الصيام: الكفّ عما أمر الله بـالكف عنه ومن ذلك قـيـل: صامت الـخيـل إذا كفت عن السير، ومنه قول نابغة بنـي ذبـيان: خَيْـلٌ صِيامٌ وخَيْـلٌ غَيْرُ صَائمةٍتـحتَ العجاجِ وأخْرَى تَعْلُكُ اللُّـجُما ومنه قول الله تعالـى ذكره { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً }[مريم: 26] يعنـي صمتاً عن الكلام. وقوله{ كَمَا كُتِبَ علـى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } … تابع القراءة
فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} لما ذكر ما كتب على المكلَّفين من القصاص والوصية ذكر أيضاً أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم، ولا خلاف فيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: بُنِي الإسلام على خمسٍ شهادةِ أن لا إلٰهَ إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة وصومِ رمضان والحج رواه ٱبن عمر. ومعناه في اللغة: الإمساك، وترك التنقل من حال إلى حال. ويقال للصَّمْت صوم؛ لأنه إمساك عن الكلام؛ قال الله تعالى مخبراً عن مريم: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً }} [مريم: 26] أي سكوتاً عن الكلام. والصوم: ركود الريح؛ وهو … تابع القراءة
يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة، لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان. وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، التي اختصيتم بها. ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه. فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربا بذلك إلى الله، راجيا بتركها، ثوابه، فهذا من … تابع القراءة
{ يا أيها الذين أمنوا كُتب } فرض { عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } من الأمم { لعلكم تتقون } المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها .
قوله تعالىٰ: {فَمَنْ خَافَ} أي علم، كقوله تعالىٰ: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ }[البقرة: 229] أي علمتم {مِن مُّوصٍ} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب بفتح الواو وتشديد الصاد، كقوله تعالىٰ: { مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً }[الشورى: 13] { ووصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ }[العنكبوت: 8] وقرأ الآخرون بسكون الواو وتخفيف الصاد، كقوله تعالىٰ: { يُوصِيكُمُ ٱللهُ فِي أَوْلَـٰدِكُمْ }} [النساء: 11] { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ }[النساء: 12] {جَنَفاً} أي جوراً وعدولاً عن الحق، والجنف: الميل {أَوْ إِثْمًا} أي ظلماً، وقال السدي وعكرمة والربيع: الجنف الخطأ والإِثم العمد {فَأَصْلَحَ … تابع القراءة
حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فرداً فرداً؛ إذ منها يتكون المجتمع. وفصلت الجملة عن سابقتها للانتقال إلى غرض آخر، وافتتحت بيٰأيها الذين آمنوا لما في النداء من إظهار العناية بما سيقال بعده. والقول في معنى كتب عليكم ودلالته على الوجوب تقدم آنفاً عند قوله تعالى: { { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية } } [البقرة: 180] الآية. والصيام ــــ ويقال الصوم ــــ هو في اصطلاح الشرع: اسم لترك جميع الأكل وجميع الشرب وقربان النساء مدة مقدرة بالشرع بنية الامتثال لأمر الله أو لقصد التقرب بنذر … تابع القراءة
قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}. قال بعض العلماء: هي ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء. وقال بعض العلماء: هي رمضان، وعلى هذا القول فقد بينها تعالى بقوله: { شَهْرُ رَمَضَانَ }[البقرة: 185] الآية.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} الصيام في اللغة: الإمساك في الجملة، يقال: صامت الخيل: إذا أمسكت عن السير، وصامت الريح: إِذا أمسكت عن الهبوب. والصوم في الشرع: عبارة عن الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع انضمام النية إليه. وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال. أحدها: أنهم أهل الكتاب، رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم النصارى: قاله الشعبي، والربيع، والثالث: أنهم جميع أهل الملل، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. وفي موضع التشبيه في كاف {كما كتب} قولان. أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده. قال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم لم … تابع القراءة
فوائد الآيات من 182 إلى 186 من سورة البقرة (الصفحة 28 من المصحف).
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ اسم ما لم يسمّ فاعله. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
الكاف في موضع نصب من ثلاث جهات: يجوز أن يكون نعتا لمصدر من كتب أي كتب عليكم الصّيام كتبا كما، ويجوز أن يكون التقدير كتب عليكم الصيام صوما كما، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم، ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتا للصيام وما للصيام وما بيانه «الذين آمنوا» و «ما» في موضع خفض وصلتها كتب على الذين من قبلكم والضمير في كتب يعود على «ما».
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) : الْمَفْعُولُ الْقَائِمُ مَقَامَ الْفَاعِلِ.
وَفِي مَوْضِعِ الْكَافِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هِيَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْكَتْبِ ; أَيْ كَتْبًا كَمَا كُتِبَ ; فَمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَصْدَرِيَّةٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ صِفَةُ الصَّوْمِ ; أَيْ صَوْمًا مِثْلَ مَا كُتِبَ، فَمَا عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الَّذِي، أَيْ صَوْمًا مُمَاثِلًا لِلصَّوْمِ الْمَكْتُوبِ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، وَصَوْمٌ هُنَا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الصِّيَامَ بِمَعْنَى أَنْ تَصُومُوا صَوْمًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ حَالٍ مِنَ الصِّيَامِ ; أَيْ مُشْبِهًا لِلَّذِي كُتِبَ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةً لِلصِّيَامِ.
فَانٍ قِيلَ: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَكِرَةٌ، وَالصِّيَامُ مَعْرِفَةٌ، وَالنَّكِرَةُ لَا تَكُونُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ.
قِيلَ لَمَّا لَمْ يُرِدْ بِالصِّيَامِ صِيَامًا مُعَيَّنًا كَانَ كَالْمُنَكَّرِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَحْوَ ذَلِكَ فِي الْفَاتِحَةِ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ الصِّيَامَ مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ جِنْسٌ، وَتَعْرِيفُ الْجِنْسِ قَرِيبٌ مِنْ تَنْكِيرِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٧٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) : لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِمَصْدَرِ «كُتِبَ» الْأُولَى لَا عَلَى الظَّرْفِ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ عَلَى السِّعَةِ ; لِأَنَّ الْكَافَ فِي كَمَا وَصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وَالْمَصْدَرُ إِذَا وُصِفَ لَمْ يَعْمَلْ، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفَاعِلِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِالصِّيَامِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَيَّامٍ بِقَوْلِهِ: «كَمَا كُتِبَ» وَيَعْمَلُ فِيهِ الْمَصْدَرُ كَالصِّلَةِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ بِأَجْنَبِيٍّ، وَإِنْ جُعِلَتْ صِفَةَ الصِّيَامِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَصْدَرَ إِذَا وُصِفَ لَا يَعْمَلُ.
وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِي أَيَّامٍ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: صُومُوا أَيَّامًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَيَّامًا ظَرْفًا ; لِأَنَّ الظَّرْفَ يَعْمَلُ فِيهِ الْمَعْنَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ أَيَّامًا بِكُتِبَ ; لِأَنَّ الصِّيَامَ مَرْفُوعٌ بِهِ، وَكَمَا إِمَّا مَصْدَرٌ لِكُتِبَ، أَوْ نَعْتٌ لِلصِّيَامِ وَكِلَاهُمَا لَا يَمْنَعُ عَمَلَ الْفِعْلِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا وَمَفْعُولًا بِهِ عَلَى السِّعَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مَعْطُوفًا عَلَى خَبَرِ كَانَ تَقْدِيرُهُ أَوْ كَانَ
مُسَافِرًا ; وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَى هَاهُنَا ; لِأَنَّ الْمُسَافِرَ عَازِمٌ عَلَى إِتْمَامِ سَفَرِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ أَوْ كَانَ عَازِمًا عَلَى إِتْمَامِ سَفَرٍ، وَسَفَرٌ هُنَا نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهِ سَفَرٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ السَّفَرُ إِلَى الْمَسَافَةِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الشَّرْعِ. (فَعِدَّةٌ) : مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، وَفِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ ; أَيْ صَوْمُ عِدَّةٍ، وَلَوْ قُرِئَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَلْيَصُمْ عِدَّةً.
وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ. وَ (مِنْ أَيَّامٍ) : نَعْتٌ لِعِدَّةٍ وَ (أُخَرَ) : لَا يَنْصَرِفُ لِلْوَصْفِ وَالْعَدْلِ عَنِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي فُعْلَى صِفَةً أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْجَمْعِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَالْكُبْرَى وَالْكُبَرِ، وَالصُّغْرَى وَالصُّغَرِ. (يُطِيقُونَهُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْيَاءِ.
وَقُرِئَ: «يُطَوَّقُونَهُ» بِوَاوٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وَهُوَ مِنَ الطَّوْقِ الَّذِي هُوَ قَدْرُ الْوُسْعِ، وَالْمَعْنَى يُكْلَفُونَهُ. (فِدْيَةٌ) : يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ وَ «طَعَامُ» بِالرَّفْعِ بَدَلًا مِنْهَا، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ ; أَيْ هِيَ طَعَامٌ. وَ (مِسْكِينٍ) : بِالْإِفْرَادِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا يَلْزَمُ بِإِفْطَارِ كُلِّ يَوْمٍ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ.
وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ. وَطَعَامٌ بِالْجَرِّ، وَمَسَاكِينُ بِالْجَمْعِ، وَإِضَافَةُ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى جِنْسِهِ ; كَقَوْلِكَ خَاتَمُ فِضَّةٍ ; لِأَنَّ طَعَامَ الْمِسْكِينِ يَكُونُ فِدْيَةً وَغَيْرَ فِدْيَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَ الْمَسَاكِينَ ; لِأَنَّهُ جَمَعَ فِي قَوْلِهِ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» فَقَابَلَ الْجَمْعَ بِالْجَمْعِ، وَلَمْ يَجْمَعْ فِدْيَةً ; لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَصْدَرٌ، وَالْهَاءُ فِيهَا لَا تَدُلُّ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، بَلْ هِيَ لِلتَّأْنِيثِ فَقَطْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهَا إِلَى مُضَافٍ إِلَى الْجَمْعِ فُهِمَ مِنْهَا الْجَمْعُ، وَالطَّعَامُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِطْعَامِ، كَالْعَطَاءِ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ هُوَ الْمَطْعُومُ ; لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى الْمِسْكِينِ، وَلَيْسَ الطَّعَامُ لِلْمِسْكِينِ قَبْلَ تَمْلِيكِهِ إِيَّاهُ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ مَجَازًا ; لِأَنَّهُ يَكُونُ تَقْدِيرُهُ فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُ طَعَامٍ يَصِيرُ لِلْمَسَاكِينِ وَلَوْ حُمِلَتِ الْآيَةُ عَلَيْهِ لَمْ يَمْتَنِعْ ; لِأَنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ جَائِزٌ وَتَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ جَائِزٌ.
(فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) : الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يُذْكَرْ لَفْظُهُ بَلْ هُوَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ. (وَأَنْ تَصُومُوا) : فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ ; وَ «خَيْرٌ» خَبَرُهُ ; وَ «لَكُمْ» نَعْتٌ لِخَيْرٍ وَ «إِنْ كُنْتُمْ» شَرْطٌ مَحْذُوفُ الْجَوَابِ وَالدَّالُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ أَنْ تَصُومُوا.
﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَليكُمُ الصِّيامُ كما كُتِبَ على الذين من قَبلِكُم لعلّكُم تتقون﴾ الآية.
قال ابنُ حبيب: هذا من قوله: ﴿فَبِهُداهُمُ اقتَدِه﴾ [الأنعام: ٩٠] وكان المسلمون يقتدون بصيام أهل الكتاب وفِعْلِهم، فكانوا إذا صلُّوا العشاء حرم عليهم الطعامُ والشَّرابُ والوطءُ إلى مثلِها من اللَّيْلَةِ القابِلَة.
وقيل: كان يلزمُهم ذلك إذا ناموا.
فخفَّفَ اللهُ ذلك عنهُم، ونسخَه بقوله: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يتبين لكم الخَيْطُ الأَبيضُ من الخيطِ الأسودِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. وبقوله: ﴿أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرَّفَثُ إلى نسائِكم﴾ [البقرة ١٨٧] - الآية -.
ونُسِخَ فرضُ صيام من كان قبلَنا بفرض رمضان.
قلتُ: فالآية على قوله منسوخةٌ، أعلَمنا الله فيها أنه فرَضَ علينا مثلَ ما فرض على من كانَ قبلَنا. ثم نسخَ ذلك. وهو قول السُّدِّي وأبي العالية.
وقيل: الآيةُ ناسخةٌ وليست بمنسوخةٍ واختُلِفَ في ذلك:
فقيل: هو ناسخٌ لما فرَضَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على أُمتِه من صوم يوم عاشوراء. قالت عائشةُ - رضي الله عنها -: "كان يومُ عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، فلمَّا قدِم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، صامه وأَمَر بصيامه. فلما فُرض رمضانُ كان هو الفريضة. وتُرِكَ صيامُ يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تَرَكَه" - وقاله جابر بن سمرة وغيره -.
وقد قال قومٌ: إن فرضَ صومِ يومِ عاشوراء باقٍ إلى الآن، وهو قول شاذٌّ، غيرُ معمولٍ به.
والنَّسخُ (لِصومِ) يومِ عاشوراء كان بالمدينةِ لحديث عائشة- رضيَ الله عنها - وقولها: فلما قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ صامه، وأمر الناس بصيامه؛ لأَن صومَ رمضان بالمدينة فُرِض.
وقال ابنُ عباس: هذا ناسخ لما كان (أَمرَ به) النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أمَرَ بصيام ثلاثة أيام مِن كُلِّ شهر في أوَّل قدومِه المدينة، وقاله معاذٌ وغيره وقال عطاء: هو ناسخٌ لما فُرِض على من كان قبلنا، كان فُرِض عليهم صوم ثلاثة أيام من كُلِّ شهر، وهو قولُ قتادة.
قال أبو محمد: وقولُه تعالى: ﴿عَلِمَ اللهُ أنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانونَ أنفسكم فتاب عَلَيْكُم وَعَفَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، يدُلُّ (على) أن الله فرضَ علينا ما كان فرَضه على من كان قبلَنا من الصيام وتركِ الطَّعام والشرابِ والوطءِ بعدَ النوم. فهو منسوخ (بما) بعدَه، دليلُ ذلك أن الخيانةَ لا تلْحَقُ إِلاَّ مَن تَرَكَ ما أُمِر به وفعل ما نُهِيَ عنه.
وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾، يدلُّ على ذنبٍ اكتسبوه وهو الوَطءُ والأكل والشرب بعدَ النوم في ليالي الصيام.
وكذلك قولُه: ﴿وعَفَا عَنكُمْ﴾ يدلُّ على أنهم أَذنبوا ذنباً عفا لهم عنه، وهو ما ذكرنا. ولا يكونُ الذَّنْبُ إلاَّ عن ركوبِ نهيٍ أو تركِ أمر، فدلَّ على أنه كان مفروضاً عليهم، ثم نُسخ بإباحة الأكل والشرب والوطءِ بعدَ النوم.
وقد قال الشعبيُ والحسنُ ومجاهد: الآيةُ محكمةٌ غيرُ ناسخة ولا منسوخة. وذلك أن الله - جلّ ذكره - كان قد افترضَ على من كان قبلَنا من النصارى صومَ رمضان، فحولُّوه عن وقته، ثم زاد كل قَرْنٍ يوماً في أوله للاستبراء والاحتياط ويوماً في آخره حتّى صارَ إلى خمسينَ يوماً، ففرض الله علينا صومَه خاصَّة كما كان فرضاً عليهم بقوله: ﴿كُتِبَ عليكُمُ الصيام كما كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: ١٨٣].
والكلامُ في إعراب الكاف من قوله: ﴿كما كُتِبَ﴾، (يصرح بالمعنى) وبُبَيِّنه، وقد ذكرناه في غيرِ هذا الكتاب.
صَلَّوُا الْعَتَمَةَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالنِّسَاءُ وَصَامُوا إِلَى الْقَابِلَةِ فَاخْتَانَ رَجُلٌ نَفْسَهُ فَجَامَعَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَلَمْ يُفْطِرْ فَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ يُسْرًا لِمَنْ بَقِيَ وَرُخْصَةً وَمَنْفَعَةً فَقَالَ سُبْحَانَهُ { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ…
وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
تشترك مع هذه الآية في عبارة واحدة أو أكثر، فيحسن التفريق بينها عند الحفظ.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ