انتقل إلى المحتوى
السبيل

سورة البقرة، الآية 21

2:21 الجزء 1 الحزب 1 الصفحة 4 من المصحف سورة مدنية

نص الآية 2:21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝٢١

ترجمة معاني الآية بلغة أخرى
محمود خليل الحصري اقرأ الآية في سياق السورة

الآية 21 من سورة البقرة (2:21)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 1، في الصفحة 4 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 69 قارئًا.

استمع إلى الآية 21 من سورة البقرة

75 تلاوة بأصوات 69 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.

كل الأصوات (75)

تفسير الآية 21

المختصر في التفسير

يا أيها الناس اعبدوا ربكم وحده دون سواه؛ لأنه الذي خلقكم وخلق الأمم السابقة لكم، رجاء أن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

التفسير الميسر

نداء من الله للبشر جميعًا: أن اعبدوا الله الذي ربَّاكم بنعمه، وخافوه ولا تخالفوا دينه; فقد أوجدكم من العدم، وأوجد الذين من قبلكم; لتكونوا من المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

من كتب التفسير

تفسير ابن كثير الآيات 21 إلى 22

شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة؛ بأن جعل لهم الأرض فراشاً، أي: مهداً كالفراش، مقررة موطأة، مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء، وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: { وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ } [الأنبياء: 23] وأنزل لهم من السماء ماء والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقاً لهم ولأنعامهم؛ كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: { ٱلَّذِى … تابع القراءة

تفسير الطبري

قال أبو جعفر: فأمر جل ثناؤه الفريقـين الذين أخبر الله عن أحدهما أنه سواء علـيهم أأنذروا أم لـم يُنذروا أنهم لا يؤمنون، لطبعه علـى قلوبهم، وعلـى سمعهم وأبصارهم، وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بـما يبدي بلسانه من قـيـله: آمنا بـالله والـيوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه فـي حقـيقة ما يبدي من ذلك وغيرهم من سائر خـلقه الـمكلفـين، بـالاستكانة والـخضوع له بـالطاعة، وإفراد الربوبـية له، والعبـادة دون الأوثان والأصنام والآلهة لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبـائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، فقال لهم جل ذكره: فـالذي خـلقكم وخـلق آبـاءكم وأجدادكم وسائر … تابع القراءة

تفسير القرطبي

قوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} قال علقمة ومجاهد: كل آية أوّلها «يأَيها الناس» فإنما نزلت بمكة، وكل آية أوّلها «يأَيها الذِين آمنوا» فإنما نزلت بالمدينة. قلت: وهذا يردّه أن هذه السورة والنساء مدنِيّتان وفيهما يأيها الناس. وأما قولهما في «يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فصحيح. وقال عُرْوة بن الزبير: ما كان من حَدّ أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة. وهذا واضح. و «يا» في قوله: «يأَيها» حرف نداء. «أيُّ» منادَى مفرد مبنيّ على الضم؛ لأنه منادى في اللفظ، و «ها» للتنبيه. «الناسُ» مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين؛ ما عدا المازني فإنه … تابع القراءة

تفسير السعدي الآيات 21 إلى 22

هذا أمر عام لكل الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ }} . ثم استدل على وجوب عبادته وحده، بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم، فخلقكم بعد العدم، وخلق الذين من قبلكم، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها، وتنتفعون بالأبنية، والزراعة، والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم، وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم، كالشمس، والقمر، والنجوم. { وَأَنزلَ مِنَ … تابع القراءة

تفسير الجلالين

{ يا أيُّها الناس } أي أهل مكة { اعبدوا } وحِّدوا { ربَّكم الذي خلقكم } أنشأكم ولم تكونوا شيئاً { و } خلق { الذين من قبلكم لعلكم تتقون } بعبادته عقابَه، ولعل : في الأصل للترجي، وفي كلامه تعالى للتحقيق.

تفسير البغوي الآيات 21 إلى 24

قوله تعالىٰ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ياأيها الناس خطاب أهل مكة، وياأيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة وهو هاهنا عام إلا من حيث أنه لا يدخله الصغار والمجانين. {ٱعْبُدُواْ} وحِّدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد {رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ} الخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي وخلق الذين من قبلكم. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لكي تنجوا من العذاب، وقيل معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء كما قال: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِناً … تابع القراءة

التحرير والتنوير

استئناف ابتدائي ثني به العِنان إلى موعظة كل فريق من الفرق الأربع المتقدم ذكرها موعظة تليق بحاله بعد أن قضى حق وصف كل فريق منهم بخلاله، ومثلت حال كل فريق وضربت له أمثاله فإنه لما استوفى أحوالاً للمؤمنين وأضدادِهم من المشركين والمنافقين لا جرم تهيأ المقام لخطاب عمومهم بما ينفعهم إرشاداً لهم ورحمة بهم لأنه لا يرضى لهم الضلال ولم يكن ما ذكر آنفاً من سوء صنعهم حائلاً دون إعادة إرشادهم والإقبال عليهم بالخطاب ففيه تأنيس لأنفسهم بعد أن هددهم ولامهم وذم صنعهم ليعلموا أن الإغلاظ عليهم ليس إلا حرصاً على صلاحهم وأنه غني عنهم كما يفعله المربي الناصح حين يزجر أو يوبخ فيرى انكسار نفس مرباه فيجبر خاطره بكلمة … تابع القراءة

أضواء البيان الآيات 21 إلى 22

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}. أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت وبينها مفصلة في آيات أخر. البرهان الأول: خلق الناس أولاً المشار إليه بقوله: { ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة:21] لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: { وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ … تابع القراءة

زاد المسير

اختلف العلماء فيمن عنى بهذا الخطاب على أربعة أقوال. أحدها: أنه عام في جميع الناس، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه خطاب لليهود دون غيرهم، قاله الحسن ومجاهد. والثالث: أنه خطاب للكفار من مشركي العرب وغيرهم، قاله السدي. والرابع: أنه خطاب للمنافقين واليهود، قاله مقاتل: و«الناس» اسم للحيوان الآدمي. وسموا بذلك لتحركهم في مراداتهم. والنوس: الحركة. وقيل: سموا أناسا لما يعتريهم من النسيان. وفي المراد بالعبادة هاهنا قولان. أحدهما: التوحيد، والثاني: الطاعة، رويا عن ابن عباس. والخلق: الإيجاد. وإنما ذكر من قبلهم، لأنه أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأحوط في الحجة. وقيل إنما ذكر من قبلهم لينبههم على الاعتبار … تابع القراءة

تفسير سورة البقرة كاملة

سبب نزول الآية 21 من سورة البقرة

أسباب النزول للواحدي

قوله: ﴿يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾. [٢١]. أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو تراب القُهُسْتَاني، حدَّثنا عبد الرحمن بن بشر، حدَّثنا رَوْح، حدَّثنا شعبة، عن سفيان الثّوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كلّ شيء نزل فيه يا أيها الناس، فهو مكي، ويا أيها الذين آمنوا، فهو مدني. يعني أن يا أيها الناس خطاب أهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة. فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ خطاب لمشركي مكة إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه الآية نازلة في المؤمنين، وذلك: أن الله تعالى لمَّا ذكر جزاء الكافرين بقوله: ﴿ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ ذكر جزاء المؤمنين.

من فوائد الآيات

فوائد الآيات من 17 إلى 24 من سورة البقرة (الصفحة 4 من المصحف).

  • أن الله تعالى يخذل المنافقين في أشد أحوالهم حاجة وأكثرها شدة؛ جزاء نفاقهم وإعراضهم عن الهدى.
  • من أعظم الأدلة على وجوب إفراد الله بالعبادة أنه تعالى هو الذي خلق لنا ما في الكون وجعله مسخَّرًا لنا.
  • عجز الخلق عن الإتيان بمثل سورة من القرآن الكريم يدل على أنه تنزيل من حكيم عليم.

معاني كلمات الآية 21 من سورة البقرة

في كتب غريب القرآن

التبيان لابن الهائم

يا أيها: يا حرف نداء وقيل اسم فعل هو أنادي ولم يقع النداء في القرآن مع كثرته إلا بها وينادى بها القريب وغيره أي وصلة لنداء ما فيه أل أو مناداة عبارتان ها حرف تنبيه،

خلقكم: الخلق الاختراع بلا مثال وأصله التقدير وخلقت الأديم قدرته وقال قطرب هو الإيجاد على تقدير وترتيب والخلق والإيجاد والإحداث والإبداع والاختراع والإنشاء متقاربة،

من قبلكم: قبل ظرف زمان وأصله وصف ناب عن موصوفه لزوما فإذا قلت قمت قبل زيد فالتقدير قمت زمانا قبل زمان قيام زيد فحذف هذا كله وناب عنه قبل زيد،

لعلكم: لعل حرف توقع تكون للترجي في المحبوب وللإشفاق في المكروه ولا يستعمل إلا في الممكن.

جذور كلمات الآية 21

كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.

إعراب الآية 21 من سورة البقرة

إعراب القرآن للنحاس

يا أَيُّهَا النَّاسُ... يا أَيُّهَا يا: حرف النداء، وأيّ: نداء مفرد ضمّ لأنه في موضع المكنيّ، وكان يجب أن لا يعرب فكرهوا أن يخلوه من حركة لأنه قد كان متمكنا فاختاروا له الضمة لأن الفتحة تلحق المعرب في النداء والكسرة تلحق المضاف إليه، وأجاز أبو عثمان المازني «يا أيّها الناس» : على الموضع كما يقال: يا زيد الظّريف. وزعم الأخفش أن «الناس» في صلة أيّ و «هاء» للتنبيه إلا أنّها لا تفارق أيّا لأنها عوض من الإضافة. ولغة بعض بني مالك من بني أسد «يا أيه الرجل» بضم

الهاء لما كانت الهاء لازمة حركتها حرّكها بحركة أيّ النَّاسُ تابع لأيّ كالنعت كما ينعت، لا يجوز نصبه عند أبي العباس لأنه لا يستغنى عنه فصار كما تقول: يا ناس، اعْبُدُوا ألف وصل لأنه من يعبد وضممتها والأصل الكسر لئلا تجمع بين كسرة وضمة. قال سيبويه : ليس في الكلام «فعل» وحذف النون للجزم عند الكوفيين ولأنه لم يضارع عند البصريين، رَبَّكُمُ نصب باعبدوا. الَّذِي نعت له. خَلَقَكُمْ في الصلة والكاف والميم نصب بالفعل. وَالَّذِينَ عطف على الكاف والميم. مِنْ قَبْلِكُمْ في الصلة. لَعَلَّكُمْ الكاف والميم اسم لعلّ. تَتَّقُونَ فعل مستقبل علامة رفعه النون وهو في موضع خبر لعل.

التبيان للعكبري

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) : أَيُّ اسْمٌ مُبْهَمٌ لِوُقُوعِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أُتِيَ بِهِ فِي النِّدَاءِ تَوَصُّلًا إِلَى نِدَاءِ مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ إِذَا كَانَتْ ((يَا)) لَا تُبَاشِرُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَبُنِيَتْ لِأَنَّهَا اسْمٌ مُفْرَدٌ مَقْصُودٌ، وَهَا مُقْحَمَةٌ لِلتَّنْبِيهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ تُبَاشِرَ ((يَا)) النَّاسَ، فَلَمَّا حِيلَ بَيْنَهُمَا بِأَيٍّ، عُوِّضَ مِنْ ذَلِكَ ((هَا))، وَالنَّاسُ وَصْفٌ لِأَيٍّ لَا بُدَّ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ الْمُنَادَى فِي الْمَعْنَى، وَمِنْ هَاهُنَا رُفِعَ ; وَرَفْعُهُ أَنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مِنْ ضَمَّةِ الْبِنَاءِ، وَأَجَازَ الْمَازِنِيُّ نَصْبَهُ كَمَا يُجِيزُ يَا زَيْدُ الظَّرِيفَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ لُزُومِ ذِكْرِهِ، وَالصِّفَةُ لَا يَلْزَمُ ذِكْرُهَا. (مِنْ قَبْلِكُمْ) : مِنْ هُنَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالَّذِينَ خَلَقَهُمْ مِنْ قَبْلِ خَلْقِكُمْ ;

فَحَذَفَ الْخَلْقَ، وَأَقَامَ الضَّمِيرَ مَقَامَهُ. (لَعَلَّكُمْ) : مُتَعَلِّقٌ فِي الْمَعْنَى بِـ (اعْبُدُوا) ; أَيِ اعْبُدُوا لِيَصِحَّ مِنْكُمْ رَجَاءُ التَّقْوَى ; وَالْأَصْلُ تَوْتَقِيُونَ ; فَأُبْدِلَ مِنَ الْوَاوِ تَاءٌ، وَأُدْغِمَتْ فِي التَّاءِ الْأُخْرَى، وَسَكَنَتِ الْيَاءُ، ثُمَّ حُذِفَتْ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظَائِرُهُ فَوَزْنُهُ الْآنَ تَفْتَعُونَ.

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِي جَعَلَ) : هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (تَتَّقُونَ)، أَوْ بَدَلٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَوْ صِفَةٍ مُكَرَّرَةٍ، أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى إِضْمَارِ هُوَ الَّذِي، وَجَعَلَ هُنَا مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْأَرْضُ. (فِرَاشًا) حَالٌ، وَمِثْلُهُ: (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً).

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَهُمَا الْأَرْضُ وَفِرَاشًا، وَمِثْلُهُ: وَالسَّمَاءَ بَنَاهَا. (وَلَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلَ) ; أَيْ لِأَجْلِكُمْ. (مِنَ السَّمَاءِ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَنْزَلَ، وَهِيَ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الْمَكَانِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا. وَالتَّقْدِيرُ: مَاءً كَائِنًا مِنَ السَّمَاءِ ; فَلَمَّا قُدِّمَ الْجَارُّ صَارَ حَالًا، وَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَاءٍ مَوَهَ ; لِقَوْلِهِمْ: مَاهَتِ الرَّكِيَّةُ تَمُوهُ، وَفِي الْجَمْعِ أَمْوَاهٌ، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا، ثُمَّ أَبْدَلُوا مِنَ الْهَاءِ هَمْزَةً وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ.

(مِنَ الثَّمَرَاتِ) : مُتَعَلِّقٌ بِأَخْرَجَ، فَيَكُونُ ((مِنْ)) لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، تَقْدِيرُهُ: رِزْقًا كَائِنًا مِنَ الثَّمَرَاتِ.

وَ (لَكُمُ) : أَيْ مِنْ أَجْلِكُمْ. وَالرِّزْقُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَرْزُوقِ، وَلَيْسَ بِمَصْدَرٍ.

(فَلَا تَجْعَلُوا) : أَيْ لَا تُصَيِّرُوا، أَوْ لَا تُسَمُّوا، فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ.

وَالْأَنْدَادُ: جَمْعُ نِدٍّ وَنَدِيدٍ. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَمَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ ; أَيْ تَعْلَمُونَ بُطْلَانَ ذَلِكَ.

وَالِاسْمُ مِنْ أَنْتُمْ ((أَنْ))، وَالتَّاءُ لِلْخِطَابِ، وَالْمِيمُ لِلْجَمْعِ، وَهُمَا حَرْفَا مَعْنًى.

قَالَ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنْتُمْ) : جَوَابُ الشَّرْطِ ((فَأْتُوا بِسُورَةٍ)). وَ ((إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) شَرْطٌ أَيْضًا جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ أَغْنَى عَنْهُ جَوَابُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ ; أَيْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَافْعَلُوا ذَلِكَ. وَلَا تَدْخُلُ إِنِ الشَّرْطِيَّةُ عَلَى فِعْلٍ مَاضٍ فِي الْمَعْنَى ; إِلَّا عَلَى كَانَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى حَدَثٍ. (

مِمَّا نَزَّلْنَا) : فِي مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِرَيْبٍ ; أَيْ رَيْبٍ كَائِنٍ مِمَّا نَزَّلْنَا.

وَالْعَائِدُ عَلَى ((مَا)) مَحْذُوفٌ أَيْ نَزَّلْنَاهُ، وَ ((مَا)) بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ ((مِنْ)) بِرَيْبٍ ; أَيْ إِنِ ارْتَبْتُمْ مِنْ أَجْلِ مَا نَزَّلْنَا.

(فَأْتُوا) : أَصْلُهُ: ائْتِيُوا، وَمَاضِيهُ أَتَى، فَفَاءُ الْكَلِمَةِ هَمْزَةٌ ; فَإِذَا أَمَرْتَ زِدْتَ عَلَيْهَا هَمْزَةَ الْوَصْلِ مَكْسُورَةً، فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ وَالثَّانِيَةُ سَاكِنَةٌ، فَأُبْدِلَتِ الثَّانِيَةُ يَاءً لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وَكَانَتِ الْيَاءُ الْأُولَى لِلْكَسْرَةِ قَبْلَهَا، فَإِذَا اتَّصَلَ بِهَا شَيْءٌ حُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا، ثُمَّ هَمْزَةُ الْيَاءِ لِأَنَّكَ أَعَدْتَهَا إِلَى أَصْلِهَا لِزَوَالِ الْمُوجِبِ لِقَلْبِهَا.

وَيَجُوزُ قَلْبُ هَذِهِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَيَاءً إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِهِ: الَّذِي إِيتَمَنَ، فَتُصَيِّرُهَا يَاءً فِي اللَّفْظِ، وَوَاوًا إِذَا انْضَمَّ مَا قَبْلَهَا ; كَقَوْلِهِ: يَا صَالِحُ أُوتِنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ذَنْ لِي. (مِنْ مِثْلِهِ) : الْهَاءُ تَعُودَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْقُرْآنِ فَتَكُونُ مِنْ زَائِدَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تَعُودَ عَلَى الْأَنْدَادِ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) [النَّحْلِ: ٦٦].

(وَادْعُوا) : لَامُ الْكَلِمَةِ مَحْذُوفٌ ; لِأَنَّهُ حُذِفَ فِي الْوَاحِدِ دَلِيلًا عَلَى السُّكُونِ الَّذِي هُوَ جَزْمٌ فِي الْمُعْرَبِ، وَهَذِهِ الْوَاوُ ضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ.

(مِنْ دُونِ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: شُهَدَاءَكُمْ مُنْفَرِدِينَ عَنِ اللَّهِ، أَوْ عَنْ أَنْصَارِ اللَّهِ.

قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) : الْجَزْمُ بِلَمْ لَا بِإِنْ لِأَنَّ ((لَمْ)) عَامِلٌ شَدِيدُ الِاتِّصَالِ بِمَعْمُولِهِ، وَلَمْ يَقَعْ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي اللَّفْظِ، وَإِنْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَاضِي فِي اللَّفْظِ، وَقَدْ وَلِيَهَا الِاسْمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [التَّوْبَةِ: ٦].

(وَقُودُهَا النَّاسُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى فَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الْحَطَبُ، وَقُرِئَ بِالضَّمِّ، وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْحَطَبِ ; وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنَى التَّوَقُّدِ وَيَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: تَوَقُّدُهَا احْتِرَاقُ النَّاسِ، أَوْ تَلَهُّبُ النَّاسِ، أَوْ ذُو وَقُودُهَا النَّاسُ.

(أُعِدَّتْ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ النَّارِ ; وَالْعَامِلُ فِيهَا فَاتَّقُوا.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي «وَقُودُهَا» لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنَّهَا مُضَافٌ إِلَيْهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَطَبَ لَا يَعْمَلُ فِي الْحَالِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكَ تَفْصِلُ بَيْنَ الْمَصْدَرِ أَوْ مَا عَمِلَ عَمَلَهُ وَبَيْنَ مَا يَعْمَلُ فِيهِ بِالْخَبَرِ، وَهُوَ النَّاسُ.

قَالَ تَعَالَى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) : فُتِحَتْ (أَنَّ) هَاهُنَا ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِأَنَّ لَهُمْ، وَمَوْضِعُ أَنَّ وَمَا عَمِلَتْ فِيهِ نَصْبٌ بِبَشِّرْ ; لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ إِذَا حُذِفَ وَصَلَ الْفِعْلُ بِنَفْسِهِ. هَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.

وَأَجَازَ الْخَلِيلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْبَاءِ الْمَحْذُوفَةِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ تُزَادُ فِيهِ فَكَأَنَّهَا مَلْفُوظٌ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِ أَنَّ، لَوْ قُلْتَ بَشِّرْهُ بِأَنَّهُ مُخَلَّدٌ فِي الْجَنَّةِ جَازَ حَذْفُ الْبَاءِ ; لِطُولِ الْكَلَامِ، وَلَوْ قُلْتَ بَشِّرْهُ الْخُلُودَ لَمْ يَجُزْ ; وَهَذَا أَصْلٌ يَتَكَرَّرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ; فَتَأَمَّلْهُ وَاطْلُبْهُ هَاهُنَا. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْجَنَّاتِ، وَالْأَنْهَارُ مَرْفُوعَةٌ بِـ (تَجْرِي) لَا بِالِابْتِدَاءِ، وَمِنْ تَحْتِهَا الْخَبَرُ، وَلَا بِتَحْتِهَا ; لِأَنَّ تَجْرِي لَا ضَمِيرَ فِيهِ ; إِذْ كَانَتِ الْجَنَّاتُ لَا تَجْرِي، وَإِنَّمَا تَجْرِي أَنْهَارُهَا، وَالتَّقْدِيرُ مِنْ تَحْتِ شَجَرِهَا، لَا مِنْ تَحْتِ أَرْضِهَا، فَحُذِفَ الْمُضَافُ.

وَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الشَّجَرُ، فَلَا يَكُونُ فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ لَكَانَ وَجْهًا.

(كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا...) : إِلَى قَوْلِهِ (مِنْ قَبْلُ) فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، تَقْدِيرُهُ: مَرْزُوقِينَ عَلَى الدَّوَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْجَنَّاتِ ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ وَفِي الْجُمْلَةِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْهَا (رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) : أَيْ رُزِقْنَا، فَحُذِفَ الْعَائِدُ. وَبُنِيَتْ قَبْلُ لِقَطْعِهَا عَنِ الْإِضَافَةِ ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنْ قَبْلِ هَذَا.

(وَأُتُوا بِهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا، وَقَدْ مَعَهُ مُرَادَةٌ تَقْدِيرُهُ قَالُوا ذَلِكَ وَقَدْ أَتَوْا بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. وَ (مُتَشَابِهًا) : حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِي بِهِ. (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) : أَزْوَاجٌ مُبْتَدَأٌ، وَلَهُمُ الْخَبَرُ وَفِيهَا ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرَارِ، وَلَا يَكُونُ فِيهَا الْخَبَرُ ; لِأَنَّ الْفَائِدَةَ تَقِلُّ إِذِ الْفَائِدَةُ فِي جَعْلِ الْأَزْوَاجِ لَهُمْ، وَ (فِيهَا الثَّانِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِـ «خَالِدُونَ». وَهَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ مُسْتَأْنَفَتَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ حَالًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي لَهُمْ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ.

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَسْتَحْيِي) : وَزْنُهُ يَسْتَفْعِلُ، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنْهُ فِعْلٌ بِغَيْرِ السِّينِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الِاسْتِدْعَاءُ، وَعَيْنُهُ وَلَامُهُ يَاءَانِ، وَأَصْلُهُ الْحَيَاءُ، وَهَمْزَةُ الْحَيَاءِ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ.

وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ يَسْتَحِي، بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمَحْذُوفَةُ هِيَ اللَّامُ كَمَا تُحْذَفُ فِي الْجَزْمِ، وَوَزْنُهُ عَلَى هَذَا يَسْتَفِعْ، إِلَّا أَنَّ الْيَاءَ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْعَيْنِ، وَسَكَنَتْ، وَقِيلَ الْمَحْذُوفُ هِيَ الْعَيْنُ، وَهُوَ بَعِيدٌ. (أَنْ يَضْرِبَ) : أَيْ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ ; فَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَجَرٌّ عِنْدَ الْخَلِيلِ.

(مَا) : حَرْفٌ زَائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ. وَ «بَعُوضَةٌ» بَدَلٌ مِنْ مَثَلًا.

وَقِيلَ: (مَا) : نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَبَعُوضَةٌ بَدَلٌ مِنْ مَا.

وَيُقْرَأُ شَاذًّا بَعُوضَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي وَيُحْذَفَ الْمُبْتَدَأُ ; أَيِ الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا حَرْفًا وَيُضْمَرُ الْمُبْتَدَأُ تَقْدِيرُهُ مَثَلًا هُوَ بَعُوضَةٌ. (فَمَا فَوْقَهَا) : الْفَاءُ لِلْعَطْفِ، وَمَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أَوْ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي، وَالْعَامِلُ فِي فَوْقَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الِاسْتِقْرَارُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بَعُوضَةٌ.

(أَمَّا) : حَرْفٌ نَابَ عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ وَفِعْلِ الشَّرْطِ، وَيُذْكَرُ لِتَفْصِيلِ مَا أُجْمِلَ وَيَقَعُ الِاسْمُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأً، وَتَلْزَمُ الْفَاءُ خَبَرَهُ، وَالْأَصْلُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَالَّذِينَ آمَنُوا يَعْلَمُونَ، لَكِنْ لَمَّا نَابَتْ أَمَّا عَنْ حَرْفِ الشَّرْطِ كَرِهُوا أَنْ يُولُوهَا الْفَاءَ، فَأَخَّرُوهَا إِلَى الْخَبَرِ، وَصَارَ ذِكْرُ الْمُبْتَدَأِ بَعْدَهَا عِوَضًا مِنَ اللَّفْظِ بِفِعْلِ الشَّرْطِ. (مِنْ رَبِّهِمْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنَّهُ ثَابِتٌ أَوْ مُسْتَقِرٌّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَالْعَامِلُ مَعْنَى الْحَقِّ ; وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ

فِيهِ. (مَاذَا) : فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ «مَا» اسْمٌ لِلِاسْتِفْهَامِ، مَوْضِعُهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَذَا بِمَعْنَى الَّذِي وَ: أَرَادَ صِلَةٌ لَهُ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَالَّذِي وَصِلَتُهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ مَا، وَذَا اسْمٌ وَاحِدٌ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِـ (أَرَادَ)، وَلَا ضَمِيرَ فِي الْفِعْلِ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ أَرَادَ اللَّهُ. (مَثَلًا) : تَمْيِيزٌ ; أَيْ مِنْ مَثَلٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ هَذَا ; أَيْ مُتَمَثِّلًا، أَوْ مُتَمَثَّلًا بِهِ ; فَيَكُونُ حَالًا مِنَ اسْمِ اللَّهِ. (يُضِلُّ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْمَثَلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ اسْمِ اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا. (إِلَّا الْفَاسِقِينَ) : مَفْعُولُ يُضِلُّ، وَلَيْسَ بِمَنْصُوبٍ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ يُضِلُّ لَمْ يَسْتَوْفِ مَفْعُولَهُ قَبْلَ إِلَّا.

قَالَ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِلْفَاسِقِينَ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَأَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الْخَبَرِ ; أَيْ هُمُ الَّذِينَ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.

(مِنْ بَعْدِ) : مِنْ لِابْتِدَاءِ غَايَةِ الزَّمَانِ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، وَزَائِدَةٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى أَصْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ زِيَادَةَ مِنْ فِي الْوَاجِبِ.

(مِيثَاقِهِ) : مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْإِيثَاقِ، وَالْهَاءُ تَعُودَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، أَوْ عَلَى الْعَهْدِ ; فَإِنْ أَعَدْتَهَا إِلَى اسْمِ اللَّهِ كَانَ الْمُصْدَرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ، وَإِنْ أَعَدْتَهَا إِلَى الْعَهْدِ كَانَ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ.

(مَا أَمَرَ) : مَا بِمَعْنَى الَّذِي ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَ «أَنْ يُوصَلَ» فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ ; أَيْ يُوصِلُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَا بَدَلَ الِاشْتِمَالِ ; تَقْدِيرُهُ: وَيَقْطَعُونَ وَصْلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ; أَيْ هُوَ أَنْ يُوصَلَ.

(أُولَئِكَ) مُبْتَدَأٌ: وَ «هُمْ» مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، أَوْ فَصْلٌ، وَ «الْخَاسِرُونَ» الْخَبَرُ.

قَالَ تَعَالَى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ((٢٨)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) : كَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِي

تَكْفُرُونَ ; وَصَاحِبُ الْحَالِ الضَّمِيرُ فِي «تَكْفُرُونَ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَ (تَكْفُرُونَ) : يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَقَدْ عُدِّيَ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِ: (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ) : وَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى، إِذِ الْمَعْنَى جَحَدُوا. (وَكُنْتُمْ) :«قَدْ» مَعَهُ مُضْمَرَةٌ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ.

(ثُمَّ إِلَيْهِ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الْإِحْيَاءِ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَأَحْيَاكُمْ.

قَالَ تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢٩).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (جَمِيعًا) : حَالٌ فِي مَعْنَى مُجْتَمِعًا. (فَسَوَّاهُنَّ) : إِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ ; لِأَنَّ السَّمَاءَ جَمْعُ سَمَاوَةٍ، أُبْدِلَتِ الْوَاوُ فِيهَا هَمْزَةً، لِوُقُوعِهَا طَرَفًا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ. (سَبْعَ سَمَوَاتٍ) : سَبْعَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: فَسَوَّى مِنْهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ; كَقَوْلِهِ: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) : فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، وَقِيلَ سَوَّى بِمَعْنَى صَيَّرَ فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثَانِيًا. (وَهُوَ) : يُقْرَأُ بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَأَصْلُهَا الضَّمُّ ; وَإِنَّمَا أُسْكِنَتْ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَعَضُدٍ فَخُفِّفَتْ، وَكَذَلِكَ حَالُهَا مَعَ الْفَاءِ وَاللَّامِ ; نَحْوَ: فَهُوَ، لَهُوَ

يُقْرَأُ. بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ.

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ قَالَ) : هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ، تَقْدِيرُهُ: وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ.

وَقِيلَ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وَابْتِدَاءُ خَلْقِي إِذْ قَالَ رَبُّكَ. وَقِيلَ: زَائِدَةٌ وَ (لِلْمَلَائِكَةِ) : مُخْتَلَفٌ فِي وَاحِدِهَا وَأَصْلِهَا ; فَقَالَ قَوْمٌ أَحَدُهُمْ فِي الْأَصْلِ مَأْلَكٌ عَلَى مَفْعَلٍ ; لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَلُوكَةِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

وَغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِأَلُوكَ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ.

فَالْهَمْزَةُ فَاءُ الْكَلِمَةِ، ثُمَّ أُخِّرَتْ فَجُعِلَتْ بَعْدَ اللَّامِ، فَقَالُوا: مَلَأَكٌ ; قَالَ الشَّاعِرُ:فَلَسْتُ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلَاكٍ تَنَزَّلَمِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ.

فَوَزْنُهُ الْآنَ مُعَفَّلٌ، وَالْجَمْعُ مَلَائِكَةٌ عَلَى مَعَافِلَةٍ.

وَقَالَ آخَرُونَ: أَصْلُ الْكَلِمَةِ لَأَكٌ، فَعَيْنُ الْكَلِمَةِ هَمْزَةٌ، وَأَصْلُ مَلَكٍ مَلْأَكٌ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ. وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ، وَحُذِفَتْ ; فَلَمَّا جُمِعَتْ رُدَّتْ فَوَزْنُهُ الْآنَ مَفَاعِلَةٌ.

وَقَالَ آخَرُونَ: عَيْنُ الْكَلِمَةِ وَاوٌ وَهُوَ مِنْ لَاكَ يَلُوكُ، إِذَا أَدَارَ الشَّيْءَ فِي فِيهِ ;

فَكَأَنَّ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ يُدِيرُهَا فِي فِيهِ، فَيَكُونُ أَصْلُ مَلَكٍ: مِثْلَ مَعَادٍ، ثُمَّ حُذِفَتْ عَيْنُهُ تَخْفِيفًا ; فَيَكُونُ أَصْلُ مَلَائِكَةٍ مِثْلَ مَقَاوِلَةٍ ; فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، كَمَا أُبْدِلَتْ وَاوُ مَصَائِبَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَلَكَ فَعَلَ مِنَ الْمُلْكِ وَهِيَ الْقُوَّةُ، فَالْمِيمُ أَصْلٌ، وَلَا حَذْفَ فِيهِ، لَكِنَّهُ جُمِعَ عَلَى فَعَائِلَةٍ شَاذًّا: (جَاعِلٌ) : يُرَادُ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى خَالِقٍ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مُصَيِّرٍ، فَيَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَيَكُونُ: فِي الْأَرْضِ هُوَ الثَّانِي. (خَلِيفَةً) : فَعِيلَةً بِمَعْنَى فَاعِلٍ ; أَيْ يَخْلُفُ غَيْرَهُ، وَزِيدَتِ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ.

(أَتَجْعَلُ) : الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِرْشَادِ ; أَيْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ كَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ قَبْلُ.

وَقِيلَ: اسْتَفْهَمُوا عَنْ أَحْوَالِ أَنْفُسِهِمْ ; أَيْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مُفْسِدًا وَنَحْنُ عَلَى طَاعَتِكَ، أَوْ نَتَغَيَّرُ. (يَسْفِكُ) : الْجُمْهُورُ عَلَى التَّخْفِيفِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَقَدْ قُرِئَ بِضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. وَهَمْزَةُ (الدِّمَاءَ) مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَمَى ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا دَمَيَانِ.

(بِحَمْدِكَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ; تَقْدِيرُهُ نُسَبِّحُ مُشْتَمِلِينَ بِحَمْدِكَ، أَوْ مُتَعَبِّدِينَ بِحَمْدِكَ. (وَنُقَدِّسُ لَكَ) : أَيْ لِأَجْلِكَ ; وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ زَائِدَةً ; أَيْ نُقَدِّسُكَ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعَدِّيَةً لِلْفِعْلِ، كَتَعْدِيَةِ الْبَاءِ مِثْلَ سَجَدْتُ لِلَّهِ.

(إِنِّي أَعْلَمُ) : الْأَصْلُ إِنَّنِي، فَحُذَفِتِ النُّونُ الْوُسْطَى لَا نُونُ الْوِقَايَةِ ; هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. (وَأَعْلَمُ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا، وَيَكُونُ مَا مَفْعُولًا إِمَّا بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِثْلَ أَفْضَلَ، فَيَكُونُ مَا فِي مَوْضِعِ جَرٍّ بِالْإِضَافَةِ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأَعْلَمَ، كَقَوْلِهِمْ: هَؤُلَاءِ حَوَاجُّ بَيْتِ اللَّهِ بِالنَّصْبِ وَالْجَرِّ ; وَسَقَطَ التَّنْوِينُ، لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يَنْصَرِفُ. فَإِنْ قُلْتَ أَفْعَلُ لَا يَنْصِبُ مَفْعُولًا قِيلَ إِنْ كَانَتْ مِنْ مَعَهُ مُرَادَةً لَمْ يُنْصَبْ، وَأَعَلَمُ هُنَا بِمَعْنَى عَالِمٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِأَعْلَمَ: أَعْلَمَ مِنْكُمْ، فَيَكُونُ «مَا» فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: (هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ) [الْأَنْعَامِ: ١١٧].

قَالَ تَعَالَى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَعَلَّمَ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى: (قَالَ رَبُّكَ) : وَمَوْضِعُ جَرٍّ، كَمَوْضِعِ قَالَ، وَقَوَّى ذَلِكَ إِضْمَارُ الْفَاعِلِ. وَقُرِئَ: «وَعُلِّمَ آدَمُ» عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَ (آدَمَ) : أَفْعَلُ، وَالْأَلِفُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ هَمْزَةٍ هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ ; لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، أَوْ مِنَ الْأَدَمَةِ ; وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ فَاعِلًا ; إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانَصْرَفَ مِثْلَ عَالَمٍ وَخَاتَمٍ، وَالتَّعْرِيفُ وَحْدَهُ لَا يَمْنَعُ وَلَيْسَ بِأَعْجَمِيٍّ.

(ثُمَّ عَرَضَهُمْ) : يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَسْمَاءِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الضَّمِيرَ.

(هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ عَلَى الْأَصْلِ. وَيُقْرَأُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ ; قِيلَ: الْمَحْذُوفَةُ هِيَ الْأُولَى، لِأَنَّهَا لَامُ الْكَلِمَةِ، وَالْأُخْرَى أَوَّلُ الْكَلِمَةِ الْأُخْرَى، وَحَذْفُ الْآخَرِ أَوْلَى.

وَقِيلَ الْمَحْذُوفَةُ الثَّانِيَةُ ; لِأَنَّ الثِّقَلَ بِهَا حَصَلَ.

وَيُقْرَأُ بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الْأُولَى وَتَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ، وَبِالْعَكْسِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُبَدِّلُ الثَّانِيَةَ يَاءً سَاكِنَةً، كَأَنَّهُ قَدَّرَهُمَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ.

قَالَ تَعَالَى: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (سُبْحَانَكَ) : سُبْحَانَ اسْمٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْمَصْدَرِ، وَقَدِ اشْتُقَّ مِنْهُ سَبَّحْتُ وَالتَّسْبِيحُ، وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُضَافًا ; لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُبَيِّنُ مَنِ الْمُعَظَّمُ، فَإِذَا أُفْرِدَ عَنِ الْإِضَافَةِ كَانَ اسْمًا عَلَمَا لِلتَّسْبِيحِ لَا يَنْصَرِفُ لِلتَّعْرِيفِ، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ فِي آخِرِهِ مِثْلَ عُثْمَانَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ مُنَوَّنًا عَلَى نَحْوِ تَنْوِينِ الْعَلَمِ إِذَا نُكِّرَ، وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ مَفْعُولٌ بِهِ ; لِأَنَّهُ الْمُسَبَّحُ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا ; لِأَنَّ الْمَعْنَى تَنَزَّهْتَ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ سَبَّحْتُ اللَّهَ تَسْبِيحًا.

(إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) : مَا مَصْدَرِيَّةٌ ; أَيْ إِلَّا عِلْمًا عَلَّمْتَنَاهُ، وَمَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ مَوْضِعِ لَا عِلْمَ كَقَوْلِكَ: لَا إِلَهُ إِلَّا اللَّهُ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَكُونُ عِلْمٌ بِمَعْنَى مَعْلُومٍ أَيْ لَا مَعْلُومَ لَنَا إِلَّا الَّذِي عَلَّمْتَنَاهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالْعِلْمِ ; لِأَنَّ اسْمَ لَا إِذَا عَمِلَ فِيمَا بَعْدَهُ لَا يُبْنَى. (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ) : أَنْتَ مُبْتَدَأٌ، وَالْعَلِيمُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْتَ تَوْكِيدًا لِلْمَنْصُوبِ، وَوَقَعَ بِلَفْظِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ هُوَ الْكَافُ فِي الْمَعْنَى ; وَلَا يَقَعُ هَاهُنَا إِيَّاكَ لِلتَّوْكِيدِ ; لِأَنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ لَكَانَتْ بَدَلًا، وَإِيَّاكَ لَمْ يُؤَكَّدْ بِهَا.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَصْلًا لَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.

وَ (الْحَكِيمُ) : خَبَرٌ ثَانٍ، أَوْ صِفَةٌ لِلْعَلِيمِ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ صِفَةَ الصِّفَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفُ فِي الْمَعْنَى.

وَالْعَلِيمُ بِمَعْنَى الْعَالِمِ. وَأَمَّا الْحَكِيمُ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُحْكَمِ.

قَالَ تَعَالَى: (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَنْبِئْهُمْ) : يُقْرَأُ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَبِالْيَاءِ عَلَى تَلْيِينِ الْهَمْزَةِ، وَلَمْ يَقْلِبْهَا قَلْبًا قِيَاسًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَحُذِفَتِ الْيَاءُ كَمَا تُحْذَفُ مِنْ قَوْلِكَ: أَبْقِهِمْ مِنْ بَقِيتُ.

وَقَدْ قُرِئَ أَنْبِهُمْ بِكَسْرِ الْبَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزَةٍ وَيَاءٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ إِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً إِبْدَالًا قِيَاسِيًّا.

وَأَنْبَأَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَإِلَى الثَّانِي بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: بِأَسْمَائِهِمْ وَقَدْ يَتَعَدَّى بِعَنْ ; كَقَوْلِكَ: أَنْبَأْتُهُ عَنْ حَالِ زَيْدٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ) [التَّوْبَةِ: ٩٤] فَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.

(وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ) : مُسْتَأْنَفٌ، وَلَيْسَ بِمَحْكِيٍ بِقَوْلِهِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا أَيْضًا، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ. وَتُبْدُونَ وَزْنُهُ تُفْعُونَ، وَالْمَحْذُوفُ مِنْهُ لَامُهُ وَهِيَ وَاوٌ ; لِأَنَّهُ مِنْ بَدَا يَبْدُو.

وَالْأَصْلُ فِي الْيَاءِ الَّتِي فِي: إِنِّي أَنْ تُحَرَّكَ بِالْفَتْحِ ; لِأَنَّهَا اسْمٌ مُضْمَرٌ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَتُحَرَّكُ مِثْلُ الْكَافِ فِي إِنَّكَ فَمَنْ حَرَّكَهَا أَخْرَجَهَا عَلَى الْأَصْلِ، وَمَنْ سَكَّنَهَا اسْتَثْقَلَ حَرَكَةَ الْيَاءِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ.

قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ التَّاءِ.

وَقُرِئَ بِضَمِّهَا، وَهِيَ قِرَاءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، وَأَحْسَنُ مَا تُحَمَلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لَمْ يَضْبُطْ عَلَى الْقَارِئِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ أَشَارَ إِلَى الضَّمِّ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْهَمْزَةَ الْمَحْذُوفَةَ مَضْمُومَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَمْ يُدْرِكِ الرَّاوِي هَذِهِ الْإِشَارَةَ.

وَقِيلَ إِنَّهُ نَوَى الْوَقْفَ عَلَى التَّاءِ سَاكِنَةً، ثُمَّ حَرَّكَهَا بِالضَّمِّ إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الْجِيمِ، وَهَذَا مِنْ إِجْرَاءِ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ. وَمِثْلُهُ مَا حُكِيَ عَنِ امْرَأَةٍ رَأَتْ نِسَاءً مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فَقَالَتْ: أَفِي السَّوَ تَنْتُنَّهُ، بِفَتْحِ التَّاءِ، وَكَأَنَّهَا نَوَتِ الْوَقْفَ عَلَى التَّاءِ، ثُمَّ أَلْقَتْ عَلَيْهَا حَرَكَةَ الْهَمْزَةِ فَصَارَتْ مَفْتُوحَةً.

(إِلَّا إِبْلِيسَ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقِيلَ هُوَ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ مَلَكًا. وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ لَا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيفِ.

وَقِيلَ: هُوَ عَرَبِيٌّ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْإِبْلَاسِ، وَلَمْ يَنْصَرِفْ لِلتَّعْرِيفِ، وَإِنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْأَسْمَاءِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، عَلَى أَنَّ فِي الْأَسْمَاءِ مِثْلَهُ، نَحْوَ: إِخْرِيطٍ، وَإِجْفِيلٍ، وَإِصْلِيتٍ، وَنَحْوِهِ. (وَأَبَى) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ إِبْلِيسَ ; تَقْدِيرُهُ: تَرَكَ السُّجُودَ كَارِهًا لَهُ وَمُسْتَكْبِرًا.

(وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) : مُسْتَأْنَفٌ ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ حَالٍ أَيْضًا.

قَالَ تَعَالَى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) ((٣٥)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ) : أَنْتَ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ فِي الْفِعْلِ أَتَى بِهِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِي: كُلْ أُأْكُلْ مِثْلُ اقْتُلُ إِلَّا أَنَّ الْعَرَبَ حَذَفَتِ الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ تَخْفِيفًا، وَمِثْلُهُ خُذْ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَلَا تَقُولُ فِي الْأَمْرِ مِنْ أَجَرَ يَأْجُرُ جُرْ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أُوْكُلْ شَاذًّا. (مِنْهَا) : أَيْ مِنْ ثَمَرَتِهَا ; فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِالْفِعْلِ قَبْلَهُ وَمِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ.

وَ (رَغَدًا) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ أَكْلًا رَغَدًا ; أَيْ طَيِّبًا هَنِيئًا.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، تَقْدِيرُهُ كُلَا مُسْتَطِيبَيْنِ مُتَهَنِّئَيْنِ.

(حَيْثُ) : ظَرْفُ مَكَانٍ، وَالْعَامِلُ فِيهِ كُلَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَكُونُ حَيْثُ مَفْعُولًا بِهِ ; لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَفْعُولٌ، وَلَيْسَ بِظَرْفٍ ; لِأَنَّكَ تَقُولُ سَكَنْتُ الْبَصْرَةَ وَسَكَنْتُ الدَّارَ بِمَعْنَى نَزَلْتُ، فَهُوَ كَقَوْلِكَ انْزِلْ مِنَ الدَّارِ حَيْثُ شِئْتَ. (هَذِهِ الشَّجَرَةَ) : الْهَاءُ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ فِي هَذِي ; لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي الْمُؤَنَّثِ هَذِي وَهَاتَا وَهَاتِي وَالْيَاءُ لِلْمُؤَنَّثِ مَعَ

الذَّالِ لَا غَيْرَ، وَالْهَاءُ بَدَلٌ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي الْخَفَاءِ وَالشَّجَرَةُ نَعْتٌ لِهَذِهِ. وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ: «هَذِهِ الشَّيَرَةُ» وَهِيَ لُغَةٌ أُبْدِلَتِ الْجِيمُ فِيهَا يَاءً لِقُرْبِهَا مِنْهَا فِي الْمَخْرَجِ.

(فَتَكُونَا) : جَوَابُ النَّهْيِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: إِنْ تَقْرَبَا تَكُونَا وَحَذْفُ النُّونِ هُنَا عَلَامَةُ النَّصْبِ ; جَوَابُ النَّهْيِ إِذَا كَانَ بِالْفَاءِ فَهُوَ مَنْصُوبٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِالْعَطْفِ.

آيات ذات صلة بالآية 21

آيات استشهد بها ابن كثير في تفسير هذه الآية

  • الانسان 76:24

    فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًا

  • النور 24:39–40

    وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ …

  • غافر 40:64

    ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

آيات متشابهة في اللفظ

تشترك مع هذه الآية في عبارة واحدة أو أكثر، فيحسن التفريق بينها عند الحفظ.

  • البقرة 2:183

    يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

جميع متشابهات سورة البقرة

روابط ذات صلة

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ