انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير الطبريالآيات 21–25

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة البقرة

الخلاصة من تفسير الطبري · 20 مقطعًا · 5:38:46

  1. 1 الآيات 1–25في هذه الصفحة 22:11

التفسير الصوتي لسورة البقرة كاملًا (20 مقطعًا)

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝٢١

قال أبو جعفر: فأمر جل ثناؤه الفريقـين الذين أخبر الله عن أحدهما أنه سواء علـيهم أأنذروا أم لـم يُنذروا أنهم لا يؤمنون، لطبعه علـى قلوبهم، وعلـى سمعهم وأبصارهم، وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بـما يبدي بلسانه من قـيـله: آمنا بـالله والـيوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه فـي حقـيقة ما يبدي من ذلك وغيرهم من سائر خـلقه الـمكلفـين، بـالاستكانة والـخضوع له بـالطاعة، وإفراد الربوبـية له، والعبـادة دون الأوثان والأصنام والآلهة لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبـائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، فقال لهم جل ذكره: فـالذي خـلقكم وخـلق آبـاءكم وأجدادكم وسائر الـخـلق غيركم وهو يقدر علـى ضركم ونفعكم أولـى بـالطاعة مـمن لا يقدر لكم علـى نفع ولا ضر. وكان ابن عبـاس فـيـما رُوي لنا عنه يقول فـي ذلك نظير ما قلنا فـيه، غير أنه ذكر عنه أنه كان يقول فـي معنى:{ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} وَحِّدوا ربكم. وقد دللنا فـيـما مضى من كتابنا هذا علـى أن معنى العبـادة الـخضوع لله بـالطاعة والتذلل له بـالاستكانة. والذي أراد ابن عبـاس إن شاء الله بقوله فـي تأويـل قوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} وَحِّدُوه: أي أفردوا الطاعة والعبـادة لربكم دون سائر خـلقه.

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: قال الله: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} للفريقـين جميعاً من الكفـار والـمنافقـين، أي وحدوا ربكم الذي خـلقكم والذين من قبلكم.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، عن أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يقول: خـلقكم وخـلق الذين من قبلكم.

قال أبو جعفر: وهذه الآية من أدلّ دلـيـل علـى فساد قول من زعم أن تكلـيف ما لا يطاق إلا بـمعونة الله غير جائز إلا بعد إعطاء الله الـمكلف الـمعونة علـى ما كلفه. وذلك أن الله أمر من وصفنا بعبـادته والتوبة من كفره، بعد إخبـاره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

قال أبو جعفر: وتأويـل ذلك: لعلكم تتقون بعبـادتكم ربكم الذي خـلقكم، وطاعتكم إياه فـيـما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكم له العبـادة، لتتقوا سخطه وغضبه أن يحل علـيكم، وتكونوا من الـمتقـين الذين رضي عنهم ربهم.

وكان مـجاهد يقول فـي تأويـل قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: تطيعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنـي أبـي عن سفـيان، عن ابن نـجيح عن مـجاهد فـي قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قال: لعلكم تطيعون.

قال أبو جعفر: والذي أظن أن مـجاهداً أراد بقوله هذا: لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه وإقلاعكم عن ضلالتكم.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؟ أوَ لـم يكن عالـماً بـما يصير إلـيه أمرهم إذا هم عبدوه وأطاعوه، حتـى قال لهم: لعلكم إذا فعلتـم ذلك أن تتقوا، فأخرج الـخبر عن عاقبة عبـادتهم إياه مخرج الشك؟ قـيـل له: ذلك علـى غير الـمعنى الذي توهمت، وإنـما معنى ذلك: اعبدوا ربكم الذي خـلقكم والذين من قبلكم، لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بـالربوبـية والعبـادة، كما قال الشاعر:

وقُلْتُـمْ لَنا كُفُّوا الـحُرُوبَ لَعَلَّنَانَكُفُّ وَوَثَّقْتُـمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ فلَـمَّا كَفَفْنَا الـحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكُمْكَلَـمْـحِ سَرَابٍ فِـي الفَلاَ مُتَألِّقِ

يريد بذلك: قلتـم لنا كفوا لنكفّ. وذلك أن «لعلّ» فـي هذا الـموضع لو كان شكّاً لـم يكونوا وثقوا لهم كُلَّ موثق.

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٢٢

وقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً} مردود علـى «الذي» الأولـى فـي قوله:

{ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ }[البقرة: 21] وهما جميعاً من نعت «ربكم»، فكأنه قال: اعبدوا ربكم الـخالقكم، والـخالق الذي من قبلكم، الـجاعل لكم الأرض فراشاً. يعنـي بذلك أنه جعل لكم الأرض مهاداً وموطئاً وقراراً يستقرّ علـيها. يذكّر ربنا جل ذكره بذلك من قـيـله زيادة نعمه عندهم وآلائه لديهم، لـيذكروا أياديه عندهم فـينـيبوا إلـى طاعته، تعطفـاً منه بذلك علـيهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم، من غير ما حاجة منه إلـى عبـادتهم، ولكن لـيتـم نعمته علـيهم ولعلهم يهتدون. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السديّ فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً} فهي فراش يُـمْشَى علـيها، وهي الـمهاد والقرار.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً} قال: مهاداً لكم.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس:{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً}: أي مهاداً.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}.

قال أبو جعفر: وإنـما سميت السماء سماءً لعلوّها علـى الأرض وعلـى سكانها من خـلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لـما تـحته سماءٌ. ولذلك قـيـل لسقـف البـيت سماؤه، لأنه فوقه مرتفع علـيه، ولذلك قـيـل: سما فلان لفلان: إذا أشرف له وقصد نـحوه عالـيا علـيه، كما قال الفرزدق:

سَمَوْنَا لِنَـجْرَانَ الـيَـمانِـي وأهْلِهِوَنَـجْرَانُ أَرْضٌ لَـمْ تُدَيَّثْ مَقاوِلُه

وكما قال نابغة بنـي ذبـيان:

سَمَتْ لـي نَظْرَةٌ فَرأيْتُ مِنْهَاتُـحَيْتَ الـخِدْرِ وَاضِعَةَ القِرَامِ

يريد بذلك: أشرفت لـي نظرة وبدت، فكذلك السماء: سُميت للأرض سماءً، لعلوّها وإشرافها علـيها. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}، فبناء السماء علـى الأرض كهيئة القبة، وهي سقـف علـى الأرض.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة فـي قول الله {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} قال: جعل السماء سقـفـاً لك.

وإنـما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه فـيـما عدّد علـيهم من نعمه التـي أنعمها علـيهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنـياهم، فأعلـمهم أن الذي خـلقهما وخـلق جميع ما فـيهما وما هم فـيه من النعم هو الـمستـحقّ علـيهم الطاعة، والـمستوجب منهم الشكر والعبـادة دون الأصنام والأوثان التـي لا تضرّ ولا تنفع.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً}.

يعنـي بذلك أنه أنزل من السماء مطراً، فأخرج بذلك الـمطر مـما أنبتوه فـي الأرض من زرعهم وغرسهم ثمرات رزقاً لهم غذاءً وأقواتاً. فنبههم بذلك علـى قدرته وسلطانه، وذكرهم به آلاءه لديهم، وأنه هو الذي خـلقهم وهو الذي يرزقهم ويكفلهم دون من جعلوه له نِدّا وعِدْلاً من الأوثان والآلهة، ثم زجرهم عن أن يجعلوا له ندّاً مع علـمهم بأن ذلك كما أخبرهم، وأنه لا ندّ له ولا عدل، ولا لهم نافعٌ ولا ضارّ ولا خالقٌ ولا رازق سواه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}.

قال أبو جعفر: والأنداد، جمع ندّ، والندّ: العِدْل والـمثل، كما قال حسان بن ثابت:

أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدّفَشَرُّكما لـخَيْرِكُما الفِداءُ

يعنـي بقوله: «ولست له بند»: لست له بـمثل ولا عدل. وكل شيء كان نظيراً لشيء وشبـيهاً فهو له ندّ. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:{ فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} أي عدلاء.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنـي أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{ فَلاَ تَـجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} أي عدلاء.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي عن خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} قال: أكفـاء من الرجال تطيعونهم فـي معصية الله.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد فـي قول الله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} قال: الأنداد: الآلهة التـي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.

وحدثت عن الـمنـجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس فـي قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} قال: أشبـاهاً.

حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: حدثنا أبو عاصم عن شبـيب عن عكرمة: فلا تـجعلوا لله أنداداً أي تقولوا: لولا كلبنا لدخـل علـينا اللصّ الدار، لولا كلبنا صاح فـي الدار ونـحو ذلك.

فنهاهم الله تعالـى أن يشركوا به شيئاً، وأن يعبدوا غيره، أو يتـخذوا له نداً وعدلاً فـي الطاعة، فقال: كما لا شريك لـي فـي خـلقكم وفـي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتـي التـي أنعمتها علـيكم، فكذلك فأفردوا لـي الطاعة، وأخـلصوا لـي العبـادة، ولا تـجعلوا لـي شريكاً وندّاً من خـلقـي، فإنكم تعلـمون أن كل نعمة علـيكم منّـي.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي الذين عُنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: عنـي بها جميع الـمشركين، من مشركي العرب وأهل الكتاب. وقال بعضهم: عنـي بذلك أهل الكتابـين: التوراة، والإنـجيـل.

ذكر من قال: عنـي بها جميع عبدة الأوثان من العرب وكفـار أهل الكتابـين:

حدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة بن الفضل، عن مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: نزل ذلك فـي الفريقـين جميعاً من الكفـار والـمنافقـين. وإنـما عَنَى بقوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي لا تشركوا بـالله غيره من الأنداد التـي لا تنفع ولا تضرّ، وأنتـم تعلـمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علـمتـم أن الذي يدعوكم إلـيه الرسول من توحيده هو الـحقّ لا شك فـيه.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد عن سعيد، عن قتادة فـي قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعلـمون أن الله خـلقكم وخـلق السموات والأرض، ثم تـجعلون له أنداداً.

ذكر من قال: عَنَى بذلك أهْلَ الكتابـين:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه إله واحد فـي التوراة والإنـجيـل.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا قبـيصة، قال: حدثنا سفـيان عن مـجاهد مثله.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يقول: وأنتـم تعلـمون أنه لا ندّ له فـي التوراة والإنـجيـل.

قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي دعا مـجاهداً إلـى هذا التأويـل، وإضافة ذلك إلـى أنه خطاب لأهل التوراة والإنـجيـل دون غيرهم، الظنّ منه بـالعرب أنها لـم تكن تعلـم أن الله خالقها ورازقها بجحودها وحدانـية ربها، وإشراكها معه فـي العبـادة غيره. وإن ذلك لقولٌ ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر فـي كتابه عنها أنها كانت تقرّ بوحدانـيته، غير أنها كانت تشرك فـي عبـادته ما كانت تشرك فـيها، فقال جل ثناؤه:

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }[الزخرف: 87] وقال: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ }

[يونس: 31] فـالذي هو أولـى بتأويـل قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إذ كان ما كان عند العرب من العلـم بوحدانـية الله، وأنه مبدع الـخـلق وخالقهم ورازقهم، نظير الذي كان من ذلك عند أهل الكتابـين. ولـم يكن فـي الآية دلالة علـى أن الله جل ثناؤه عنى بقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أحد الـحزبـين، بل مخرج الـخطاب بذلك عام للناس كافة لهم، لأنه تـحدّى الناس كلهم بقوله:

{ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }[البقرة: 21] أن يكون تأويـله ما قاله ابن عبـاس وقتادة، من أنه يعنـي بذلك كل مكلف عالـم بوحدانـية الله، وأنه لا شريك له فـي خـلقه يشرك معه فـي عبـادته غيره، كائناً من كان من الناس، عربـياً كان أو أعجمياً، كاتبـاً أو أمياً، وإن كان الـخطاب لكفـار أهل الكتاب الذين كانوا حوالـي دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهل النفـاق منهم ومـمن بـين ظهرانـيهم مـمن كان مشركاً فـانتقل إلـى النفـاق بـمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٢٣

قال أبو جعفر: وهذا من الله عزّ وجلّ احتـجاج لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى مشركي قومه من العرب ومنافقـيهم وكفـار أهل الكتاب وضلالهم الذين افتتـح بقصصهم قوله جل ثناؤه:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ }[البقرة: 6] وإياهم يخاطب بهذه الآيات، وأخبر بأهم نعوتها، قال الله جل ثناؤه: وإن كنتـم أيها الـمشركون من العرب والكفـار من أهل الكتابـين فـي شكّ وهو الريب مـما نزّلنا علـى عبدنا مـحمد صلى الله عليه وسلم من النور والبرهان وآيات الفرقان أنه من عندي، وأنـي الذي أنزلته إلـيه، فلـم تؤمنوا به ولـم تصدّقوه فـيـما يقول، فأتوا بحجة تدفع حجته لأنكم تعلـمون أن حجة كل ذي نبوّة علـى صدقه فـي دعواه النبوّة أن يأتـي ببرهان يعجز عن أن يأتـي بـمثله جميع الـخـلق، ومن حجة مـحمد صلى الله عليه وسلم علـى صدقه وبرهانه علـى نبوّته، وأن ما جاء به من عندي، عَجْزُ جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم عن أن تأتوا بسورة من مثله. وإذا عجزتـم عن ذلك، وأنتـم أهل البراعة فـي الفصاحة والبلاغة والدراية، فقد علـمتـم أن غيركم عما عجزتـم عنه من ذلك أعجز. كما كان برهان من سلف من رسلـي وأنبـيائي علـى صدقه وحجته علـى نبوّته من الآيات ما يعجز عن الإتـيان بـمثله جميع خـلقـي. فـيتقرّر حينئذ عندكم أن مـحمداً لـم يتقوّله ولـم يختلقه، لأن ذلك لو كان منه اختلافـاً وتقوُّلاً لـم يعجزوا وجميع خـلقه عن الإتـيان بـمثله، لأن مـحمداً صلى الله عليه وسلم لـم يَعُدْ أن يكون بشراً مثلكم، وفـي مثل حالكم فـي الـجسم وبسطة الـخـلق وذرابة اللسان، فـيـمكن أن يظن به اقتدار علـى ما عجزتـم عنه، أو يتوهم منكم عجز عما اقتدر علـيه.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله:{فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} يعنـي من مثل هذا القرآن حقّاً وصدقاً لا بـاطل فـيه ولا كذب.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} يقول: بسورة مثل هذا القرآن.

وحدثنـي مـحمد ابن عمرو البـاهلـي، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى بن ميـمون، عن عبد الله بن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} مثل القرآن.

وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد مثله.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} قال: مثله، مثل القرآن.

فمعنى قول مـجاهد وقتادة اللذين ذكرنا عنهما، أن الله جل ذكره قال لـمن حاجَّه فـي نبـيه صلى الله عليه وسلم من الكفـار: فأتوا بسورة من مثل هذا القرآن من كلامكم أيتها العرب، كما أتـى به مـحمد بلغاتكم ومعانـي منطقكم.

وقد قال قوم آخرون: إن معنى قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}: من مثل مـحمد من البشر، لأنه مـحمداً بشر مثلكم.

قال أبو جعفر: والتأويـل الأوّل الذي قاله مـجاهد وقتادة هو التأويـل الصحيح لأن الله جل ثناؤه قال فـي سورة أخرى:

{ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ }[يونس: 38] ومعلوم أن السورة لـيست لـمـحمد بنظير ولا شبـيه، فـيجوز أن يقال: فأتوا بسورة مثل مـحمد.

فإن قال قائل: إنك ذكرت أن الله عنى بقوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} من مثل هذا القرآن، فهل للقرآن من مثل فـيقال: ائتوا بسورة من مثله؟ قـيـل: إنه لـم يعن به: ائتوا بسورة من مثله فـي التألـيف والـمعانـي التـي بـاين بها سائر الكلام غيره، وإنـما عنى: ائتوا بسورة من مثله فـي البـيان لأن القرآن أنزله الله بلسان عربـي، فكلام العرب لا شكّ له مثل فـي معنى العربـية فأما فـي الـمعنى الذي بـاين به القرآن سائر كلام الـمخـلوقـين، فلا مثل له من ذلك الوجه ولا نظير ولا شبـيه. وإنـما احتـجّ الله جل ثناؤه علـيهم لنبـيه صلى الله عليه وسلم بـما احتـجّ به له علـيهم من القرآن، إذ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله فـي البـيان، إذ كان القرآن بـياناً مثل بـيانهم، وكلاماً نزل بلسانهم، فقال لهم جل ثناؤه: وإن كنتـم فـي ريب من أنّ ما أنزلت علـى عبدي من القرآن من عندي، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثله فـي العربـية، إذْ كنتـم عربـاً، وهو بـيان نظير بـيانكم، وكلام شبـيه كلامكم. فلـم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظير اللسان الذي نزل به القرآن، فـيقدروا أن يقولوا: كلفتنا ما لو أحسنّاه أتـينا به، وإنا لا نقدر علـى الإتـيان به، لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به، فلـيس لك علـينا حجة بهذا لأنا وإن عجزنا عن أن نأتـي بـمثله من غير ألسنتنا لأنا لسنا بأهله، ففـي الناس خـلق كثـير من غير أهل لساننا يقدر علـى أن يأتـي بـمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتـيان به. ولكنه جل ثناؤه قال لهم: ائتوا بسورة مثله، لأن مثله من الألسن ألسنتكم، وأنتـم إن كان مـحمد اختلقه وافتراه، إذا اجتـمعتـم وتظاهرتـم علـى الإتـيان بـمثل سورة منه من لسانكم وبـيانكم أقدر علـى اختلاقه ووضعه وتألـيفه من مـحمد صلى الله عليه وسلم، وإن لـم تكونوا أقدر علـيه منه فلن تعجزوا وأنتـم جميع عما قدر علـيه مـحمد من ذلك وهو وحده، إن كنتـم صادقـين فـي دعواكم وزعمكم أن مـحمداً افتراه واختلقه وأنه من عند غيري.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} فقال ابن عبـاس بـما:

حدثنا به مـحمد بن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عبـاس:{وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ} يعنـي أعوانكم علـى ما أنتـم علـيه، {إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ}.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد:{وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} ناس يشهدون.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد مثله.

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد، قال: قوم يشهدون لكم.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاح، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} قال: ناس يشهدون. قال ابن جريج: شهداءكم علـيها إذا أتـيتـم بها أنها مثله مثل القرآن.

وذلك قول الله لـمن شك من الكفـار فـيـما جاء به مـحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فـادْعُوا} يعنـي استنصروا واستعينوا، كما قال الشاعر:

فَلَـمَّا الْتَقَتْ فُرْسانُنا وَرِجَالُهُمْدَعَوْا يا لَكَعْبٍ واعْتَزَيْنا لِعامِرِ

يعنـي بقوله: دعوا يالكعب: استنصروا كعبـاً واستعانوا بهم.

وأما الشهداء فإنها جمع شهيد، كالشركاء جمع شريك، والـخطبـاء جمع خطيب. والشهيد يسمى به الشاهد علـى الشيء لغيره بـما يحقق دعواه، وقد يسمى به الـمشاهد للشيء كما يقال فلان جلـيس فلان، يعنـي به مـجالسه، ونديـمه يعنـي به منادمه، وكذلك يقال: شهيده يعنـي به مشاهده. فإذا كانت الشهداء مـحتـملة أن تكون جمع الشهيد الذي هو منصرف للـمعنـيـين اللذين وصفت، فأولـى وجهيه بتأويـل الآية ما قاله ابن عبـاس، وهو أن يكون معناه: واستنصروا علـى أن تأتوا بسورة من مثله أعوانَكم وشهداءَكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم علـى تكذيبكم الله ورسوله ويظاهرونكم علـى كفركم ونفـاقكم إن كنتـم مـحقـين فـي جحودكم أن ما جاءكم به مـحمد صلى الله عليه وسلم اختلاق وافتراء، لتـمتـحنوا أنفسكم وغيركم: هل تقدرون علـى أن تأتوا بسورة من مثله، فـيقدر مـحمد علـى أن يأتـي بجميعه من قبل نفسه اختلاقاً؟

وأما ما قاله مـجاهد وابن جريج فـي تأويـل ذلك فلا وجه له لأن القوم كانوا علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافـاً ثلاثة: أهل إيـمان صحيح، وأهل كفر صحيح، وأهل نفـاق بـين ذلك. فأهل الإيـمان كانوا بـالله وبرسوله مؤمنـين، فكان من الـمـحال أن يدّعي الكفـار أن لهم شهداء علـى حقـيقة ما كانوا يأتون به لو أتوا بـاختلاق من الرسالة، ثم ادعوا أنه للقرآن نظير من الـمؤمنـين. فأما أهل النفـاق والكفر فلا شك أنهم لو دُعوا إلـى تـحقـيق البـاطل وإبطال الـحق لسارعوا إلـيه مع كفرهم وضلالهم، فمن أيّ الفريقـين كانت تكون شهداؤهم لو ادّعوا أنهم قد أتوا بسورة من مثل القرآن؟ ولكن ذلك كما قال جل ثناؤه:

{ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }[الإسراء: 88] يعنـي بذلك: إن كنتـم فـي شك فـي صدق مـحمد فـيـما جاءكم به من عندي أنه من عندي، فأتوا بسورة من مثله، ولـيستنصر بعضكم بعضاً علـى ذلك إن كنتـم صادقـين فـي زعمكم حتـى تعلـموا أنكم إذا عجزتـم عن ذلك أنه لا يقدر علـى أن يأتـي به مـحمد صلى الله عليه وسلم ولا من البِشر أحد، ويصح عندكم أنه تنزيـلـي ووحيـي إلـى عبدي.فأخبر جل ثناؤه فـي هذه الآية أن مثل القرآن لا يأتـي به الـجن والإنس ولو تظاهروا وتعاونوا علـى الإتـيان به وتـحدّاهم بـمعنى التوبـيخ لهم فـي سورة البقرة، فقال تعالـى: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ}.

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ۝٢٤

قال أبو جعفر: يعنـي تعالـى بقوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ}: إن لـم تأتوا بسورة من مثله، وقد تظاهرتـم أنتـم وشركاؤكم علـيه وأعوانكم. فتبـين لكم بـامتـحانكم واختبـاركم عجزكم وعجز جميع خـلقـي عنه، وعلـمتـم أنه من عندي، ثم أقمتـم علـى التكذيب به. وقوله: {وَلَن تَفْعَلُواْ} أي لن تأتوا بسورة من مثله أبداً. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} أي لا تقدرون علـى ذلك ولا تطيقونه.

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} فقد بـين لكم الـحقّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}.

قال أبو جعفر: يعنـي جل ثناؤه بقوله:{فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} يقول: فـاتقوا أن تَصْلَوا النار بتكذيبكم رسولـي بـما جاءكم به من عندي أنه من وحيـي وتنزيـلـي، بعد تبـينكم أنه كتابـي ومن عندي، وقـيام الـحجة علـيكم بأنه كلامي ووحيـي، بعجزكم وعجز جميع خـلقـي عن أن يأتوا بـمثله. ثم وصف جل ثناؤه النار التـي حذرهم صِلِـيَّها، فأخبرهم أن الناس وقودها، وأن الـحجارة وقودها، فقال: {ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} يعنـي بقوله وقودها: حطبها، والعرب تـجعله مصدراً، وهو اسم إذا فتـحت الواو بـمنزلة الـحطب، فإذا ضمت الواو من الوقود كان مصدراً من قول القائل: وقدت النار فهي تقد وُقوداً وقِدَةً وَوَقَدَاناً ووَقْداً، يراد بذلك أنها التهبت.

فإن قال قائل: وكيف خُصَّت الـحجارة فقرنت بـالناس حتـى جعلت لنار جهنـم حطبـاً؟ قـيـل: إنها حجارة الكبريت، وهي أشدّ الـحجارة فـيـما بلغنا حرّاً إذا أحميت. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن مسعر، عن عبد الـملك بن ميسرة الزراد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميـمون، عن عبد الله فـي قوله: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} قال: هي حجارة من كبريت خـلقها الله يوم خـلق السموات والأرض فـي السماء الدنـيا يعدّها للكافرين.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن عيـينة، عن مسعر عن عبد الـملك الزرّاد عن عمرو بن ميـمون، عن ابن مسعود فـي قوله: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} قال: حجارة الكبريت جعلها الله كما شاء.

وحدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} أما الـحجارة فهي حجارة فـي النار من كبريت أسود يعذّبون به مع النار.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج فـي قوله: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} قال: حجارة من كبريت أسود فـي النار. قال: وقال لـي عمرو بن دينار: حجارة أصلب من هذه وأعظم.

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: حدثنا أبـي عن مسعر، عن عبد الـملك بن ميسرة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميـمون عن عبد الله بن مسعود، قال: حجارة من الكبريت خـلقها الله عنده كيف شاء وكما شاء.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ}.

قد دللنا فـيـما مضى من كتابنا هذا علـى أن الكافر فـي كلام العرب هو الساتر شيئاً بغطاء، وأن الله جل ثناؤه إنـما سمى الكافر كافراً لـجحوده آلاءه عنده، وتغطيته نعماءه قبله فمعنى قوله إذا: {أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ}: أعدّت النار للـجاحدين أن الله ربهم الـمتوحد بخـلقهم وخَـلْق الذين من قبلهم، الذي جعل لهم الأرض فراشاً، والسماء بناءً، وأنزل من السماء ماءً، فأخرج به من الثمرات رزقاً لهم، الـمشركين معه فـي عبـادته الأنداد والآلهة، وهو الـمتفرّد لهم بـالإنشاء والـمتوحد بـالأقوات والأرزاق. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلـمة، عن مـحمد ابن إسحاق، عن مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عبـاس: {أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ} أي لـمن كان علـى مثل ما أنتـم علـيه من الكفر.

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًا وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٥

أما قوله تعالـى: {وَبَشِّرِ} فإنه يعنـي: أخبرهم. والبشارة أصلها الـخبر بـما يسر الـمخبر به، إذا كان سابقاً به كل مخبر سواه. وهذا أمر من الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته خـلقه الذين آمنوا به وبـمـحمد صلى الله عليه وسلم وبـماء جاء به من عند ربه، وصدقوا إيـمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالـحة، فقال له: يا مـحمد بَشِّرْ من صدقك أنك رسولـي وأن ما جئت به من الهدى والنور فمن عندي، وحقق تصديقه ذلك قولاً بأداء الصالـح من الأعمال التـي افترضتها علـيه وأوجبتها فـي كتابـي علـى لسانك علـيه، أن له جنات تـجري من تـحتها الأنهار خاصة، دون من كذّب بك وأنكر ما جئت به من الهدى من عندي وعاندك، ودون من أظهر تصديقك وأقرّ بأن ما جئته به فمن عندي قولاً، وجحده اعتقاداً ولـم يحققه عملاً. فإن لأولئك النار التـي وقودها الناس والـحجارة معدة عندي. والـجنات جمع جنة، والـجنة: البستان. وإنـما عنى جل ذكره بذكر الـجنة ما فـي الـجنة من أشجارها وثمارها وغروسها دون أرضها، فلذلك قال عزّ ذكره: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} لأنه معلوم أنه إنـما أرَادَ جل ثناؤه الـخبر عن ماء أنهارها أنه جار تـحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جار تـحت أرضها لأن الـماء إذا كان جارياً تـحت الأرض، فلا حظّ فـيها لعيون من فوقها إلا بكشف الساتر بـينها وبـينه.

علـى أن الذي توصف به أنهار الـجنة أنها جارية فـي غير أخاديد. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي، عن سفـيان، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة، عن مسروق، قال: نـخـل الـجنة نضيد من أصلها إلـى فرعها، وثمرها أمثال القِلال، كلـما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وماؤها يجري فـي غير أخدود.

وحدثنا مـجاهد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا مسعر بن كدام، عن عمرو بن مرة، عن أبـي عبـيدة بنـحوه.

وحدثنا مـحمد بن بشار قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفـيان، قال: سمعت عمرو بن مرة يحدث عن أبـي عبـيدة، فذكر مثله. قال: فقلت لأبـي عبـيدة: من حدثك، فغضب وقال: مسروق.

فإذ كان الأمر كذلك فـي أن أنهارها جارية فـي غير أخاديد، فلا شك أن الذي أريد بـالـجنات أشجار الـجنات وغروسها وثمارها دون أرضها، إذ كانت أنهارها تـجري فوق أرضها وتـحت غروسها وأشجارها، علـى ما ذكره مسروق. وذلك أولـى بصفة الـجنة من أن تكون أنهارها جارية تـحت أرضها. وإنـما رغب الله جل ثناؤه بهذه الآية عبـاده فـي الإيـمان وحضهم علـى عبـادته، بـما أخبرهم أنه أعدّه لأهل طاعته والإيـمان به عنده، كما حذرهم فـي الآية التـي قبلها بـما أخبر من إعداده ما أعدّ لأهل الكفر به الـجاعلـين معه الآلهة والأنداد من عقابه عن إشراك غيره معه، والتعرّض لعقوبته بركوب معصيته وترك طاعته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً}.

قال أبو جعفر: يعنـي: { كُلَّـما رُزِقُوا مِنْهَا } من الـجنات، والهاء راجعة علـى «الـجنات»، وإنـما الـمعنـيّ أشجارها، فكأنه قال: كلـما رزقوا من أشجار البساتـين التـي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالـحات فـي جناته من ثمرة من ثمارها رزقاً قالوا: هذا الذي رُزِقْنا من قبل.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {هَذَا الَّذِي رزِقْنا مِنْ قَبْلُ} فقال بعضهم: تأويـل ذلك هذا الذي رزقنا من قبل هذا فـي الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم قالوا: { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل} قال: إنهم أتوا بـالثمرة فـي الـجنة، فلـما نظروا إلـيها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل فـي الدنـيا.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل: أي فـي الدنـيا.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم عن عيسى بن ميـمون، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قالوا: { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قبْل } يقولون: ما أشبهه به.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قالوا: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} فـي الدنـيا، قال: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} يعرفونه.

قال أبو جعفر: وقال آخرون: بل تأويـل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الـجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعض ذلك فـي اللون والطعم بعضاً. ومن علة قائلي هذا القول إن ثمار الـجنة كلـما نزع منها شيء عاد مكانه آخر مثله. كما:

حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا ابن مهدي، قال: حدثنا سفـيان، قال: سمعت عمرو بن مرّة يحدث عن أبـي عبـيدة، قال: نـخـل الـجنة نضيد من أصلها إلـى فرعها، وثمرها مثل القلال، كلـما نزعت منها ثمرة عادت مكانها أخرى. قالوا: فإنـما اشتبهت عند أهل الـجنة، لأن التـي عادت نظيرة التـي نزعت فأكلت فـي كل معانـيها. قالوا: ولذلك قال الله جل ثناؤه: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} لاشتبـاه جميعه فـي كل معانـيه.

وقال بعضهم: بل قالوا:{هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} لـمشابهته الذي قبله فـي اللون وإن خالفه فـي الطعم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم بن الـحسين، قال: حدثنا الـحسين بن داود، قال: حدثنا شيخ من الـمَصِّيصة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبـي كثـير، قال: يؤتـي أحدهم بـالصحفة فـيأكل منها، ثم يؤتـي بأخرى فـيقول: هذا الذي أُتـينا به من قبل، فـيقول الـمَلَكُ: كل فـاللون واحد والطعم مختلف.

وهذا التأويـل مذهب من تأوَّل الآية. غير أنه يدفع صحته ظاهر التلاوة. والذي يدل علـى صحته ظاهر الآية ويحقق صحته قول القائلـين إن معنى ذلك: هذا الذي رزقنا من قبل فـي الدنـيا. وذلك أن الله جل ثناؤه قال: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} فأخبر جل ثناؤه أن من قـيـل أهل الـجنة كلـما رزقوا من ثمر الـجنة رزقاً أن يقولوا: هذا الذي رُزقنا من قبل. ولـم يخصص بأن ذلك من قـيـلهم فـي بعض ذلك دون بعض. فإذْ كان قد أخبر جل ذكره عنهم أن ذلك من قـيـلهم فـي كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الـجنة واستقرارهم فـيها، الذي لـم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة. فإذْ كان لا شك أن ذلك من قـيـلهم فـي أوله، كما هو من قـيـلهم فـي وسطه وما يتلوه، فمعلوم أنه مـحال أن يكون من قـيـلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الـجنة: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} هذا من ثمار الـجنة. وكيف يجوز أن يقولوا لأوّل رزق رزقوه من ثمارها ولـما يتقدمه عندهم غيره: هذا هو الذي رزقناه من قبل إلا أن ينسبهم ذو غرّة وضلال إلـى قـيـل الكذب الذي قد طهرهم الله منه، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قـيـلهم لأول رزق رزقوه منها من ثمارها، فـيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} من غير نصب دلالة علـى أنه معنـيّ به حال من أحوالهم دون حال. فقد تبـين بـما بـينا أن معنى الآية: كلـما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالـحات من ثمرة من ثمار الـجنة فـي الـجنة رزقا، قالوا: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} هذا فـي الدنـيا.

فإن سألنا سائل فقال: وكيف قال القوم: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} والذي رُزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الـجنة قولاً لا حقـيقة له؟ قـيـل: إن الأمر علـى غير ما ذهبت إلـيه فـي ذلك، وإنـما معناه: هذا من النوع الذي رزقناه من قبل هذا من الثمار والرزق، كالرجل يقول لآخر: قد أعدّ لك فلان من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبـيخ والشواء والـحلوى، فـيقول الـمقول له ذاك: هذا طعامي فـي منزلـي. يعنـي بذلك أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعده له من الطعام هو طعامه، لا أن أعيان ما أخبره صاحبه أنه قد أعدّه له هو طعامه. بل ذلك مـما لا يجوز لسامع سمعه يقول ذلك أن يتوهم أنه أراده أو قصده لأن ذلك خلاف مخرج كلام الـمتكلـم وإنـما يوجه كلام كل متكلـم إلـى الـمعروف فـي الناس من مخارجه دون الـمـجهول من معانـيه. فكذلك ذلك فـي قوله: {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} إذ كان ما كانوا رزقوه من قبل قد فنـي وعدم فمعلوم أنهم عنوا بذلك هذا من النوع الذي رزقناه من قبل، ومن جنسه فـي التسميات والألوان علـى ما قد بـينا من القول فـي ذلك فـي كتابنا هذا.

وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله وأتوابه متشابهاً أنه متشابه في الفضل أي كل واحد منه له في الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه. قال أبو جعفر وليس هذا قولا نستجيز التشاغل بالدلالة على فساده لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل وحسب قول بخروجه عن قول أهل العلم دلالة على خطئه

القول فـي تأول قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً}.

قال أبو جعفر: والهاء فـي قوله:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} عائدة علـى الرزق، فتأويـله: وأُتوا بـالذي رزقوا من ثمارها متشابهاً.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الـمتشابه فـي ذلك، فقال بعضهم: تشابهه أن كله خيار لا رذل فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: أخبرنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا أبو عامر عن الـحسن فـي قوله: مُتَشابِهاً قال: خياراً كلها لا رذل فـيها.

وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء: قرأ الـحسن آيات من البقرة، فأتـى علـى هذه الآية:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} قال: ألـم تروا إلـى ثمار الدنـيا كيف ترذلون بعضه؟ وإن ذلك لـيس فـيه رَذْل

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الـحسن:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} قال: يشبه بعضه بعضاً لـيس فـيه مرَذول.

حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} أي خياراً لا رذل فـيه، وأن ثمار الدنـيا ينقـى منها ويرذل منها، وثمار الـجنة خيار كله لا يرذل منه شيء.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: ثمر الدنـيا منه ما يرذل ومنه نُقاوة، وثمر الـجنة نقاوة كله يشبه بعضه بعضاً فـي الطيب لـيس منه مرذول.

وقال بعضهم: تشابهه فـي اللون وهو مختلف فـي الطعم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر ذكره، عن أبـي مالك وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النَّبـي صلى الله عليه وسلم: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} فـي اللون والـمرأى، ولـيس يشبه الطعم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} مثل الـخيار.

وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} لونه، مختلفـاً طعمه، مثل الـخيار من القثاء.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر. عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} يشبه بعضه بعضاً ويختلف الطعم.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قوله: {مُتَشَٰبِهاً} قال: مشتبهاً فـي اللون ومختلفـاً فـي الطعم.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} مثل الـخيار.

وقال بعضهم: تشابهه فـي اللون والطعم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع. قال: حدثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد قوله: {مُتَشَٰبِهاً} قال: اللون والطعم.

حدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد ويحيى بن سعيد:{مُتَشَٰبِهاً} قالا: فـي اللون والطعم.

وقال بعضهم: تشابهه تشابه ثمر الـجنة وثمر الدنـيا فـي اللون وإن اختلف طعومهما. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} قال: يشبه ثمر الدنـيا غير أن ثمر الـجنة أطيب.

وحدثنا الـمثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: قال حفص بن عمر، قال: حدثنا الـحكم بن أبـان عن عكرمة فـي قوله:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} قال: يشبه ثمر الدنـيا، غير أن ثمر الـجنة أطيب.

وقال بعضهم: لا يشبه شيء مـما فـي الـجنة ما فـي الدنـيا إلا الأسماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي أبو كريب، قال: حدثنا الأشجعي ح، وحدثنا مـحمد بن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قالا جميعاً: حدثنا سفـيان عن الأعمش، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس قال أبو كريب فـي حديثه عن الأشجعي: لا يشبه شيء مـما فـي الـجنة ما فـي الدنـيا إلا الأسماء. وقال ابن بشار فـي حديثه عن مؤمل قال: لـيس فـي الدنـيا مـما فـي الـجنة إلا الأسماء.

حدثنا عبـاس بن مـحمد، قال: حدثنا مـحمد بن عبـيد عن الأعمش، عن أبـي ظبـيان، عن ابن عبـاس، قال: لـيس فـي الدنـيا من الـجنة شيء إلا الأسماء.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد فـي قوله:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} قال: يعرفون أسماءه كما كانوا فـي الدنـيا، التفـاح بـالتفـاح، والرمان بـالرمان، قالوا فـي الـجنة:{ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} فـي الدنـيا،{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} يعرفونه، ولـيس هو مثله فـي الطعم.

قال أبو جعفر: وأولـى هذه التأويلات بتأويـل الآية، تأويـل من قال:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} فـي اللون والـمنظر، والطعمُ مختلفٌ. يعنـي بذلك اشتبـاه ثمر الـجنة وثمر الدنـيا فـي الـمنظر واللون، مختلفـاً فـي الطعم والذوق لـما قدمنا من العلة فـي تأويـل قوله: { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} وأن معناه: كلـما رزقوا من الـجنان من ثمرة من ثمارها رزقا قالُوا: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} هذا فـي الدنـيا. فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا ذلك من أجل أنهم أُتوا بـما أتوا به من ذلك فـي الـجنة متشابهاً، يعنـي بذلك تشابه ما أتوا به فـي الـجنة منه والذي كانوا رزقوه فـي الدنـيا فـي اللون والـمرأى والـمنظر وإن اختلفـا فـي الطعم والذوق فتبـاينا، فلـم يكن لشيء مـما فـي الـجنة من ذلك نظير فـي الدنـيا.

وقد دللنا علـى فساد قول من زعم أن معنى قوله: {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} إنـما هو قول من أهل الـجنة فـي تشبـيههم بعض ثمر الـجنة ببعض، وتلك الدلالة علـى فساد ذلك القول هي الدلالة علـى فساد قول من خالف قولنا فـي تأويـل قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} لأن الله جل ثناؤه إنـما أخبر عن الـمعنى الذي من أجله قال القوم: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}ُبقوله:{وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً}.

وسئل من أنكر ذلك فـزعم أنه غير جائز أن يكون شيء مـما فـي الـجنة نظير الشيء مـما فـي الدنـيا بوجه من الوجوه، فـيقال له: أيجوز أن يكون أسماء ما فـي الـجنة من ثمارها وأطعمتها وأشربتها نظائر أسماء ما فـي الدنـيا منها؟ فإن أنكر ذلك خالف نصّ كتاب الله، لأن الله جل ثناؤه إنـما عرّف عبـاده فـي الدنـيا ما هو عنده فـي الـجنة بـالأسماء التـي يسمى بها ما فـي الدنـيا من ذلك. وإن قال: ذلك جائز، بل هو كذلك قـيـل: فما أنكرت أن يكون ألوان ما فـيها من ذلك نظائر ألوان ما فـي الدنـيا منه بـمعنى البـياض والـحمرة والصفرة وسائر صنوف الألوان وإن تبـاينت فتفـاضلت بفضل حسن الـمرآة والـمنظر، فكان لـما فـي الـجنة من ذلك من البهاء والـجمال وحسن الـمرآة والـمنظر خلاف الذي لـما فـي الدنـيا منه كما كان جائزاً ذلك فـي الأسماء مع اختلاف الـمسميات بـالفضل فـي أجسامها؟ ثم يعكس علـيه القول فـي ذلك، فلن يقول فـي أحدهما شيئاً إلا أُلزم فـي الآخر مثله.

وكان أبو موسى الأشعري يقول فـي ذلك بـما:

حدثنـي به ابن بشار، قال: حدثنا ابن أبـي عديّ وعبد الوهاب، ومـحمد بن جعفر، عن عوف عن قسامة عن الأشعري، قال: إن الله لـما أخرج آدم من الـجنة زوّده من ثمار الـجنة، وعلـمه صنعة كل شيء، فثماركم هذه من ثمار الـجنة، غير أن هذه تَغَيَّرُ وتلك لا تَغَيَّرُ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ}.

قال أبو جعفر: والهاء والـميـم اللتان فـي «لهم» عائدتان علـى الذين آمنوا وعملوا الصالـحات، والهاء والألف اللتان فـي «فـيها» عائدتان علـى الـجنات. وتأويـل ذلك: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالـحات أن لهم جنات فـيها أزواج مطهرة. والأزواج جمع زوج، وهي امرأة الرجل، يقال: فلانة زوج فلان وزوجته. وأما قوله {مُّطَهَّرَةٌ} فإن تأويـله أنهن طهرن من كل أذى وقَذًى وريبة، مـما يكون فـي نساء أهل الدنـيا من الـحيض والنفـاس والغائط والبول والـمخاط والبصاق والـمنـيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والريب والـمكاره. كما:

حدثنا به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط، عن السدي فـي خبر. ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم، أما {أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} فإنهن لا يحضن ولا يحدثن ولا يتنـخمن.

وحدثنـي الـمثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالـح، قال: حدثنا معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس قوله: {أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} يقول: مطهرة من القذر والأذى.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: حدثنا يحيى القطان، عن سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد:{وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: لا يبلن ولا يتغوّطن ولا يَـمْذِين.

وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري، قال: حدثنا سفـيان، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد نـحوه، إلا أنه زاد فـيه: ولا يُـمنـين ولا يحضن.

وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: مطهرة من الـحيض والغائط والبول والنـخام والبزاق والـمنـيّ والولد.

وحدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم، قال: حدثنا سويد بن نصر، قال: حدثنا ابن الـمبـارك، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: لا يبلن ولا يتغوّطن، ولا يحضن، ولا يـلدن، ولا يـمنـين، ولا يبزقن.

أخبرنا الـمثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد نـحو حديث مـحمد بن عمرو، عن أبـي عاصم.

وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} إي والله من الإثم والأذى.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: طهرهن الله من كل بول وغائط وقذر، ومن كل مأثم.

حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن قتادة قال: مطهرة من الـحيض، والـحبل، والأذى.

وحدثت عن عمار بن الـحسن، قال: حدثنـي ابن أبـي جعفر عن أبـيه، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: الـمطهرة من الـحيض والـحبل.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: الـمطهرة: التـي لا تـحيض قال: وأزواج الدنـيا لـيست بـمطهرة، ألا تراهن يدمين ويتركن الصلاة والصيام؟ قال ابن زيد: وكذلك خـلقت حوّاء حتـى عصت، فلـما عصت قال الله: إنـي خـلقتك مطهرة وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة.

وحدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع عن الـحسن فـي قوله {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: يقول: مطهرة من الـحيض.

حدثنا عمرو ابن علـيّ، قال: حدثنا خالد بن يزيد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، عن الـحسن فـي قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: من الـحيض.

وحدثنا عمرو، قال: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: من الولد والـحيض والغائط والبول، وذكر أشياء من هذا النـحو.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}.

قال أبو جعفر: يعنـي تعالـى ذكره بذلك: والذين آمنوا وعملوا الصالـحات فـي الـجنات خالدون، فـالهاء والـميـم من قوله {وَهُمْ} عائدة علـى الذين آمنوا وعملوا الصالـحات، والهاء والألف فـي «فـيها» علـى الـجنات، وخـلودهم فـيها: دوام بقائهم فـيها علـى ما أعطاهم الله فـيها من الـحَبْرَة والنعيـم الـمقـيـم.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ