انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة البقرة

تفسير البغويالآيات 1–25

تفسير سورة البقرة آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓ ۝١ ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ۝٢ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ۝٣ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ۝٤ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٥

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤمۤ} قال الشعبي وجماعة: الۤم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وهي سرُّ القرآن. فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. وفائدة ذكرها طلب الإِيمان بها. قال أبو بكر الصديق: في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور، وقال علي: لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي قال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إن لكل كتاب سراً وإن سر القرآن فواتح السور فدعها وسل عما سوى ذلك.

وقال جماعة هي معلومة المعاني فقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس في كهيعص: الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق. وقيل في المص أنا الله الملك الصادق، وقال الربيع بن أَنس في الۤم: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد.

وقال محمد بن كعب: الألف آلاء الله واللام لطفه، والميم ملكه، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أَنه قال: معنى الۤم: أنا الله أعلم: ومعنىٰ الۤمص: أنا الله أعلم وأفضل ومعنى الۤر: أنا الله أرى، ومعنى الۤمر: أنا الله أعلم وأرى. قال الزجاج: وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفاً من كلمة يريدها كقولهم:

قلت لها: قفي لنا قالت: قاف

أي: وقفت، وعن سعيد بن جبير قال هي أسماء الله تعالى مقطعة لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم. ألا ترى أنك تقول الۤر، وحم، ون، فتكون الرحمن، وكذلك سائرها إلا أنَّا لا نقدر على وصلها، وقال قتادة: هذه الحروف أسماء القرآن. وقال مجاهد وابن زيد: هي أسماء السور، وبيانه: أن القائل إذا قال قرأتُ الۤمۤصۤ عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت بالمص. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أقسام، وقال الأخفش: إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها مبادىء كتبه المنزلة ومباني أسمائه الحسنى.

قوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ} أي هذا الكتاب وهو القرآن، وقيل: هذا فيه مضمر أي هذا ذلك الكتاب. قال الفراء: كان الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، فلما أنزل القرآن قال هذا ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك في التوراة والإِنجيل وعلى لسان النبيين من قبلك «وهذا» للتقريب «وذلك» للتبعيد، وقال ابن كيسان: إن الله تعالى أنزل قبل سورة البقرة سوراً كذب بها المشركون ثم أنزل سورة البقرة فقال (ذلك الكتاب) يعني ما تقدم البقرة من السور لا شك فيه.

والكتاب مصدر وهو بمعنى المكتوب كما يقال للمخلوق خَلْق، وهذا الدرهم ضرب فلان أي مضروبه. وأصل الكَتْب: الضم والجمع، ويقال للجند: كتيبة لاجتماعها، وسمي الكتاب كتاباً لأنه جمع حرف إلى أحرف.

قوله تعالى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي لا شك فيه أنه من عند الله عز وجل وأنه الحق والصدق، وقيل هو خبر بمعنى النهي أي: لا ترتابوا فيه كقوله تعالى:

{ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ }[البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. قرأ ابن كثير: فيه بالإِشباع في الوصل وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلاً ما لم يلقها ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة ياء وإن كان غير ياء يشبعها بالضم واواً ووافقه حفص في قوله: { فِيهِ مُهَاناً }[الفرقان: 69] (فيشبعه).

قوله تعالى: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} يدغم الغنة عند اللام والراء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد حمزة والكسائي عند الياء وزاد حمزة عند الواو والآخرون لا يدغمونها ويخفي أبو جعفر النون والتنوين عند الخاء والغين (هدى للمتقين) أي هو هدى أي رشد وبيان لأهل التقوى، وقيل هو نصبٌ على الحال أي هادياً تقديره لا ريب في هدايته للمتقين والهدى ما يهتدي به الإِنسان، للمتقين أي للمؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش وهو مأخوذ من الاتقاء. وأصله الحجز بين الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه أي جعله حاجزاً بين نفسه وبين ما يقصده.

وفي الحديث:

كنا إذا أحمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلمأي إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزاً بيننا وبين العدو، فكأن المتقي يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزاً بينه وبين العذاب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار: حدثني عن التقوى فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك قال: نعم. قال فما عملت فيه قال: حذرت وشمرت: قال كعب: ذلك التقوى. وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك مالا بأس به حذراً لما به بأس وقال عمر بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله بعد ذلك فهو خيرإلى خير. وقيل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث: "جماع التقوى في قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} [النحل:90] الآية" وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيراً من أحد. وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المتقون بالهدى.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} موضع الذين خُفِضَ نعتاً للمتقين. يؤمنون: يصدقون ويترك الهمزة أبو عمرو وورش، والآخرون يهمزونه وكذلك يتركان كل همزة ساكنة هي فاء الفعل نحو يؤمن ومؤمن إلا أحرفاً معدودة.

وحقيقة الإِيمان التصديق بالقلب، قال الله تعالى:

{ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا }[يوسف: 17] أي: بمصدق لنا وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإِقرار باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإِقرار والعمل إيماناً؛ لوجهٍ من المناسبة، لأنه من شرائعه.

والإِسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيماناً، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى:

{ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا }[الحجرات: 14] وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلماً في الظاهر غير مصدق في الباطن. ويكون مصدقاً في الباطن غير منقاد في الظاهر.

وقد اختلف جواب النبي صلى الله عليه وسلم عنهما حين سأله جبريل عليه السلام وهو ما أخبرنا أبو طاهر محمد ابن علي بن محمد بن علي بن بن بويه الزراد البخاري: أنا أبو القاسم على بن أحمد الخزاعي ثنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ثنا أبو أحمد عيسى بن أحمد العسقلاني أنا يزيد بن هارون أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر، يعني بالبصرة، معبداً الجهني فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقوله هؤلاء فلقينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قِبَلَنا ناس يتقفرون هذا العلم ويطلبونه يزعمون أن لا قدر إنما الأمر أُنُف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني بُرَآءُ والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ثم قال:

حدثنا عمر بن الخطاب قال: «بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وركبته تمس ركبته فقال: يا محمد أخبرني عن الإِسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً فقال: صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. ثم قال: فما الإِيمان قال: أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره فقال: صدقت. ثم قال: فما الإِحسان قال:أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت ثم قال: فأخبرني عن الساعة فقال ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل قال: صدقت قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الامة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في بنيان المدر قال: صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر هل تدري من الرجل؟ قال: قلت: اللّه ورسوله أعلم. قال: ذلك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه»

فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإِسلام في هذا الحديث إسماً لما ظهر من الأعمال، والإِيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإِيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإِسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدّين، ولذلك قال:

ذاك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم».

والدليل على أن الأعمال من الإِيمان ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو القاسم ابراهيم بن محمد بن علي بن الشاه ثنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان ثنا بشر بن موسى ثنا خلف بن الوليد عن جرير الرازي عن سهل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الإِيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإِيمان».

وقيل: الإِيمان مأخوذ من الأمان، فسمي المؤمن مؤمناً لأنه يُؤمِّن نفسه من عذاب الله، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمِّن العباد من عذابه.

قوله تعالى {بِٱلْغَيْبِ}: والغيب مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب كما قيل للعادل عدل وللزائر زور. والغيب ما كان مغيباً عن العيون قال ابن عباس: الغيب هٰهنا كل ما أمرت بالإِيمان به فيما غاب عن بصرك مثل الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان. وقيل الغيب هٰهنا: هو الله تعالىٰ، وقيل: القرآن، وقال الحسن: بالآخرة وقال زر بن حبيش وابن جريج: الوحي. نظيره:

{ أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ }[النجم: 35] وقال ابن كيسان: بالقدر وقال عبد الرحمٰن بن يزيد: كنا عند عبد الله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بيِّناً لمن رآه والذي لا إلٰه غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ (ألم ذلك الكتاب) إلى قوله (المفلحون). قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وورش يؤمنون بترك الهمزة وكذلك أبو جعفر بترك كل همزة ساكنة إلا في أنبئهم ونبئهم ونبئنا ويترك أبو عمرو كلها إلا أن تكون علامة للجزم نحو نبئهم وأنبئهم وتسؤهم وإن نشأ وننسأها ونحوها أو يكون خروجاً من لغة إلى أخرى نحو مؤصدة ورئياً. ويترك ورش كل همزة ساكنة كانت فاء الفعل إلا تؤوي وتؤويه ولا يترك من عين الفعل: إلا الرؤيا وبابه، إلا ما كان على وزن فعل. مثل: ذئب.

قوله تعالى: {وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ} أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها، وأركانها وهيئاتها يقال: قام بالأمر، وأقام الأمر إذا أتى به معطىً حقوقه، والمراد بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ (الواحدان) كقوله تعالىٰ:

{ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ }[البقرة: 213] يعني الكتب.

والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالىٰ:

{ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ }[التوبة: 103] أي ادع لهم، وفي الشريعة اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء. وقيل في قوله تعالىٰ: { إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ }[الأحزاب: 56] الآية إن الصلاة من الله في هذه الآية الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء.

قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ} (أي) أعطيناهم والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب.

{يُنفِقُونَ} يتصدقون قال قتادة: ينفقون في سبيل الله وطاعته. وأصل الإِنفاق: الإِخراج عن اليد والملك، ومنه نَفاق السوق؛ لأنه تخرج فيه السلعة عن اليد، ومنه: نفقت الدابة إذا خرجت روحها. فهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب.

قوله تعالى: {وٱلَّذِينَ يُؤْمِنوُنَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ} يعني القرآن {وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} من التوراة والإِنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويترك أبو جعفر وابن كثير وقالون وأبو عمرو وأهل البصرة ويعقوب كل مدَّة تقع بين كل كلمتين. والآخرون يمدونها. وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتاب.

قوله تعالى: {وَبِٱلأَخِرَةِ} أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا {هُمْ يُوقِنُونَ} أي يستيقنون أنها كائنة، من الإِيقان: وهو العلم. وقيل: الإيقان واليقين: علم عن استدلال. ولذلك لا يسمى الله موقناً ولا علمه يقيناً إذ ليس علمه عن استدلال.

قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ} أي أهل هذه الصفة وأولاء كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو: هم، والكاف للخطاب كما في حرف ذلك {عَلَىٰ هُدًى} أي رشد وبيان وبصيرة {مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الناجون والفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحاً لأنه يشق الأرض وفي المثل: الحديد بالحديد يفلح أي يشق فهم مقطوع لهم بالخير في الدنيا والآخرة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٦ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ۝٨ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝٩ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ ۝١٠

قوله { إِنَّ الَّذينَ كَفَرُواْ} يعني مشركي العرب قال الكلبي: يعني اليهود. والكفر هو الجحود وأصله من الكفر وهو الستر ومنه: سمي الليل كافراً لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافراً لأنه يستر الحب بالتراب، والكافر يستر الحق بجحوده.

والكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق، فكفر الإنكار: أن لا يعرف الله أصلاً ولا يعترف به، وكفر الجحود هو: أن لا يعرف الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس وكفر اليهود. قال الله تعالىٰ:

{ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ }[البقرة: 89]، وكفر العناد هو: أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول:

وَلَقد عَلمْتُ بأنَّ ديْنَ مُحمَّدٍمِن خَيْر أَدْيَانِ البَريَّة دينا لولا المَلامَةُ أو حِذارُ مَسَبَّةٍلَوَجَدتَنِي سَمْحاً بذاَكَ مُبِينَاً

وأما كفر النفاق فهو أن يقرّ باللسان ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالىٰ بواحد منها لا يغفر له.

قوله: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ}: أي متساوٍ لديهم {ءَأَنذَرْتَهُمْ} خوّفتهم وحذرتهم، والإِنذار إعلام مع تخويف وتحذير، فكل منذر مُعْلِم وليس كل مُعْلِم منذراً، وحقق ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي الهمزتين في {ءَأَنذَرْتَهُمْ}، وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة، والآخرون يليِّنون الثانية {أَمْ} حرف عطف على الاستفهام {لَمْ} حرف جزم لا يلي إلا الفعل، لأن الجزم يختص بالأفعال {تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنوُنَ} وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله، ثم ذكر سبب تركهم الإيمان فقال: {خَتَمَ ٱللَّهُ} طبع الله {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} فلا تعي خيراً ولا تفهمه.

وحقيقة الختم الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما فيه، ومنه الختم على الباب. قال أهل السنة: أي: حكم على قلوبهم بالكفر، لما سبق من علمه الأزلي فيهم، وقال المعتزلة: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها. {وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ}: أي: على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وأراد على أسماعهم كما قال: على قلوبهم، وإنما وحَّده لأنه مصدر، والمصدر لا يُثنى ولا يُجمع. {وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ} هذا ابتداء كلام. غشاوة أي: غطاء، فلا يرون الحق. وقرأ أبو عمرو الكسائي أبصارهم بالامالة وكذا كل ألف بعدها راء مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها، ويميل حمزة منها ما يتكرر فيه الراء كالقرار ونحوه. زاد الكسائي إمالة جبارين والجوار والجار وبارئكم ومن أنصاري ونسارع وبابه. وكذلك يُميل هؤلاء كل ألف بمنزلة لام الفعل، أو كان علماً للتأنيث، إذا كان قبلها راء، فعلم التأنيث مثل: الكبرى والأخرى. ولام الفعل مثل: ترى، وافترى، يكسرون الراء فيها.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: في الآخرة، وقيل: القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى. والعذاب:كل ما يعنيِّ الإنسان ويشق عليه. قال الخليل: العذاب ما يمنع الانسان عن مراده، ومنه الماء العذب، لأنه يمنع العطش.

قوله: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ} نزلت في المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وجدِّ بن قيس وأصحابهم حيث أظهروا كلمة الإِسلام ليسلموا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود، والناس جمع انسان سمي به لأنه عهد إليه فنسي، كما قال الله تعالىٰ:

{ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ }[طه: 115]، وقيل: لظهوره من قولهم آنست أي أبصرت، وقيل: لأنه يستأنس به {وَبِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ}، أي بيوم القيامة. قال الله تعالىٰ: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} أي يخالفون الله وأصل الخدع في اللغة الإِخفاء، ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر والخدع من الله في قوله { وَهُوَ خَادِعُهُمْ }[النساء: 142]، أي يظهر لهم ويعجل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة. وقيل: أصل الخدع: الفساد، معناه يفسدون ما أظهروا من الإِيمان بما أضمروا من الكفر.

وقوله: (وهو خادعهم) أي: يُفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيِّرهم إليه من عذاب الآخرة فإن قيل ما معنى قوله: {يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ} والمفاعلة للمشاركة وقد جلَّ الله تعالىٰ عن المشاركة في المخادعة؟ قيل: قد ترد المفاعلة لا على معنى المشاركة كقولك عافاك الله وعاقبت فلاناً، وطارقت النعل. وقال الحسن: معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالىٰ:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ }[الأحزاب: 57]، أي أولياء الله، وقيل: ذِكْرُ الله هاهنا تحسين والقصد بالمخادعة الذين آمنوا كقوله تعالىٰ: { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ }[الأنفال: 41] وقيل معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع في دينهم {وَٱلَّذِينَ ءَامَنوُا} أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا وهم غير مؤمنين، {وَمَا يَخْدَعُونَ} قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وما يخادعون كالحرف الأول وجعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد. وقرأ الباقون: وما يخدعون على الأصل.

{إلاَّ أَنفُسَهُمْ} لأن وبال خداعهم راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم {فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق وأصل المرض الضعف. وسمي الشك في الدين مرضاً لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن.

{فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا} لأن الآيات كانت تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفراً ونفاقاً وذلك معنى قوله تعالىٰ:

{ وأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ }[التوبة: 125] وقرأ ابن عامر وحمزة فزادهم بالإمالة وزاد حمزة إمالة زاد حيث وقع وزاغ وخاب وطاب وحاق وضاق، والآخرون لا يميلونها {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} ما للمصدر أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر. قرأ الكوفيون يكذبون بالتخفيف أي: بكذبهم (إذ) قالوا: آمنا وهم غير مؤمنين.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝١١ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ ۝١٢ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ۝١٣

{وَإِذَا قِيلَ} قرأ الكسائي: «قيل» و«غيض» و«جيء» و«حيل» و«سيق» و«سيئت» بروم أوائلهن الضم - ووافق ابن عامر في «سيق» و«حيل» و«سيىء» و«سيئت» - ووافق أهل المدينة في: سيء وسيئت لأن أصلها قول بضم القاف وكسر الواو، مثل قتل وكذل في أخواته، فأشير إلى الضمة لتكون دالة على الواو المنقلبة وقرأ الباقون بكسر أوائلهن، استثقلوا الحركة على الواو فنقلوا كسرتها إلى فاء الفعل وانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} يعني للمنافقين، وقيل: لليهود أي: قال لهم المؤمنون {لاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ} بالكفر وتعويق الناس عن الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل معناه لا تكفروا، والكفر أشد فساداً في الدين {قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} يقولون هذا القول كذباً كقولهم آمنا وهم كاذبون {أَلآ} كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب {إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ} أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الإيمان {وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} أي: لا يعلمون أنهم مفسدون لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح. وقيل: لا يعلمون ما أعدّ الله لهم من العذاب.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي للمنافققين وقيل لليهود {ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ} عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب، وقيل كما آمن المهاجرون والأنصار {قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ} أي الجهال فإن قيل كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم: أنؤمن كما آمن السفهاء قيل أنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين. فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فرد اللَّه عليهم فقال: {أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} أنهم كذلك فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم من قولهم: ثوب سفيه أي رقيق وقيل السفيه الكذاب الذي يتعمد الكذب بخلاف ما يعلم.

قرأ أهل الكوفة والشام (السفهاء ألا) بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا والآخرون يحققون الأولى ويلينون الثانية في المختلفتين طلباً للخفة فإن كانتا متفقتين مثل: هؤلاء، وأولياء، وأولئك، وجاء أمر ربك - قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدة، وقرأ أبو جعفر وورش والقواش ويعقوب بتحقيق الأولىٰ وتليين الثانية، وقرأ قالون بتخفيف الأولى وتحقيق الثانية لأن ما يستأنف أولى بالهمزة مما يسكت عليه.

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ۝١٤ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝١٥ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ۝١٦ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ۝١٧ صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ۝١٨

{وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار {قَالُوۤاْ ءَامَنَّا} كإيمانكم {وَإِذَا خَلَوْاْ} رجعوا. ويجوز أن يكون من الخلوة {إِلَى} بمعنى الباء أي بشياطينهم وقيل: إلى بمعنى مع كما قال الله تعالىٰ

{ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَٰلِكُمْ }[النساء: 2] أي مع أموالكم {شَيَـٰطِينِهِمْ} أي رؤسائهم وكهنتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن الأشرف بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام، ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.

والشيطان: المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء وأصله البعد، يقال بئر شطون أي: بعيدة العمق. سمي الشيطان شيطاناً لامتداده في الشر وبعده من الخير. وقال مجاهد: إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين {قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} أي: على دينكم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام.

قرأ أبو جعفر مستهزون ويستهزون وقل استهزوا وليطفوا وليواطوا ويستنبونك وخاطين وخاطون ومتكن ومتكون فمالون والمنشون بترك الهمزة فيهن {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي: يجازيهم جزاء استهزائهم سمي الجزاء باسمه لأنه في مقابلته كما قال الله تعالىٰ:

{ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا }[الشورى:40]، قال ابن عباس: هو أن يفتح لهم باب من الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم، وردوا إلى النار وقيل هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون به على الصراط فإذا وصل المنافقون إليه حيل بينهم وبين المؤمنين كما قال الله تعالى: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ }[سبأ: 54] قال الله تعالى: { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ } الآية [الحديد: 13] وقال الحسن معناه الله يُظْهِر المؤمنين على نفاقهم {وَيَمُدُّهُمْ} يتركهم ويمهلهم والمد والإِمداد واحد، وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر ما يأتي في الشر والإِمداد في الخير قال الله تعالىٰ في المد { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً }[مريم: 79]، وقال في الإِمداد { وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ }[الإسراء: 6] { وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ }[الطور: 22] {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ} أي في ضلالتهم وأصله مجاوزة الحد. ومنه طغى الماء {يَعْمَهُونَ} أي: يترددون في الضلالة متحيرين {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } أي استبدلوا الكفر بالإِيمان، {فَمَا رَبِحَت تِّجَـٰرَتُهُمْ} أي: ما ربحوا في تجارتهم أضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها كما تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} من الضلالة، وقيل: مصيبين في تجارتهم {مَثَلُهُمْ} شبههم، وقيل: صفتهم. والمثل: قول سائر في عرف الناس يعرف به معنى الشيء وهو أحد أقسام القرآن السبعة، {كَمَثَلِ ٱلَّذِى} يعني الذين بدليل سياق الآية. ونظيره: { وَٱلَّذِى جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ }[الزمر: 33] {ٱسْتَوْقَدَ} أوقد {نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ} النار {مَا حَوْلَهُ} أي حول المستوقد. وأضاء: لازم ومتعد يقال أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره وهو هاهنا متعد {ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَـٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك والسدي: نزلت في المنافقين.

يقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينما هو كذلك إذ طفيت ناره فبقي في ظلمة طائفاً متحيراً فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإِيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنون ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم في القبر. وقيل: في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. وقيل: ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، فضرب النار مثلاً ثم لم يقل أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النار نور وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم. وقال مجاهد: إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة وقال عطاء ومحمد بن كعب: نزلت في اليهود. وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به، ثم وصفهم الله فقال: {صُمٌّ } أي: هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا {بُكْمٌ} خرس عن الحق لا يقولونه أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق {عُمْىٌ} أي لا بصائر لهم ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} عن الضلالة إلى الحق.

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٩ يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٠

{أَوْ كَصَيِّبٍ} أي كأصحاب صيب وهذا مثل آخر ضربه الله تعالىٰ للمنافقين بمعنى آخر إن شئت مثِّلهم بالمستوقد وإن شئت بأهل الصيب وقيل أو بمعنى الواو يريد وكصيب كقوله تعالى: {أَوْ يَزِيدُونَ}، بمعنى: ويزيدون والصيب: المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب فيعل من صاب يصوب أي نزل من السماء أي من السحاب قيل هي السماء بعينها، والسماء كل ما علاك فأظلك، وهي من أسماء الأجناس يكون واحداً وجمعاً {فِيهِ} أي في الصيب وقيل في السماء أي من السحاب ولذلك ذكَّره، وقيل السماء يذكر ويؤنث، قال الله تعالىٰ:

{ السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ }[المزمل: 18]، وقال: { إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ }[الانفطار: 1]، {ظُلُمَـٰتٌ} جمع ظلمة {وَرَعْدٌ} وهو الصوت الذي يسمع من السحاب {وَبَرْقٌ} وهو النار التي تخرج منه.

قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين رضي الله عنهم: الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب. وقيل الصوت زجر السحاب وقيل تسبيح الملك. وقيل الرعد نطق الملك والبرق ضحكه. وقال مجاهد الرعد اسم الملك ويقال لصوته أيضاً رعد والبرق مصع ملك يسوق السحاب وقال شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النار فهي الصواعق، وقيل الرعد انحراف الريح بين السحاب والأول أصح.

{يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىۤ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ} جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه. ويقال لكل عذاب مهلك: صاعقة، وقال: الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء.

روي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال:

اللّهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك».

قوله: {حَذَرَ ٱلْمَوْتِ} أي مخافة الهلاك {وَٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكـٰفِرِينَ} أي عالم بهم وقيل جامعهم. وقال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. وقيل: مهلكهم، دليله قوله تعالىٰ:

{ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ }[يوسف: 66] أي تهلكوا جميعاً. ويُميل أبو عمرو والكسائي الكافرين في محل النصب والخفص ولا يميلان: { أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ }[البقرة: 41].

{يَكَادُ ٱلْبَرْقُ} أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل {يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ} يختلسها والخطف استلاب بسرعة {كُلَّمَآ} كل حرف جملة ضم إلى ما الجزاء فصار أداة للتكرار ومعناهما متى ما {أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أي وقفوا متحيرين فالله تعالىٰ شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده، فهذا مثل ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر القرآن لأنه حياة الجَنان كما ان المطر حياة الأبدان، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة. والكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه لأن الإِيمان عندهم كفر والكفر موت {يَكَادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ} أي القرآن يبهر قلوبهم. وقيل هذا مثل ضربه الله للإِسلام فالمطر الإِسلام والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوَعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق: ما فيه من الوعد والوعيد.

{يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىۤ ءَاذَانِهِم} يعني أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذراً من الهلاك {وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ} جامعهم يعني لا ينفعهم هربهم لأن الله تعالىٰ من ورائهم يجمعهم فيعذبهم. يكاد البرق يعني دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من الشقاوة.

{كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ} يعني أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة. وقيل: معناه كلما نالوا غنيمة وراحة في الإِسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} يعني: رأوا شدة وبلاء تأخروا وقاموا أي وقفوا كما قال الله تعالىٰ:

{ ومِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ على حَرْفٍ }[الحج: 11] {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} أي بأسماعهم {وَأَبْصَـٰرِهِمْ} الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، وقيل لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} قادر. قرأ ابن عامر وحمزة شاء وجاء حيث كان بالإِمالة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝٢١ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٢٢ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٢٣ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ۝٢٤

قوله تعالىٰ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: ياأيها الناس خطاب أهل مكة، وياأيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة وهو هاهنا عام إلا من حيث أنه لا يدخله الصغار والمجانين.

{ٱعْبُدُواْ} وحِّدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد {رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ} الخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي وخلق الذين من قبلكم.

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لكي تنجوا من العذاب، وقيل معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء كما قال:

{ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [طه: 44] أي ادعواه إلى الحق وكُونا على رجاء التذكر، وحكم الله من ورائه يفعل ما يشاء، قال سيبويه: لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله واجب. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} أي بساطاً وقيل مناماً وقيل وطاء أي: ذللها ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل "عن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذنب أعظم عند الله؟ قال «أن تجعل لله نداً وهو خلقك» قلت: إن ذلك عظيم. ثم أيُّ؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك». قلت: ثم أيُّ قال: «أن تزاني حليلة جارك» والجعل هٰهنا بمعنى: الخلق {وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً} وسقفاً مرفوعاً. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من السحاب {مَآءً} وهو المطر {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ} من ألوان الثمرات وأنواع النبات {رِزْقاً لَّكُمْ} طعاماً لكم وعلفاً لدوابكم {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً} أي أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله. قال أبو عبيدة: الندُّ الضد وهو من الأضداد والله تعالىٰ بريء من المثل والضد. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه واحد خلق هذه الأشياء.

{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ }، أي وإن كنتم في شك، لأن الله تعالىٰ علم أنهم شاكُّون {مِّمَّا نَزَّلْنَا} يعني: القرآن، {عَلَىٰ عَبْدِنَا} محمد {فَأْتُواْ} أمر تعجيز {بِسُورَةٍ} والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر من أسأرت أي أفضلت، حذفت الهمزة، وقيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة ومنه سور البناء لارتفاعه، سميت سورة لأن القارىء ينال بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكماله سور القرآن {مِّن مِّثْلِهِ} أي مثل القرآن «من»: صلة، كقوله تعالىٰ:

{ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ }[النور: 30]، وقيل: الهاء في مثله راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم يعني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط والكتابة قال محمود هاهنا من مثله دون سائر السور، لأن من للتبعيض وهذه السورة أول القرآن بعد الفاتحة فأدخل من ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن، ولو أدخل من في سائر السور كان التحدي واقعاً على جميع سور القرآن، ولو أدخل في سائر السور كان التحدي واقعاً على بعض السور.

{وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} وقال مجاهد: ناساً يشهدون لكم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فلما تحداهم عجزوا فقال:

{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ}، فيما مضى {وَلَن تَفْعَلُواْ} أبداً فيما بقي. وإنما قال ذلك لبيان الإِعجاز وأن القرآن كان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإِتيان بمثله. {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} أي فآمنوا واتقوا بالإِيمان النار. {ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}، قال ابن عباس وأكثر المفسرين يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهاباً، وقيل: جميع الحجارة وهو دليل على عظمة تلك النار وقيل: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة كما قال:

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }[الأنبياء: 98] {أُعِدَّتْ} هيئت {لِلْكَـٰفِرِينَ }.

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًا وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٥

قوله تعالىٰ: {وَبَشِّرِ الَّذينَ ءَامَنُوا} أي أخبر والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين من أهل الطاعات، قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي: أخلصوا الأعمال كما قال:

{ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَـٰلِحاً }[الكهف: 110] أي خالياً عن الرياء. قال معاذ: العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء. العلم، والنية، والصبر، والاخلاص. {أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ} جمع الجنة، والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار. وقال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم.

{تَجْرِى مِن تَحْتِهَا} أي: من تحت أشجارها ومساكنها {ٱلأَنْهَـٰرُ} أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري، وقيل (من تحتها) أي: بأمرهم لقوله تعالىٰ حكاية عن فرعون:

{ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِى }[الزخرف: 51] أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث:أنهار الجنة في غير أخدود {كُلَّمَا} متى ما {رُزِقُواْ} أطعموا{مِنْهَا} أي من الجنة {مِن ثَمَرَةٍ} أي ثمرة و{مِن}: صلة، {رِّزْقاً} طعاماً {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} وقبل رفع على الغاية. قال الله تعالىٰ: { لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ }[الروم: 4]، قيل: من قبل في الدنيا وقيل: الثمار في الجنة متشابهة في اللون، مختلفة في الطعم، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى {وَأُتُواْ بِهِ} بالرزق {مُتَشَـٰبِهاً} قال ابن عباس ومجاهد والربيع: متشابهاً في الألوان، مختلفاً في الطعوم. وقال الحسن وقتادة: متشابهاً. أي يشبه بعضها بعضاً في الجودة، أي: كلها خيار لا رذالة فيها. وقال محمد بن كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب. وقيل: متشابهاً في الاسم مختلفاً في الطعم. قال ابن عباس رضي الله تعالىٰ عنهما: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي.

أنا أبو أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد ابن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما تلهمون النَّفَس، طعامهم الجشاء، ورشحهم المسك».

قوله تعالىٰ: {وَلَهُمْ فِيهَآ} في الجنان {أَزْوَٰجٌ} نساء وجواري يعني من الحور العين {مُّطَهَّرَةٌ} من الغائط، والبول، والحيض، والنفاس، والبصاق، والمخاط والمني، والولد، وكل قذر. قال إبراهيم النخعي: في الجنة جماع ما شئت ولا ولد. وقال الحسن: هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا. وقيل: مطهرة من مساوىء الأخلاق {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.

أنا أبو عمرو عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف الفَرَبرِي، أنا محمد بن إسماعيل البخاري أنا قتيبة بن سعيد، أنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك ومجامرهم الأَلُوَّة وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء».

أنا عبد الواحد المليحي، أنا عبد الرحمٰن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا فضيل هو ابن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها».

أنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي المروزي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أنا عبد الرحمٰن بن أبي شريح أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا اسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولَتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيهاصحيح أخرجه محمد عن عبد الله بن محمد عن معاوية بن عمر عن أبي إسحاق عن حميد.

أنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي أنا عبد الله بن محمد بن مسلم أنا أبو بكر الجوربذي أنا أحمد بن الفرج الحمصي أنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ألا هل من مشمر للجنة، وإن الجنة لا خطر لها وهي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام أبَدٍ في دار سليمة وفاكهة خضرة، وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال: «قولوا إن شاء الله»قال القوم: إن شاء الله».

وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم، ولا تبلىٰ ثيابهم».

أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي، أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى ابن خالد أنا إسحاق الحنظلي أنا أبو معاوية أنا عبد الرحمٰن بن إسحاق عن النعمان بن سعيد عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن في الجنة لسوقاً ليس فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها، وإن فيها لمجتمع الحور العين ينادين، بصوت لم يسمع الخلائق مثله: نحن الخالدات فلا نبيد أبداً، ونحن الناعمات لا نبأس أبداً، ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً، فطوبى لمن كان لنا وكنا له أو نحن له. ورواه أبو عيسى عن هناد وأحمد بن منيع عن أبي معاوية مرفوعاً وقال: هذا حديث غريب.

أنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار البصري أنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً فيقول لهم أهلهم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون وأنتم والله لقد زدتم بعدنا حسناً وجَمالاً».
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ