انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحشر

تفسير القرطبيالآيات 1–9

تفسير سورة الحشر آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١

تقدم.

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ ۝٢

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ} قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل سورة النَّضِير؛ وهم رهط من اليهود من ذُرّية هارون عليه السلام، نزلوا المدينة في فِتن بني إسرائيل انتظاراً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان من أمرهم ما نصّ الله عليه.

الثانية ـ: قوله تعالى: {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} الحشرُ الجمعُ؛ وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة؛ أما الذي في الدنيا فقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} قال الزهريّ: كانوا من سبطٍ لم يصبهم جلاء، (وكان الله عز وجلّ قد كتب عليهم الجلاء؛ فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا) وكان أولُ حشْر حُشِروا في الدنيا إلى الشام. قال ابن عباس وعكرمة: من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية: وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم:

«اخرجوا» قالوا إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». قال قتادة: هذا أوّل المحشر. قال ابن عباس: هم أول من حشر من أهل الكتاب وأُخرج من دياره. وقيل: إنهم أخرجوا إلى خَيْبر، وأن معنى {لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} إخراجهم من حصونهم إلى خيبر، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه إياهم من خَيْبر إلى نجد وأذرِعات. وقيل تيماء وأريحاء، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم. وأما الحشر الثاني: فحشرهم قرب القيامة. قال قتادة: تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تَبِيت معهم حيث باتوا، وتَقِيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف. وهذا ثابت في الصحيح، وقد ذكرناه في (كتاب التذكرة). ونحوه روى ٱبن وهب عن مالك قال: قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم؟ فقال لي: الحشر يوم القيامة حشر اليهود. قال: وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه؛ فاستحلهم بذلك. قال ابن العربيّ: للحشر أوّل ووسط وآخر؛ فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط إجلاء خيبر، والآخر حشر يوم القيامة. وعن الحسن: هم بنو قُرَيظة. وخالفه بقية المفسرين وقالوا: بنو قُرَيظة ما حُشروا ولكنهم قتلوا. حكاه الثعلبي.

الثالثة ـ: قال الكيا الطبريّ: ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن، وإنما كان ذلك في أوّل الإسلام ثم نُسخ. والآن فلا بدّ من قتالهم أو سَبْيهم أو ضرب الجِزية عليهم.

قوله تعالى: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} (يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوّتهم في صدور المسلمين، واجتماع كلمتهم). {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم} قيل: هي الوَطيح والنَّطاة والسُّلالم والكَتيبة. {مِّنَ ٱللَّهِ} أي من أمره. وكانوا أهل حَلْقة ـ أي سلاح كثير ـ وحصون منيعة؛ فلم يمنعهم شيء منها. {فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ} أي أمره وعذابه. {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي لم يظنوا. وقيل: من حيث لم يعلموا. وقيل: {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} بقتل كعب بن الأشرف؛ قاله ابن جُريج والسُّدّي وأبو صالح.

قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} بقتل سيدهم كعب بن الأشرف؛ وكان الذي قتله هو محمد بن مَسْلمة، وأبو نائلة سِلْكان بن سلامة بن وَقْش ـ وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة ـ وعبّاد بن بِشر بن وَقْش، والحارث بن أوْس بن معاذ، وأبو عَبْس بن جبر. وخبره مشهور في السيرة. وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

نُصِرتُ بالرُّعب بين يدَيْ مسيرةِ شهرفكيف لا يُنصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير. وهذه خصِّيصَى لمحمد صلى الله عليه وسلم دون غيره.

قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} قراءة العامة بالتخفيف من أخرب؛ أي يهدمون. وقرأ السُّلمِي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو «يخرِّبون» بالتشديد من التخريب. قال أبو عمرو: إنما اخترت التشديد لأن الإخراب تركُ الشيء خراباً بغير ساكن، وبنو النَّضير لم يتركوها خراباً وإنما خرّبوها بالهدم؛ يؤيده قوله تعالى: {بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقال آخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد، والتشديد بمعنى التكثير. وحكى سيبويه: أن معنى فعّلت وأفعلت يتعاقبان؛ نحو أخربته وخرّبته وأفرحته وفرّحته. واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى. قال قتادة والضحاك: كان المؤمنون يخرّبون من خارج ليدخلوا، واليهود يُخرّبون من داخل ليبنُوا به ما خُرِّب من حِصْنهم. فروي أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا عليه ولا له؛ فلما ظهر يومَ بَدْر قالوا: هو النبيّ الذي نُعِت في التوراة، فلا تُردّ له راية. فلما هُزِم المسلمون يوم أحُد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة، فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كَعْباً غِيلةً ثم صبّحهم بالكتائب؛ فقال لهم: اخرجوا من المدينة. فقالوا: الموت أحبّ إلينا من ذلك؛ فتنادَوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدسّ إليهم عبدُ الله ابن أُبَيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن أُخرِجتم لنخرجنّ معكم. فدُرِّبُوا على الأزقة وحصّنوها إحدى وعشرين ليلةً، فلما قذف الله في قلوبهم الرُّعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح؛ فأبى عليهم إلا الجلاء؛ على ما يأتي بيانه. وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير: لما صالحهم النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلّت الإبل؛ كانوا يستحسنون الخشبة والعمود فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرِّب المؤمنون باقيها. وعن ابن زيد أيضاً: كانوا يخرّبونها لئلا يسكنها المسلمون بعدهم. وقال ابن عباس: كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع موضع القتال، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها ليتحصّنوا فيها، ويرموا بالتي أخرجوا منها المسلمين. وقيل: ليسدّوا بها أزِقّتهم. وقال عكرمة {بِأَيْدِيهِمْ} في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون. وبـ «أيْدي المؤْمنين» في إخراب ظاهرها ليصلُوا بذلك إليهم. قال عكرمة: كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها» فخربوها من داخل وخربها المسلمون من خارج. وقيل: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ} بنقض المواعدة {وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالمقاتلة؛ قاله الزهري أيضاً. وقال أبو عمرو بن العلاء {بِأَيْدِيهِمْ} في تركهم لها. وبـ {وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ} في إجلائهم عنها. قال ابن العربيّ: التناول للإفساد إذا كان باليد كان حقيقة، وإذا كان بنقض العهد كان مجازاً؛ إلا أنّ قول الزهري في المجاز أمْثل من قول أبي عمرو بن العلاء.

قوله تعالى: {فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي ٱتعظوا يا أصحاب العقول والألباب وقيل: يا من عاين ذلك ببصره؛ فهو جمع للبصر. ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها. ومن وجوهه: أنه سلط عليهم من كان ينصرهم. ومن وجوهه أيضاً: أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر بغيره ٱعتبر في نفسه. وفي الأمثال الصحيحة: «السَّعيد من وُعِظ بغيره».

وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ۝٣ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٤

قوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ} أي لولا أنه قضى أنه سَيُجْليهم عن دارهم، وأنهم يبقون مدة فيؤمن بعضهم ويولد لهم من يؤمن. {لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا} أي بالقتل والسَّبي كما فعل ببني قُريظة. والجلاء مفارقة الوطن؛ يقال: جَلاَ بنفسه جلاءً، وأجلاه غيره إجلاءً. والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما في الإبعاد واحداً من وجهين: أحدهما ـ أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. الثاني ـ أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد ولجماعة؛ قاله الماورديّ.

قوله تعالى: {ذَلِكَ} أي ذلك الجلاء {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ} أي عادَوه وخالفوا أمره. {وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ} قرأ طلحة بن مُصَرِّفَ ومحمد بن السَّمَيْقَع «ومن يشاقق الله» بإظهار التضعيف كالتي في «الأنفال» وأدغم الباقون.

مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝٥

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} «ما» في محل نصب بـ «قَطَعْتُمْ»؛ كأنه قال: أي شيء قطعتم. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير ـ وهي البُوَيْرة ـ حين نقضوا العهد بمعونة قريش عليه يوم أُحُد، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها. واختلفوا في عدد ذلك؛ فقال قتادة والضحاك: إنهم قطعوا من نخيلهم وأحرقوا ست نخلات. وقال محمد بن إسحاق: إنهم قطعوا نخلة وأحرقوا نخلة. وكان ذلك عن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بأمره؛ إمّا لإضعافهم بها وإما لسعة المكان بقطعها. فشقّ ذلك عليهم فقالوا ـ وهم يهود أهل الكتاب ـ: يا محمد، ألست تزعم أنك نبيّ تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل الله عليك إباحة الفساد في الأرض!؟ فشقّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم. ووجد المؤمنون في أنفسهم حتى اختلفوا؛ فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: ٱقطعوا لنغيظهم بذلك. فتزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله. وقال شاعرهم سماك اليهودي في ذلك:

ألَسْنا ورِثنا الكتاب الحكيمعلى عهد موسى ولم نَصْدِفِ وأنتم رِعاءٌ لِشاءٍ عجافبسَهْلِ تِهامة والأَخْيَف تَرَوْن الرعاية مجداً لكملدى كلّ دهرٍ لكم مُجْحف فيأيها الشاهدون أنتهُواعن الظلم والمنطق المُؤْنف لعل الليالي وصَرفَ الدُّهوريُدِلْنَ من العادل المنصف بقَتْل النَّضِير وإجلائهاوعَقْرِ النخيل ولم تُقْطفِ

فأجابه حسان بن ثابت:

تفاقد مَعْشَرٌ نصرُوا قريشاًوليس لهم ببلدتهم نَصيرُ هُمُو أوتوا الكتاب فضيّعوهوهم عُمْيٌ عن التوراة بُورُ كفرتم بالقُرآن وقد أبيتمبتصديق الذي قال النذير وهان على سَراة بني لُؤَيٍّحريقٌ بالبُوَيْرةِ مستطير

فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:

أدام الله ذلك من صنيعوحرَّق في نواحيها السَّعِيرُ ستعلم أيُّنا منها بنُزْهٍوتعلم أي أرْضَيْنا تَصير فلو كان النخيل بها رِكاباًلقالوا لا مُقام لكم فسِيرُوا

الثانية: كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع الأوّل أوّل السنة الرابعة من الهجرة، وتحصَّنوا منه في الحصون، وأمر بقطع النخل وإحراقها، وحينئذ نزل تحريم الخمر. ودسّ عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول ومن معه من المنافقين إلى بني النضير: إنا معكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم؛ فاغترُّوا بذلك. فلما جاءت الحقيقة خذلوهم وأسلموهم وألقوا بأيديهم، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكف عن دمائهم ويُجْلِيهم؛ على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، فاحتملوا كذلك إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وكان ممن سار منهم إلى خَيْبَر أكابرهم؛ كُحَيِّ بن أَخْطَب، وسَلاّم بن أبي الحُقيْق، وكنانة بن الربيع. فدانت لهم خَيبر.

الثالثة: ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر أن رسول صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النَّضير وَحرَّق. ولها يقول حسان:

وهان على سَرَاة بني لُؤَيٍّحريقٌ بالبُوَيْرة مستطير

وفي ذلك نزلت: «مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لينَةٍ» الآية.

واختلف الناس في تخريب دار العدوّ وتحريقها وقطع ثمارها على قولين: الأول ـ أن ذلك جائز؛ قاله في المدوّنة. الثاني ـ إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن يئسوا فعلوا؛ قاله مالك في الواضحة. وعليه يناظر أصحاب الشافعي، ابن العربي: والصحيح الأوّل. وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخل بني النَّضير له؛ ولكنه قَطع وحَرَّق ليكون ذلك نكاية لهم ووَهْنًا فيهم حتى يخرجوا عنها. وإتلافُ بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعاً، مقصودة عقلا.

الرابعة ـ قال الماوردي: إن في هذه الآية دليلاً على أن كلّ مجتهد مصيب. وقاله الكِيَا الطَّبَرىّ قال: وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ذلك وسكت؛ فتلَقَّوا الحكم من تقريره فقط. قال ابن العربيّ: وهذا باطل: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يدل على اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه: أخذًا بعموم الاْذِيّة للكفار، ودخولاً في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاْجتياح والبوار: وذلك قوله تعالى: {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ}.

الخامسة ـ اختلف في اللِّينة ما هي؛ على أقوال عشرة: الأوّل ـ النخل كله إلا العَجْوة؛ قاله الزهري ومالك وسعيد بن جُبير وعِكْرمة والخليل. وعن ابن عباس ومجاهد والحسن: أنها النخل كله، ولم يستثنوا عَجْوة ولا غيرها. وعن ابن عباس أيضاً: أنها لون من النخل. وعن الثوري: أنها كرام النخل. وعن أبي عبيدة: أنها جميع ألوان التمر سوى العجوة والبَرْنِي. وقال جعفر بن محمد: إنها العجوة خاصّةً. وذكر أن العتيق والعجوة كانتا مع نوح عليه السلام في السفينة. والعتيق: الفحل. وكانت العجوة أصل الإناث كلها فلذلك شق على اليهود قطعها؛ حكاه الماورديّ. وقيل: هي ضرب من النخل يقال لتمره: اللَّون، تمره أجود التمر، وهو شديد الصفرة، يُرَى نواه من خارجه ويغيب فيه الضِّرس؛ النخلة منها أحبّ إليهم من وَصِيف. وقيل: هي النخلة القريبة من الأرض. وأنشد الأخفش:

قد شجاني الحمام حين تَغَنَّىبفراق الأحباب من فوق لِينَهْ

وقيل: إن اللِّينة الفَسِيلة؛ لأنها ألين من النخلة. ومنه قول الشاعر:

غَرَسُوا لِينها بمجرى مَعِينثم حَفّوا النخل بالآجام

وقيل: إن اللينة الأشجارُ كلّها للينها بالحياة؛ قال ذو الرمّة:

طِراقُ الخَوَافي واقعٌ فوق لِينةنَدَى ليله في ريشه يترقرق

والقول العاشر ـ أنها الدقَل؛ قاله الأصمعي. قال: وأهل المدينة يقولون لاتنتفخ الموائد حتى توجد الألوان؛ يعنون الدَّقَل. قال ابن العربيّ: والصحيح ما قاله الزهريّ ومالك لوجهين: أحدهما ـ أنهما أعرف ببلدهما وأشجارهما. الثاني ـ أن الاشتقاق يَعْضُده، وأهل اللُّغة يصححونه؛ فإن اللينة وزنها لُونة، واعتلّت على أصولهم فآلت إلى لِينة فهي لون، فإذا دخلت الهاء كُسر أولها؛ كَبْرك الصدر (بفتح الباء) وبِرْكه (بكسرها) لأجل الهاء. وقيل لِينة أصلها لِوْنة فقلِبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وجمع اللينة لِين. وقيل: لِيان؛ قال امرؤ القيس يصف عنق فرسه:

وسالفة كسَحُوقِ اللِّيانِ أضْرَم فيها الغَويُّ السُّعُرْ

وقال الأخفش: إنما سميت لينة اشتقاقاً من اللَّون لا من اللين. المهدوِىّ: واختلف في اشتقاقها؛ فقيل: هي من اللون وأصلها لونة. وقيل: أصلها لِينة من لان يلين. وقرأ عبد الله «ما قطعتم مِن لِينةٍ ولا تركتم قوماء على أصولها» أي قائمة على سوقها. وقرأ الأعمش «ما قطعتم مِن لِينةٍ أو تركتموها قُوَّمًا على أصولِها» المعنى لم تقطعوها. وقرىء «قَوْماء على أُصُلِها». وفيه وجهان: أحدهما ـ أنه جمع أصلٍ؛ كَرَهْن ورُهُن. والثاني ـ اكْتُفِي فيه بالضمة عن الواو. وقرىء «قائماً على أصوله» ذهاباً إلى لفظ «ما». {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بأمره {وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي ليذلّ اليهود الكفار به وبنبيّه وكتبه.

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٦ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝٧

قوله تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} (هذه الآية والتي بعدها إلى قوله {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فيها عشر مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى:{وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ} يعني ما ردّه الله تعالى{عَلَىٰ رَسُولِهِ} من أموال بني النَّضِير.{فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} أوْضَعْتم عليه. والإيجاف: الإيضاع في السير وهو الإسراع؛ يقال: وَجَفَ الفرسُ إذا أسرع، وأوجفته أنا أي حركته وأتعبته؛ ومنه قول تميم بن مقبل:

مَذاوِيد بالبِيض الحديثِ صِقالُهاعن الركب أحياناً إذا الركب أوْجَفُوا

والركاب الإبل، واحدها راحلة. يقول: لم تقطعوا إليها شُقّة ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة؛ وإنما كانت من المدينة على مِيلَيْن؛ قاله الفرّاء. فمشَوْا إليها مَشْياً ولم يركبوا خيلاً ولا إبلاً؛ إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملاً وقيل حماراً مخطوماً بليف، فافتتحها صلحاً وأجلاهم وأخذ أموالهم. فسأل المسلمون النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يَقسم لهم فنزلت:{وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} الآية. فجعل أموال بني النَّضير للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصَّةً يضعها حيث شاء؛ فقسمها النبيّ صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين. قال الواقدىّ: ورواه ابن وهب عن مالك؛ ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر محتاجين؛ منهم أبو دُجَانة سِمَاك بن خَرَشة، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمّة. وقيل إنما أعطى رجلين، سهلاً وأبا دُجَانة. ويقال: أعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحُقَيق، وكان سيفاً له ذِكْرٌ عندهم. ولم يُسلم من بني النَّضير إلا رجلان: سفيان بن عمير، وسعد بن وهب؛ أسلما على أموالهما فأحرزاها. وفي صحيح مسلم عن عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، وكانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً، فكان ينفق على أهله نفقةَ سنة، وما بقى يجعله في الكُرَاع والسلاح عُدّةً في سبيل الله تعالى. وقال العباس لعمر ـ رضي الله عنهما ـ: اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ـ يعني عليا رضي الله عنه ـ فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير. فقال عمر: أتعلمان أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لانُورَث ما تركناه صدقة» قالا نعم. قال عمر: إن الله عز وجل كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة ولم يُخَصِّص بها أحداً غيره. قال:{مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النَّضير، فوالله ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال؛ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسْوَةَ المال... الحديث بطوله، خرّجه مسلم. وقيل: لما ترك بنو النَّضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظ كالغنائم؛ فبيّن الله تعالى أنها فَيْءٌ وكان قد جرى ثَمّ بعضُ القتال؛ لأنهم حوصِروا أياماً وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتال على التحقيق؛ بل جرى مبادىء القتال وجرى الحصار، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: أعلمهم الله تعالى وذَكَّرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كُراع ولا عُدّة.{وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} أي من أعدائه. وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصّةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه.

الثانية ـ: قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} قال ابن عباس: هي قُرَيْظَة والنَّضير، وهما بالمدينة وفَدَك، وهى على ثلاثة أيام من المدينة وخَيْبَر. وقُرَى عُرَينة ويَنْبُع جعلها الله لرسوله. وبَيّن أن في ذلك المال الذي خصه بالرسول عليه السلام سُهْماناً لغير الرسول نظراً منه لعباده. وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها، هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال؛ فقال قوم من العلماء: إن قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} منسوخ بما في سورة الأنفال من كون الخُمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل. وكان في أوّل الإسلام تُقسم الغنيمة على هذه الأصناف ولايكون لمن قاتل عليها شيء. وهذا قول يزيد بن رومان وقتادة وغيرهما. ونحوه عن مالك. وقال قوم: إنما غنم بصلح من غير إيجاف خيل ولا رِكاب؛ فيكون لمن سمَّى الله تعالى فيه فَيْئاً والأُولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم، إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين. وقال معمر: الأُولى للنبيّ صلى الله عليه وسلم. والثانية هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. والثالثة الغنيمة في سورة الأنفال للغانمين. وقال قوم منهم الشافعيّ: إن معنى الآيتين واحد؛ أي ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهم؛ أربعة منها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وكان الخمس الباقي على خمسة أسهم: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً، وسهم لذوي القربى ـ وهم بنو هاشم وبنو المطلب ـ لأنهم مُنِعوا الصدقة فجعل لهم حق في الْفَيْء. وسهم لليتامى. وسهم للمساكين. وسهم لابن السبيل. وأما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي كان من الْفَيْء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعيّ في قول إلى المجاهدين المترصِّدين للقتال في الثغور؛ لأنهم القائمون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي قول آخر له: يصرف إلى مصالح المسلمين من سدّ الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر؛ يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء. فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهو لمصالح المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا خلاف. كما قال عليه الصلاة والسلام:

ليس لي من غنائمكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم. وقد مضى القول فيه في سورة «الأنفال». وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة يصرف عنه إلى مصالح المسلمين؛ كما قال عليه السلام:إنا لا نورث ما تركناه صدقة. وقيل: كان مال الفىء لنبيّه صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} فأضافه إليه؛ غير أنه كان لا يتأثَّل مالاً، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله وبصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات؛ أما الآية الأولى فهي قوله: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ} ثم قال تعالى: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} يعني من أهل الكتاب معطوفاً عليهم. {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} يريد كما بيّنا؛ فلا حق لكم فيه، ولذلك قال عمر: إنها كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني بني النضير وما كان مثلها. فهذه آية واحدة ومعنىً متّحد. الآية الثانية ـ قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول. وسمى الآية الثالثة آية الغنيمة، ولاشك في أنه معنىً آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر، بَيْدَ أن الآية الأولى والثانية، اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاً أفاءه الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال أنه حاصل بقتال، وعِريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال؛ فنشأ الخلاف من ها هنا، فمن طائفة قالت: هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كله ونحوه.

ومن طائفة قالت: هي ملحقة بالثانية وهي آية الأنفال. والذين قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا؛ هل هي منسوخة ـ كما تقدّم ـ أو محكمة؟ وإلحاقها بشهادة الله بالتي قبلها أوْلى؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى. ومعلوم أن حمل الحرف من الآية فضلاً عن الآية على فائدة متجدّدة أوْلى من حمله على فائدة معادة. وروى ابن وهب عن مالك في قوله تعالى: {فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} بني النضير، لم يكن فيها خمس ولم يُوجف عليها بخيل ولا ركاب. كانت صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقَسمها بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار؛ حسب ما تقدم. وقوله: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} هي قُريظة، وكانت قُريظة والخندق في يوم واحد. قال ابن العربي: قول مالك إن الآية الثانية في بني قُريظة، إشارة إلى أن معناها يعود إلى آية الأنفال، ويلحقها النسخ. وهذا أقوى من القول بالإحكام. ونحن لا نختار إلا ما قسمنا وبيّنا أن الآية الثانية لها معنى مجدّد حسب ما دلّلنا عليه. والله أعلم.

قلت ـ ما اختاره حَسَن. وقد قيل إن سورة «الحشر» نزلت بعد الأنفال، فمن المحال أن ينسخ المتقدّمُ المتأخر. وقال ابن أبي نجيح: المال ثلاثة: مَغْنم، أوْ فيءٌ، أو صدقة، وليس منه درهم إلا وقد بيّن الله موضعه. وهذا أشبه.

الثالثة ـ الأموال التي للأئمة والوُلاة فيها مَدْخلٌ ثلاثة أضْرُب: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم؛ كالصدقات والزكوات. والثاني ـ الغنائم؛ وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والقهر والغلبة. والثالث ـ الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً صفوا من غير قتال ولا إيجاف؛ كالصلح والجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجار الكفار. ومثله أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم، أو يموت أحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له. فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملين عليها؛ حسب ما ذكره الله تعالى، وقد مضى في «براءة». وأما الغنائم فكانت في صدر الإسلام للنبيّ صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما شاء؛ كما قال في سورة «الأنفال»: {قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، ثم نسخ بقوله تعالى:

{ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ }[الأنفال:41] الآية. وقد مضى في الأنفال بيانه. فأما الفَيء فقسمته وقسمة الخمس سواء. والأمر عند مالك فيهما إلى الإمام، فإن رأى حبسهما لنوازل تنزل بالمسلمين فَعَل، وإن رأى قسمتهما أو قسمة أحدهما قَسَمه كلَّه بين الناس، وسوّى فيه بين عربِيِّهم ومَوْلاهم. ويبدأ بالفقراء من رجال ونساء حتى يَغْنوا، ويعطوْا ذَوُو القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء سهمهم على ما يراه الإمام، وليس له حدّ معلوم. واختلف في إعطاء الغنيّ منهم؛ فأكثر الناس على إعطائه لأنه حقٌّ لهم. وقال مالك: لا يعطى منه غير فقرائهم، لأنه جُعل لهم عِوضاً من الصدقة. وقال الشافعي: أيما حصل من أموال الكفار من غير قتال كان يقسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما: عشرون للنبيّ صلى الله عليه وسلم يفعل فيها ما يشاء. والخُمس يقسم على ما يقسم عليه خُمس الغنيمة. قال أبو جعفر أحمد بن الدَاوُديّ: وهذا قول ما سبقه به أحد علمناه، بل كان ذلك خالصاً له، كما ثبت في الصحيح عن عمر مبيّناً للآية. ولو كان هذا لكان قوله: { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }[الأحزاب:50] يدل على أنه يجوز الموهوبة لغيره، وأن قوله: { خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ }[الأعراف:32] يجوز أن يشركهم فيها غيرهم. وقد مضى قول الشافعي مستوعباً في ذلك والحمد لله. ومذهب الشافعي رضي الله عنه: أن سبيل خمس الْفَيء سبيل خمس الغنيمة، وأن أربعة أخماسه كانت للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي بعده لمصالح المسلمين. وله قول آخر: أنها بعده للمرصدين أنفسهم للقتال بعده خاصة؛ كما تقدم.

الرابعة ـ: قال علماؤنا: ويُقسم كل مال في البلد الذي جُبيَ فيه، ولا ينقل عن ذلك البلد الذي جُبِيَ فيه حتى يَغنوا، ثم ينقل إلى الأقرب من غيرهم، إلا أن ينزل بغير البلد الذي جُبيَ فيه فاقةٌ شديدة، فينتقل ذلك إلى أهل الفاقة حيث كانوا، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أعوام الرَّمادة، وكانت خمسة أعوام أو ستة. وقد قيل عامين. وقيل: عامٌ فيه اشتد الطاعون مع الجوع. وإن لم يكن ما وصفنا ورأى الإمام إيقاف الفيء أوقفه لنوائب المسلمين، ويعطى منه المنفوس ويبدأ بمن أبوه فقير. والفيء حلال للأغنياء. ويسوّى بين الناس فيه إلا أنه يؤثر أهل الحاجة والفاقة. والتفضيل فيه إنما يكون على قدر الحاجة. ويعطى منه الغرماء ما يؤدون به ديونهم. ويعطى منه الجائزة والصلة إن كان ذلك أهلاً ويرزق القضاة والحكام ومن فيه منفعة للمسلمين. وأولاهم بتوفر الحظ منهم أعظمهم للمسلمين نفعاً. ومن أخذ من الفَيء شيئاً في الديوان كان عليه أن يغزو إذا غزى.

الخامسة ـ: قوله تعالى: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً} قراءة العامة «يَكُونُ» بالياء. «دُولَةً» بالنصب، أي كي لا يكون الفيء دولةً. وقرأ أبو جعفر والأعرج وهشام ـ عن ابن عامر ـ وأبو حيوة «تكون» بتاء «دُوَلةٌ» بالرفع، أي كي لا تقع دُولة. فكان تامة. و «دُوَلةٌ» رفع على اسم كان ولا خبر له. ويجوز أن تكون ناقصة وخبرها {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} وإذا كانت تامة فقوله: {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} متعلق بـ «دُولة» على معنى تداول بين الأغنياء منكم. ويجوز أن يكون {بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ} وصفاً لـ «دُولة». وقراءة العامة «دُولة» بضم الدال. وقرأها السُّلَمِي وأبو حيوة بالنصب. قال عيسى بن عمرو ويونس والأصمعيّ: هما لغتان بمعنىً واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الدَّولة (بالفتح) الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر. وبالضم اسم الشيء الذي يتداول من الأموال. وكذا قال أبو عبيدة: الدُّولة اسم الشيء الذي يُتداول. والدَّولة الفعل. ومعنى الآية: فعلنا ذلك في هذا الفيء، كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا غنِموا أخذ الرئيس رُبْعها لنفسه، وهو المِرْباع. ثم يصطفي منها أيضاً بعد المرْباع ما شاء؛ وفيها قال شاعرهم:

لك المِرباع منها والصفايا

يقول: كي لا يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. فجعل الله هذا لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ يقسمه في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا جاء خمس وقع بين المسلمين جميعاً.

السادسة ـ: قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه، وما نهاكم عنه من الأخذ والغلول فانتهوا؛ قاله الحسن وغيره. السدّي: ما أعطاكم من مال الفيء فاقبلوه، وما منعكم منه فلا تطلبوه. وقال ابن جُريج: ما آتاكم من طاعتي فافعلوه، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. الماوردي: وقيل إنه مـحمول على العموم في جميع أوامره ونواهيه؛ لا يأمر إلا بصلاح ولا ينهى إلا عن فساد.

قلت: هذا هو معنى القول الذي قبله. فهي ثلاثة أقوال.

السابعة ـ: قال المهدوي: قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} هذا يوجب أن كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أمرٌ من الله تعالى. والآية وإن كانت في الغنائم فجميع أوامره صلى الله عليه وسلم ونواهيه دخل فيها. وقال الحكم بن عُمير ـ وكانت له صحبة ـ: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إن هذا القرآن صَعبٌ مُسْتَصْعَبٌ عسير على من تركه يسير على من اتبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن. ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأُمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}

الثامنة ـ: قال عبد الرحمن بن زيد: لقي ابن مسعود رجلاً مُحْرِماً وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: أتقرأ عليَّ بهذا آيةً من كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}. وقال عبد الله بن محمد بن هارون الفِريابي: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله تعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ قال فقلت له: ما تقول ـ أصلحك الله ـ في المحرم يقتل الزُّنْبُور؟ قال فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} وحدثنا سُفيان بن عُيَيْنَة عن عبد الملك بن عُمير عن رِبْعِيّ ابن حِراش عن حُذيفة بن اليمَان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اقتدوا باللَذيْن من بعدي أبي بكر وعمر. حدثنا سفيان ابن عُيينة عن مِسْعر بن كِدَام عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ أنه أمر بقتل الزُّنْبُور. قال علماؤنا: وهذا جواب في نهاية الحسن، أفتى بجواز قتل الزنبور في الإحرام، وبيّن أنه يَقتدي فيه بعمر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالاقتداء به، وأن الله سبحانه أمر بقبول ما يقوله النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فجواز قتله مستنبَط من الكتاب والسنة. وقد مضى هذا المعنى من قول عكرمة حين سئل عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار في سورة «النساء» عند قوله تعالى: { أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }[النساء:59]. وفي صحيح مسلم وغيره عن علقمةعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفلِّجاتِ للحُسْن المُغَيِّرَات خلق الله» فبلغ ذلك ٱمرأةً من بني أسد يقال لها أم يعقوب؛ فجاءت فقالت: بلغني أنك لعنتَ كَيْتَ وكيتٰ فقال: ومالِي لا ألعنُ مَن لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب اللهٰ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول. فقال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيهٰ أما قرأت {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}! قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه.. الحديث. وقد مضى القول فيه في «النساء» مستوفى.

التاسعة ـ قوله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} وإن جاء بلفظ الإيتاء وهو المناولة فإن معناه الأمر؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا بالأمر؛ والدليل على فهم ذلك ما ذكرناه قبلُ مع: قوله عليه الصلاة السلام:

إذا أمرتكم بأمْرٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وقال الكلبي: إنها نزلت في رؤساء المسلمين، قالوا فيما ظهر عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أموال المشركين: يا رسول الله، خذ صَفِيّك والرُّبع، ودعنا والباقي؛ فهكذا كنا نفعل في الجاهلية. وأنشدوه:

لك المِرْباع منها والصَّفايَاوحُكْمُكَ والنَّشِيطة والفُضُولُ

فأنزل الله تعالى هذه الآية.

العاشرة: قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي عذاب الله، إنه شديد لمن عصاه. وقيل: اتقوا الله في أوامره ونواهيه فلا تضيّعوها.{إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن خالف ما أمره به.

لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ۝٨

أي الفَيءُ والغنائم {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}. وقيل: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ} ولكن يكون «لِلْفُقَراءِ». وقيل: هو بيان لقوله: وَلِذِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَاْبنِ السَّبِيلِ» فلما ذُكروا بأصنافهم قيل المال لهؤلاء، لأنهم فقراء ومهاجرين وقد أُخرجوا من ديارهم؛ فهم أحق الناس به. وقيل: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} للفقراء المهاجرين لكيلا يكون المال دولة للأغنياء من بني الدنيا. وقيل: والله شديد العقاب للمهاجرين؛ أي شديد العقاب للكفار بسبب الفقراء المهاجرين ومن أجلهم. ودخل في هؤلاء الفقراء المتقدم ذكرهم في قوله تعالى: {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ}. وقيل: هو عطف على ما مضى، ولم يأت بواو العطف كقولك: هذا المال لزيد لِبَكْر لفلان لفلان. والمهاجرون هنا: من هاجر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم حُبَّاً فيه ونُصْرَةً له. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والأهلين والأوطان حبّاً لله ولرسوله، حتى إن الرجل منهم كان يَعْصِب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحَفِيرة في الشتاء ما له دِثار غيرها. وقال عبد الرحمن بن أبزَى وسعيد ابن جُبَير: كان ناس من المهاجرين لأحدهم العبد والزوجة والدار والناقة يحجّ عليها ويغزو، فنسبهم الله إلى الفقراء وجعل لهم سهماً في الزكاة. ومعنى {أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} أي أخرجهم كفار مكة؛ أي أحوَجُوهم إلى الخروج؛ وكانوا مائة رجل. {يَبْتَغُونَ} يطلبون. {فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي غنيمة في الدنيا {وَرِضْوَاناً} في الآخرة؛ أي مرضاة ربهم. {وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الجهاد في سبيل الله. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} في فعلهم ذلك. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أُبَيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني؛ فإن الله تعالى جعلني له خازناً وقاسماً. ألاَ وإني بادٍ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فمعطيهن، ثم المهاجرين الأولين؛ أنا وأصحابي.أُخرِجنا من مكة من ديارنا وأموالنا.

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٩

فيه إحدى عشرة مسألة:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} لا خلاف أن الذين تبوَّءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين إليها. «وَالإْيمَانَ» نصب بفعل غير تبوّأ؛ لأن التبوّء إنما يكون في الأماكن. و {مِن قَبْلِهِمْ} «مِنْ» صلة تبوّأ والمعنى: والذين تبوّءوا الدار من قبل المهاجرين واعتقدوا الإيمان وأخلصوه لإن الإيمان ليس بمكان يتبوّأ، كقوله تعالى:

{ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ }[يونس:71] أي وادعوا شركاءهم؛ ذكره أبو عليّ والزمخشريّ وغيرهما. ويكون من باب قوله: عَلَفْتُهَا تِبناً وماءً بارداً. ويجوز حمله على حذف المضاف كأنه قال: تبوّءوا الدار ومواضع الإيمان. ويجوز حمله على ما دل عليه تبوّأ؛ كأنه قال: لزموا الدار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما. ويجوز أن يكون تبوّأ الإيمان على طريق المثل؛ كما تقول: تبوّأ من بني فلان الصميم. والتبوُّء: التمكن والاستقرار. وليس يريد أن الأنصار آمنوا قبل المهاجرين، بل أراد آمنوا قبل هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم.

الثانية ـ: واختلف أيضاً هل هذه الآية مقطوعة مما قبلها أو معطوفة؛ فتأوّل قوم أنها معطوفة على قوله: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} وأن الآيات التي في الحشر كلها معطوفة بعضها على بعض. ولو تأملوا ذلك وأنصفوا لوجدوه على خلاف ما ذهبوا إليه؛ لأن الله تعالى يقول: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} إلى قوله ـ {ٱلْفَاسِقِينَ} فأخبر عن بني النضير وبني قَيْنُقاع. ثم قال: {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} فأخبر أن ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يُوجف عليه حين خَلّوه. وما تقدم فيهم من القتال وقطع شجرهم فقد كانوا رجعوا عنه وانقطع ذلك الأمر. ثم قال: {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} وهذا كلام غير معطوف على الأول. وكذا {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} ابتداء كلام في مدح الأنصار والثناء عليهم؛ فإنهم سلّموا ذلك الفيء للمهاجرين؛ وكأنه قال: الفيء للفقراء المهاجرين، والانصار يحبون لهم لم يحسدوهم على ما صفا لهم من الفيء. وكذا. {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ابتداء كلام؛ والخبر {يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا}. وقال إسماعيل ابن إسحاق: إن قوله {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ} {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا} معطوف على ما قبل، وأنهم شركاء في الفيء؛ أي هذا المال للمهاجرين والذين تبوّءوا الدار. وقال مالك بن أوس: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية

{ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ } [التوبة:60] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ { وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ }} [الأنفال:41] فقال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ {وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} ـ حتى بلغ ـ {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}، {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بَسَرْوِ حمير نصيبه منها لم يَعْرَق فيها جبينه. وقيل: إنه دعا المهاجرين والأنصار واستشارهم فيما فتح الله عليه من ذلك، وقال لهم: تثبتوا الأمر وتدبروه ثم اغدوا عليّ. ففكر في ليلته فتبين له أن هذه الآيات في ذلك أنزلت. فلما غدَوْا عليه قال: قد مررت البارحة بالآيات التي في سورة «الحشر» وتلا {مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} ـ إلى قوله ـ {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} فلما بلغ قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} قال: ما هي لهؤلاء فقط. وتلا قوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} ـ إلى قوله ـ {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. ثم قال: ما بقي أحد من أهل الإسلام إلا وقد دخل في ذلك. والله أعلم.

الثالثة ـ: روى مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: لولا من يأتي من آخر الناس ما فُتحت قريةٌ إلا قسمتها كما قسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَيبر. وفي الروايات المستفيضة من الطرق الكثيرة: أن عمر أبقى سواد العراق ومصر وما ظهر عليه من الغنائم؛ لتكون من أعطيات المقاتلة وأرزاق الحِشْوة والذَّراري، وأن الزبير وبلالاً وغير واحد من الصحابة أرادوه على قسم ما فتح عليهم؛ فكره ذلك منهم واختلف فيما فعل من ذلك؛ فقيل: إنه استطاب أنفس أهل الجيش؛ فمن رضي له بترك حَظه بغير ثمن ليُبقيه للمسلمين قلة. ومن أبى أعطاه ثمن حظه. فمن قال: إنما أبقى الأرض بعد استطابة أنفس القوم جعل فعله كفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قسم خَيبر، لأن اشتراءه إياها وترك من ترك عن طيب نفسه بمنزلة قسمها. وقيل: إنه أبقاها بغير شيء أعطاه أهل الجيوش. وقيل: إنه تأول في ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ} ـ إلى قوله ـ {رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} على ما تقدم. والله أعلم.

الرابعة ـ: واختلف العلماء في قسمة العقار؛ فقال مالك: للإمام أن يوقفها لمصالح المسلمين. وقال أبو حنيفة الإمام مخير بين أن يقسمها أو يجعلها وقفاً لمصالح المسلمين وقال الشافعيّ: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، بل يقسمها عليهم كسائر الأموال. فمن طاب نفساً عن حقه للإمام أن يجعله وقْفاً عليهم فله. ومن لم تَطِب نفسُه فهو أحق بماله. وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم.

قلت: وعلى هذا يكون قوله: {وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ} مقطوعاً مما قبله، وأنهم نُدبوا بالدعاء للأولين والثناء عليهم.

الخامسة ـ: قال ابن وهب: سمعت مالكاً يذكر فضل المدينة على غيرها من الآفاق فقال: إن المدينة تُبُوِّئت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القُرى افتتِحت بالسيف؛ ثم قرأ {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} الآية. وقد مضى الكلام في هذا، وفي فضل الصلاة في المسجدين: المسجد الحرام ومسجد المدينة؛ فلا معنى للإعادة.

السادسة ـ: قوله تعالى: {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره؛ كذلك قال الناس. وفيه تقدير حذف مضافين؛ المعنى مَسَّ حاجةٍ من فَقد ما أوتوا. وكل ما يجد الإنسان في صدره مما يحتاج إلى إزالته فهو حاجة. وكان المهاجرون في دور الأنصار: فلما غَنم عليه الصلاة والسلام أموال بني النضير، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين في إنزالهم إياهم في منازلهم، وإشراكهم في أموالهم. ثم قال:

«إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم». فقال سعد بن عُبادة وسعد بن معاذ: بل نقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار». وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئاً إلا الثلاثة الذين ذكرناهم. ويحتمل أن يريد به {وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ} إذا كان قليلاً (بل) يقنعون به ويرضون عنه. وقد كانوا على هذه الحالة حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم دُنْيَا، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه وسلم بحكم الدنيا. وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال:سترون بعدي أَثَرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض

السابعة ـ: قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} في الترمذي عن أبي هريرة: أن رجلاً بات به ضيف فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه؛ فقال لامرأته: نَوِّمي الصِّبية وأطفئي السراج وقَرّبي للضيف ما عندك؛ فنزلت هذه الآية {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} قال: هذا حديث حسن صحيح. خرجه مسلم أيضاً.

وخرّج عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود. فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى الأخرى فقالت مثل ذلك؛ حتى قلن كلُّهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: من يُضيف هذا الليلة رحمه الله.؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله. فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: فعلّلِيهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل؛ فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قد عجِبَ الله ـ عز وجل ـ من صنيعكما بضيفكما الليلة». وفي رواية عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضيفه فلم يكن عنده ما يضيفه. فقال: «ألا رجل يضيف هذا رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة. فانطلق به إلى رحله...؛ وساق الحديث بنحو الذي قبله، وذكر فيه نزول الآية. وذكر المهدويّ عن أبي هريرة أن هذا نزل في ثابت بن قيس ورجل من الأنصار ـ نزل به ثابت ـ يقال له أبو المتوكل، فلم يكن عند أبي المتوكل إلا قوته وقوت صبيانه؛ فقال لامرأته: أطفئي السراج ونوّمي الصبية؛ وقَدّم ما كان عنده إلى ضيفه. وكذا ذكر النحاس قال: قال أبو هريرة: نزل برجل من الأنصار ـ يقال له أبو المتوكل ـ ثابت بن قيس ضيفاً، ولم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه؛ فقال لامرأته: أطفئي السراج ونوّمي الصبية؛ فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ـ إلى قوله ـ {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. وقيل: إن فاعل ذلك أبو طلحة. وذكر القشيري أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم: وقال ابن عمر: أهدي لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي فلاناً وعياله أحوج إلى هذا منّا؛ فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك؛ فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. ذكره الثعلبيّ عن أنس قال: أهْدِىَ لرجل من الصحابة رأس شاة وكان مجهوداً فوجّه به إلى جار له، فتداولته سبعة أنفس في سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول؛ فنزلت: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الآية. وقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار يوم بني النضير: «إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة وان شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئاً» فقالت الأنصار: بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة؛ فنزلت {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} الآية. والأول أصح. وفي الصحيحين عن أنس: أن الرجل كان يجعل للنبيّ صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه حتى فُتحت عليه قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليه ما كان أعطاه. لفظ مسلم. وقال الزهري عن أنس بن مالك: لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام ويكفونهم العمل والمؤونة؛ وكانت أمّ أنس بن مالك تُدعى أم سُلَيم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، كان أخا لأنس لأمه؛ وكانت أعطت أم أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عِذاقاً لها؛ فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مولاته، أم اسامة بن زيد. قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم. قال: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عِذاقها، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه. خرجّه مسلم أيضاً.

الثامنة ـ الإيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية، ورغبة في الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة. يقال: آثرته بكذا؛ أي خصصته به وفضّلته. ومفعول الإيثار محذوف؛ أي يؤثرونهم على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم، لا عن غنى بل مع احتياجهم إليها؛ حسب ما تقدم بيانه. وفي موطأ مالك: «أنه بلغه عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، أن مسكيناً سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف؛ فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه؛ فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه؟ فقالت: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يُهدى لنا: شاةً وكفنها. فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا، فهذا خير من قرصك. قال علماؤنا: هذا من المال الرابح، والفعل الزاكي عند الله تعالى يعجّل منه ما يشاء، ولا ينقص ذلك مما يدخر عنه. ومن ترك شيئاً لله لم يجد فَقْدَه. وعائشة رضي الله عنها في فعلها هذا من الذين أثنى الله عليهم بأنهم يؤثرون على أنفسهم مع ما هم فيه من الخصاصة، وأن من فعل ذلك فقد وقى شُحّ نفسه وأفلح فلاحاً لا خسارة بعده. ومعنى (شاة وكَفَنَها) فإن العرب ـ أو بعض العرب أو بعض وجوههم ـ كان هذا من طعامهم، يأتون إلى الشاة أو الخروف إذا سلخوه غَطّوه كله بعجين البُرِّ وكفنوه به ثم علقوه في التنور، فلا يخرج من ودكه شيء إلا في ذلك الكفن؛ وذلك من طيب الطعام عندهم. وروى النسائي عن نافع أن ابن عمر اشتكى واشتهى عنباً، فاشترى له عنقود بدرهم، فجاء مسكين فسأل؛ فقال: أعطوه إياه؛ فخالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إلى ابن عمر، فجاء المسكين فسأل؛ فقال: أعطوه إياه؛ ثم خالف إنسان فاشتراه بدرهم، ثم جاء به إليه؛ فأراد السائل أن يرجع فمنع. ولو علم ابن عمر أنه ذلك العنقود ما ذاقه؛ لأن ما خرج لله لا يعود فيه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا محمد بن مطرّف قال: حدثنا أبو حازم عن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع عن مالك الدار: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عُبيدة بن الجرّاح، ثم تَلَكَّأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك؛ فقال: وَصَلَه الله ورَحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان؛ حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل؛ وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل؛ وتَلَكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووَصَله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن! والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسُرّ بذلك عمر وقال: إنهم إخوة! بعضهم من بعض. ونحوه عن عائشة رضي الله عنها في إعطاء معاوية إياها، وكان عشرة آلاف وكان المُنْكَدِر دخل عليها. فإن قيل: وردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه المرء، قيل له: إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه الصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه. فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم بالإيثار على أنفسهم، فلم يكونوا بهذه الصفة، بل كانوا كما قال الله تعالى:

{ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ }[البقرة:177]. وكان الإيثار فيهم أفضل من الإمساك. والإمساك لمن لا يصبر.

ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار. وروي أنّ رجلاً

جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل البيضة من الذهب فقال: هذه صدقة، فرماه بها وقال: «يأتي أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدّق به ثم يقعد يتكفف الناس». والله أعلم.

التاسعة: ـ والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس. ومن الأمثال السائرة:

والجُـودُ بالنَّفْس أقصَى غايـة الجُـودِ

ومن عبارات الصوفية الرشيقة في حدّ المحبة: أنها الإيثار، ألا ترى أن امرأة العزيز لمّا تناهت في حُبّها ليوسف عليه السلام، آثرته على نفسها فقالت: أنا راودته عن نفسه. وأفضل الجود بالنفس الجودُ على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح: أن أبا طَلْحة ترَسّ على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يتطلّع ليرى القوم. فيقول له أبو طلحة: لا تُشرِف يا رسول الله! لا يصيبونك! نَحْرِي دون نحرك! ووَقى بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم فشُلّت. وقال حُذيفة العدوِيّ: انطلقت يوم اليَرْمُوك أطلب ابن عم لي ـ ومعي شيء من الماء ـ وأنا أقول: إن كان به رَمقٌ سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أنْ نَعم، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إليَّ ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو مات. وقال أبو يزيد البِسْطَامِيّ: ما غَلَبني أحدٌ ما غلبني شابٌّ من أهل بَلْخ! قدِم علينا حاجاً فقال لي: يا أبا يزيد، ما حَدُّ الزهد عندكم؟ فقلت: إنْ وَجَدْنا أكلنا. وإن فقدنا صبرنا. فقال: هكذا كلاب بَلْخ عندنا. فقلت: وما حَدّ الزهد عندكم؟ قال: إن فقدنا شكرنا، وإن وجدنا آثرنا. وسُئل ذو النُّون المصري: ما حَدُّ الزاهد المنشرح صدره؟ قال ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت. وحكي عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيّف وثلاثون رجلاً بقرية من قُرَى الرَّيّ، ومعهم أرغفة معدودة لا تُشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام؛ فلما رُفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئاً؛ إيثاراً لصاحبه على نفسه.

العاشرة ـ: قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الخصاصة: الحاجة التي تختلّ بها الحال. وأصلها من الاختصاص وهو انفراد بالأمر. فالخصاصة الإنفراد بالحاجة؛ أي ولو كان بهم فاقة وحاجة. ومنه قول الشاعر:

أمّا الربيع إذا تكون خصاصةٌعاش السقيم به وأَثْرَى الْمُقْترُ

الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الشُّحّ والبُخْلُ سواء؛ يقال: رجل شحيح بَيّن الشُّحّ والشَّح والشّحاحة. قال عمرو بن كلثوم:

ترى اللَّحِزَ الشّحيحَ إذا أُمِرّتْعليه لِمالِه فيها مُهِينا

وجعل بعض أهل اللغة الشُّحّ أشدّ من البخل. وفي الصحاح: الشّحُّ البخلُ مع حِرص؛ تقول: شَحِحت (بالكسر) تَشَحّ. وشَحَحْتَ أيضاً تَشُحّ وتَشِحّ. ورجل شحيح، وقومٌ شِحاح وأشِحّة. والمراد بالآية: الشّحُّ بالزكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضيافة، وما شاكل ذلك. فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك وإن أمسك عن نفسه. ومن وَسّع على نفسه ولم ينفق فيما ذكرناه من الزكوات والطاعات فلم يُوقَ شُحَّ نفسه. وروى الأسْودُ عن ابن مسعود أن رجلا أتاه فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت؟ قال: وما ذاك؟ قال: سمعت الله عز وجل يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أُخرج من يدي شيئاً. فقال ابن مسعود: ليس ذلك بالشُّح الذي ذكره الله تعالى في القرآن، إنما الشّح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكنّ ذلك البخل، وبئس الشَّيء البخل. ففرّق رضي الله عنه بين الشح والبخل. وقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشّح أن يَشِح بما في أيدي الناس، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحِلّ والحرام، لا يقنع. ابن جبير: الشح منع الزكاة وادّخار الحرام. ابن عُيَيْنَة: الشح الظلم. الليث: ترك الفرائض وانتهاك المحارم. ابن عباس: من اتبع هواه ولم يقبل بالإيمان فذلك الشحيح. ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً (لشيء) نهاه الله عنه، ولم يَدْعُه الشح (على أن يمنع شيئاً من شيء) أمره الله به، فقد وقاه الله شح نفسه. وقال أنس: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:بَرِىء من الشّح من أدّى الزكاة وقَرَى الضيف وأعطى في النائبة. وعنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدعواللهم إني أعوذ بك من شُحّ نفسي وإسرافها ووساوسها. وقال أبو الهَيّاج الأسدي: رأيت رجلا في الطّواف يدعو: اللهم قِني شُحَّ نفسي. لا يزيد على ذلك شيئاً، فقلت له؟ فقال: إذا وقيت شُحّ نفسي لم أسرق ولم أزْنِ ولم أفعل. فإذا الرجل عبد الرحمن بن عَوْف.

قلت: يدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم:

اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشّح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سَفَكوا دماءهم واستحلُّوا محارمهم. وقد بيناه في آخر «آل عمران». وقال كِسرى لأصحابه: أي شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كِسرى: الشح أضرّ من الفقر؛ لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبداً.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ