انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المعارج

تفسير الطبريالآيات 40–44

تفسير سورة المعارج آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المعارج

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 12:29

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 12:29

فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ۝٤٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ۝٤١ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ۝٤٢

يقول تعالى ذكره: فلا أقسم بربّ مشارق الأرض ومغاربها {إنَّا لَقادِرُونَ على أنْ نُبَدّلَ خَيْراً مِنْهُمْ} يقول: إنا لقادرون على أن نهلكهم، ونأتي بخير منهم من الخلق يطيعونني ولا يعصونني {وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} يقول تعالى ذكره: وما يفوتنا منهم أحد بأمر نريده منه، فيعجزنا هرباً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب ابن إبراهيم، قال: ثنا علية، قال: أخبرنا عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: إن الشمس تطلع كلّ سنة في ثلاثمائة وستين كوّة، تطلع كلّ يوم في كوّة، لا ترجع إلى تلك الكوّة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، تقول: ربّ لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك، يعملون بمعاصيك أراهم، قال: أو لم تسمعوا إلى قول أمية بن أبي الصلت:

حتى تُجَرَّ وتُجْلَدَ

قلت: يا مولاه وتجلد الشمس؟ فقال: عَضَضْتَ بِهَنِ أبيك، إنما اضطره الرويّ إلى الجلد.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني ابن عمارة، عن عكرِمة، عن ابن عباس في قول الله: {رَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ} قال: إن الشمس تطلع من ثلاثمائة وستين مطلعاً، تطلع كلّ يوم من مطلع لا تعود فيه إلى قابل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، قال عكرِمة: فقلت له: قد قال الشاعر:

حتى تُجَرَّ وتُجْلَد

قال: فقال ابن عباس: عضِضت بهن أبيك، إنما اضطره الرويّ.

حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرنا عمارة، عن عكرمة، عن ابن عباس: إن الشمس تطلع في ثلاثمائة وستين كوّة، فإذا طلعت في كوّة لم تطلع منها حتى العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {فَلا أُقْسِمُ بِرَبّ المَشارَقِ وَالمَغارِبِ} قال: هو مطلع الشمس ومغربها، ومطلع القمر ومغربه.

وقوله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا} يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فذر هؤلاء المشركين المهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين، يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في هذه الدنيا {حتى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} يقول: حتى يلاقوا عذاب يوم القيامة الذي يوعدونه.

يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ ۝٤٣ خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ۝٤٤

وقوله: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ} بيان وتوجيه عن اليوم الأوّل الذي في قوله: {يَوْمُهُمُ الَّذِي يوعَدُونَ} وتأويل الكلام: حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدونه يوم يخرجون مِن الأجداث وهي القبور: واحدها جدث {سِرَاعاً كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِرَاعاً}: أي من القبور سراعاً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

وقد بيَّنا الجدث فيما مضى قبل بشواهده، وما قال أهل العلم فيه.

وقوله: {إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} يقول: كأنهم إلى عَلَم قد نُصب لهم يستبقون. وأجمعت قرّاء الأمصار على فتح النون من قوله: «نَصْبٍ» غير الحسن البصري، فإنه ذكر عنه أنه كان يضمها مع الصاد وكأن من فتحها يوجه النصب إلى أنه مصدر من قول القائل: نصبت الشيء أنصبه نصباً. وكان تأويله عندهم: كأنهم إلى صنم منصوب يسرعون سعياً. وأما من ضمها مع الصاد فأنه يوجهه إلى أنه واحد الأنصاب، وهي آلهتهم التي كانوا يعبدونها.

وأما قوله: {يُوفِضُونَ} فإن الإيفاض: هو الإسراع ومنه قول الشاعر:

لأَنْعَتَنْ نَعامَةً مِيفاضَا خَرْجاءَ تَغْدو تطْلُبُ الإضَاَضَا

يقول: تطلب ملجأً تلجأ إليه والإيفاض: السرعة وقال رؤبة:

تَمْشِي بنا الجِدّ على أوْفاضٍ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن أبي العالية، أنه قال في هذه الآية {كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: إلى علامات يستبقون.

حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: إلى علم يسعون.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {يُوفِضُونَ} قال: يستبقون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: إلى علم يسعون.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: إلى عَلَم يوفضون، قال: يسعون.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت أبا عمر يقول: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: {كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: إلى غاية يستبقون.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} إلى علم ينطلقون.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: إلى علم يستبقون.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: النصب: حجارة كانوا يعبدونها، حجارة طوال يقال لها نصب. وفي قوله {يوفِضُونَ} قال: يُسرعون إليه كما يُسرعون إلى نصب يوفضون قال ابن زيد: والأنصاب التي كان أهل الجاهلية يعبدونها ويأتونها ويعظمونها، كان أحدهم يحمله معه، فإذا رأى أحسن منه أخذه، وألقى هذا، فقال له: كَلٌّ عَلىَ مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مرّة، عن الحسن، في قوله: {كأنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قال: يبتدرون إلى نصبهم أيهم يستلمه أوّل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا قرّة، عن الحسن، مثله.

وقوله: {خاشِعَةً أبْصَارُهُمْ} يقول: خاضعة أبصارهم للذي هم فيه من الخزي والهوان {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} يقول: تغشاهم ذلة {ذَلكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعِدُونَ} يقول عزّ وجلّ: هذا اليوم الذي وصفت صفته، وهو يوم القيامة الذي كان مشركو قريش يوعدونَ في الدنيا أنهم لاقوه في الآخرة، كانوا يُكَذّبون به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ذَلكَ اليَوْم} يوم القيامة {الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ}.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ