انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المعارج

تفسير القرطبيالآيات 1–44

تفسير سورة المعارج آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَأَلَ سَآئِلٌۢ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ۝١ لِّلْكَٰفِرِينَ لَيْسَ لَهُۥ دَافِعٌ ۝٢ مِّنَ ٱللَّهِ ذِى ٱلْمَعَارِجِ ۝٣ تَعْرُجُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ۝٤

قوله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} قرأ نافع وابن عامر «سَالَ سَايل» بغير همزة. الباقون بالهمز. فمن همز فهو من السؤال. والباء يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون بمعنى عن. والسؤال بمعنى الدعاء؛ أي دعا داع بعذاب؛ عن ابن عباس وغيره. يقال: دعا على فلان بالويل، ودعا عليه بالعذاب. ويقال: دعوت زيداً؛ أي التمست إحضاره. أي التَمَسَ ملتمِسٌ عذاباً للكافرين؛ وهو واقع بهم لا محالة يوم القيامة. وعلى هذا فالباء زائدة؛ كقوله تعالى:

{ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ }[المؤمنون:20]، وقوله. { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ }[مريم:25] فهي تأكيد. أي سأل سائل عذاباً واقعاً.{لِّلْكَافِرِينَ} أي على الكافرين. وهو النضر بن الحارث حيث قال: { ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }[الأنفال:32] فنزل سؤاله، وقُتل يوم بدرٍ صبراً هو وعقبة بن أبي مُعيط؛ لم يُقْتل صبراً غيرُهما؛ قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان والفِهْرِيّ. وذلك أنه لما بلغه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في عليّ رضي الله عنه:مَنْ كنتُ مَوْلاَه فعليٌّ مولاهركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح ثم قال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إلٰه إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأن نصلّي خمساً فقبلناه منك، ونزكي أموالنا فقبلناه منك، وأن نصوم شهر رمضان في كل عام فقبلناه منك، وأن نَحُجّ فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا حتى فَضَّلْتَ ابن عمك عليناٰ أفهذا شيء منك أم من الله؟ ٰ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:والله الذي لا إلٰه إلا هو ما هو إلا من اللهفولّى الحارث وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. فوالله ما وصل إلى ناقته حتى رماه الله بحجر فوقع على دماغه فخرج من دبره فقتله؛ فنزلت: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} الآية. وقيل: إن السائل هنا أبو جهل وهو القائل لذلك، قاله الربيع. وقيل: إنه قول جماعة من كفار قريش. وقيل: هو نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين. وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم أي دعا عليه السلام بالعقاب وطلب أن يوقعه الله بالكفار؛ وهو واقع بهم لا محالة. وامتدّ الكلام إلى قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} أي لا تستعجل فإنه قريب. وإذا كانت الباء بمعنى عن ـ وهو قول قتادة ـ فكأن سائلاً سأل عن العذاب بمن يقع أو متى يقع. قال الله تعالى: { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }[الفرقان:59] أي سل عنه. وقال علقمة:

فإن تسألوني بالنساء فإننيبصير بأدواء النساء طبِيب

أي عن النساء. ويقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. فالمعنى سألوا بمن يقع العذاب ولمن يكون فقال الله: {لِّلْكَافِرِينَ}. قال أبو علي وغيره: وإذا كان السؤال فأصله أن يتعدَّى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما. وإذا اقتصر على أحدهما جاز أن يتعدّى إليه بحرف جَرّ؛ فيكون التقدير سأل سائل النبيّ صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب. ومن قرأ بغير همز فله وجهان: أحدهما أنه لغة في السؤال وهي لغة قريش؛ تقول العرب: سال يسال؛ مثل نال ينال وخاف يخاف. والثاني أن يكون من السيلان؛ ويؤيده قراءة ابن عباس «سال سَيْل». قال عبد الرحمن بن زيد: سال وادٍ من أودية جهنم يقال له: سائل؛ وهو قول زيد بن ثابت. قال الثعلبي: والأوّل أحسن؛ كقول الأعشى في تخفيف الهمزة:

سالتاني الطلاق إذ رأتانيقَلّ مالي قد جئتماني بنُكْر

وفي الصحاح: قال الأخفش: يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. وقد تخفف همزته فيقال سال يسال وقال:

ومُرْهقٍ سال إمتاعاً بأُصْدَتِهلم يَسْتَعن وحَوامِي المَوْتِ تغشاه

المرهق: الذي أدرك ليقتل.والأُصدة بالضم: قميص صغير يلبس تحت الثوب. المهدويّ: من قرأ «سال» جاز أن يكون خفّف الهمزة بإبدالها ألفاً، وهو البدل على غير قياس. وجاز أن تكون الألف منقلبة عن واو على لغة من قال: سِلت أسال؛ كخفت أخاف. النحاس: حكى سيبويه سِلت أسال؛ مثل خفت أخاف؛ بمعنى سألت. وأنشد:

سالَتْ هُذَيلٌ رسولَ الله فاحشةًضَلّتْ هذيلٌ بما سالتْ ولم تُصِبِ

ويقال: هما يتساولان. المهدوي: وجاز أن تكون مبدلة من ياء، من سال يسيل. ويكون سايل وادياً في جهنم؛ فهمزة سايل على القول الأوّل أصلية، وعلى الثاني بدل من واو، وعلى الثالث بدل من ياء. القشيري: وسائل مهموز؛ لأنه إن كان من سأل بالهمز فهو مهموز، وإن كان من غير الهمز كان مهموزاً أيضاً؛ نحو قائل وخائف؛ لأن العين اعتلّ في الفعل واعتل في اسم الفاعل أيضا. ولم يكن الاعتلال بالحذف لخوف الالتباس، فكان بالقلب إلى الهمزة، ولك تخفيف الهمزة حتى تكون بين بين. {وَاقِعٍ} أي يقع بالكفار، بيّن أنه من الله ذي المعارج. وقال الحسن: أنزل الله تعالى: {سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} فقال لمن هو؟ فقال للكافرين؛ فاللام في الكافرين متعلقة بـ «واقع». وقال الفرّاء: التقدير بعذاب للكافرين واقع؛ فالواقع من نعت العذاب، واللام دخلت للعذاب لا للواقع، أي هذا العذاب للكافرين في الآخرة لا يدفعه عنهم أحد. وقيل إن اللام بمعنى على، والمعنى: واقع على الكافربن. ورُوي أنها في قراءة أُبيّ كذلك. وقيل: بمعنى عن؛ أي ليس له دافع عن الكافرين من الله. أي ذلك العذاب من الله ذي المعارج؛ أي ذي العلوّ والدرجات الفواضل والنِّعم؛ قاله ابن عباس وقتادة. فالمعارج مراتب إنعامه على الخلق. وقيل ذي العظمة والعلاء. وقال مجاهد: هي معارج السماء. وقيل: هي معارج الملائكة؛ لأن الملائكة تعرج إلى السماء فوصف نفسه بذلك. وقيل: المعارج الغرف؛ أي إنه ذو الغُرف، أي جعل لأوليائه في الجنة غرفاً. وقرأ عبد الله «ذي المعاريج» بالياء. يقال: معرج ومعراج ومعارج ومعاريج؛ مثل مفتاح ومفاتيح. والمعارج الدرجات؛ ومنه: { وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ }[الزخرف:33]. {تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ} أي تَصْعَد في المعارج التي جعلها الله لهم. وقرأ ابن مسعود وأصحابه والسُّلّمِيّ والكسائي «يَعْرُجُ» بالياء على إرادة الجمع؛ ولقوله: ذكِّروا الملائكة ولاتؤنثوهم. وقرأ الباقون بالتاء على إرادة الجماعة. «وَالرُّوحُ» جبريل عليه السلام؛ قاله ابن عباس. دليله قوله تعالى: { نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ }[الشعراء:193]. وقيل: هو مَلَك آخر عظيم الخِلقة. وقال أبو صالح: إنه خَلْقٌ من خَلْق الله كهيئة الناس وليس بالناس. قال قَبِيصة بن ذُؤَيْب: إنه روح الميت حين يقُبض. {إِلَيْهِ} أي إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء؛ لأنها محل بِرّه وكرامته. وقيل: هو كقول إبراهيم { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي }[الصافات:99]. أي إلى الموضع الذي أمرني به. وقيل: «إلَيْهِ» أي إلى عرشه. {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} قال وهب والكلبي ومحمد بن إسحاق: أي عروج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم في وقت كان مقداره على غيرهم لو صَعِد خمسين ألف سنة. وقال وهب أيضاً: ما بين أسفل الأرض إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة. وهو قول مجاهد. وجمع بين هذه الآية وبين قوله: { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ }} [السجدة:5] في سورة السجدة، فقال: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات خمسون ألف سنة. وقوله تعالى في: (الۤم تنزيل): {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} يعني بذلك نزول الأمر من سماء الدنيا إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد فذلك مقدار ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام. وعن مجاهد أيضاً والحَكَم وعِكْرمة: هو مدّة عمر الدنيا من أوّل ما خلقت إلى آخر ما بقي خمسون ألف سنة. لا يدري أحدٌ كم مضى ولا كم بقي إلا الله عز وجل. وقيل: المراد يوم القيامة، أي مقدار الحُكْم فيه لو تولاه مخلوق خمسون ألف سنة، قاله عكرمة أيضا والكلبي ومحمد بن كعب. يقول سبحانه وتعالى وأنا أفرغ منه في ساعة. وقال الحسن: هو يوم القيامة، ولكن يوم القيامة لا نفاد له. فالمراد ذكر موقفهم للحساب فهو في خمسين ألف سنة من سِني الدنيا، ثم حينئذ يستقر أهل الدارين في الدارين. وقال يَمَان: هو يوم القيامة، فيه خمسون موطناً كل موطن ألف سنة. وقال ابن عباس: هو يوم القيامة، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، ثم يدخلون النار للاستقرار.

قلت: وهذا القول أحسن ما قيل في الآية إن شاء الله، بدليل ما رواه قاسم بن أصْبَغ

من حديث أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة». فقلت: ما أطول هذاٰ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة المكتوبة يصلّيها في الدنيا». واستدّل النحاس على صحة هذا القول بما رواه سُهيل عن أبيه عن أبي هريرة: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:ما من رجل لم يؤدّ زكاة ماله إلا جعل شجاعاً من نار تكوي به جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين الناس. قال: فهذا يدل على أنه يوم القيامة. وقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروي هذا المعنى مرفوعاً من حديث معاذ: عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين ولذلك سَمّى نفسه سريع الحساب وأسرع الحاسبين. ذكره الماورديّ. وقيل: بل يكون الفراغ لنصف يوم، كقوله تعالى: { أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً }[الفرقان:24]. وهذا على قدر فَهم الخلائق، وإلا فلا يشغله شأن عن شأن. وكما يرزقهم في ساعة كذا يحاسبهم في لحظة، قال الله تعالى: { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ }[لقمان:28]. وعن ابن عباس أيضاً أنه سئل عن هذه الآية وعن قوله تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فقال: أيام سَمّاها الله عز وجل هو أعلم بها كيف تكون، وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم. وقيل: معنى ذكر خمسين ألف سنة تمثيل، وهو تعريف طول مدّة القيامة في الموقف، وما يلقى الناس فيه من الشدائد. والعرب تصف أيام الشدّة بالطول، وأيام الفرح بالقِصر؛ قال الشاعر:

ويومٍ كظِلّ الرُّمْح قَصَّرَ طولَهدَمُ الزِّق عنّا واصطفاق المزاهر

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له من الله دافع، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه. وهذا القول هو معنى ما اخترناه، والموفق الإلٰه.

فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ۝٥ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُۥ بَعِيدًا ۝٦ وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا ۝٧

قوله تعالى: {فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} أي على أذى قومك. والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شَكْوَى لغير الله. وقيل: هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُدْرَى من هو. والمعنى متقارب. وقال ابن زيد: هي منسوخة بآية السيف. {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً} يريد أهل مكة يرون العذاب بالنار بعيداً؛ أي غير كائن. {وَنَرَاهُ قَرِيباً} لأن ما هو آت فهو قريب. وقال الأعمش: يرون البعث بعيداً لأنهم لا يؤمنون به؛ كأنهم يستبعدونه على جهة الإحالة. كما تقول لمن تناظره: هذا بعيد لا يكون! وقيل: يرون هذا اليوم بعيداً «وَنَرَاهُ» أي نعلمه؛ لأن الرؤية إنما تتعلق بالموجود. وهو كقولك: الشافعيّ يرى في هذه المسألة كذا وكذا.

يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ ۝٨ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ۝٩ وَلَا يَسْـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ۝١٠

قوله تعالى: {يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} العامل في «يَوْمَ» «واقع»؛ تقديره يقع بهم العذاب يوم. وقيل: «نَرَاهُ» أو «يُبَصَّرونهم» أو يكون بدلاً من قريب. والْمُهْلُ: دُرْدِيّ الزيت وَعَكرُه؛ في قول ابن عباس وغيره. وقال ابن مسعود: ما أذيب من الرَّصاص والنُّحاص والفضّة. وقال مجاهد: «كَالْمُهْلِ» كقيح من دم وصديد. وقد مضى في سورة «الدخان»، و «الكهف» القول فيه. {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} أي كالصُّوف المصبوغ. ولا يقال للصوف عِهْن إلا أن يكون مصبوغاً. وقال الحسن: {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ} وهو الصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف. ومنه قول زُهير:

كأن فُتات العِهنِ في كل منزلنزلن به حَبُّ الفَنَا لم يُحَطَّمِ

الفُتاتُ القِطَع. والعِهْنُ الصوفُ الأحمر؛ واحده عِهْنة. وقيل: العهْنُ الصوف ذو الألوان؛ فشبّه الجبال به في تَلَوُّنها ألواناً. والمعنى: أنها تلين بعد الشدّة، وتتفرق بعد الاجتماع. وقيل: أوّل ما تتغير الجبال تصير رَمْلاً مَهِيلاً، ثم عِهْناً منفوشاً، ثم هَباءً مُنْبثاً. {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} أي عن شأنه لشغل كل إنسان بنفسه، قاله قتادة. كما قال تعالى: { لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }[عبس:37]. وقيل: لا يسأل حميم عن حميم، فحذف الجار ووصل الفعل. وقراءة العامة «يسأل» بفتح الياء. وقرأ شيبة والبَزِّي عن عاصم «ولا يُسأل» بالضم على ما لم يسم فاعله، أي لا يُسأل حميم عن حميمه ولا ذو قرابة عن قرابته، بل كل إنسان يسأل عن عمله. نظيره: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }[المدثر:38].

يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍۭ بِبَنِيهِ ۝١١ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ ۝١٢ وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِى تُـْٔوِيهِ ۝١٣ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ ۝١٤

قوله تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ} أي يرونهم. وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس. فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله ولا يكلمه؛ لاشتغالهم بأنفسهم. وقال ابن عباس: يتعارفون ساعة ثم لا يتعارفون بعد تلك الساعة. وفي بعض الأخبار: أن أهل القيامة يفِرّون من المعارف مخافة المظالم. وقال ابن عباس أيضاً: {يُبَصَّرُونَهُمْ} يبصر بعضهم بعضاً فيتعارفون ثم يفرّ بعضهم من بعض. فالضمير في {يُبَصَّرُونَهُمْ} على هذا للكفار، والميم للأقرباء. وقال مجاهد: المعنى يبصّر الله المؤمنين الكفار في يوم القيامة؛ فالضمير في يبصرونهم للمؤمنين، والهاء والميم للكفار. ابن زيد: المعنى يبصر الله الكفار في النار الذين أضلّوهم في الدنيا؛ فالضمير في «يُبَصَّرُونَهُمْ» للتابعين، والهاء والميم للمتبوعين. وقيل: إنه يبصر المظلوم ظالمه والمقتول قاتله وقيل «يبصرونهم» يرجع إلى الملائكة؛ أي يعرفون أحوال الناس فيسوقون كلّ فريق إلى ما يليق بهم. وتم الكلام عند قوله: {يُبَصَّرُونَهُمْ}. ثم قال: {يَوَدُّ ٱلْمُجْرِمُ} أي يتمنى الكافر. {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ} يعني من عذاب جهنم بأعزّ من كان عليه في الدنيا من أقاربه فلا يقدر. ثم ذكرهم فقال: {بِبَنِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ} وزوجته. {وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ} أي عشيرته. {ٱلَّتِي تُؤْوِيهِ} تنصره؛ قاله مجاهد وابن زيد. وقال مالك: أمّه التي تُرَبِّيه. حكاه الماورديّ ورواه عنه أشهب. وقال أبو عبيدة: الفصِيلة دون القبيلة. وقال ثعلب: هم آباؤه الأدنون. وقال المبرد: الفصيلة القطعة من أعضاء الجسد، وهي دون القبِيلة. وسُمِّيت عتْرة الرجل فصيلتَه تشبيهاً بالبعض منه. وقد مضى في سورة «الحجرات» القول في القبيلة وغيرها. وهنا مسألة، وهي: إذا حبس على فصيلته أو أوصى لها فمن ادعى العموم حمله على العشِيرة، ومن ادعى الخصوص حمله على الآباء؛ الأدنى فالأدنى. والأوّل أكثر في النطق. والله أعلم. ومعنى: «تُؤْويه» تضمه وتؤمّنه من خوف إن كان به. {وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي ويَوَدّ لوفُدِي بهم لافتدى {ثُمَّ يُنجِيهِ} أي يخلصه ذلك الفداء. فلا بد من هذا الاضمار، كقوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أي وإن أكله لَفِسق. وقيل: «يَوَدُّ الْمُجرِمُ» يقتضي جواباً بالفاء؛ كقوله: {وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}. والجواب في هذه الآية «ثُمَّ يُنْجِيِه» لأنها من حروف العطف؛ أي يَوّد المجرم لو يفتدى فينجيه الافتداء.

كَلَّآ إِنَّهَا لَظَىٰ ۝١٥ نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ ۝١٦ تَدْعُوا۟ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ ۝١٧ وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰٓ ۝١٨

قوله تعالى: {كَلاَّ} تقدّم القول في «كَلاَّ» وأنها تكون بمعنى حَقاً، وبمعنى لا. وهي هنا تحتمل الأمرين؛ فإذا كانت بمعنى حقاً كان تمام الكلام «يُنجيهِ». وإذا كانت بمعنى لا كان تمام الكلام عليها؛ أي ليس ينجيه من عذاب الله الافتداء ثم قال: {إِنَّهَا لَظَىٰ} أي هي جهنم؛ أي تتلَظّى نيرانها؛ كقوله تعالى:

{ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ }[الليل:14] واشتقاق لظي من التلظيِّ. والتِظَاءُ النار التهابها، وتلظّيها تلهُّبها. وقيل: كان أصلها «لظظ» أي مادامت لدوام عذابها؛ فقلبت إحدى الظائين ألفاً فبقيت لظى. وقيل: هي الدركة الثانية من طبقات جهنم. وهي اسم مؤنث معرفة فلا ينصرف. {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم في رواية أبي بكر عنه والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ «نَزَّاعَةٌ» بالرفع. وروى أبو عمرو عن عاصم «نَزَّاعَةً» بالنصب. فمن رفع فله خمسة أوجه: أحدها أن تجعل «لظى» خبر «إنّ» وترفع «نزاعة» بإضمار هي؛ فمن هذا الوجه يحسن الوقف على «لظى». والوجه الثاني أن تكون «لظى» و «نزاعة» خبران لإن. كما تقول إنه خلق مخاصم. والوجه الثالث أن تكون «نزاعة» بدلاً من «لظى» و «لظى» خبر «إن». والوجه الرابع أن تكون «لظى» بدلاً من اسم «إنّ» و «نزاعة» خبر «إن». والوجه الخامس أن يكون الضمير في «إنها» للقصة، و «لظى» مبتدأ و «نزاعة» خبر الابتداء والجملة خبر «إن». والمعنى: أن القصة والخبر لظى نزاعة للشَّوَى. ومن نصب «نزاعة» حسن له أن يقف على «لظى» وينصب «نزاعة» على القطع من «لظى» إذ كانت نكرة متصلة بمعرفة. ويجوز نصبها على الحال المؤكدة؛ كما قال: { وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً }[البقرة:19]. ويجوز أن تنصب على معنى أنها تتلظى نزاعة؛ أي في حال نزعها للشَّوَى. والعامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي. ويجوز أن يكون حالاً؛ على أنه حال للمكذبين بخبرها. ويجوز نصبها على القطع؛ كما تقول: مررت بزيد العاقلَ الفاضلَ. فهذه خمسة أوجه للنصب أيضاً. والشَّوَى: جمعَ شواة وهي جلدة الرأس. قال الأعشى:

قالت قُتَيْلَةُ مالَهُقد جُلِّلَتْ شَيْباً شَوَاتُهُ

وقال آخر:

لأصبحت هدّتك الحوادث هَدّةًلها فشواة الرأس بادٍ قَتِيرُها

القتير: الشّيب. وفي الصّحاح: «والشوى: جمع شواة وهي جلدة الرأس». والشَّوَى: اليدان والرجلان والرأس من الآدميين، وكل ما ليس مقتلاً. يقال: رماه فأشواه إذا لم يصب المقتل. قال الهُذَليّ:

فإن من القول التي لا شَوىَ لهاإذا زَلّ عن ظهر اللّسان انفلاتها

يقول: إن من القول كلمة لا تشوِي ولكن تقتل. قال الأعشى:

قالت قُتَيْلَةُ مالهقد جُلّلت شَيْباً شَواته

قال أبو عبيد: أنشدها أبو الخطاب الأخفش أبا عمرو بن العلاء فقال له: «صَحّفت! إنما هو سَرَاتُه؛ أي نواحيه فسكت أبو الخطاب ثم قال لنا: بل هو صَحَّف، إنما هو شواته». وشَوَى الفرس: قوائمه؛ لأنه يقال: عَبْل الشَّوى، ولا يكون هذا للرأس؛ لأنهم وصفوا الخيل بإسالة الخدين وعِتقِ الوجه وهو رِقّته. والشَّوَى: رُذال المال. والشَّوى: هو الشيء الهيّن اليسير. وقال ثابت البُنَانيّ والحسن: {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ} أي لمكارم وجهه. أبو العالية: لمحاسن وجهه. قتادة: لمكارم خلقته وأطرافه. وقال الضّحاك: تَفْرِي اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك منه شيئاً. وقال الكسائي: هي المفاصل. وقال بعض الأئمة: هي القوائم والجلود. قال آمرؤ القيس:

سَلِيم الشَّظَى عَبْل الشَّوَى شَنِجُ النَّسَاله حَجَبات مُشْرِفاتٌ على الفالِ

وقال أبو صالح: أطراف اليدين والرجلين. قال الشاعر:

إذا نظرتْ عرفت الفخر منهاوعينيها ولم تعرف شَواها

يعنى أطرافها. وقال الحسن أيضاً: الشَّوَى الهام. {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ} أي تدعو لَظَى من أدبر في الدنيا عن طاعة الله وتولّى عن الإيمان. ودعاؤها أن تقول: إليّ يا مشرك، إليّ يا كافر. وقال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح: إليّ يا كافر، إليَّ يا منافق، ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحبّ. وقال ثعلب: «تَدْعُو» أي تهلك. تقول العرب: دعاك الله؛ أي أهلكك الله. وقال الخليل: إنه ليس كالدعاء «تعالوا» ولكن دعوتها إياهم تمكنها من تعذيبهم. وقيل: الداعي خزنة جهنم؛ أضيف دعاؤهم إليها. وقيل هو ضرب مَثَل؛ أي إن مصير من أدبر وتولّى إليها؛ فكأنها الداعية لهم. ومثله قول الشاعر:

ولقد هبطنا الوادِيَيْن فوادياًيدعو الأنيس به العضيض الأبكمُ

العضيض الأبكم: الذباب. وهو لا يدعو وإنما طنينه نبّه عليه فدعا إليه.

قلت: القول الأول هو الحقيقة؛ حسب ما تقدّم بيانه بآي القرآن والأخبار الصحيحة. القشيريّ: ودعاء لَظى بخلق الحياة فيها حين تدعو، وخوارق العادة غداً كثيرة. {وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ} أي جمع المال فجعله في وعائه ومنع منه حق الله تعالى؛ فكان جَموعاً منوعاً. قال الحكم: كان عبد الله بن عُكَيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله يقول: {وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ}.

إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝١٩ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا ۝٢٠ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا ۝٢١

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} يعني الكافر، عن الضحاك. والهلعَ في اللغة: أشدّ الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه. وكذلك قال قتادة ومجاهد وغيرهما. وقد هَلِع (بالكسر) يَهْلَع فهو هَلِع وهَلُوع، على التكثير. والمعنى أنه لا يصبر على خير ولا شرّ حتى يفعل فيهما ما لا ينبغي. عِكرمة: هو الضَّجور. الضحاك: هو الذي لا يشبع. والمنوع: هو الذي إذا أصاب المال منع منه حقّ الله تعالى. وقال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسرّه ويرضيه، ويهرب مما يكرهه ويسخطه، ثم تَعَبّده الله بإنفاق ما يحبّ والصبر على ما يكره. وقال أبو عبيدة: الهَلُوع هو الذي إذا مسّه الخير لم يشكر، وإذا مسّه الضر لم يصبر، قاله ثعلب. وقال ثعلب أيضاً: قد فسّر الله الهَلُوع، وهو الذي إذا ناله الشر أظهر شدّة الجزع، وإذا ناله الخير بَخِل به ومنعه الناس. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

شَرُّ ما أعطي العبدُ شحٌّ هالع وجُبْن خالع. والعرب تقول: ناقة هِلواعة وهِلواع؛ إذا كانت سريعة السير خفيفة. قال:

صكّاء ذِعْلِبَة إذا استدبرتَهاحَرَج إذا استقبلتها هِلواع

الذِّعْلِب والذِّعْلِبة الناقة السريعة. و«جَزُوعاً» و«مَنُوعاً» نعتان لهلوع. على أن ينوي بهما التقديم قبل «إذا». وقيل: هو خبر كان مضمرة.

إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ ۝٢٢ ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَآئِمُونَ ۝٢٣ وَٱلَّذِينَ فِىٓ أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ ۝٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ۝٢٥ وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٢٦ وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ۝٢٧ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ۝٢٨ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَٰفِظُونَ ۝٢٩ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝٣٠ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ ۝٣١ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ۝٣٢ وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمْ قَآئِمُونَ ۝٣٣ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝٣٤ أُو۟لَٰٓئِكَ فِى جَنَّٰتٍ مُّكْرَمُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلْمُصَلِّينَ} دلّ على أن ما قبله في الكفار، فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه، كقوله تعالى:

{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ. إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ }.[العصر:2-3] قال النخعيّ: المراد بالمصلّين الذين يؤدّون الصلاة المكتوبة. ابن مسعود: الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر. وقيل: هم الصحابة. وقيل: هم المؤمنون عامة، فإنهم يغلبون فَرْطَ الجزع بثقتهم بربهم ويقينهم. {ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} أي على مواقيتها. وقال عقبة بن عامر: هم الذين إذا صلَّوْا لم يلتفتوا يميناً ولا شمالاً. والدائم الساكن، ومنه: نهي عن البول في الماء الدائم، أي الساكن. وقال ابن جريج والحسن: هم الذين يكثرون فعل التطوع منها. {وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} يريد الزكاة المفروضة، قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: صلة رَحِم وحَمْل كَلٍّ. والأوّل أصح، لأنه وصف الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو على قدر الحاجة، وذلك يقِلّ ويكثر. {لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تقدّم في «الذاريات». {وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة. وقد مضى في سورة «الفاتحة» القول فيه. {وَٱلَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} أي خائفون. {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} قال ابن عباس: لمن أشرك أو كَذّب أنبياءه. وقيل: لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} تقدم القول فيه في سورة: { قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ }[المؤمنون:1]. {وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} تقدم أيضاً. {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ} على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيّرونها. وقد مضى القول في الشهادة وأحكامها في سورة «البقرة». وقال ابن عباس: {بِشَهَادَاتِهِم} أن الله واحدٌ لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. وقرىء «لأمَانَتِهِمْ» على التوحيد. وهي قراءة ابن كثير وابن مُحَيْصن. فالأمانة اسم جنس، فيدخل فيها أمانات الدِّين، فإن الشرائع أمانات ائتمن الله عليها عباده. ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع، وقد مضى هذا كله مستوفًى في سورة «النساء». وقرأ عباس الدُّوري عن أبي عمرو ويعقوب {بِشَهَادَاتِهِم} جمعاً. الباقون {بِشَهَادَتِهِم} على التوحيد، لأنها تؤدّي عن الجمع. والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع، كقوله تعالى: { إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ }[لقمان:19]. وقال الفراء: ويدلّ على أنها {بِشَهَادَتِهِم} توحيداً قوله تعالى: { وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ }[الطلاق:2]. {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها. وقال ابن جُرَيج: التطوع. وقد مضى في سورة «المؤمنون». فالدوام خلاف المحافظة. فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يُخِلُّون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراب المأثم. فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها. {أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} أي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات.

فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ۝٣٦ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ۝٣٧ أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ۝٣٨ كَلَّآ إِنَّا خَلَقْنَٰهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ۝٣٩

قوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ} قال الأخفش: مسرعين. قال:

بمكّةَ أهلُها ولقد أراهمإليه مهطعيـن إلى السمـاع

والمعنى: ما بالهم يُسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم. وقيل: أي ما بالهم مسرعين في التكذيب لك. وقيل: أي ما بال الذين كفروا يُسْرِعون إلى السماع منك ليعيبوك ويستهزئوا بك. وقال عطيّة: مهطعين: معرضين. الكلبيّ: ناظرين إليك تعجّباً. وقال قتادة: عامدين. والمعنى متقارب؛ أي ما بالهم مسرعين عليك، مادّين أعناقهم، مدمني النظر إليك. وذلك من نظر العدوّ. وهو منصوب على الحال. نزلت في جمع من المنافقين المستهزئين، كانوا يحضرونه ـ عليه السلام ـ ولا يؤمنون به. و«قِبَلَكَ» أي نحوك. {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} أي عن يمين النبيّ صلى الله عليه وسلم وشماله حِلَقاً حِلَقاً وجماعات. والعِزيِن: جماعات في تفرقة، قاله أبو عبيدة. ومنه حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فرآهم حِلَقاً فقال:«مالي أراكم عزين ألاَ تَصُفّون كما تَصُفّ الملائكة عند ربّها ـ قالوا: وكيف تَصُفّ الملائكة عند ربّها؟ قال ـ: يُتِمُّون الصفوفَ الأوَلَ ويَتراصُّونَ في الصّف» خرّجه مسلم وغيره. وقال الشاعر:

تَرَانا عندَهُ واللَّيْلُ داجٍعلى أبوابه حِلَقاً عِزِينا

أي متفرقين. وقال الراعي:

أخليفةَ الرحمن إنّ عشيرتيأمسى سَرَاتُهُم إليك عِزِينـا

أي متفرقين. وقال آخر:

كأن الجماجـم من وقعهاخناطيـل يهوين شَتَّى عِزِينـا

أي متفرقين. وقال آخر:

فلما أن أتَيْـن على أُضَـاخٍضَرَحْـنَ حَصَاهُ أشْتَـاتاً عِزِينا

وقال الكُمَيْت:

ونحنُ وجَنْدَلٌ بـاغٍ تَرَكْنَـاكَتَائـب جَنْدَلٍ شَتَّـى عِزِينـا

وقال عنترة:

وقِرْنٍ قد تركتُ لِذِي وَليٍّعليه الطير كالعُصَبِ العِزِين

وواحد عِزين عِزة، جُمع بالواو والنون ليكون ذلك عِوَضاً مما حُذِف منها. وأصلها عِزْهة، فاعتلّت كما اعتلّت سَنَة فيمن جعل أصلها سَنْهة. وقيل: أصلها عِزْوة، من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره. فكل واحد من الجماعات مضافة إلى الأخرى، والمحذوف منها الواو. وفي الصحاح: «والعِزة الفِرْقة من الناس، والهاء عوض من الياء، والجمع عِزًى ـ على فِعَل ـ وعزون وعُزون أيضاً بالضم، ولم يقولوا عِزات كما قالوا ثبات. قال الأصمعيّ: يقال في الدار عِزون، أي أصناف من الناس. و{عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ} متعلق بـ {مُهْطِعِينَ} ويجوز أن يتعلق بـ {عِزِينَ} على حد قولك: أخذته عن زيد. {أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون حول النبيّ صلى الله عليه وسلم ويستمعون كلامه فيكذّبونه ويكذبون عليه، ويستهزئون بأصحابه ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنّها قبلهم، ولئن أعطوا منها شيئاً لنعطين أكثر منه، فنزلت: «أيَطْمَعُ» الآية. وقيل: كان المستهزئون خمسة أرهط. وقرأ الحسن وطلحة بن مُصَرِّف والأعرج «أنْ يَدْخُلَ» بفتح الياء وضم الخاء مسمّى الفاعل. ورواه المفضّل عن عاصم. الباقون «أنْ يُدْخَلَ» على الفعل المجهول. {كَلاَّ} لا يدخلونها. ثم ابتدأ فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} أي إنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، كما خلق سائر جنسهم. فليس لهم فضل يستوجبون به الجنة، وإنما تُستوجَب بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى. وقيل: كانوا يستهزئون بفقراء المسلمين ويتكبّرون عليهم. فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ} من القَذَر، فلا يليق بهم هذا التكبر. وقال قتادة في هذه الآية: إنما خُلِقْتَ يا ابن آدم من قذر فاتّق الله. وروي أن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير رأى المُهَلّب بن أبي صُفْرة يتبختر في مُطرَف خَزٍّ وجُبّة خزّ فقال له: يا عبد الله، ما هذه المِشْية التي يبغضها الله؟! فقال له: أتعرفني؟ قال نعم، أوّلك نطفةٌ مِذرة، وآخرك جيفةٌ قذِرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العَذِرة، فمضى المهلّب وترك مشيته. نظم الكلام محمود الورّاق فقال:

عَجِبتُ من مُعْجَبٍ بصورتهوكان في الأصـل نطفـةً مَذِرهْ وهو غَداً بعد حُسْن صورتهيصيرُ في اللحد جيفةً قَذرهْ وهو على تيهه ونَخْوتهما بين ثوبيه يحمل العذرهْ

وقال آخر:

هل في ابن آدم غيرَ الرأس مَكْرُمةٌوهو بخمسٍ من الأوساخ مضروب أنْفٌ يسيل وأذْنٌ ريحها سَهِـكٌوالعين مُرْمَصَة والثغْر ملهوب يا بن التراب ومأكول التراب غداًقصِّر فإنك مأكول ومشـروب

وقيل: معناه من أجل ما يعلمون، وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب. كقول الشاعر وهو الأعشى:

أأزْمَعْتَ من آل لَيْلى ابْتِكَارَاوشَطَّتْ علَى ذِي هَوًى أن تُزَارَا

أي من أجل لَيْلَى.

فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ۝٤٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ۝٤١

قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} أي أقسم. و«لا» صلة. {بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ} هي مشارق الشمس ومغاربها. وقد مضى الكلام فيها. وقرأ أبو حَيْوَة وابن مُحَيْصِن وحُميد «بِربّ المشرِقِ والمغرِب» على التوحيد. {إِنَّا لَقَادِرُونَ. عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ} يقول: نقدر على إهلاكهم والذهاب بهم، والمجيء بخير منهم في الفضل والطوع والمال. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر نريده.

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ۝٤٢

أي اتركهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا في دنياهم، على جهة الوعيد. واشتغل أنت بما أُمِرت به ولا يعظمنّ عليك شركهم، فإن لهم يوماً يَلقون فيه ما وُعِدوا. وقرأ ابن مُحَيْصِن ومجاهد وحُميد «حتّى يَلْقَوا يَوْمَهُمُ الَّذي يُوعَدُونَ». وهذه الآية منسوخة بآية السيف.

يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ ۝٤٣

«يَوْمَ» بدل من «يَوْمَهُمُ» الذي قبله، وقراءة العامة {يَخْرُجُونَ} بفتح الياء وضم الراء على أنه مسمّى الفاعل. وقرأ السُّلَمِيّ والمغيرة والأعشى عن عاصم «يُخْرَجون» بضم الياء وفتح الراء على الفعل المجهول. والأجداث: القبور، واحدها جدث. وقد مضى في سورة «يس». {سِرَاعاً} حين يسمعون الصيحة الآخرة إلى إجابة الداعي، وهو نصب على الحال {كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} قراءة العامة بفتح النون وجزم الصاد. وقرأ ابن عامر وحفص بضم النون والصاد. وقرأ عمرو بن ميمون وأبو رجاء وغيرهما بضم النون وإسكان الصاد. والنَّصْب والنُّصْب لغتان مثل الضَّعْف والضُّعْف. الجوهريّ: والنَّصْب ما نُصِب فعُبِد من دون الله، وكذلك النُّصْب بالضم، وقد يحرّك. قال الأعشى:

وذَا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَنْسُكَنَّهلعافِيةٍ والله ربّك فاعْبُـدَا

أراد «فَٱعْبُدَنْ» فوقف بالألف، كما تقول: رأيت زيدا. والجمع الأنصاب. وقوله: «وذا النُّصُبَ» بمعنى إيّاك وذا النُّصُبَ. والنُّصُبَ الشر والبلاء، ومنه قوله تعالى: { أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ }[ص:41]. وقال الأخفش والفرّاء: النُّصُب جمع النَّصْب مثل رَهْن ورُهُن، والأنصاب جمع نُصُب، فهو جمع الجمع. وقيل: النّصُب والأنصاب واحد. وقيل: النُصب جمع نصاب، وهو حجر أو صنم يُذبح عليه، ومنه قوله تعالى: { وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ }.[المائدة:3] وقد قيل: نَصْب ونُصْب ونُصُب بمعنًى واحد، كما قيل عَمْر وعُمْر وعُمُر. ذكره النحاس. قال ٱبن عباس: «إلى نَصْب» إلى غاية، وهي التي تنصب إليها بصرك. وقال الكلبيّ: إلى شيء منصوب، عَلَم أو راية. وقال الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله لا يلوى أوّلهم على آخرهم. {يُوفِضُونَ} يُسرعون. والإيفاض الإسراع. قال الشاعر:

فوارس ذُبْيـانَ تحت الحديــــد كالجنّ يُوفضن مـن عَبْقَـرِ

عبْقَرٌ: موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن. قال لبِيد:

* كهـول وشبــان كجِنّـة عبقـرِ

وقال الليث: وفضت الإبل تَفِض وفضاً، وأوفضها صاحبها. فالإيفاض متعدّ، والذي في الآية لازم. يقال: وفض وأوفض واستوفض بمعنى أسرع.

خَٰشِعَةً أَبْصَٰرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ ۝٤٤

قوله تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} أي ذليلة خاضعة، لا يرفعونها لما يتوقعونه من عذاب الله. {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي يغشاهم الهوان. قال قتادة: هو سواد الوجوه. والرهَقُ: الغشيان، ومنه غلام مراهق إذا غشى الاحتلام. رهِقه (بالكسر) يرهَقه رَهَقاً أي غَشِيَه، ومنه قوله تعالى:

{ { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ }[يونس:26]. {ذَلِكَ ٱلْيَوْمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} أي يوعدونه في الدنيا أن لهم فيه العذاب. وأخرج الخبر بلفظ الماضي لأن ما وعد الله به يكون ولا محالة.
الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ