نص الآية 5:43
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٣
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٣
الآية 43 من سورة المائدة (5:43)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 6، في الصفحة 115 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 73 قارئًا.
79 تلاوة بأصوات 73 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
وإِنَّ أَمْرَ هؤلاء لعجب، فهم يكفرون بك، ويتحاكمون إليك طمعًا في حكمك بما يوافق أهواءهم، وهم عندهم التوراة التي يزعمون الإيمان بها، فيها حكم الله، ثم يعرضون عن حكمك إذا لم يوافق أهواءهم، فجمعوا بين الكفر بما في كتابهم، والإعراض عن حكمك، وما صنيع هؤلاء بصنيع المؤمنين، فليسوا إذن من المؤمنين بك وبما جئت به.
إنَّ صنيع هؤلاء اليهود عجيب، فهم يحتكمون إليك -أيها الرسول- وهم لا يؤمنون بك، ولا بكتابك، مع أن التوراة التي يؤمنون بها عندهم، فيها حكم الله، ثم يتولَّون مِن بعد حكمك إذا لم يُرضهم، فجمعوا بين الكفر بشرعهم، والإعراض عن حكمك، وليس أولئك المتصفون بتلك الصفات، بالمؤمنين بالله وبك وبما تحكم به.
نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل؛ {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون؛ {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ} أي: مستجيبون له، منفعلون عنه، {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي: يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام، وينهونه إلى قوم آخرين؛ ممن لا يحضر عندك من أعدائك، {يُحَرِّفُونَ … تابع القراءة
يعنـي تعالـى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاء الـيهود يا مـحمد بـينهم، فـيرضون بك حكماً بـينهم، وعندهم التوراة التـي أنزلتها علـى موسى، التـي يقرّون بها أنها حقّ وأنها كتابـي الذي أنزلته علـى نبـي، وأن ما فـيه من حكم فمن حكمي، يعلـمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه، ويعلـمون أن حكمي فـيها علـى الزانـي الـمـحصن الرجم، وهم مع عملهم بذلك {يَتَولَّوْنَ} يقول: يتركون الـحكم به بعد العلـم بحكمي فـيه جراءة علـيّ وعصياناً لـي. وهذا وإن كان من الله تعالـى ذكره خطابـاً لنبـيه صلى الله عليه وسلم، فإنه تقريع منه للـيهود الذين نزلت فـيهم هذه الآية، يقول لهم تعالـى: كيف تقرّون أيها الـيهود بحكم نبـي مـحمد صلى الله … تابع القراءة
قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} قال الحسن: هو الرجم. وقال قتادة: هو القَود. ويقال: هل يدل قوله تعالى: {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ} على أنه لم ينسخ؟ الجواب ـ قال أبو علي: نعم؛ لأنه لو نُسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت. وقوله: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بحكمك أنه من عند الله. وقال أبو علي: إن من طلب غير حكم الله من حيث لم يرض به فهو كافر؛ وهذه حالة اليهود.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على الخلق يشتد حزنه لمن يظهر الإيمان، ثم يرجع إلى الكفر، فأرشده الله تعالى، إلى أنه لا يأسى ولا يحزن على أمثال هؤلاء. فإن هؤلاء لا في العير ولا في النفير. إن حضروا لم ينفعوا، وإن غابوا لم يفقدوا، ولهذا قال مبينا للسبب الموجب لعدم الحزن عليهم - فقال: { مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } فإن الذين يؤسى ويحزن عليهم، من كان معدودا من المؤمنين، وهم المؤمنون ظاهرا وباطنا، وحاشا لله أن يرجع هؤلاء عن دينهم ويرتدوا، فإن الإيمان -إذا خالطت بشاشته القلوب- لم يعدل به صاحبه غيره، ولم يبغ به بدلا. { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا … تابع القراءة
{ وكيف يحكِّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } بالرجم استفهام تعجب أي لم يقصدوا بذلك معرفة الحق بل ما هو أهون عليهم { ثم يتولَّون } يعرضون عن حكمك بالرجم الموافق لكتابهم { من بعد ذلك } التحكيم { وما أولئك بالمؤمنين } .
قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ}، هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه اختصار، أي: كيف يجعلونك حكماً بينهم فيرضون بحكمك وعندهم التوراة؟ {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ}، وهو الرجم، {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: بمصدّقين لك. قوله عزّ وجلّ: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ}، أي: أسلموا وانقادوا [لأمر] الله تعالى، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام: { { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } }، [البقرة: 131] وكما قال … تابع القراءة
وهذه الجملة عطف على جملة { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعْرض عنهم }[المائدة: 42]. والاستفهام للتعجيب، ومحلّ العجب مضمون قوله: {ثمّ يتولّون من بعد ذلك}، أي من العجيب أنّهم يتركون كتابهم ويحكّمونك وهم غير مؤمنين بك ثُمّ يتولّون بعد حكمك إذا لم يرضهم. فالإشارة بقوله: {من بعد ذلك} إلى الحكم المستفاد من {يُحكّمونك}، أيّ جمعوا عدم الرضى بشرعهم وبحكمك. وهذه غاية التّعنّت المستوجبة للعجب في كلتا الحالتين، كما وصف الله حال المنافقين في قوله: { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحقّ يأتوا إليه مذعنين }[النور: 48، 49]. ويحتمل أنّ الاستفهام إنكاري، أي هم لا يحكّمونك … تابع القراءة
قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة} قال المفسرون: هذا تعجيب من الله عز وجل لنبيه من تحكيم اليهود إِياهُ بعد علمهم بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إِليه فيه، وتقريع لليهود إِذ يتحاكمون إِلى مَن يجحدون نبوته، ويتركون حكم التوراة التي يعتقدون صحتها. قوله تعالى: {فيها حكم الله} فيه قولان. أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، قاله الحسن. والثاني: حكمه بالقود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة. قوله تعالى: {ثم يتولَّون من بعد ذلك} فيه قولان. أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة. والثاني: من بعد تحكيمك. وفي قوله: {وما أولئك بالمؤمنين} قولان. أحدهما: ليسوا بمؤمنين لتحريفهم التوراة. والثاني: ليسوا بمؤمنين أن حكمك من عند الله لجحدهم نبوتك.
قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...﴾ الآيات. [٤١-٤٧].
حدَّثنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحِيرِيّ إملاء، قال: أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي، قال: حدَّثنا محمد بن حماد الأَبيورْدِي، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن البَرَاء بن عَازب، قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي مُحَمَّماً مجلوداً، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم. قالوا: نعم، قال: فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أَنْشُدُكَ الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني لم أخبرك، نجد حدّ الزاني في كتابنا الرّجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إِذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع؛ فاجتمعنا على التَّحْمِيمِ والجلد، مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرجم. فأنزل الله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ﴾. يقولون: ائتوا محمداً، فإن أفتاكم بالتَّحْمِيمِ والجلد فخذوا به، وإِن أفتاكم بالرجم فاحْذروا. إلى قوله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ قال: في اليهود. إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾ قال: في النصارى. إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾. قال: في الكفار كُلُّهَا.
رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية.
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي إسحاق، قال: أخبرنا أبو الهيثم أحمد بن محمد بن غَوْث الكندي، قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحَضْرَمِيّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعْمَش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن البَرَاء بن عَازِب، عن النبي صلى لله عليه وسلم:
أنه رجم يهودياً ويهودية ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، قال نزلت كلها في الكفار.
رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة.
فوائد الآيات من 42 إلى 45 من سورة المائدة (الصفحة 115 من المصحف).
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ) : كَيْفَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي يُحَكِّمُونَكَ. (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ) : جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالتَّوْرَاةُ مُبْتَدَأٌ، وَعِنْدَهُمُ الْخَبَرُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَرْفَعَ التَّوْرَاةَ بِالظَّرْفِ.
(فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَا فِي «عِنْدَ» مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ، وَحُكْمُ اللَّهِ مُبْتَدَأٌ، أَوْ مَعْمُولُ الظَّرْفِ.
تشترك مع هذه الآية في عبارة واحدة أو أكثر، فيحسن التفريق بينها عند الحفظ.
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ