انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير البغويالآيات 34–56

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير البغوي.

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٤

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال، وأما المسلمون المحاربون فمن [تاب] منهم قبل القدرة عليه وهو قبل أن يظفر به الإمام يسقط عنه كل عقوبة وجبت حقاً لله، ولا يسقط ما كان من حقوق العبادة فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه [القطع]، وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه

وقال بعضهم: إذا جاء تائباً قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ومال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيردّه إلى صاحبه.

وروي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان قد خرج محارباً فسفك الدماء وأخذ المال، ثم جاء تائباً قبل أن يقدر عليه فلم يجعل عليّ رضي الله عنه عليه تبعة، [في دم ولا مال، إلا أن يوجد معه مال فيرد إلى صاحبه] أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها.

وقيل: كل عقوبة تجب حقاً لله عزّ وجلّ من عقوبات قطع الطريق وقطع السرقة وحدّ الزّنا والشرب تسقط بالتوبة بكل حال، والأكثرون على أنها لا تسقط.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٣٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٣٦ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٣٧ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝٣٨

{يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ}، اطلبوا، {إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ}، أي: القربة، فعيلة مِنْ توسل إلى فلان بكذا، أي: تقرب إليه وجمعها وسائل، {وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [تلخيصه: امتثلوا أمر الله تنجوا].

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ}، أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

{يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا}، فيه وجهان، أحدهما: أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها؛ كما قال الله تعالى:

{ { كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } }، [الحج: 22] والثاني: أنهم يتمنّون ذلك بقلوبهم؛ كما قال الله تعالىٰ إخباراً عنهم: { { رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا } }، [المؤمنون: 107] {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}.

قوله تعالى: {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}، أراد به أيمانهما، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

وحكمه أن من سرق [نصاباً] من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده اليمنى من الرسغ، ولا يجب القطع في سرقة ما دون النصاب عند عامة أهل العلم، حكي عن ابن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل، وعامّة العلماء على خلافه.

واختلفوا في القدر الذي يقطع به: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ربع دينارٍ، فإن سرق ربع دينار أو متاعاً قيمته ربع دينار يقطع، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله تعالى عنهم، وبه قال عمر بن عبدالعزيز والأوزاعي والشافعي رحمهم الله، لِما أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الكسائي أنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا ابن عيينة عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

القطع في ربع دينار فصاعداً

أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقاً في مجن [ثمنه] ثلاثة دراهم.

ورُوي عن عثمان أنه قطع سارقاً في أُتْرُجَّة قوّمت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهماً بدينار. وهذا قول مالك رحمه الله تعالى أنه يقطع في ثلاثة دراهم.

وذهب قوم إلى أنه لا يقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، ويُروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وقال قوم: لا يقطع إلا في خمسة دراهم ويُروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وبه قال ابن أبي ليلى. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث أخبرني أبي أنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لعن الله السارق يسرق البيضةَ فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده، وقال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل، يرون أن منها ما يساوي ثلاثة دراهم.

ويحتجّ بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل، وهو عند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش، لحديث عائشة رضي الله عنها وإذا سرق شيئاً من غير حرز كثمر في حائط لا حارس له أو حيوان في برية لا حافظ له، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه.

ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

لا قطع في ثمر مُعَلَّقٍ ولا في حَريْسَةِ جبل، فإذا آواه المُرَاح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن

ورُوي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع

وإذا سرق مالاً فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده أو الولد يسرق من مال والده أو الوالد يسرق من مال ولده أو أحد الشريكين يسرق من مال المشترك شيئاً لا قطع عليه، وإذا سرق السارق أول مرّة تقطع يده اليمنى من الكوع، ثم إذا سرق ثانياً تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم.

واختلفوا فيما إذا سرق ثالثاً فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق رابعاً تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعده شيئاً يعزر ويحبس حتى تظهر توبته، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو قول قتادة، وبه قال مالك والشافعي. لمِا رُوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق

إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله

وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثاً بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع، بل يحبس، رُوي ذلك عن عليّ رضي الله عنه وقال: "إني لأستحي أن لا أدع له يداً يستنجي بها ولا رجلاً يمشي بها"، وهو قول الشعبي والنخعي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي. قوله تعالى: {جَزَآءً بِمَا كَسَبَا}، نصبٌ على الحال والقطع، ومثله: {نَكَـٰلاً}، أي: عقوبة، {مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣٩ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٤٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٤١

{فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ} أي: سرقته، {وَأَصْلَحَ} العمل، {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، هذا فيما بينه وبين الله تعالى فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين، قال مجاهد: قطع السارق توبته فإذا قطع حصلت التوبة، والصحيح أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: "جزاءً بما كسبا" فلا بدّ من التوبة بعد، وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل، وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه، وبالاتفاق إن كان المسروق باقياً عنده يسترده وتقطع يده لأن القطع حق الله تعالى والغرم حق العبد، فلا يمنع أحدهما الآخر، كاسترداد العين.

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ والأَرْضِ}، الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع، وقيل: معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطاباً لكل واحد من الناس، {يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}، قال السدي والكلبي: يعذب من يشاء: من مات على كفره ويغفر لمن يشاء: [الكبيرة]، من تاب من كفره، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعذب من يشاء على الصغيرة ويغفر لمن يشاء على الكبيرة، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

قوله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ}، أي: في موالاة الكفار فإنهم لن يعجزوا الله، {مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ}، وهم المنافقون، {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هِادُواْ}، يعني: اليهود، {سَمَّـٰعُونَ}، أي: قوم سماعون، {لِلْكَذِبِ}، أي: قابلون للكذب، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله، وقيل: معناه: سماعون لأجل الكذب، أي: يسمعون منك ليكذبوا عليك، وذلك أنهم كانوا يسمعون من الرسول ثم يخرجون ويقولون سمعنا منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه، {سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ}، أي: هم جواسيس، يعني: بني قريظة لقوم آخرين وهم أهل خيبر.

وذلك أن رجلاً وامرأةً من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين، وكان حدّهما الرجم في التوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب، فأرسِلوا إلى إخوانكم بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح له فليسألوه عن ذلك. فبعثوا رهطاً منهم مستخفين وقالوا لهم: سلوا محمداً عن الزانيين إذا أحصنا ما حدّهما؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، وأرسلوا معهم الزانيين فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير فقالوا لهم: إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث، فينا حدث فلان وفلانة قد فَجَرَا وقد أحصنا، فنحب أن تسألوا لنا محمداً عن قضائه فيه، فقالت لهم قريظة والنضير: إذاً والله يأمركم بما تكرهون.

ثم

"انطلق قوم منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسَعْية بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدُّهما في كتابك؟

فقال صلى الله عليه وسلم: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به.

فقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفَه له.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تعرفون شاباً أمرد أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟» قالوا: نعم، قال: «فأيّ رجل هو فيكم؟» فقالوا: هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة.

قال: أرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم، قال: «وأنت أعلم اليهود» قال: كذلك يزعمون، قال: «أتجعلونه بيني وبينكم؟» قالوا: نعم.

فقال له النبيّ: «أنشدك بالله الذي لا إله إلاّ هو الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام وأخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي ظلّل عليكم الغمام وأنزل عليكم المنّ والسلوى، وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟».

قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعْترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: «إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم،» فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عزّ وجلّ في التوراة على موسى عليه السلام، فقال له النبيّ: «فما كان أول ما ترخصتم به أمْرَ الله؟» قال: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحدّ، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر في أثره من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه، وقالوا: والله لا ترجمه حتى يرجم فلان - لابن عم الملك - فقلنا: تعالوا نجتمع فلنصنعْ شيئاً دون الرجم يكون على الوضيع والشريف، فوضعنا الجلدَ والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقال اليهود [لابن صوريا]: ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت لما أثنينا عليك بأهل ولكنّك كنت غائباً فكرهنا أن نغتابك، فقال لهم: إنه قد أنشدني بالتوراة ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته به، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده، وقال: اللّهمّ إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه،

فأنزل الله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ}.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهم قال:

إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلاً منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبدالله بن سلام: كذبتم إن فيها لآية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبدالله: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يامحمد فيها آية الرجم، وأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فقال عبدالله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة

وقيل: سبب نزول هذه الآية القصاص، وذلك أنّ بني النضير كان لهم فضل على بني قريظة، فقال بنو قريظة: يامحمد إخواننا بنو النضير وأبونا واحد وديننا واحد ونبينا واحد، وإذا قتلوا منا قتيلاً لم يقيدونا وأعطونا ديّته سبعين وسقاً من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منّا الضعف مائة وأربعين وسقاً من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منّا وبالرجل منهم الرجلين منّا، وبالعبد حراً منّا، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم، فاقضِ بيننا وبينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

والأول أصح لأن الآية في الرجم.

قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ}، قيل: اللام بمعنى إلى، وقيل: هي لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك، واللام في قوله: {لِقَوْمٍ}، أي: لأجل قوم {آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} وهم أهل خيبر، {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ}، [جمع كلمة]، {مِن بَعْدِ مَوَٰضِعِهِ}، أي: من بعد وضعه مواضعه، وإنما ذكر الكناية ردّاً على لفظ الكلم، {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ}، إي: [إن] أفتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوه، {وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ}، كفره وضلالته، قال الضحاك: هلاكه، وقال قتادة: عذابه، {فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}، فلن تقدر على دفع أمر الله فيه، {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}، وفيه ردّ على من ينكر القدر، {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ}، أي: للمنافقين واليهود، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم، وخزيُ اليهود الجزية أو القتل والسبي والنفي، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون، {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، الخلود في النار.

سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًٔا وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ۝٤٢

قوله تعالى: {سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ}، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة والكسائي "للسُّحْتِ" بضم الحاء، والآخرون بسكونها، وهو الحرام، وأصله الهلاك والشدّة، قال الله تعالى:

{ { فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } }، [طه: 61] نزلت في حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم.

قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إيّاه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة.

وعنه أيضاً قال: إنما ذلك في الحَكَم إذا رشوته ليحق لك باطلاً أو يبطل [عنك] حقاً، فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا بأس، والسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك، وقال ابن مسعود: هو الرشوة في كل شيء، وقال ابن مسعود: من شفع شفاعة ليردّ بها حقاً أو يدفع بها [ظلماً] فأهدي له فقبل فهو سحت، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنّا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال: الأخذ على الحكم كفر، قال الله تعالى:

{ { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } } [المائدة: 44].

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنا عبدالرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي ثنا عليّ بن الجعد أنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبدالرحمن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لعن الله الراشي والمرتشي

والسحت كل كسب لا يحل.

قوله عزّ وجلّ: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً}، خيّر الله تعالى رسولَه صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ترك.

واختلفوا في حكم الآية اليوم هل للحاكم الخيار في الحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا؟ فقال أكثر أهل العلم: هو حكم ثابت، وليس في سورة المائدة حكم منسوخ، وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاؤوا حكموا وإن شاؤوا لم يحكموا، وإن حكموا حكموا بحكم الإسلام، وهو قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة.

وقال قوم: يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم. والآية منسوخة نسخها قوله تعالىٰ:

{ { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } }، [المائدة: 49] وهو قول مجاهد وعكرمة، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان، قوله تعالى: {لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ}، نسخها قوله تعالىٰ: { { فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ } } [التوبة: 5]، وقوله: {فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}، نسخها قوله تعالىٰ: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ}، فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا الحكم بينهما لا يختلف القول فيه؛ لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة. قوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ}، أي: بالعدل، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}، أي: العادلين، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:المقسطون عند الله على منابر من نور»

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٣ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٤٤

قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ}، هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه اختصار، أي: كيف يجعلونك حكماً بينهم فيرضون بحكمك وعندهم التوراة؟ {فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ}، وهو الرجم، {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: بمصدّقين لك.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ}، أي: أسلموا وانقادوا [لأمر] الله تعالى، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام:

{ { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } }، [البقرة: 131] وكما قال: { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }[آل عمران: 83]، وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في التوراة، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها، فإن من النبيين من لم يؤمر بحكم التوراة منهم عيسى عليه السلام، قال الله سبحانه وتعالىٰ: { { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً } }، [المائدة: 48].

وقال الحسن والسدي: أراد به محمداً صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم، ذكر بلفظ الجمع كما قال:

{ { إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا } }، [النحل: 120].

وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ هَادُواْ}، فيه تقديم وتأخير، تقديره: فيها هدى ونور للذين هادوا ثم قال يحكم بها النبيّون الذين أسلموا والربانيون، وقيل: هو على موضعه، ومعناه: يحكم بها النبيّون الذين أسلموا على الذين هادوا؛ كما قال:

{ { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } }، [الاسراء: 7] أي: فعليها، وكما قال: { { أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ } }، [الرعد: 25] أي: عليهم، وقيل: فيه حذف كأنه قال: للذين هادوا وعلى الذين هادوا فحذف أحدهما اختصاراً.

{وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ}، يعني: العلماء، واحدهم حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها، والكسر أفصح، وهو العالم المحكم للشيء، قال الكسائي وأبو عبيد: هو من الحبر الذي يكتب به، وقال قطرب: هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال بفتح الحاء وكسرها، وفي الحديث:

يخرجُ مِنَ النّار رجلٌ قد ذهبَ حِبرُه وسِبرُه.أي: حُسنه وهيئته، ومنه التحبير وهو التحسين، فسمى العالم حبراً لما عليه من جمال العلم وبهائه، وقيل: الربانيون هاهنا من النصارى، والأحبار من اليهود، وقيل: كلاهما من اليهود.

قوله عزّ وجلّ: {بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ}، أي: استُودعوا من كتاب الله، {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ}، أنه كذلك.

{فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِى ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}، قال قتادة والضحاك: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة. رُوي عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ}، والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين، وقيل: هي على الناس كلهم.

وقال ابن عباس وطاوس: ليس بكفر ينقل عن الملّة، بل إذا فعله فهو به [كافر]، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.

قال عطاء: هو كفرٌ دُونَ كفرٍ، وظُلمٌ دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال عكرمة معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.

وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو ظالم فاسق، فأمّا من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم [بجميع] ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. وقال العلماء: هذا إذا ردّ نصَّ حكمِ الله عياناً عمداً، فأمّا من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا.

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٤٥

قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ}، أي: أوجبنا على بني إسرائيل في التوراة، {أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ}، يعني: من نفس القاتل بنفس المقتول وفاءً يقتل به، {وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ}، تُفقأ بها، {وَٱلأَنْفَ بِٱلأَنْفِ}، يُجدع به، {وَٱلأُذُنَ بِٱلأُذُنِ}، تُقطع بها، قال ابن عباس: أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو: أن النفس بالنفس واحدة بواحدة إلى آخرها، فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقؤون بالعين العينين، وخفّف نافع الأذن في جميع القرآن وثقلها الآخرون، {وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ}، تقلع بها وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص، {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، فهذا تعميم بعد تخصيص، لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن، ثم قال: {وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، أي: فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان ونحوها، أمّا ما لا يمكن الاقتصاص فيه من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه، لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته، وقرأ الكسائي "والعين" وما بعدها بالرفع، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأبو عمرو "والجروح" بالرفع فقط، وقرأ الآخرون كلها بالنصب كالنفس.

قوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ}، أي: بالقصاص {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}، قيل: الهاء في "له" كناية عن المجروح وولي القتيل، أي: كفارة للمتصدق وهو قول عبدالله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي وقتادة.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أنا أبو عبدالله الحسين بن محمد الدينوري أنا عمر بن الخطاب أنا عبدالله بن الفضل أخبرنا أبو خيثمة أنا جرير عن مغيرة عن الشعبي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

منْ تصدّقَ من جسدهِ بشيءٍ كفّرَ اللَّهُ عنه بقدره من ذنوبه

وقال جماعة: هي كناية عن الجارح والقاتل، يعني: إذا عفا المَجني عليه من الجاني فعفوه كفارة لذنب الجانب لا يُؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له، فأمّا أجر العافي فعلى الله عزّ وجلّ، قال الله تعالى:

{ { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ } } [الشورى: 40]، رُوي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}.

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ۝٤٦ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٤٧ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٤٨

قوله تعالى {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم} أي: على آثار النبيّين الذين أسلموا، {بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلإِنجِيلَ فِيهِ}، أي: في الإنجيل، {هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً}، يعني: الإنجيل، {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ}.

{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ}، قرأ الأعمش وحمزة {وَلْيَحْكُمْ} بكسر اللام وفتح الميم، أي: لكي يحكم، وقرأ الآخرون: بسكون اللام وجزم الميم على الأمر، قال مقاتل بن حيان: أمر الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما في التوراة، وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وقالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ}، الخارجون عن أمر الله تعالى

قوله سبحانه وتعالىٰ: {وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ}، يا محمد {ٱلْكِتَـٰبَ}، القرآن، {بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ}، أي: من الكتب المنزلة من قبل، {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ}، روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي شاهداً عليه، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والكسائي. قال حسان:

إنَّ الكتابَ مُهَيْمِنٌ لنبيِّنا والحقُّ يَعْرِفْه ذَوْو الأَلبَابِ

يريد شاهداً ومصدقاً.

وقال عكرمة: دالاً، وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة: مؤتمناً عليه، وقال الحسن: أميناً، وقيل: أصله مُؤَيْمِن مُفَيْعِل من أمين، كما قالوا: مُبيطر من البيطار، فقلبت الهمزة هاءً؛ كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، وإيهات وهيهات، ونحوها. ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن [كتابهم] فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا.

وقال سعيد بن المسيب والضحاك: قاضياً، وقال الخليل: رقيباً وحافظاً، والمعاني متقاربة، ومعنى الكل: أن كل كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب الله تعالى وإلا فلا. {فَٱحْكُم}، يا محمد، {بَيْنَهُم}، بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك، {بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} بالقرآن، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ}، أي: لا تعرض عمّا جاءك من الحق ولا تتبع أهواءهم، {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَـٰجاً}، قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي سبيلاً وسنّةً، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة وشرعة، ومنه شرائع الإسلام لشروع أهلها فيها، وأراد بهذا أن الشرائع مختلفة، ولكل أهل ملة شريعة.

قال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، للتوراة شريعة وللإنجيل شريعة وللفرقان شريعة، والدين واحد وهو التوحيد. {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً}، أي: على ملة واحدة، {وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ}، ليختبركم، {فِى مَآ ءَاتَـٰكُم}، من الكتب وبين لكم من الشرائع فيتبين المطيع من العاصي والموافق من المخالف، {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ}، فبادروا إلى الأعمال الصالحة، {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.

وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ۝٤٩ أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ۝٥٠

قوله عزّ وجلّ: {وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال كعب بن [أسد] وعبدالله بن صوريا وشاس بن قيس من رؤساء اليهود بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وإنا إن اتبعناك لم يخالفنا اليهود، وإن بيننا وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك فاقضِ لنا عليهم نؤمن بك، ويتبعنا غيرنا. ولم يكن قصدهم الإيمان، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل في الحكم فأنزل الله عزّ وجلّ الآية، {فَإِن تَوَلَّوْاْ}، أي: أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن، {فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}، أي: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم، {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ}، يعني: اليهود، {لَفَـٰسِقُونَ}.

{أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ}، قرأ ابن عامر "تبغون" بالتاء وقرأ الآخرون بالياء، أي: يطلبون، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥١ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ ۝٥٢

{يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ}، اختلفوا في نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاماً لجميع المؤمنين. فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبي ابن سلول، وذلك أنهما اختصما، فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا مولى لي إلاّ الله ورسوله، فقال عبدالله: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بدّ لي منهم، فقال النبيّ:

يا أبا الحباب ما نَفِسْتَ به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه، قال: إذاً أقبل، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

قال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار، فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أماناً إني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال رجل آخر: أما أنا ألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أماناً، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهما.

وقال عكرمة: نزلت في [أبي لبابة] بن عبد المنذر بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة [حين حاصرهم]، فاستشاروه في النزول، وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا، فجعل أصبعه على حلقه أنه الذبح، أي: يقتلكم فنزلت هذه الآية.

{بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ}، في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين، {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ}، [فيوافقهم ويعينهم]، {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

قوله تعالى: {فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}، أي: نفاق يعني عبدالله بن أُبي وأصحابه من المنافقين الذين يُوالون اليهود، {يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ}، في معونتهم وموالاتهم، {يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ}، دولة، يعني: أن يدول الدهر دولةً فنحتاج إلى نصرهم إيّانا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نخشى أن لا يتمّ أمر محمد فيدور الأمر علينا، وقيل: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط، ولا يعطونا الميرة والقرض، {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ}، قال قتادة ومقاتل: بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه، وقال الكلبي والسدي: فتح مكة، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك، {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ}، قيل: بإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هذا عذاب لهم، وقيل: إجلاء بني النضير، {فَيُصْبِحُواْ}، يعني: هؤلاء المنافقين، {عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِىۤ أَنفُسِهِمْ}، من موالاة اليهود ودسّ الأخبار إليهم، {نَـٰدِمِينَ}.

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٥٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝٥٤

{و}، حينئذ، {يَقُولُ الَّذِينَ آمنُواْ} [قرأ أهل الكوفة: "ويقولُ" بالواو والرفع] وقرأ أهل البصرة بالواو ونصب اللام عطفاً على {أَن يَأْتِىَ}، أي: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام، وكذلك هو في مصاحف أهل [العالية]، استغناء عن حرف العطف بملابسة هذه الآية بما قبلها، يعني: يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين، {أَهَـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ}، حلفوا بالله، {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}، أي: حلفوا بأغلظ الأيمان، {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ}، أي: إنهم مؤمنون، يريد: أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل. قال الله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ}، بطل كل خير عملوه، {فَأَصْبَحُواْ خَـٰسِرِينَ}، خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب.

قوله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، قرأ أهل المدينة والشام "يرتدد" بدالين على إظهار التضعيف {عَن دِينِهِ}، فيرجع إلى الكفر.

قال الحسن: علم الله تبارك وتعالى أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيّهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه.

واختلفوا في أولئك القوم من هم؟ قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبِض ارتدّ عامة العرب إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبدالقيس، ومنع بعضهم الزكاة، وهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عمر رضي الله عنه: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمنْ قالها فقد عصمَ مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عزّ وجلّ؟فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني [عناقاً] كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة، وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدّاً من الخروج على أثره.

قال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء.

قال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة.

وقد كان قد ارتدّ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق:

منهم: [بنو مذحج] ورئيسهم ذو الخمار عبهلة بن كعب العنسي، ويلقب بالأسود، كان كاهناً مشعبذاً فتنبأ باليمن واستولى على بلادها، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسّك بدينهم، وعلى النهوض إلى حرب الأسود، فقتله فيروز الديلمي على فراشه، قال ابن عمر رضي الله عنه: فأتى الخبرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قُتل فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قُتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك»، قيل: ومن هو؟ قال: «فيروز» , [فازفيروز] فبشّر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود، وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد؛ وأتى [خبرُ] مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعدما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح، جاء أبو بكر رضي الله عنه

والفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب، [واسمه ثمامة بن قيس]، وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر، وزعم أنه أُشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوّة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث [بذلك] إليه مع رجلين من أصحابه، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟ قالا: نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أنّ الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما»، ثم أجاب: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أمّا بعد فإن الأرضَ للَّهِ يُورثُها مَنْ يشاءُ من عباده، والعاقبةُ للمتقين»، ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي، غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبدالمطلب، بعد حرب شديد، وكان وحشي يقول: قتلتُ خيرَ الناس في الجاهلية وشرَّ الناس في الإسلام.

والفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد، وكان طليحة آخر من ارتد، وادّعى النبوّة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأوّل من قُوتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردّة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه، فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هارباً نحو الشام، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه.

وارتدّ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم [في خلافة أبي بكر رضي الله عنه] خلق كثير، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه

قالت عائشة: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدتِ العربُ واشرأبّ النفاق، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها».

وقال قوم: المراد بقوله: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} هم الأشعريون.

رُوي عن عياض بن غنم الأشعري قال: لمّا نزلت هذه الآية: {فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هم قومُ هذا, وأشار إلى أبي موسى الأشعري» وكانوا من اليمن

أخبرنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا أبو عبدالله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن [علي الكشميهني، حدثنا علي بن] حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوباً وأرقّ أفئدةً، الإيمانُ يمانٌ والحكمةُ يمانيةٌ

وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء الناس، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في أيام عمر رضي الله عنه

قوله عزّ وجلّ: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}، يعني: أرقّاء رحماء، لقوله عزّ وجلّ: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}، ولم يرد به الهوان، بل أراد أنّ جانبهم لين على المؤمنين. وقيل: هو من الذلُّ من قولهم دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون. قال الله تعالى: {وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً}، {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}، أي: أشداء غلاظ على الكفار يُعادونهم ويُغالبونهم، من قولهم: عزّه أي غلبه. قال عطاء: أذلةٍ على المؤمنين: كالولد لوالده والعبد لسيده، أَعزّةٍ على الكافرين: كالسبع على فريسته، نظيره قوله تعالىٰ: {أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}، {يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَـٰفُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ}، يعني: لا يخافون في الله لوم الناس، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، وروينا عن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأنْ نقومَ أو نقولَ بالحق حيثما كنّا لا نخاف في الله لومةَ لائم".

{ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}، أي: محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، من فضل الله عليهم، {وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ}.

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ ۝٥٥ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ ۝٥٦

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، [رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبيّ بن سلول حين تبرّأ عبادة من اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَآءَ}، إلى قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، يعني: عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جابر بن عبدالله: جاء عبدالله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله إنّ قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله، فقال: "يا رسول الله رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء". وعلى هذا التأويل أراد بقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ}، صلاة التطوع بالليل والنهار، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.

وقال السدي: قوله: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، أراد به عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، مرّ به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه.

وقال جُويبر عن الضحاك في قوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، نزلت في المؤمنين، فقيل له: إنّ أُناساً يقولون إنها نزلت في عليّ رضي الله عنه، فقال: هو من المؤمنين.

{وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}، يعني: يتولّى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المهاجرين والأنصار، {فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ}، يعني: أنصار دين الله، {هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ}.

الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ