انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة المائدة

تفسير الطبريالآيات 42–44

تفسير سورة المائدة آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة المائدة

الخلاصة من تفسير الطبري · 9 مقاطع · 2:23:41

  1. 1 الآيات 41–50في هذه الصفحة 16:23

التفسير الصوتي لسورة المائدة كاملًا (9 مقاطع)

سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًٔا وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الـيهود الذين وصفت لك يا مـحمد صفتهم سماعون لقيل الباطل والكذب من قبل بعضهم لبعض محمد كاذب، لـيس بنبـيّ، وقِـيـل بعضهم: إن حكم الزانـي الـمـحصَن فـي التوراة الـجلد والتـحميـم، وغير ذلك من الأبـاطيـل والإفك، ويقبلون الرشا، فـيأكلونها علـى كذبهم علـى الله وفريتهم علـيه. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا أبو عقـيـل، قال: سمعت الـحسن يقول فـي قوله: {سَمَّاعُونَ للكَذِبِ أكَّالُونَ للسُّحْتِ} قال: تلك الـحكام سمعوا كِذْبةً، وأكلوا رِشْوَةً.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {سَمَّاعُونَ للكَذِبِ أكَّالُونَ للسُّحْتِ} قال: كان هذا فـي حكام الـيهود بـين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرشا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {أكَّالُونَ للسُّحْتِ} قال: الرشوة فـي الـحكم وهم يهود.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي وإسحاق الأزرق، وحدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، عن سفـيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله: {أكَّالُونَ للسُّحْتِ} قال: السحت: الرشوة.

حدثنا سفـيان بن وكيع وواصل بن عبد الأعلـى، قالا: ثنا ابن فضيـل، عن الأعمش، عن سلـمة بن كهيـل، عن سالـم بن أبـي الـجعد، قال: قـيـل لعبد الله: ما السحت؟ قال: الرشوة. قالوا: فـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا غندر ووهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن مسروق، عن عبد الله، قال: السحت: الرشوة.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن حريث، عن عامر، عن مسروق، قال: قلنا لعبد الله: ما كنا نرى السحت إلا الرشوة فـي الـحكم قال عبد الله: ذاك الكفر.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن سالـم بن أبـي الـجعد عن مسروق، عن عبد الله، قال: السحت: الرشا؟ قال: نعم.

حدثنا ابن المثنى، قال: محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق، قال: سألت عبد الله عن السحت، فقال: الرجل يطلب الـحاجة للرجل فـيقضيها، فـيهدي إلـيه فـيقبلها.

حدثنا سوار، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا شعبة، عن منصور وسلـيـمان الأعمش، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن مسروق، عن عبد الله أنه قال: السحت: الرشا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن سفـيان، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله: السُّحْت، قال: الرشوة فـي الدين.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عمر: ما كان من السحت: الرشا، ومهر الزانـية.

حدثنـي سفـيان، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: السحت: الرشوة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: {أكَّالُونَ للسُّحْتِ} قال: الرشا.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنـي أبـي، عن طلـحة، عن أبـي هريرة، قال: مهر البغيّ سُحت، وعَسْبُ الفحل سُحْت، وكسب الـحَجَّام سُحْت، وثمن الكلب سُحْت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك، قال: السحت: الرشوة فـي الـحكم.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا إسرائيـل، عن حكيـم بن جبـير، عن سالـم بن أبـي الـجعد، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن السحت، قال: الرشا، فقلت: فـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أكَّالُونَ للسُّحْتِ} يقول: للرشا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الـملك بن أبـي سلـيـمان، عن سلـمة بن كهيـل، عن مسروق، عن علقمة: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: هي السحت، قالا فـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر، ثم تلا هذه الآية:

{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ }[المائدة: 44].

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن الـمسعودي، عن بكير بن أبـي بكير، عن هاشم بن صبـيح، قال: شفع مسروق لرجل فـي حاجة، فأهدى له جارية، فغضب غضبـاً شديداً وقال: لو علـمت أنك تفعل هذا ما كلـمت فـي حاجتك ولا أكلـم فـيـما بقـي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفـاعة لـيردّ بها حقاً أو يرفع بها ظلـماً، فأُهدي له فقبل، فهو سُحْتٌ، فقـيـل له: يا أبـا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ علـى الـحكم قال: الأخذ علـى الـحكم كفر.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {سَمَّاعُونَ للكَذِبِ أكَّالُونَ للسُّحْتِ} وذلك أنهم أخذوا الرشوة فـي الـحكم وقضوا بـالكذب.

حدثنا هناد، قال: ثنا عبـيدة، عن عمار، عن مسلـم بن صبـيح، عن مسروق، قال: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشا فـي الـحكم؟ فقال: لا، من لـم يَحْكم بـما أنزل الله فهو كافر، ومن لـم يحكم بـما أنزل الله فهو ظالـم، ومن لـم يحكم بـما أنزل الله فهو فـاسق، ولكن السحت يستعينك الرجل علـى الـمَظْلـمة فتعينه علـيها، فَـيُهدي لك الهدية فتقبلها.

حدثنا هناد، قال: ثنا ابن فضيـل، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن هبـيرة السبئي، قال: من السحت ثلاثة: مهر البغيّ، والرشوة فـي الـحكم، وما كان يُعْطَى الكهان فـي الـجاهلـية.

حدثنا هناد، قال: ثنا ابن مطيع، عن حماد بن سلـمة، عن عطاء الـخراسانـي، عن ضَمْرة، عن علـيّ بن أبـي طالب، أنه قال فـي كسب الـحجام، ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستـعجال فـي القضية، وحلوان الكاهن، وعسيب الفحل، والرشوة فـي الـحكم، وثمن الـخمر، وثمن الـمـيتة: من السُّحْت.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {أكَّالُونَ للسُّحْتِ} قال: الرشوة فـي الـحكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الرحمن بن أبـي الـموالـى، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

كُلُّ لـحَمٍ أَنْبَتَهُ السُّحْتُ فـالنَّارُ أوْلَـى بِهِ. قـيـل: يا رسول الله، وما السحت؟ قال: الرّشْوَةُ فِـي الـحُكْمِ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عبد الـجبـار بن عمر، عن الـحكم بن عبد الله، قال: قال لـي أنس بن مالك، إذا انقلبت إلـى أبـيك فقل له: إياك والرّشوة فإنها سحت وكان أبوه علـى شُرَطَ الـمدينة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سالـم، عن مسروق، عن عبد الله، قال: الرشوة سحت. قال مسروق: فقلنا لعبد الله: أفـي الـحكم؟ قال: لا، ثم قرأ:

{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ } [المائدة: 44] { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }[المائدة: 45] { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } [المائدة: 47] .

وأصل السحت: كلَب الـجوع، يقال منه: فلان مسحوت الـمعدة: إذا كان أكولاً لا يُـلَفـى أبداً إلا جائعاً. وإنـما قـيـل للرّشوة السحت، تثبيتاً بذلك كأن بـالـمسترشِي من الشره إلـى أخذ ما يعطاه من ذلك مثل الذي بـالـمسحوت الـمعدة من الشره إلـى الطعام، يقال منه: سَحتَه وأسْحَتَه، لغتان مـحكيتان عن العرب، ومنه قول الفرزدق بن غالب:

وَعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوَانَ لَـمْ يَدَعْ منَ الـمَالِ إلا مُسَحَتاً أوْ مُـجَلَّفُ

يعنـي بـالـمسحت: الذي قد أستأصله هلاكاً بأكله إياه وإفساده، ومنه قوله تعالـى:

{ فَـيُسْحِتَكُمْ بعَذَابِ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ } [طه: 61] وتقول العرب للـحالق: اسحت الشعر: أي استأصله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِض عَنْهُمْ وَإنْ تُعرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحَبُّ الـمُقسِطينَ}.

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ}: إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لـم يأتوك بعد، وهم قوم الـمرأة البغية، مـحتكمين إلـيك، فـاحكم بـينهم إن شئت بـالـحقّ الذي جعله الله حكماً له، فـيـمن فعَل فِعْل الـمرأة البغية منهم، أو أعرض عنهم، فدع الـحكم بـينهم إن شئت والـخيار إلـيك فـي ذلك.

وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} اليهود، زنى رجل منهم له نسب حقـير فرجموه، ثم زنى منهم شريف فحمَّـموه، ثم طافوا به، ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لـيوافقهم. قال: فأفتاهم فـيه بـالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبـارهم ورهبـانهم، فناشدهم بـالله أيجدونه فـي التوراة، فكتـموه إلا رجلاً من أصغرهم أعور، فقال: كذَبوك يا رسول الله، إنه لفـي التوراة

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي اللـيث، عن ابن شهاب: أن الآية التـي فـي سورة الـمائدة: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ} كانت فـي شأن الرجم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: إنهم أتوه يعنـي الـيهود فـي امرأة منهم زنت يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كَيْفَ تَـجِدُونَهُ مَكْتُوبـاًعِنْدَكُمْ فِـي التَّوْرَاةِ؟ فقالوا نؤمر برجم الزانـية. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجمت، وقد قال الله تبـارك وتعالـى: {وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الـمُقْسِطِينَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير، قوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} قال: كانوا يَحدّون فـي الزنا، إلـى أن زنى شابٌّ منهم ذو شرف، فقال بعضهم لبعض: لا يدعُكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه ومثِّلوا به فجلدوه وحملوه علـى إكاف حمار، وجعلوا وجهه مستقبل ذنب الـحمار، إلـى أن زنى آخرُ وضيع لـيس له شرف فقالوا: ارجموه ثم قالوا: فكيف لـم ترجموا الذي قبله؟ ولكن مثل ما صنعتـم به فـاصنعوا بهذا. فلـما كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قالوا: سلوه، لعلكم تـجدون عنده رخصة فنزلت: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ}... إلـى قوله: {إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الـمُقْسِطِينَ}.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية فـي قتـيـل قتل فـي يهود منهم قتله بعضهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ وأبو كريب، قالا: ثنا يونس بن بكير، عن مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي داود بن الـحصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: أن الآيات فـي الـمائدة، قوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ}... إلـى قوله: {الـمُقْسِطِينَ} إنـما نزلت فـي الدية فـي بنـي النضير وبنـي قريظة، وذلك أن قتلـى بنـي النضير كان لهم شرف تؤدّي الدية كاملة، وإن قريظة كانوا يؤدّون نصف الدية. فتـحاكموا فـي ذلك إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فـيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الـحقّ فـي ذلك، فجعل الدية فـي ذاك سواء. والله أعلـم أيّ ذلك كان.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبـد الله بن موسى، عن علـيّ بن صالـح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قُتِل به، وإذا قَتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدّى مئة وَسْق تـمر. فلـما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قَتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلـينا فقالوا: بـيننا وبـينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت: {وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان فـي حكم حييّ بن أخطب للنضري ديتان، والقُرَظي دية، لأنه كان من النضير قال: وأخبر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم بـما فـي التوراة، قال:

{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ.. }[المائدة: 45]. إلـى آخر الآية. قال: فلـما رأت ذلك قُريظة، لـم يرضوا بحكم بن أخطب، فقالوا: نتـحاكم إلـى مـحمد فقال الله تبـارك وتعالـى: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} فخيره، { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ }[المائدة: 43]... الآية كلها. وكان الشريف إذا زنى بـالدنـيئة رجموها هي وحمَّـموا وجه الشريف، وحملوه علـى البعير، أو جعلوا وجهه من قِبَل ذنب البعير. وإذا زنى الدنـيء بـالشريفة رجموه، وفعلوا بها ذلك. فتـحاكموا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فرجمها. قال: وكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال لهم: مَنْ أعْلَـمُكُمْ بـالتَّوْرَاةِ؟ قالوا: فلان الأعور. فأرسل إلـيه، فأتاه، فقال: أنْتَ أعْلَـمُهُمْ بـالتَّوْرَاةِ؟ قال: كذاك تزعم يهود، فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم:أُنْشُدُكَ بـاللَّهِ وَبـالتَّوْرَاةِ التـي أنْزَلهَا علـى مُوسَى يَوْمَ طُورِسِيناءَ ما تَـجِدُ فِـي التَّوْرَاةِ فِـي الزَّانِـيَـيْنِ؟ فقال: يا أبـا القاسم يرجمون الدنـيئة، ويحملون الشريف علـى بعير، ويحمـمون وجهه، ويجعلون وجهه من قِبَل ذَنَب البعير، ويرجمون الدنـيء إذا زنى بـالشريفة، ويفعلون بها هي ذلك. فقال له النبـيّ صلى الله عليه وسلم:أَنْشُدُكَ بـاللَّهِ وَبـالتَّوْرَاةِ التـي أنْزَلهَا عَلـى مُوسَى يَوْمَ طُورِسِيناءَ ما تَـجِدُ فِـي التَّوْرَاةِ؟ فجعل يروغ والنبـيّ صلى الله عليه وسلم يَنْشُدُه بـالله وبـالتوراة التـي أنزلها علـى موسى يوم طورسيناء، حتـى قال: يا أبـا القاسم الشيخ والشيخة إذا زنـيا فـارجموهما البتة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَهُوَ ذَاكَ، اذْهَبُوا بِهِما فـارْجُمُوهُما. قال عبد الله: فكنت فـيـمن رجمهما، فما زال يحني علـيها ويقـيها الـحجارة بنفسه حتـى مات.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي حكم هذه الآية هل هو ثابت الـيوم وهل للـحكام من الـخيار فـي الـحكم والنظر بـين أهل الذمة والعهد إذا احتكموا إلـيهم، مثل الذي جعل لنبـيه صلى الله عليه وسلم، فـي هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟ فقال بعضهم: ذلك ثابت الـيوم لـم ينسخه شيء، وللـحكام من الـخيار فـي كل دهر بهذه الآية مثل ما جعله لرسوله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة بن الفضل، عن عمرو بن أبـي قـيس، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي: إن رُفع إلـيك أحد من الـمشركين فـي قضاء، فإن شئت فـاحكم بـينهم بـما أنزل الله، وإن شئت أعرض عنهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبـي وإبراهيـم، قالا: إذا أتاك الـمشركون فحكموك فـاحكم بـينهم، أو أعرض عنهم، وإن حكمت فـاحكم بحكم الـمسلـمين ولا تعْدُه إلـى غيره.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، وحدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} قال: إن شاء حكم، وإن شاء لـم يحكم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن شاء حكم وإن شاء لـم يحكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مـحمد بن سالـم، عن الشعبـيّ، قال: إذا أتاك أهل الكتاب بـينهم أمر، فـاحكم بـينهم بحكم الـمسلـمين، أو خـلّ عنهم وأهل دينهم يحكمون فـيهم إلا فـي سرقة أو قتل.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قال لـي عطاء: نـحن مخيرون، إن شئنا حكمنا بـين أهل الكتاب، وإن شئنا أعرضنا فلـم نـحكم بـينهم، وإن حكمنا بـينهم حكمنا بحكمنا بـيننا أو نتركهم وحكمهم بـينهم. قال ابن جريج: وقال مثل ذلك عمرو بن شعيب، وذلك قوله: {فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ}.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي فـي قوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} قالا: إذا جاءوا إلـى حاكم الـمسلـمين، فإن شاء حكم بـينهم وإن شاء أعرض عنهم، وإن حكم بـينهم حكم بـينهم بـما فـي كتاب الله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ} يقول: إن جاءوك فـاحكم بـينهم بـما أنزل الله، أو أعرض عنهم. فجعل الله له فـي ذلك رخصة، إن شاء حكم بـينهم، وإن شاء أعرض عنهم.

حدثنا هناد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي، قالا: إذا أتاك الـمشركون فحكموك فـيـما بـينهم، فـاحكم بـينهم بحكم الـمسلـمين ولا تَعْدُه إلـى غيره، أو أعرض عنهم وخـلِّهم وأهلَ دينهم.

وقال آخرون: بل التـخيـير منسوخ، وعلـى الـحاكم إذا احتكم إلـيه أهل الذمة أن يحكم بـينهم بـالـحقّ، ولـيس له ترك النظر بـينهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين بن واقد، عن يزيد النـحويّ، عن عكرمة والـحسن البصريّ: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} نسخت بقوله:

{ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } [المائدة: 49].

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن السديّ، قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها

{ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } [المائدة: 49].

حدثنا ابن وكيع ومـحمد بن بشار، قالا: ثنا ابن مهدي، عن سفـيان، عن السديّ، قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها:

{ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } [المائدة: 49].

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارون، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مـجاهد: لـم ينسخ من الـمائدة إلا هاتان الآيتان: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} نسختها:

{ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ }[المائدة: 49] وقوله: { يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ }[المائدة: 2] نسختها: { ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5].

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن منصور، عن الـحكم، عن مـجاهد قال: نسختها:

{ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ }[المائدة: 49].

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا همام، عن قتادة، قوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} يعنـي اليهود. فأمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بـينهم، ورخص له أن يعرض عنهم إن شاء، ثم أنزل الله تعالـى الآية التـي بعدها:

{ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ }[المائدة: 48]... إلـى قوله: { فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ }[المائدة: 48] فأمر الله نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بـينهم بـما أنزل الله بعد ما رخص له إن شاء أن يعرض عنهم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريـم الـجزري: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلـى عديّ بن عديّ: إذا جاءك أهل الكتاب فـاحكم بـينهم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن السديّ، عن عكرمة قال: نسخت بقوله: فاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن الزهري، قوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} قال: مضت السنة أن يُرَدّوا فـي حقوقهم ومواريثهم إلـى أهل دِينهم، إلا أن يأتوا راغبـين فـي حدّ يُحكم بـينهم فـيه بكتاب الله.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما نزلت: {فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ} كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم إن شاء حكم بـينهم، وإن شاء أعرض عنهم. ثم نسخها فقال:

{ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ }[المائدة: 48] وكان مـجبوراً علـى أن يحكم بـينهم.

حدثنا مـحمد بن عمار، قال: ثنا سعيد بن سلـيـمان، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن سفـيان بن حسين، عن الـحكم، عن مـجاهد، قال: آيتان نسختا من هذه السورة، يعنـي الـمائدة، آية القلائد، وقوله: {فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ}، فكان النبـيّ صلى الله عليه وسلم مخيراً، إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلـى أن يحكم بـينهم بـما فـي كتابنا.

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابت لـم ينسخ، وإن للـحكام من الـخيار فـي الـحكم بـين أهل العهد إذا ارتفعوا إلـيهم فـاحتكموا وترك الـحكم بـينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك فـي هذه الآية.

وإنـما قلنا: ذلك أولاهما بـالصواب، لأن القائلـين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله:

{ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ }[المائدة: 49]، وقد دللنا فـي كتابنا: «كتاب البـيان عن أصول الأحكام» أن النسخ لا يكون نسخاً إلا ما كان نفـياً لـحكم غيره بكلّ معانـيه، حتـى لا يجوز اجتـماع الـحكم بـالأمرين جميعاً علـى صحته بوجه من الوجوه، بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستـحيـل فـي الكلام أن يقال: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله، ومعناه: وأن احكم بـينهم بـما أنزل الله إذا حكمت بـينهم بـاختيارك الـحكم بـينهم إذا اخترت ذلك ولـم تـختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدم إعلام الـمقول له ذلك من قائله أن له الـخيار فـي الـحكم وترك الـحكم كان معلوماً بذلك أن لا دلالة فـي قوله: { وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ } [المائدة: 49] أنه ناسخ قوله: {فإنْ جاءُوكَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ} لـما وصفنا من احتـمال ذلك ما بـينا، بل هو دلـيـل علـى مثل الذي دلّ علـيه قوله: {وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ}. وإذا لـم يكن فـي ظاهر التنزيـل دلـيـل علـى نسخ إحدى الآيتـين الأخرى، ولا نفـي أحد الأمرين حكمَ الآخر، ولـم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يصحّ بأن أحدهما ناسخ صاحبه، ولا من الـمسلـمين علـى ذلك إجماع صحّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ فـي أحدهما للآخر.

وأما قوله: {وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً} فإن معناه: وإن تعرض يا مـحمد عن الـمـحتكمين إلـيك من أهل الكتاب فتدع النظر بـينهم فـيـما احتكموا فـيه إلـيك، فلا تـحكم فـيه بـينهم، فلن يضرّوك شيئاً، يقول: فلن يقدروا لك علـى ضرّ فـي دين ولا دنـيا، فدع النظر بـينهم إذا اخترت ترك النظر بـينهم.

وأما قوله: {وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ} فإن معناه: وإن اخترت الـحكم والنظر يا مـحمد بـين أهل العهد إذا أتوك، فـاحكم بـينهم بـالقسط، وهو العدل، وذلك هو الـحكم بـما جعله الله حكماً فـي مثله علـى جميع خـلقه من أمة نبـينا صلى الله عليه وسلم.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال جماعة أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيـم والشعبـي: {وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ} قالا: إن حكم بـينهم حكم بـما فـي كتاب الله.

حدثنا سفـيان، قال: ثنا يزيد بن هاون، عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم: {وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ} قال: أمِر أن يحكم فـيهم بـالرجم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن العوّام، عن إبراهيـم التـيـمي فـي قوله: {وَإنْ حَكَمْتَ فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ} قال: بـالرجم.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بـالقِسْطِ}: بـالعدل.

حدثنا هناد، قال: ثنا هشيـم، عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيـم التـيـمي فـي قوله: {فـاحْكُمْ بَـيْنَهُمْ بـالقِسْطِ} قال: أمر أن يحكم بـينهم بـالرجم.

وأما قوله: {إنَّ اللّهَ يُحِبُّ الـمُقْسِطِينَ} فمعناه: إن الله يحبّ العاملـين فـي حكمه بـين الناس، القاضين بـينهم بحكم الله الذي أنزله فـي كتابه وأمر أنبـياءه صلوات الله علـيهم، يقال منه: أقسط الـحاكم فـي حكمه إذا عدل وقضى بـالـحقّ يُقسط إقساطاً به. وأما قسط فمعناه: الـجور، ومنه قول الله تعالـى:

{ وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً }[الجن: 15] يعنـي بذلك: الـجائرين علـى الـحقّ.

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٣

يعنـي تعالـى ذكره: وكيف يحكمك هؤلاء الـيهود يا مـحمد بـينهم، فـيرضون بك حكماً بـينهم، وعندهم التوراة التـي أنزلتها علـى موسى، التـي يقرّون بها أنها حقّ وأنها كتابـي الذي أنزلته علـى نبـي، وأن ما فـيه من حكم فمن حكمي، يعلـمون ذلك لا يتناكرونه ولا يتدافعونه، ويعلـمون أن حكمي فـيها علـى الزانـي الـمـحصن الرجم، وهم مع عملهم بذلك {يَتَولَّوْنَ} يقول: يتركون الـحكم به بعد العلـم بحكمي فـيه جراءة علـيّ وعصياناً لـي. وهذا وإن كان من الله تعالـى ذكره خطابـاً لنبـيه صلى الله عليه وسلم، فإنه تقريع منه للـيهود الذين نزلت فـيهم هذه الآية، يقول لهم تعالـى: كيف تقرّون أيها الـيهود بحكم نبـي مـحمد صلى الله عليه وسلم مع جحود نبوّته وتكذيبكم إياه، وأنتـم تتركون حكمي الذي تقرّون به أنه حقّ علـيكم واجب جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذا كنتـم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذى تقرون بنبوّته في كتابي فأنتم بترك حكمي الذى يخبركم به نبي محمد أنه حكمي أحرى مع جحودكم نبوّته ثم قال تعالى ذكره مخبراً عن حال هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية عنده وحال نظرائهم من الجائرين عن حكمة الزائلين عن محجة الحق {وما أولئك بالمؤمنين} يقول لـيس مَن فعل هذا الفعل: أي من تولـى عن حكم الله الذي حكم به فـي كتابه الذي أنزله علـى نبـيه فـي خـلقه بـالذي صدّق الله ورسوله فأقرّ بتوحيده ونبوّة نبـيه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك لـيس من فعل أهل الإيـمان. وأصل التولـي عن الشيء: الانصراف عنه كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثـير: {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} قال: تولـيهم ما تركوا من كتاب الله.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـي بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِـيها حُكْمُ اللَّهِ} يعنـي: حدود الله، فأخبر الله بحكمه فـي التوراة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِـيها حُكْمُ اللَّهِ}: أي بـيان الله ما تشاجروا فـيه من شأن قتـيـلهم، {ثمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الآية.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال يعنـي الربّ تعالـى ذكره يعيرهم: {وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةَ فِـيها حُكمُ اللَّهِ} يقول الرجم.

إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: إنا أنزلنا التوراة فـيها بـيان ما سألك هؤلاء الـيهود عنه من حكم الزانـيـين الـمـحصنـين، {ونُورٌ} يقول: وفـيها جلاء ما أظلـم علـيهم وضياء ما التبس من الـحكم. {يَحْكُمُ بها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَـمُوا} يقول: يحكم بحكم التوراة فـي ذلك: أي فـيـما احتكموا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـيه من أمر الزانـيـين النبـيون الذين أسلـموا، وهم الذين أذعنوا الـحكم الله وأقرّوا به. وإنـما عنى الله تعالـى ذكره بذلك نبـينا مـحمداً صلى الله عليه وسلم فـي حكمه علـى الزانـيـين الـمـحصنـين من الـيهود بـالرجم، وفـي تسويته بـين دم قتلـى النضير وقُريظة فـي القصاص والدية، ومَنْ قبل مـحمد من الأنبـياء يحكم بـما فـيها من حكم الله. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إنَّا أنْزَلْنا التَّوْرَاةَ فِـيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا} يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لـما أنزلت هذه الآية:

نَـحْنُ نَـحْكُمُ علـى الـيَهُودِ وَعلـى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أهْلِ الأدْيانِ

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: ثنا رجل من مزينة ونـحن عند سعيد بن الـمسيب، عن أبـي هريرة قال: زنى رجل من الـيهود بـامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلـى هذا النبـيّ فإنه نبـيّ بعث بتـخفـيف، فإن أفتانا بفتـيا دون الرجم قبلناها واحتـججنا بها عند الله وقلنا: فتـيا نبـيّ من أنبـيائك قال: فأتوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهو جالس فـي الـمسجد فـي أصحابه، فقالوا: يا أبـا القاسم ما تقول فـي رجل وامرأة منهم زنـيا؟ فلـم يكلـمهم كلـمة، حتـى أتـى بـيت الـمِدْراس، فقام علـى البـاب، فقال:

أَنْشُدُكُمْ بـاللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى ما تَـجِدُونَ فِـي التَّوْرَاةِ علـى مَنْ زَنى إذَا أُحْصِنَ؟ قالوا: يُحَمَّـمـم ويُجَبَّهُ ويجلد والتـجبـيه: أن يحمل الزانـيان علـى حمار تقابل أقـفـيتهما، ويطاف بهما وسكت شاب، فلـما رآه سكت ألظّ به النِّشْدة، فقال: اللهمّ إذ نَشَدْتنا، فإنا نـجد فـي التوراة الرجم. فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:فَمَا أوَّلُ ما ارْتُـخِصَ أمْرُ اللَّهِ؟ قال: زنى رجل ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنـي رجل فـي أسرة من الناس، فأراد رجمه، فحال قومه دونه، وقالوا: لا ترجم صاحبنا حتـى تـجيء بصاحبك فترجمه، فـاصطلـحوا علـى هذه العقوبة بـينهم. قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:فإنّى أحْكُم بِـمَا فِـي التَّوْرَاةِ. فأمِر بهما فرجما. قال الزهري: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فـيهم {إنَّا أنْزَلْنا التَّوْرَاةَ فِـيها هُدًّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا} فكان النبـيّ منهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا} النبـيّ صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبـياء يحكمون بـما فـيها من الـحقّ.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن فـي قوله: {يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا} يعنـي النبـيّ صلى الله عليه وسلم. {لِلَّذِينَ هادُوا} يعنـي الـيهود، فـاحكم بـينهم ولا تـخشهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَالرَّبـانِـيُّونَ وَالأحْبـارُ بِـمَا اسْتُـحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ}.

يقول تعالـى ذكره: ويحكم بـالتوراة وأحكامها التـي أنزل الله فـيها فـي كلّ زمان علـى ما أمر بـالـحكم به فـيها مع النبـيـين الذين أسلـموا، الربـانـيون والأحبـار. والربـانـيون: جمع ربـانـيّ، وهم العلـماء الـحكماء، البصراء بسياسة الناس وتدبـير أمورهم والقـيام بـمصالـحهم. والأحبـار: هم العلـماء. وقد بـينا معنى الربـانـيـين فـيـما مضى بشواهده، وأقوال أهل التأويـل فـيه. وأما الأحبـار: فإنهم جمع حبر، وهو العالـم الـمـحكم للشيء، ومنه قـيـل لكعب: كعب الأحبـار. وكان الفرّاء يقول: أكثر ما سمعت العرب تقول فـي واحد الأحبـار: حِبر بكسر الـحاء.

وكان بعض أهل التأويـل يقول: عُني بـالربـانـيـين والأحبـار فـي هذا الـموضع: ابنا صوريا اللذان أقرّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم الله تعالـى فـي التوراة علـى الزانـيـين الـمـحصنـين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: كان رجلان من الـيهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا، وقد اتبعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم ولـم يسلـما، وأعطياه عهداً أن لا يسألهما عن شيء فـي التوراة إلا أخبراه به. وكان أحدهما رِبِّـيًّا، والآخر حبراً، وإنـما اتبعا النبـيّ صلى الله عليه وسلم يتعلـمان منه. فدعاهما فسألهما، فأخبراه الأمر كيف كان حين زنى الشريف وزنى الـمسكين، وكيف غيروه. فأنزل الله: {إنَّا أنْزَلْنا التَّوْرَاةَ فِـيها هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِـيُّونَ الَّذِينَ أسْلَـمُوا للَّذِينَ هادُوا} يعنـي: النبـيّ صلى الله عليه وسلم والربـانـيون والأحبـار: هما ابنا صوريا. {لِلَّذِينَ هادُوا}. ثم ذكر ابنى صوريا، فقال: {وَالرَّبـانِـيُّونَ وَالأحْبـارُ بِـمَا اسْتُـحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ}.

والصواب من القول فـي ذلك عندي، أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أخبر أن التوراة يحكم بها مسلـمو الأنبـياء للـيهود والربـانـيون من خـلقه والأحبـار. وقد يجوز أن يكون عُنـي بذلك ابنا صوريا وغيرهما، غير أنه قد دخـل فـي ظاهر التنزيـل مسلـمو الأنبـياء وكلّ ربـانـي وحبر، ولا دلالة فـي ظاهر التنزيـل علـى أنه معنىّ به خاص من الربـانـيـين والأحبـار، ولا قامت بذلك حجة يجب التسلـيـم لها، فكلّ ربـانـي وحبر داخـل فـي الآية بظاهر التنزيـل.

وبـمثل الذي قلنا فـي تأويـل الأحبـار قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفـيان بن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سلـمة، عن الضحاك: الربـانـيون والأحبـار: قرّاؤهم وفقهاؤهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص، عن أشعث، عن الـحسن: الربـانـيون والأحبـار: الفقهاء والعلـماء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الربـانـيون العلـماء الفقهاء، وهم فوق الأحبـار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: الربـانـيون: فقهاء الـيهود، والأحبـار: علـماؤهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا سُنـيد بن داود، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {والرَّبَّـانِـيُّونَ والأَحْبَـارُ} كلهم يحكم بـما فـيها من الـحقّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الربـانـيون: الولاة، والأحبـار: العلـماء.

وأما قوله: {بِـمَا اسْتُـحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ} فإن معناه: يحكم النبـيون الذين أسلـموا بحكم التوراة، والربـانـيون والإحبـار يعنـي العلـماء بـما استودعوا علـمه من كتاب الله الذي هو التوراة. والبـاء فـي قوله: {بِـما اسْتُـحْفِظُوا} من صلة الأحبـار.

وأما قوله: {وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ} فإنه يعنـي أن الربـانـيـين والأحبـار بـما استودعوا من كتاب الله يحكمون بـالتوراة مع النبـيـين الذين أسلموا للذين هادوا، وكانوا علـى حكم النبـيـين الذين أسلـموا للذين هادوا شهداء أنهم قضوا علـيهم بكتاب الله الذي أنزله علـى نبـيه موسى وقضائه علـيهم. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وكانُوا عَلَـيْهِ شُهَدَاءَ} يعنـي الربـانـيـين والأحبـار هم الشهداء لـمـحمد صلى الله عليه وسلم بـما قال أنه حقّ جاء من عند الله، فهو نبـيّ الله مـحمد، أتته الـيهود فقضى بـينهم بـالـحقّ.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَلا تَـخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَنا قَلِـيلاً}.

يقول تعالـى ذكره لعلـماء الـيهود وأحبـارهم: لا تـخشوا الناس فـي تنفـيذ حكمي الذي حكمت به علـى عبـادي وإمضائه علـيهم علـى ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم علـى ضرّ ولا نفع إلا بإذنـي، ولا تكتـموا الرجم الذي جعلته حكماً فـي التوراة علـى الزانـيـين الـمـحصنـين، ولكن اخشونـي دون كلّ أحد من خـلقـي، فإن النفع والضرّ بـيدي، وخافوا عقابـي فـي كتـمانكم ما استـحفظتـم من كتابـي. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَلا تَـخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} يقول: لا تـخشوا الناس فتكتـموا ما أنزلت.

وأما قوله: {وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَنا قَلِـيلاً} يقول: ولا تأخذوا بترك الـحكم بآيات كتابـي الذي أنزلته علـى موسى أيها الأحبـار عوضاً خسيساً، وذلك هو الثمن القلـيـل. وإنـما أراد تعالـى ذكره نهيهم عن أكل السحت علـى تـحريفهم كتاب الله وتغيـيرهم حكمه عما حكم به فـي الزّانـيـين الـمـحصنـين، وغير ذلك من الأحكام التـي بدّلوها، طلبـاً منهم للرشا كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَناً قَلِـيلاً} قال: لا تأكلوا السحت علـى كتابـي. وقال مرّة أخرى، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَناً} قال: لا تأخذوا به رشوة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلا تَشْتَرُوا بآياتِـي ثَمَناً قَلِـيلاً}: ولا تأخذوا طُعْماً قلـيلاً علـى أن تكتـموا ما أنزلت.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: ومن كتـم حكم الله الذي أنزله فـي كتابه، وجعله حكماً بـين عبـاده فأخفـاه، وحكم بغيره، كحكم الـيهود فـي الزانـيـين الـمـحصنـين بـالتـجبـيه والتـحميـم، وكتـمانهم الرجم، وكقضائهم فـي بعض قتلاهم بدية كاملة وفـي بعض بنصف الدية، وفـي الأشراف بـالقصاص وفـي الأدنـياء بـالدية، وقد سوّى الله بـين جميعهم فـي الـحكم علـيهم فـي التوراة {فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} يقول: هؤلاء الذين لـم يحكموا بـما أنزل الله فـي كتابه، ولكن بدّلوا وغيروا حكمه وكتـموا الـحقّ الذي أنزله فـي كتابه. {هُمُ الكَافِرُونَ} يقول: هم الذين ستروا الـحقّ الذي كان علـيهم كشفه وتبـيـينه وغَطَّوه عن الناس وأظهروا لهم غيره وقضوا به لسحت أخذوه منهم علـيه.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الكفر فـي هذا الـموضع. فقال بعضهم بنـحو ما قلنا فـي ذلك، من أنه عنى به الـيهود الذين حرّفوا كتاب الله وبدّلوا حكمه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}

{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }[المائدة: 45]، { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }[المائدة: 47] فـي الكافرين كلها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا مـحمد بن القاسم، قال: ثنا أبو حيان، عن أبـي صالـح، قال: الثلاث الآيات التـي فـي الـمائدة: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} لـيس فـي أهل الإسلام منها شيء، هي فـي الكفـار.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي حيان، عن الضحاك: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} {والظالـمون والفـاسقون} قال: نزلت هؤلاء الآيات فـي أهل الكتاب.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت عمران بن حدير، قال: أتـى أبـا مـجلز ناسٌ من بنـي عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبـا مـجلز، أرأيت قول الله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} أحقّ هو؟ قال: نعم. قالوا:

{ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ }[المائدة: 45] أحَقٌّ هو؟ قال: نعم. قالوا: { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ }[المائدة: 47] أحقٌّ هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبـا مـجلز، فـيحكم هؤلاء بـما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإلـيه يُدْعَوْنَ، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبـاً. فقالوا: لا والله، ولكنك تَعْرَفُّ. قال: أنتـم أولـى بهذا منـي لا أرى وإنكم ترون هذا ولا تـحرَّجون، ولكنها أنزلت فـي الـيهود والنصارى وأهل الشرك. أو نـحواً من هذا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عمران بن حدير، قال: قعد إلـى أبـي مِـجْلَز نفر من الإبـاضية، قال: فقالوا له: يقول الله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. قال أبو مـجلز: إنهم يعملون ما يعملون يعنـي الأمراء ويعلـمون أنه ذنب. قال: وإنـما أنزلت هذه الآية فـي الـيهود والنصارى. قالوا: أما والله إنك لتعلـم مثل ما نعلـم، ولكنك تـخشاهم. قال: أنتـم أحقّ بذلك منا، أما نـحن فلا نعرف ما تعرفون ولكنكم تعرفونه، ولكن يـمنعكم أن تُـمضوا أمركم من خشيتهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـي البَختري، عن حذيفة فـي قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيـل، إن كانت لكم كلّ حلوة ولهم كلّ مرّة، ولتسلكنّ طريقهم قدر الشراك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي حيان، عن الضحاك: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} و{الظَّالـمون} و{الفَـاسِقُون} قال: نزلت هؤلاء الآيات فـي أهل الكتاب.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـي البختري، قال: قـيـل لـحذيفة: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} ثم ذكر نـحو حديث ابن بشار، عن عبد الرحمن.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـي البختري، قال: سأل رجل حذيفة، عن هؤلاء الآيات: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} قال: فقـيـل: ذلك فـي بنـي إسرائيـل؟ قال: نعم الإخوة لكم بنو إسرائيـل، إن كانت لهم كلّ مرّة، ولكم كلّ حُلْوة، كلا والله لتسلكنّ طريقهم قدر الشراك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن رجل، عن عكرمة قال: هؤلاء الآيات فـي أهل الكتاب.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت فـي قـتيـل الـيهود الذي كان منهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} و{الظالـمون} و{الفـاسقون}، لأهل الكتاب كلهم لـمَا تركوا من كتاب الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـى أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، قال: مُرّ علـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـيهودي مـحمَّـم مـجلود، فدعاهم فقال:

هَكَذَا تَـجِدُونَ حَدَّ مَنْ زَنَى؟ قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علـمائهم، فقال:أَنْشُدكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى، هَكَذَا تَـجِدُونَ حَدَّ الزَّانِـي فـي كِتابِكُمْ؟ قال: لا، ولولا أنك أنشدتنـي بهذا لـم أخبرك، نـجد حدّه فـي كتابنا الرجم، ولكنه كثر فـي أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا علـيه الـحدّ، فقلنا تعالوا فلنـجتـمع جميعاً علـى التـحميـم والـجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللَّهُمَّ أنّـي أوَّلُ مَنْ أحْيا أمْرَكَ إذْ أماتُوهُ. فأمر به فرجم، فأنزل الله: { يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ }[المائدة: 41]... إلـى قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} يعنـي الـيهود،{فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} يعنـي الـيهود، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} للكفـار كلها.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: من حكم بكتابه الذي كتب بـيده وترك كتاب الله وزعم أن كتابه هذا من عند الله، فقد كفر.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن البراء بن عازب، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، نـحو حديث القاسم، عن الـحسن. غير أن هناداً قال فـي حديثه: فقلنا: تعالوا فلنـجتـمع فـي شيء نقـيـمه علـى الشريف والضعيف فـاجتـمعنا علـى التـحميـم والـجلد مكان الرجم. وسائر الـحديث نـحو حديث القاسم.

حدثنا الربـيع، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبـي الزناد، عن أبـيه، قال: كنا عند عبـيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، فذكر رجل عنده: {وَمَنْ لَـم يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} فقال عبـيد الله: أما والله إن كثـيراً من الناس يتأوّلون هؤلاء الآيات علـى ما لـم ينزلن علـيه، وما أنزلن إلا فـي حيـين من يهود. ثم قال: هي قريظة والنضير وذلك أن إحدى الطائفتـين كانت قد غزت الأخرى وقهرتها قبل قدوم النبـيّ صلى الله عليه وسلم الـمدينة، حتـى ارتضوا واصطلـحوا علـى أن كل قتـيـل قتلته العزيزة من الذلـيـلة فديته خمسون وسقاً، وكلّ قتـيـل قتلته الذلـيـلة من العزيزة فديته مئة وسق. فأعطوهم فَرَقاً وضَيـمْاً. فقدم النبـيّ صلى الله عليه وسلم وهم علـى ذلك، فذلت الطائفتان بـمقدم النبـيّ صلى الله عليه وسلم، والنبـيّ صلى الله عليه وسلم لـم يظهر علـيهما. فبـينـما هما علـى ذلك أصابت الذلـيـلة من العزيزة قتـيلاً، فقالت العزيزة: أعطونا مائة وسق فقالت الذلـيـلة: وهل كان هذا قطّ فـي حيـين دينهما واحد وبلدهما واحد دية بعضهم ضعف دية بعض؟ إنـما أعطيناكم هذا فرقاً منكم وضَيْـماً، فـاجعلوا بـيننا وبـينكم مـحمداً صلى الله عليه وسلم فتراضيا علـى أن يجعلوا النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـينهم. ثم إن العزيزة تذاكرت بـينها، فخشيت أن لا يعطيها النبـيّ صلى الله عليه وسلم من أصحابها ضعف ما تعطي أصحابها منها، فدسوا إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم إخوانهم من الـمنافقـين، فقالوا لهم: اخبُروا لنا رأى مـحمد صلى الله عليه وسلم، فإن أعطانا ما نريد حكمناه، وإن لـم يعطنا حذرناه ولـم نـحكمه فذهب الـمنافق إلـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فأعلـم الله تعالـى ذكره النبـيّ صلى الله عليه وسلم ما أرادوا من ذلك الأمر كله. قال عبـيد الله: فأنزل الله تعالـى ذكره فـيهم:

{ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ }[المائدة: 41] هؤلاء الآيات كلهن، حتـى بلغ: { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ }[المائدة: 47]... إلـى {الفـاسِقُونَ} قرأ عبـيد الله ذلك آية آية وفسرها علـى ما أنزل، حتـى فرغ من تفسير ذلك لهم فـي الآيات، ثم قال: إنـما عنى بذلك يهود، وفـيهم أنزلت هذه الصفة.

وقال بعضهم: عنى بـالكافرين أهل الإسلام، وبـالظالـمين: الـيهود، وبـالفـاسقـين: النصارى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن زكريا، عن عامر، قال: نزلت «الكافرون» فـي الـمسلـمين، و«الظالـمون» فـي الـيهود، و«الفـاسقون» فـي النصارى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن ابن أبـي السفر، عن الشعبـيّ، قال: «الكافرون» فـي الـمسلـمين، و«الظالـمون» فـي الـيهود، و«الفـاسقون» فـي النصارى.

حدثنا ابن وكيع وأبو السائب، وواصل بن عبد الأعلـى، قالوا: ثنا ابن فضيـل، عن ابن شبرمة، عن الشعبـيّ، قال: آية فـينا، وآيتان فـي أهل الكتاب: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} فـينا وفـيهم: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} و{الفـاسقون} فـي أهل الكتاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن جابر، عن عامر، مثل حديث زكريا عنه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبـي السفر، عن الشعبـي: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـما أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: هذا فـي الـمسلـمين.{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} قال: النصارى.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا زكريا بن أبـي زائدة، عن الشعبـيّ، قال فـي هؤلاء الآيات التـي فـي الـمائدة: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: فـينا أهل الإسلام. {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} قال: فـي الـيهود.{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} قال: فـي النصارى.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفـيان، عن زكريا بن أبـي زائدة، عن الشعبـي فـي قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: نزلت الأولـى فـي الـمسلـمين، والثانـية فـي الـيهود، والثالثة فـي النصارى.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن زكريا، عن الشعبـيّ، بنـحوه.

حدثنا هناد، قال: ثنا يعلـى، عن زكريا، عن عامر، بنـحوه.

وقال آخرون: بل عُنى بذلك: كفر دون كفر، وظلـم دون ظلـم، وفسق دون فسق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} قال: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلـم دون ظلـم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن أيوب، عن عطاء، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب بن أبـي تـميـمة، عن عطاء بن أبـي ربـاح بنـحوه.

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن ابن جريج، عن عطاء، بنـحوه.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن سعيد الـمكيّ، عن طاووس: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: لـيس بكفر ينقل عن الـملة.

حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن معمر بن راشد، عن ابن طاووس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُون} قال: هي به كفر، ولـيس كفراً بـالله وملائكته وكتبه ورسله.

حدثنـي الـحسن، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفـيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبـيه، قال: قال رجل لابن عبـاس فـي هذه الآيات: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ} فمن فعل هذا فقد كفر؟ قال ابن عبـاس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، ولـيس كمن كفر بـالله والـيوم الآخر وبكذا وكذا.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبـيه، قال: سئل ابن عبـاس عن قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافرون} قال هي به كفر قال ابن طاووس، ولـيس كمن كفر بـالله وملائكته وكتبه ورسله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، فَأُولَئِكَ هُمُ الكافرون قال كفر لا ينقل عن الملـة قال وقال عطاء: كفر دون كفر، وظلـم دون ظلـم، وفسق دون فسق.

وقال آخرون: بل نزلت هذه الآيات فـي أهل الكتاب، وهي مراد بها جميع الناس مسلـموهم وكفـارهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن منصور، عن إبراهيـم قال: نزلت هذه الآيات فـي بنـي إسرائيـل، ورضي لهذه الأمة بها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: نزلت فـي بنـي إسرائيـل، ورضي لكم بها.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم فـي هذه الآية: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: نزلت فـي بنـي إسرائيـل، ثم رضي بها لهؤلاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن فـي قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: نزلت فـي الـيهود، وهي علـينا واجبة.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الـملك بن أبـي سلـيـم، عن سلـمة بن كهيـل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت. قال: فقالا: أفـي الـحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا هذه الآية: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ}.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ} يقول: ومن لـم يحكم بـما أنزلتُ فتركه عمداً وجار وهو يعلـم فهو من الكافرين.

وقال آخرون: معنى ذلك: ومن لـم يحكم بـما أنزل الله جاحداً به، فأما الظلـم والفسق فهو للـمقرّ به ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمَنْ لَـمْ يَحْكُمْ بِـمَا أنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ} قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولـم يحكم فهو ظالـم فـاسق.

وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآيات فـي كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففـيهم نزلت وهم الـمعِنـيون بها، وهذه الآيات سياق الـخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولـى.

فإن قال قائل: فإن الله تعالـى ذكره قد عمّ بـالـخبر بذلك عن جميع من لـم يحكم بـما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟ قـيـل: إن الله تعالـى عمّ بـالـخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به فـي كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الـحكم علـى سبـيـل ما تركوه كافرون. وكذلك القول فـي كلّ من لـم يحكم بـما أنزل الله جاحداً به، هو بـالله كافر، كما قال ابن عبـاس لأنه بجحوده حكمَ الله بعد علـمه أنه أنزله فـي كتابه نظير جحوده نبوّة نبـيه بعد علـمه أنه نبـيّ.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ