نص الآية 4:105
إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ١٠٥
إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ١٠٥
الآية 105 من سورة النساء (4:105)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 5، في الصفحة 95 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 72 قارئًا.
78 تلاوة بأصوات 72 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
إنا أنزلنا إليك - أيها الرسول - القرآن مشتملًا على الحق؛ لتفصل بين الناس في كل شؤونهم بما علَّمك الله وألهمك لا بهواك ورأيك، ولا تكن للخائنين لأنفسهم وأمانتهم مدافعًا ترد عنهم من طالبهم بالحق.
إنا أنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن مشتملا على الحق; لتفصل بين الناس جميعًا بما أوحى الله إليك، وبَصَّرك به، فلا تكن للذين يخونون أنفسهم -بكتمان الحق- مدافعًا عنهم بما أيدوه لك من القول المخالف للحقيقة.
يقول تعالى: مخاطباً لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ} أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من … تابع القراءة
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ }: إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني القرآن، {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } لتقضي بين الناس، فتفصل بينهما {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } يعني: بما أنزل الله إليك من كتابه. {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } يقول: ولا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً في نفسه أو ماله، خصيماً تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه. {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ } يا محمدُ وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } يقول … تابع القراءة
فيه أربع مسائل: الأولى ـ في هذه الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وتكريمٌ وتعظيمٌ وتفويضٌ إليه، وتقويمٌ أيضاً على الجادّة في الحكم، وتأنيبٌ على ما رُفع إليه من أمر بني أُبَيْرَقَ: وكانوا ثلاثة إخوة: بِشْر وبَشير ومُبَشِّر، وأَسَيْر بن عروة ٱبن عم لهم؛ نقبوا مشْرَبة لرِفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعاً له وطعاماً، فعثُر على ذلك. وقيل إن السارق بشير وحده، وكان يُكْنى أبا طعمة أخذ دِرعا؛ قيل: كان الدّرع في جِراب فيه دقيق، فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجِراب حتى أنتهى إلى داره، فجاء ابن أخي رفاعة وٱسمه قتادة بن النعمان يشكوهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فجاء أسير بن عروة إلى النبي صلى الله … تابع القراءة
يخبر تعالى أنه أنزل على عبده ورسوله الكتاب بالحق، أي: محفوظًا في إنزاله من الشياطين، أن يتطرق إليه منهم باطل، بل نزل بالحق، ومشتملا أيضا على الحق، فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا }وأخبر أنه أنزله ليحكم بين الناس. وفي الآية الأخرى: { وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ }}. فيحتمل أن هذه الآية في الحكم بين الناس في مسائل النزاع والاختلاف، وتلك في تبيين جميع الدين وأصوله وفروعه، ويحتمل أن الآيتين كلتيهما معناهما واحد، فيكون الحكم بين الناس هنا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وفي العقائد … تابع القراءة
وسرق طعمة بن ابيرق درعا وخبأها عند يهودي فوجدت عنده فرماه طعمة بها وحلف أنه ما سرقها فسأل قومه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل عنه ويبرئه فنزل { إنا أنزلنا إليك الكتاب } القرآن { بالحق } متعلق بأنزل { لتحكم بين الناس بما أراك } أعلمك { الله } فيه { ولا تكن للخائنين } كطعمة { خصيما } مخاصما عنهم .
قوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} الآية. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرقَ درعاً من جارٍ له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يُقال له زيد ابن السمين، فالتُمستِ الدرع عند طعمة فحلف: والله ما أخذها وما له بها من علم، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه … تابع القراءة
اتّصال هذه الآية بما قبلها يرجع إلى ما مضى من وصف أحوال المنافقين ومناصريهم، وانتقل من ذلك إلى الاستعداد لقتال المناوين للإسلام من قوله: { يأيها الذين آمنوا خُذوا حذركم فانفروا }[النساء: 71] الآية، وتخلّل فيه من أحوال المنافقين في تربّصهم بالمسلمين الدوائر ومختلف أحوال القبائل في علائقهم مع المسلمين، واستطرد لذكر قتل الخطأ والعمد، وانتقل إلى ذكر الهجرة، وعقّب بذكر صلاة السفر وصلاة الخوف، عاد الكلام بعد ذلك إلى أحوال أهل النفاق. والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وجمهور المفسّرين على أنّ هاته الآية نزلت بسبب حادثة رواها الترمذي حاصلها: أنّ أخوةً ثلاثة يقال لهم: بِشر وبَشير ومُبشّر، أبناء … تابع القراءة
قوله تعالى: {إِنا أنزلنا إِليك الكتاب بالحق} في سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أن طُعمة بن أبيرق سرق درعاً لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق يَنْتَشِرُ من خرق الجراب، حتى انتهى إِلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرعَ عند طُعمة، فلم توجد عنده، وحلف: مالي بها علم، فقال أصحابها: بلى والله، لقد دخل علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه، واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه، فقال: دفعَها إِليَّ طعمة، فقال قومُ طعمة: إِنطلقوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليجادل عن صاحبنا فإنه بريء، فأتوه فكلموه في … تابع القراءة
قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ...﴾ الآية، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [١٠٥-١١٦].
أنزلت كلها في قصة واحدة، وذلك أن رجلاً من الأنصار يقال له: طعمة بن أُبَيْرق، أحد بني ظفر بن الحارث، سرق درعاً من جار له يقال له: قتادة بن النعمان؛ وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق. ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين؛ فالتمست الدرع عند طُعْمَة فلم توجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وما له به من علم. فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أَدْلَجَ علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق: فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي، فأخذوه فقال: دفعها إِليَّ طُعْمَةُ بن أُبَيْرِق، وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر - وهم قوم طعمة -: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلموه في ذلك وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل - وكان هواه معهم - وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾ الآية كلها. وهذا قول جماعة من المفسرين.
قوله تعالى إنا أنزلنا الآية روى الترمذي والحاكم وغيرهما عن قتادة ابن النعمان قال كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ثم ينحله بعض العرب يقول قال فلان كذا وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير فابتاع عمي رفاعة ابن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربه له فيها سلاح ودرع وسيف فعدي عليه من تحت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال يا ابن أخي إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا فتجسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا قد رأينا بني ابيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم فقال بنو أبيرق ونحن نسأل في الدار والله ما نرى صاحبكم الا لبيد بن سهل رجل منا له صلاح وإسلام فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال أنا أسرق والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابنا فقال لي عمي يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأتيته فقلت أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي فنقبوا مشربه له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سأنظر في ذلك فلما سمع بنو ابيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة فرجعت فأخبرت عمي فقال الله المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما بني ابيرق واستغفر الله أي مما قلت لقتادة إلى قوله عظيما فلما نزل القرآن أتى رسول الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة ولحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد فأنزل الله ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى إلى قوله ضلالا بعيدا قال الحاكم صحيح على شرط مسلم
وأخرج ابن سعد في الطبقات بسنده عن محمود بن لبيد قال عدا بشير ابن الحرث على علية رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان فنقبها من ظهرها وأخذ طعاما له ودرعين بأداتهما فأتى قتادة النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فدعا بشيرا فسأله فأنكر ورمي بذلك لبيد بن سهل رجلا من أهل الدار ذا حسب ونسب فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس الآيات فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتدا فنزل على سلامة بنت سعد فجعل يقع في النبي صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين فنزل فيه ومن يشاقق الرسول الآية وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربعه من الهجرة
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)} [النساء: 105].
140 - عَنْ قَتَادَة بْنِ النُّعْمَانِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَا يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ، وَبُشَيْرٌ، وَمُبَشرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنَافِقاً، يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللّه - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ الْعَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، قَالَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ذَلِكَ الشعْرَ قَالُوا: وَاللّهِ مَا يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ إِلَّا هَذَا الْخَبِيثُ أَوْ كَمَا قَالَ الرَّجُلُ، وَقَالُوا: ابْنُ الْأُبَيْرِقِ قَالَهَا، قَالَ: وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإسْلَامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ الرجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنْ الشَّام مِنْ الدَّرْمَكِ ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهَا فَخَصَّ بِهَا نَفْسَهُ، وَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِنَّمَا طَعَامُهُمْ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنْ الشَّامِ فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنْ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ وَفِي الْمَشْرَبَةِ سِلَاحٌ وَدِرْعٌ وَسَيْفٌ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ فَنُقِبَتِ الْمَشْرَبَةُ، وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا وَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا، قَالَ: فَتَحَسَّسْنا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا. قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيلَةَ، وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ، قَالَ: وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ: وَاللهِ مَا نُرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلٌ مِنَّا، لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ، فَلَفَا سَمِعَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ: أَنَا أَسْرِقُ؟ فَوَاللهِ لَيُخَالِطَنَكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّنُنَ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قَالُوا: إِلَيْكَ عَنْهَا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَمَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا، فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ نَشُك أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ لِي عَمِّي: يَا ابْنَ أَخِي لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللّه - صلى الله عليه وسلم - فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ: إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَا أَهْلَ جَفَاءٍ، عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا، فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "سَآمُرُ فِي ذَلِكَ "، فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلأ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا، أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ، يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ: "عَمَدَّتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلاَحٌ، تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلاَ بَيِّنَةِ"، قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي، وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ذَلِكَ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَال: اللهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآن: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)} بَنِي أُبَيْرِقِ {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} أَيْ مِمَا قُلْتَ لِقَتَادَةَ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ {غَفُورًا رَحِيمًا} أَيْ: لَوْ اسْتَغْفَرُوا اللهَ لَغَفَرَ لَهُمْ {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} إِلَى قَوْلِهِ {إِثْمًا مُبِينًا} قَوْلَهُمْ لِلَبِيدٍ، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} إِلَى قَوْلِهِ {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.
فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَتَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالسِّلَاحِ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ، فَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ، وَكَانَ شَيْخاً قَدْ عَشَا أَوْ عَسَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكُنْتُ أُرَى إِسْلَامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاحِ قَالَ: يَا ابْنَ أخي هُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحاً. فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلَى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سُمَيَّةَ فَأَنْزَلَ اللّهُ: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)} فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ رَمَاهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرِهِ، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْ بِهِ فِي الأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَتْ: أَهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسَّانَ؟ مَا كنْتَ تَأَتِينِي بِخَيْرٍ. واللفظ للترمذي ¬أخرجه الترمذي برقم: 3036، والطبري برقم: 10411، والحاكم: 4/ 385، والطبراني في الكبير: 19/ 9 - 12 برقم: 15، وصححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، والحديث حسن، وزاد الشوكاني عزوه في فتح القدير: 1/ 811 لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وله شواهد من مرسل قتادة وابن زيد، أخرجه ابن جرير، وأسانيدها صحيحة. وحسنه الألباني.¥.
فوائد الآيات من 102 إلى 105 من سورة النساء (الصفحة 95 من المصحف).
السراج في بيان غريب القرآن
ولا تكن للخائنين خصيما أي لا تكم مخاصما عن خائن
ولا تكن للخائنين خصيما: جيد الخصومة - زه - أي لا تذب عنهم والخصيم المبالغ في الخصام.
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ لام كي، وروي عن الحسن وأبي عمرو أنهما أدغما الميم في الباء، ولا يجيز ذلك النحويون لأن في الميم غنّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بِالْحَقِّ) : هُوَ حَالٌ مِنَ الْكِتَابِ، وَقَدْ مَرَّ نَظَائِرُهُ. (أَرَاكَ) : الْهَمْزَةُ هَاهُنَا مُعَدِّيَّةٌ، وَالْفِعْلُ مِنْ رَأَيْتَ الشَّيْءَ إِذَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الرَّأْيِ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَبَعْدَ الْهَمْزَةِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْكَافُ وَالْآخَرُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: أَرَاكَهُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى عَلَّمَكَ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ أَيْضًا، وَهُوَ قَبْلَ التَّشْدِيدِ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: «لَا تَعْلَمُونَهُمْ». (خَصِيمًا) : بِمَعْنَى مُخَاصِمٍ، وَاللَّامُ عَلَى بَابِهَا؛ أَيْ: لِأَجْلِ الْخَائِنِينَ. وَقِيلَ: هِيَ بِمَعْنَى عَنْ.
تشترك مع هذه الآية في عبارة واحدة أو أكثر، فيحسن التفريق بينها عند الحفظ.
إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينَ