انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير البغويالآيات 102–128

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير البغوي.

وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوٓا۟ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا۟ فَلْيَكُونُوا۟ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا۟ فَلْيُصَلُّوا۟ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا۟ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَٰحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓا۟ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ۝١٠٢

{وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} الآية. ومثله في القرآن كثير أن يجيء الخبر بتمامه ثم يُنسق عليه خبرٌ آخر، وهو في الظاهر كالمتصل به، وهو منفصل عنه، كقوله تعالى:

{ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا رَٰوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } [يوسف: 51]، وهذه حكاية عن امرأة العزيز، وقوله: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ }[يوسف: 52] إخبار عن يوسف عليه السلام

قوله تعالى {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} روَى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: أن المشركين لمّا رأوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابَه قامُوا إلى الظهر يُصلون جماعة ندموا أن لو كانوا كبُّوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر، فإذا قاموا فيها فشدُّوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عزّ وجلّ يقول: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} فعلّمه صلاة الخوف.

وجملته: أن العدو إذا كانوا في معسكرهم في غير ناحية القبلة فيجعل الإِمام القوم فرقتين فتقف طائفة وِجَاهَ العدو تحرسُهم، ويشرع الإِمام مع طائفة في الصلاة، فإذا صلى بهم ركعة قام وثبت قائماً حتى أتموا صلاتهم، ذهبوا إلى وِجاهَ العدوِّ ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية، وثبت جالساً حتى أتموا لأنفسهم الصلاة، ثم يُسلّم بهم.

وهذه رواية سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلَّى كذلك بذات الرقاع، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.

أنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات

عمّن صلى مع النبي صلّى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أنّ طائفة صفّت معه وصفت طائفة وِجَاهَ العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفُوا وصفّوا وِجَاهَ العدو وجاءتِ الطائفةُ الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلّم بهم

قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف.

وأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن صالح بن خوات عن سهل بن أبي حَثمة رضي الله عنهم عن النبي صلّى الله عليه وسلم بهذا.

وذهب قوم إلى أن الإِمام إذا قام إلى الركعة الثانية تذهب الطائفة الأولى في خلال الصلاة إلى وِجَاهَ العدو وتأتي الطائفة الثانية فيُصلي بهم الركعة الثانية ويسلّم وهم لا يسلمون بل يذهبون إلى وجاه العدو، وتعود الطائفة الأولى فتتمُّ صلاتَها، ثم تعود الطائفة الثانية فتتمُّ صلاتَها، وهذه رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى كذلك. وهو قول أصحاب الرأي.

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب أنا يزيد بن زريع أنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلّى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا فقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أُخرى ثم سلم بهم، فقام هؤلاء فقضوا ركعتهم.

وكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح، وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى حديث سهل بن أبي حَثْمة لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة العدو، وذلك لأن الله تعالى قال: {فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ} أي: إذا صلّوا، ثم قال: {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ}، وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، وقال: {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ}، فمقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة، فظاهره يدل على أن كل طائفة تفارق الإِمام بعد تمام الصلاة، والاحتياط لأمر الصلاة من حيث أنه لا يكثر فيها العمل والذهاب والمجيء، والاحتياط لأمر الحرب من حيث إنهم إذا لم يكونوا في الصلاة كان أمكن للحرب والهرب إن احتاجوا إليه. ولو صلى الإِمام أربع ركعات بكل طائفة ركعتين جاز.

أنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الاسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ قال أنا الصنعاني أنا عفان بن مسلم ثنا أبان العطار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال:

"«أقبلنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى إذا كنّا بذات الرقاع وكنّا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلّى الله عليه وسلم قال فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلّى الله عليه وسلم معلّق بشجرة فأخذ سيفَ نبي الله صلّى الله عليه وسلم فاخترطه فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك، قال فتهدده أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال: فأغمد السيف وعلّقه فنُودي بالصلاة، قال فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله صلّى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان»".

أخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرني الثقة ابن علية أو غيره عن يونس عن الحسن عن جابر رضي الله عنهم

أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم.

ورُوي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا.

ورواه زيد بن ثابت وقال: «كانت للقوم ركعة واحدة وللنبي صلّى الله عليه وسلم ركعتان»

وتأوله قوم على صلاة شدة الخوف، وقالوا: الفرض في هذه الحالة ركعة واحدة. وأكثر أهل العلم على أن الخوف لا ينقص عدد الركعات، وإن كان العدو في ناحية القبلة في مستوى إن حملوا عليهم رأوهم صلى الإِمام بهم جميعاً وحرسوا في السجود، كما

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم الاسفرايين أنا بو عوانة الحافظ أنا عمار أنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء

عن جابر رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي صلّى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً ثم ركع وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر نحر العدو فلما قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود [ثم قاموا ثم] تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم ثم ركع النبي صلّى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلّى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً قال جابر رضي الله عنه: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم

واعلم أنّ صلاة الخوف جائزة بعد الرسول صلّى الله عليه وسلم. عند عامة أهل العلم. ويُحكى عن بعضهم عدم الجواز ولا وجه له. وقال الإِمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: كل حديث رُوي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، رُوي فيها ستة أوجه أو سبعة أوجه.

وقال مجاهد في سبب نزول هذه الآية عن ابن عياش الزرقي قال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم، وهم في الصلاة فنزلت الآية بين الظهر والعصر.

قوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} أي: شهيداً معهم فأقمت لهم الصلاة، {فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ}، أي: فلتقف، كقوله تعالى:

{ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ } [البقرة: 20] أي: وقفُوا، {وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ}، واختلفوا في الذين يأخذون أسلحتهم، فقال بعضهم: أراد هؤلاء الذينَ وقفوا مع الإِمام يُصلّون يأخذون الأسلحة في الصلاة، فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يُؤذي مَنْ بجنبه [فإذا شغلته حركته وثقّلتْهُ عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه] كالرمح فلا يأخذه. وقيل: وليأخذوا أسلحتهم أي: الباقون الذين قاموا في وجه العدو، {فَإِذَا سَجَدُواْ}، أي: صلّوا، {فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ}، يُريد مكان الذين هم وِجَاهَ العدو، {وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ}، وهم الذين كانوا في وجه العدو، {فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}، قيل: هؤلاء الذين أتوا، وقيل: هم الذين صلّوا، {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يتمنّى الكفار، {لَوْ تَغْفُلُونَ} أي: لو وجدُوكم غافلين، {عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَٰحِدَةً}، فيقصدونَكم ويحملون عليكم حملةً واحدة. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ}، رخّص في وضع السلاح في حال المطر والمرض، لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين، {وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ}، أي: رَاقِبُوا العدو كيلا يتغفلوكم، والحذر ما يُتقَى به من العدو.

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما:

"نزلت في رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وذلك أنه غزا محارباً وبني أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحداً، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش، فَحَالَ الوادي بين رسول الله صلّى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ظل شجرة فبصرَ بهِ غَوْرَث بن الحارث المحاربي فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلاّ وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سَلّهَ من غِمْدِهِ فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللّهمّ اكفني غورث بن الحارث بما شئتَ، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليضربه فأكبَّ لوجهِهِ مِن زَلْخةٍ زُلخَها من بين كتفيه، وندر سيفه فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأعطيكَ سيفكَ؟ قال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبداً ولا أعين عليك عدواً، فأعطاه رسول الله صلّى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: والله لأنت خير مني، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: أجلْ أنا أحق بذلك منك، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: ويلك ما منعك منه؟ قال: لقد أهويتُ إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله صلّى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ}".

أي: من عدوِّكم. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية كان عبد الرحمن بن عوف جريحاً.

{إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً}، يُهانُون فيه، والجُنَاح: الإِثم، من جنحت: إذا عدلت عن القصد.

فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰبًا مَّوْقُوتًا ۝١٠٣

{فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ}، يعني: صلاة الخوف، أي: فرغتم منها، {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أي صلُّوا لله {قِيَـٰماً} في حال الصحة، {وَقُعُوداً}، في حال المرض، {وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ}، عند الحرج والزمانة، وقيل: اذكُروا اللّهَ بالتسبيح والتحميد والتهليل والتمجيد، على كل حال.

أخبرنا عمرو بن عبد العزيز الكاشاني أنا القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي أنا أبو داود السجستاني أنا محمد بن العلاء أنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة عن الزهري عن عُروة عن عائشة رضي الله عنها قالتْ:

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يذكُر الله على كل أحيانه».

{فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ} أي: سكنتم وأمنتم، {فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ} أي: أتموها أربعاً بأركانها، {إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً}، قيل: واجباً مفروضاً مقدراً في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتان، وقال مجاهد: أي فرضاً مؤقتاً وقّتَه الله عليهم.

وقد جاء بيان أوقات الصلاة في الحديث، أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا أبو بكر عبد الله بن هاشم حدثنا وكيع أنا سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث عن عياش بن أبي ربيعة الزرقي عن حكيم بن حكيم بن عَبَّاد بن حُنَيفْ عن نافع ابن جبير بن مطعم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

أمَّنِي جبريلُ عند البيتِ مرتين فصلّى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلّى بي العشاءَ حينَ غابَ الشّفقُ، وصلّى بي الفجرَ حين حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصائم، وصلّى بي الغد الظهرَ حين كان ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثله، وصلّى بي العصرَ حين كان ظِلّ كلّ شيء مثليه، وصلّى بي المغربَ حين أفطرَ الصائم، وصلّى بي العشاء ثُلُثَ الليل الأول، وصلّى بي الفجرَ فأسفر، ثم التفتَ إلي قال: يا محمد هذا وقتُ النبيين من قبلك، الوقتُ ما بين هذين الوقتين».

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر بن الحسن الحيري أنا وكيع أنا حاجب بن أحمد ثنا عبد الله بن هشام ثنا وكيع ثنا بدر بن عثمان ثنا أبو بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبيه رضي الله عنه:

"عن النبي صلّى الله عليه وسلم أن سائلاً أتاه فسأله عن مواقيت الصلاة، قال: فلم يردَّ عليه شيئاً ثم أمر بلالاً فأذن ثم أمره فأقام الصلاةَ حين انشقَّ الفجرُ فصلى، ثم أمره فأقام الظهرَ، والقائل يقول: قد زالت الشمس أو لم تزل، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام العصرَ والشمسُ مرتفعةٌ بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغربَ حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين سقوط الشفق، قال: وصلّى الفجرَ من الغد، والقائل يقول: طلعتِ الشمسُ أو لم تطلع، وصلى الظهر قريباً من وقت العصر بالأمس وصلى العصر والقائل يقول قد احمَّرتِ الشمسُ وصلّى المغربَ قبلَ أن يغيبَ الشفق الأحمر، وصلى العشاء ثُلُثَ الليل الأول، ثم قال: أين السائل، عن الوقت؟ فقال الرجل: أنا يارسول الله، قال: «ما بين هذين الوقتين وقت»".

وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١٠٤

قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ} الآية، سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه لمّا رجعوا يوم أُحد بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم طائفة في آثارهم فشكوا ألمَ الجراحات، فقال الله تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ} أي: لا تضعفُوا (في ابْتِغَاء القَوْم) في طلب أبي سفيان وأصحابه، {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ}، تتوجّعُون مِنَ الجراح، {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ}، أي: يتوجّعُون، يعني الكفار، {كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ}، أي: وأنتم مع ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة والنصر في الدنيا مالا يرجون، وقال بعض المفسرين: المراد بالرجاء الخوف، لأن كل راج خائف أن لا يدرك مأموله. ومعنى الآية: وترجون من الله أي: تخافون من الله أي: تخافون من عذاب الله مالا يخافون، قال الفرّاء رحمه الله: ولا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، كقوله تعالى:

{ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }[الجاثية: 14] أي: لا يخافون، وقال تعالى: { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً }[نوح: 13] أي: لا تَخَافُونَ لله عظمتَه، ولا يجوز رجوتُك بمعنى: خفتُكَ، ولا خفتُك وأنتَ تريدُ رجوتك{وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً}.

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ۝١٠٥

قوله تعالى: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} الآية.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرقَ درعاً من جارٍ له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يُقال له زيد ابن السمين، فالتُمستِ الدرع عند طعمة فحلف: والله ما أخذها وما له بها من علم، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه منه، فقال اليهودي دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طعمة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسألوه أن يُجادل عن صاحبهم، وقالوا له: إنك إن لم تفعل افتضح صاحبنا، فهمَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يُعاقب اليهودي.

ويُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى أن طعمة سرق الدرع في جراب فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه النخالة طول الطريق فجاء به إلى دار زيد السمين وتركه على بابه، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح صاحب الدرع جاء على أثر النخالة إلى دار زيد السمين فأخذه وحمله إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فهمّ النبي صلّى الله عليه وسلم أن يقطع يد زيد اليهودي. وقال مقاتل: إنّ زيداً السمين أودع درعاً عند طعمة فجحدها طعمة فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال: {إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ} بالأمر والنهي والفصل، {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} بما علّمكَ الله وأوحى إليك، {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ} [طعمة] {خَصِيماً} مُعيناً مدافعاً عنه.

وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٠٦ وَلَا تُجَٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ۝١٠٧ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ۝١٠٨

{وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ}، ممّا هممتَ به من معاقبة اليهودي، وقال مقاتل: واستغفرِ الله من جِدَالِكَ عن طعمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.

{وَلاَ تُجَادِلْ}، لا تُخاصم، {عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ}، أي: يظلمون أنفسَهم بالخيانة والسرقة، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أثِيماً} يريد خواناً في الدرع، أثيماً في رميه اليهودي، قيل: إنه خطاب مع النبي صلّى الله عليه وسلم، والمُرادُ به غيره، كقوله تعالى: «فإنْ كنتَ في شكٍّ ممّا أنزلنا إليك»، والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة: إمّا لذنبٍ تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته، أو لمباحٍ جاء الشرع بتحرِّيْهِ فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة لحكم الشرع.

{يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ}، أي: يستترون ويستحيون من الناس، يريد بني ظفر بن الحارث، {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ} أي: لا يستترون ولا يستحيون من الله، {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ}، يقولون ويُؤلِّفون، والتبييت: تدبير الفعل ليلاً، {مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ}، وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فإنه يسمع قوله ويمينه لأنه مسلم ولا يسمع من اليهودي فإنه كافر، فلم يرضَ الله ذلك منهم، {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً}، ثم يقول لقوم طعمة: {هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَادَلْتُمْ.....}.

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ۝١٠٩ وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١١٠ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١١١ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ۝١١٢ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ۝١١٣ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ۝١١٤

{هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ}، أي: يا هؤلاء، {جَـٰدَلْتُمْ} أي: خاصمتم، {عَنْهُمَ} يعني: عن طعمة، وفي قراءة أُبيّ بن كعب: عنه {فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}، والجدال: شدّة المخاصمة من الجَدْل، وهو شدة الفتل، فهو يريد فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحِجاج، وقيل: الجدال من الجَدَالة، وهي الأرض، فكأن كل واحد من الخصمين يروم قهرَ صاحبه وصرعه على الجدالة، {فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ}، يعني: عن طعمة، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} إذا أخذه الله بعذابه، {أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}، كفيلاً، أي: من الذي يذبُّ عنهم، ويتولى أمرهم يوم القيامة؟ ثم استأنف فقال:

{وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً}، يعني السرقة، {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}، برميه البريء، وقيل: ومَنْ يعمل سوءاً أي: شِرْكاً أو يظلم نفسَه: يعني: إثماً دُونَ الشَّرك، {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ}، أي: يتبْ إليه ويستغفرْهُ، {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}، يعرضُ التوبة على طعمة في هذه الآية.

{وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً}، يعني: يمين طعمة بالباطل، أي: ما سَرَقْتُه إنمّا سرقه اليهودي {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}، فإنّما يضرُّ به نفسَه، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً}، بسارق الدرع {حَكِيماً}، حَكَمَ بالقطع على السارق.

{وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً} أي: سرقة الدرع، {أَوْ إِثْماً} يمينه الكاذبة، {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} أي: يقذف بمَا جَنَى {بَرِيئاً} منه وهو نسبة السرقة إلى اليهودي {فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً} البهتان: هو البهت، وهو الكذب الذي يُتحيّر في عِظَمِه، {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي: ذنباً بيناً، وقوله {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} ولم يقلْ بهما بعد ذكر الخطيئة والإِثم، ردَّ الكنايةَ إلى الإِثم أو جعل الخطيئة والإِثم كالشيء الواحد.

قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ}، يقول للنبي صلّى الله عليه وسلم {لَهَمَّتْ}، لقدْ هَمّتْ أي: أضمرت، {طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ}، يعني: قوم طعمة، {أَن يُضِلُّوكَ} يخطئوك في الحكم ويلبسوا عليك الأمر حتى تدافع عن طعمة، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ}، يعني يرجع وَبَالُهُ عليهم، {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ}، يُريد أن ضرره يرجع إليهم، {وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ}، يعني: القرآن، {وَٱلْحِكْمَةَ}، يعني: القضاء بالوحي {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} من الأحكام، وقيل: من علم الغيب، {وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}.

قوله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ}، يعني: قوم طعمة، وقال مجاهد: الآية عامةٌ في حق جميع الناس، والنّجوى: هي الإِسرار في التدبير، وقيل: النجوى ما ينفرد بتدبير قومٌ سرّاً كان أو جهراً فمعنى الآية: لا خيرَ في كثير مما يدبرونه بينهم، {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أي: إلا في نجوى من أمر بصدقة، فالنّجوى تكون فعلاً. وقيل: هذا استثناء منقطع، يعني: لكن أمر بصدقة. وقيل النجوى هاهنا: الرجال المتناجون، كما قال تعالى:

{ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } [الإسراء: 47]. (إلا من أمر بصدقة) أي: حثّ عليها، {أَوْ مَعْرُوفٍ}، أي: بطاعة الله وما يعرفه الشرع، وأعمالُ البِرّ كلِّها معروف، لأنّ العقول تعرفها. {أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد أنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم هو ابن أبي الجعد عن أمّ الدرداء رضي الله عنها عن أبي الدرداء قال: "قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ألاَ أخبرُكم بأفضلَ من درجة الصيام والصدقة والصلاة»؟ قال: قلنا بلى، قال: «إصلاحُ ذاتِ البين. وفساد ذات البين هي الحالقة»".

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا إسماعيل ابن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أمه أم كلثوم بنت عُقبة، وكانت من المهاجرات الأُوَل، قالت:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:

ليس بالكذَّاب من أصلح بين الناس وقال خيراً أو نَمَى خيراً.»

قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي: هذه الأشياء التي ذكرها، {ٱبْتَغَآءَ مَرْضَـٰتِ ٱللَّهِ}، أي: طلبَ رضاه، {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ}، في الآخرة، {أَجْراً عَظِيماً}، قرأ أبو عمرو وحمزة {يؤتيه} بالياء، يعني: يؤتيه الله وقرأ الآخرون بالنون.

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ۝١١٥ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا ۝١١٦

قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ}، نزلت في طعمة بن أبيرق وذلك أنه لمّا ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليَدِ والفضيحة، فهرب إلى مكة وارتدّ عن الدين، فقال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ}، أي: يخالفه، {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ}، من التوحيد والحدود {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: غير طريق المؤمنين {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ} أي: نكله في الآخرة] إلى ما تولَّى في الدنيا، {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً}.

رُوي أن طَعمة بن أبيرق نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له الحجاج بن عُلاط، فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع أن يدخل ولا أن يخرج حتى أصبح، فأُخذ ليقتل، فقال بعضهم: دعوه فإنه قد لجأ إليكم فتركوه فأخرجوه من مكة، فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام، فنزلوا منزلاً فسرق بعض متاعهم وهرب، فطلبوه وأخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه، فصار قبره تلك الحجارة، وقيل: إنه ركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيساً فيه دنانير فأخذ، فألقي في البحر، وقيل: إنه نزل في حرّة بني سليم وكان يعبد صنماً إلى أن مات فأنزل الله تعالى فيه:

{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً} أي: ذهب عن الطريق وحُرم الخير كله.

وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنّ هذه الآية نزلتْ في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا نبيَّ الله إني شيخ متهتك في الذنوب، إِلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفتُه وآمنت به، ولم أَتّخذ من دونه وَليّاً ولم أوَاقع المعاصي جرأة على الله، وما توهمت طرفة عين أني أُعجز الله هرباً، وإنّي لنادمٌ تائبٌ مستغفرٌ فما حالي؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًا مَّرِيدًا ۝١١٧ لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ۝١١٨

قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاَّ إِنَـٰثاً}، نزلت في أهل مكة، أي: ما يعبدون، كقوله تعالى

{ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِى } [غافر: 60] أي: اعبدوني، بدليل قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي }[غافر: 60]، قوله: {مِن دُونِهِ} أي: من دون الله، {إِلاَّ إِنَـٰثاً} أراد بالإِناث الأوثان لأنهم كانوا يسمونها باسم الإِناث، فيقولون: اللاّت والعزى ومناة، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة: أُنثَى بني فلان فكان في كل واحدة منهن شيطان يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم، ولذلك قال: {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً} هذا قول أكثر المفسرين. يدل على صحة هذا التأويل - أن المراد بالإِناث الأوثان -: قراءة ابن عباس رضي الله عنه {إنْ يدعُون إلاّ إناثاً}، جَمْعُ جمعِ الوثن فصيَّر الواو همزة، وقال الحسن وقتادة إلاّ إناثاً أي: مواتاً لا روح فيه، لأن أصنامهم كانت من الجمادات، سمّاها إناثاً لأنه يخبر عن الموات، كما يخبر عن الإِناث، ولأن الإِناث أدون الجنسين، كما أن الموات أرذل من الحيوان، وقال الضحاك: أراد بالإِناث الملائكة، وكان بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون: الملائكة إناث، كما قال الله تعالى: {وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً} [الزخرف: 19] {وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} أي: وما يعبدون إلاّ شيطاناً مريداً لأنهم إذا عبدُوا الأصنام فقد أطاعوا الشيطان، والمريد: المارد، وهو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة، وأراد: إبليس.

{لَّعَنَهُ ٱللَّهُ}، أي: أبعده من رحمته، {وَقَالَ}، يعني: قال إبليس، {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً}، أي: حظاً معلوماً، فما أُطيع فيه إبليس فهو مفروضه، وفي بعض التفاسير: من كل ألفٍ واحدٌ لله تعالى وتسعمائة وتسعة وتسعون لإِبليس، وأصل الفرض في اللغة: القطع، ومنه الفرضة في النهر وهي الثلمة تكون فيه، وفرض القوس والشِّراك: للشَّقِّ الذي يكون فيه الوَتَر والخيط الذي يشد به الشراك.

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ۝١١٩ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ۝١٢٠ أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ۝١٢١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا ۝١٢٢ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ۝١٢٣

{وَلأُضِلَّنَّهُمْ} يعني: عن الحق، أي: لأغوينهم، يقوله إبليس، وأراد به التزيين، وإلاّ فليس إليه من الإِضلال شيء، كما قال:

{ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } [الحجر: 39] {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ}، قيل: أُمنِّيَنَّهم ركوبَ الأهواء، وقيل: أُمنّينّهم أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بعث، وقيل: أُمنّينّهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي، {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَـٰمِ} أي: يقطعونها ويشقونها، وهي البحيرة {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وسعيد بن المسيب والضحاك: يعني دين الله، نظيره قوله تعالى: { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ }[الروم: 30] أي: لدين الله، يريد وضع الله في الدين بتحليل الحرام وتحريم الحلال. وقال عكرمة وجماعة من المفسرين: فليُغيرنّ خلقَ الله بالخِصاء والوشم وقطع الآذان حتى حرّم بعضهم الخصاء وجوزه بعضهم في البهائم، لأن فيه غرضاً ظاهراً، وقيل: تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق الأنعام للركوب والأكل فحرَّموها، وخلق الشمسَ والقمرَ والأحجار لمنفعة العباد فعبدوها من دون الله، {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي: ربّاً يطيعه، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً}. {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} فوعدُهُ وتمنيتُهُ ما يوقع في قلب الإِنسان من طول العمر ونيل الدنيا، وقد يكون بالتخويف بالفقر فيمنعه من الإِنفاق وصلة الرحم كما قال الله تعالى: { ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ } [البقرة: 268] ويُمنّيهم بأنْ لا بعثَ ولا جنَّةَ ولا نار {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُوراً}، أي: باطلاً.

{أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً}، أي: مفرّاً ومعدِلاً عنها.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}، أي: من تحت الغُرف والمساكن، {خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}.

قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}، الآية. قال مسروق وقتادة والضحاك: أراد ليس بأمانيكم أيها المسلمون ولا أماني أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى، وذلك أنّهم افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبلَ نبيّكم وكتابُنا قبل كتابِكم فنحن أوْلَى بالله منكم، وقال المسلمون: نبيّنا خاتمُ الأنبياء وكتابُنا يقضي على الكتب، وقد آمنا بكتابكم ولم تُؤمنوا بكتابنا فنحن أوْلى. وقال مجاهد: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} يا مشركي أهل الكتاب، وذلك أنهم قالوا: لا بعثَ ولا حسابَ، وقال أهل الكتاب:

{ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }[البقرة: 80] { لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }[البقرة: 111]، فأنزل الله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} أي: ليس الأمر بالأماني وإنّما الأمر بالعمل الصالح. {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة: الآية عامة في حق كل عامل.

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما:

"لمّا نزلت هذه الآية شقّتْ على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأيّنَا لم يعمل سوءاً غيرك فكيف الجزاء؟ قال: «منه ما يكون في الدنيا، فمنْ يعملْ حسنةً فله عشرُ حسنات، ومنْ جُوزي بالسيّئة نقصتْ واحدةٌ من عشر، وبقيت له تسعُ حسنات، فويل لمن غلب آحادُه أعشارَه، وأمّا ما يكون جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته، فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل، فيعطي الجزاءَ في الجنة فيؤتي كلَّ ذي فضلٍ فَضْلَه»".

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو بكر محمد بن أحمد العبدوسي ثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد ثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان والحارث بن محمد قالا: ثنا روح هو ابن عبادة ثنا موسى بن عُبيدة أخبرني مولى بن سباع: سمعت عبد الله بن عمر يحدث

عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنتُ عندَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأُنزلتْ عليه هذه الآية: {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ألا أقرئك آية أُنزلتْ عليّ؟ قال: قلتُ بلى، قال: فأقرأنيها، قال: ولا أعلم إلا أني وجدتُ انفصامَاً في ظهري حتى تمطَّيت لها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا بكر؟ فقلتُ يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأيُّنا لم يعمل سوءاً؟ إنا لَمَجْزِيُّون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله، وليست لكم ذنوب، وأمّا الآخرون فيُجمع ذلك لهم حتى يُجزوا يومَ القيامة»".

وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ۝١٢٤ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا ۝١٢٥

قوله تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}، أي: مقدار النقير، وهو النقرة التي تكون في ظهر النَّواة، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة وأبو بكر {يَدْخُلُونَ} بضم الياء وفتح الخاء هاهنا وفي سورة مريم وحم المؤمن، زادَ أبو عمرو: {يُدْخَلُونَها} في سورة فاطر، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء. روى الأعمش عن أبي الضحى، عن مسروق قال: لمّا نزلتْ {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال أهل الكتاب: نحنُ وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية: {ومَنْ يَعْملْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} الآية، ونزلت أيضاً: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً}، أحكمُ ديناً {مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله}، أي: أخلص عمله لله، وقيل: فوّض أمرَه إلى الله، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: مُوحِّد، {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ}، يعني: دين إبراهيم عليه السلام، {حَنِيفاً} أي: مُسلماً مُخلصاً، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ومن دين إبراهيم الصلاة إلى الكعبة والطواف بها ومناسك الحج، وإنّما خُصّ إبراهيم لأنه كان مقبولاً عند الأمم أجمع، وقيل: لأنه بُعث على ملّة إبراهيم وزِيد له أشياء. {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاً}، صفياً، والخلّة: صفاء المودّة، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إبراهيم عليه السلام أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطّريق يضيِّف من مرَّ به من الناس، فأصاب الناسَ سَنَةٌ فحُشروا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعامَ وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإِبل إلى الخليل الذي بمصر، فقال لغلمانه: لو كان إبراهيم عليه السلام إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له، فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رُسل إبراهيم عليه السلام، فمرّوا ببطحاء فقالوا: [إنا لو] حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فإنّا نستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤوا تلك الغرائر سهلة، ثم أتوا إبراهيم فأعلموه وسارة نائمة، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان؟ قالوا: بلى، قالت: فما جاؤوا بشيء؟ قالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود دقيق حُواري يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناسَ فاستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة من أين هذا؟ قالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلك الله، قال: فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً.

قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخلة: الصداقة، فسُمي خليلاً لأنّ الله أحبه واصطفاه. وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، سُمي خليلاً، أي: فقيراً إلى الله [لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلاّ إلى الله عزّ وجل] والأول أصح لأن قوله {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلاً} يقتضي الخلة من الجانبين، ولا تتصور الحاجة من الجانبين.

ثنا أبو المظفر بن أحمد التيمي ثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم ثنا خيثمة بن سليمان ابن حيدرة الاطرابلسي ثنا أبو قلابة الرقاشي ثنا بشر بن عمر ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

لو كُنتُ متخذاً خليلاً لاتخذتُ أبا بكر خليلاً ولكنَّ أبا بكر أخي وصاحبي، ولقد اتّخذ الله صاحبَكم خليلاً».

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا ۝١٢٦

قوله عزّ وجلّ: {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} أي: أحاط علمهُ بجميع الأشياء.

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًا ۝١٢٧

قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ}، الآية. قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في بنات أم كُجّة وميراثهن وقد مضت القصة في أول السورة.

وقالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، وهو وليها فيرغب في نكاحِها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سُنَّة صَداقها، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركها، وفي رواية هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب أن يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله عن ذلك.

قوله عزّ وجلّ: {وَيَسْتَفْتُونَكَ} أي: يستخبرونك في النساء، {قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ}، قيل معناه ويفتيكم في ما يتلى عليكم، وقيل معناه: ونفتيكم ما يتلى عليكم، يريد: الله يفتيكم وكتابه يفتيكم فيهن، وهو قوله عزّ وجلّ: {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ}، قوله: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنِّسَآءِ}، هذا إضافة الشيء إلى نفسه لأنه أراد باليتامى النساء، {ٱلَّلَـٰتِى لاَ تُؤْتُونَهُنَّ}، أي: لا تعطونهن، {مَا كُتِبَ لَهُنَّ}، من صداقهن، {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ}، أي في نِكَاحِهنّ لِمَالِهنّ وجمالِهنَّ بأقل من صداقهن، وقال الحسن وجماعة: أراد لا تؤتونهن حقهن من الميراث، لأنهم كانوا لا يُورِّثون النساءَ، وترغبون أن تنكحوهن، أي: عن نكاحهن لدمامتهن. {وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ} يريد: ويُفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم الصغار، أن تعطوهم حُقوقهم، لأنهم كانُوا لاَ يُورِّثون الصغار، يريد ما يتلى عليكم في باب اليتامى من قوله {وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} يعني بإعطاء حقوق الصغار، {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ}، أي: ويفتيكم في أنْ تقُوموا لليتامى بالقسط بالعدل في مُهورهن ومواريثهن، {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً}، يُجازيكم عليه.

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ۝١٢٨

قوله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} الآية، نزلت في عمرة ويُقال خولة بنت محمد بن مسلمة، وفي زوجها سعد بن الربيع - ويقال رافع بن خديج - تزوجها وهي شابة فلما علاها الكِبَر تزوّج عليها امرأة شابة، وآثرها عليها وجفا ابنة محمد بن مسلمة، فأتتْ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم فشكت إليه فنزلت فيها هذه الآية.

وقال سعيد بن جبير: كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج عليها غيرها، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقْسِمْ لي من كل شهرين إن شئت، وإن شئت فلا تَقْسِم لي. فقال: إن كان يصلح ذلك فهو أحب إليّ، فأتى رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأنزل الله تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ} أي علمتْ {مِن بَعْلِهَا}، أي: من زوجها {نُشُوزاً} أي: بُغضاً، قال الكلبي: يعني تركَ مضاجعتها، {أَوْ إِعْرَاضاً} بوجهه عنها وقلة مجالستها، {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ}، أي: على الزوج والمرأة، أنْ يصالحا أي: يتصالحا، وقرأ أهل الكوفة {أنْ يُصْلِحَا} من أصلح، {بَيْنَهُمَا صُلْحاً} يعني: في القِسْمة والنفقة، وهو أن يقول الزوج لها: إنّك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج امرأة شابة جميلة أوْثرها عليك في القسمة ليلاً ونهاراً فإن رضيتِ بهذا فأقيمي وإن كرهتِ خَلّيتُ سبيلك، فإن رضيتْ كانتْ هي المحسنة ولا تُجبر على ذلك، وإن لم ترض بدون حقها من القسم كان على الزوج أن يوفّيها حقّها من القِسْم والنفقة أو يسرحها بإحسان، فإن أمسكها ووفّاها حقّها مع كراهيته فهو مُحسن.

وقال سليمان بن يسار في هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما: فإن صالحته عن بعض حقّها من القِسْم والنفقة فذلك جائز ما رضيت، فإن أنكرت بعد الصلح فذلك لها ولها حقها.

وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: هو أن الرجل يكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة، فيقول للكبيرة: [اعطيتُكِ من] مالي نصيباً على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقْسِمُ لك فترضَى بما اصطلحا عليه، فإن أبتْ أن ترضَى فعليه أن يَعْدِلَ بينهما في القِسْم.

وعن عليّ رضي الله عنه في هذه الآية قال: تكون المرأة عند الرجل فتنُبو عينُه عنها من دمامة أو كبر فتكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإِن أعطته من أيامها فهو له حلٌّ {وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ} يعني: إقامتها بعد تخييره إياها، والمصالحة على ترك بعض حقّها من القسم والنفقة خيرٌ من الفرقة.

كما يُروَى أنّ سودة رضي الله عنها كانت امرأة كبيرة وأراد النبي صلّى الله عليه وسلم أنْ يُفارقها، فقالتْ: لا تطلقني وإنما بي أنْ أبعث في نسائك وقد جعلتُ نوبتي لعائشة رضي الله عنها فأمسكها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة رضي الله عنها.

قوله تبارك وتعالى: {وَأُحْضِرَتِ ٱلأنفُسُ ٱلشُّحَّ}، يريد: شُحَّ كلِّ واحد من الزوجين بنصيبه من الآخر، والشُّح: أقبح البخل، وحقيقتُه. الحرص على منع الخير، {وَإِن تُحْسِنُواْ}، أي: تصلحوا {وَتَتَّقُواْ}، الجورَ، وقيل: هذا خطاب مع الأزواج، أي: وإنْ تُحسنوا بالإِقامة معها على الكراهة وتتّقوا ظُلمَها {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}، فيجزيكم بأعمالكم.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ