انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 103–110

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 100–113في هذه الصفحة 14:23

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَٰبًا مَّوْقُوتًا ۝١٠٣

يعني بذلك جلّ ثناؤه: فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم، وأنتم مواقفو عدوّكم التي بيناها لكم، فاذكروا الله على كلّ أحوالكم قياماً وقعوداً، ومضطجعين على جنوبكم بالتعظيم له، والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوّكم، لعلّ الله أن يظفركم وينصركم عليهم. وذلك نظير قوله:

{ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }[الأنفال: 45]. وكما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَـٰماً } يقول: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاءاً معلوماً. ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدّاً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، فقال: فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، بالليل والنهار، في البرّ والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرّ والعلانية، وعلى كلّ حال.

وأما قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ } فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ }: فإذا استقررتم في أوطانكم وأقمتم في أمصاركم، {فَأَقِيمُواْ } يعني: فأتموا {ٱلصَّلَوٰةِ } التي أذن لكم بقصرها في حال خوفكم في سفركم وضربكم في الأرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد في قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } قال: الخروج من دار السفر إلى دار الإقامة.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } يقول: إذا اطمأننتم في أمصاركم فأتموا الصلاة.

وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا استقررتم فأقيموا الصلاة، أي فأتموا حدودها بركوعها وسجودها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ } قال: فإذا اطمأننتم بعد الخوف.

وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ } قال: فإذا اطمأننتم فصلوا الصلاة لا تصلّها راكباً ولا ماشياً ولا قاعداً.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ } قال: أتموها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بتأويل الآية، تأويل من تأوّله: فإذا زال خوفكم من عدوّكم وأمنتم أيها المؤمنون واطمأنت أنفسكم بالأمن، فأقيموا الصلاة، فأتموها بحدودها المفروضة عليكم، غير قاصريها عن شيء من حدودها.

وأنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره عرّف عباده المؤمنين الواجب عليهم من فرض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين: إحداهما شدة حال خوف أذن لهم فيها بقصر الصلاة، على ما بينت من قصر حدودها عن التمام، والأخرى حال غير شدّة الخوف أمرهم فيها بإقامة حدودها، وإتمامها على ما وصفه لهم جلّ ثناؤه من معاقبة بعضهم بعضاً في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضاً من عدوّهم وهي حالة لا قصر فيها، لأنه يقول جلّ ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الحال: وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة. فمعلوم بذلك أن قوله: {فَإِذَا ٱطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ } إنما هو: فإذا اطمأننتم من الحالة التي لم تكونوا مقيمين فيها صلاتكم فأقيموها، وتلك حالة شدة الخوف، لأنه قد أمرهم باقامتها في حال غير شدة الخوف بقوله:

{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلَٰوةَ }[النساء: 102]... الآية.

القول في تأويل قوله تعالى: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً }.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إن الصلاة كانت على المؤمنين فريضة مفروضة. ذكر من قال ذلك:

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: فريضة مفروضة.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، قال: ثني عليّ عن ابن عباس: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: مفروضاً، الموقوت: المفروض.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: أما كتاباً موقوتاً: فمفروضاً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: {كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: مفروضاً.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضاً واجباً. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: كتاباً واجباً.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: واجباً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن معمر بن سام، عن أبي جعفر في قوله: {كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: مُوجَباً.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } والموقوت: الواجب.

حدثني أحمد بن حازم، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا معمر بن يحيـى، قال: سمعت أبا جعفر يقول: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: وجوبها.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً منجماً يؤدونها في أنجمها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحجّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن زيد بن أسلم في قوله: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } قال: منَجَّماً، كلما مضَى نَجم جاء نجم آخر، يقول: كلما مضى وقت جاء وقت آخر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم بمثله.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض، لأن ما كان مفروضاً فواجب، وما كان واجباً أداؤه في وقت بعد وقت فمنجم. غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة قول من قال: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضاً منجماً، لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل: وَقَتَ اللّه عليك فرضه فهو يَقِتُهُ، ففرضُه عليك موقوت، إذا أخبر أنه جَعل له وقتاً يجب عليك أداؤه. فكذلك معنى قوله: {إنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كانَتْ علىٰ ٱلمُؤْمِنِينَ كِتَـٰباً مَّوْقُوتاً } إنما هو كانت على المؤمنين فرضاً وقت لهم وقت وجوب أدائه، فبَّين ذلك لهم. ]

وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝١٠٤

يعني جل ثناؤه بقوله: {وَلاَ تَهِنُواْ }: ولا تضعفوا، من قولهم: وَهَنَ فلان في هذا الأمر يَهِنُ وَهُناً ووُهوناً. وقوله: {فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ }: يعني في التماس القوم وطلبهم، والقوم هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك بالله {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } يقول: إن تكونوا أيها المؤمنون تَيْجَعون مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا. {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } يقول: فإن المشركين ييجعون مما ينالهم منكم من الجراح والأذى، مثل ما تيجعون أنتم من جراحهم وأذاهم فيها. {وَتَرْجُونَ } أنتم أيها المؤمنون {مِنَ ٱللَّهِ } من الثواب على ما ينالكم منهم، {مَا لاَ يَرْجُونَ } هم على ما ينالهم منكم. يقول: فأنتم إذ كنتم موقنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم بما هم به مكذّبون، وأولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم منهم على قتالكم وحربكم، وأن تجدّوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما يهنون هم فيه ولا يجدّون، فكيف على ما جَدّوا فيه ولم يهنوا؟.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } منهم، {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإنكم إن تكونوا تيجعون، فإنهم ييجعون كما تيجعون، وترجون من الله من الأجر والثواب ما لا يرجون.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } قال: يقول: لا تضعفوا في طلب القوم، فإن تكونوا تيجعون من الجراحات، فإنهم ييجعون كما تيجعون.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ }: لا تضعفوا.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ } يقول: لا تضعفوا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَلاَ تَهِنُواْ فِى ٱبْتِغَاء ٱلْقَوْمِ } قال: يقول: لا تضعفوا عن ابتغائهم، {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } القتال، {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } قال: وهذا قبل أن تصيبهم الجراح إن كنتم تكرهون القتال فتألمونه فإنهم يألمون كما تألمون، {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } يقول: فلا تضعفوا في ابتغائهم مكان القتال.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ }: توجعون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ } قال: توجعون لما يصيبكم منهم، فإنهم يوجعون كما توجعون. {وَتَرْجُونَ } أنتم من الثواب فيما يصيبكم {مَا لاَ يَرْجُونَ }.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما كان قتال أُحد، وأصاب المسلمين ما أصاب، صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد لا جرح إلا بجرح، الحرب سجال، يوم لنا ويوم لكم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أجِيبُوهُ»! فقالوا: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. فقال أبو سفيان: عزّى لنا ولا عزّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قُولُوا لَهُ: اللّهُ مَوْلانا وَلا مَوْلَى لَكُمْ. قال أبو سفيان: أُعْلُ هبل! أُعْلُ هبل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:قُولُوا لَهُ: اللّهُ أعْلَى وأجَلُّ. فقال أبو سفيانُ: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى. ونام المسلمون وبهم الكلوم. قال عكرمة: وفيها أنزلت: { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ }[آل عمران: 140]، وفيهم أنزلت: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } قال: ييجعون كما تيجعون.

وقد ذكرنا عن بعضهم أنه كان يتأوّل قوله: {وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ }: وتخافون من الله ما لا يخافون، من قول الله:

{ قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ }[الجاثية: 14] بمعنى: لا يخافون أيام الله. وغير معروف صرف الرجاء إلى معنى الخوف في كلام العرب، إلا مع جحد سابق له، كما قال جلّ ثناؤه: { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً }[نوح: 13] بمعنى: لا تخافون لله عظمة، وكما قال الشاعر الهذلي:

لا تَرْتجِي حِينَ تُلاقي الذَّائِدَاأسَبْعَةً لاقَتْ مَعاً أمْ وَاحِدَاً

وكما قال أبو ذؤيب:

إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَهاوخالَفَها في بَيْتِ نُوَبٍ عَوَاسِلِ

وهي فيما بلغنا لغة أهل الحجاز، يقولونها بمعنى: ما أبالي وما أحفل.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً }:

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولم يزل الله عليماً بمصالح خلقه، حكيماً في تدبيره وتقديره، ومن علمه أيها المؤمنون بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم، وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوّكم ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوّكم ومن حكمته بصركم بما فيه تأييدكم، وتوهين كيد عدوّكم. ]

إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا ۝١٠٥ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٠٦

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ }: إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني القرآن، {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } لتقضي بين الناس، فتفصل بينهما {بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } يعني: بما أنزل الله إليك من كتابه. {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } يقول: ولا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً في نفسه أو ماله، خصيماً تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خانه فيه. {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ } يا محمدُ وسله أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } يقول: إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنن بتركه عقوبتهم عليها، إذا استغفروه منها، رحيماً بهم، فافعل ذلك أنت يا محمد، يغفر الله لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن. وقد قيل إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن خاصم عن الخائن، ولكنه همّ بذلك، فأمره الله بالاستغفار مما همّ به من ذلك. وذكر أن الخائنين الذين عاتب الله جلّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم في خصومته عنهم بنو أُبَيْرِق.

واختلف أهل التأويل في خيانته التي كانت منه فوصفه الله بها، فقال بعضهم: كانت سرقة سرقها. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ }... إلى قوله:

{ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ }[النساء: 114] فيما بين ذلك في طعمة بن أبيرق ودرعه من حديد التي سرق، وقال أصحابه من المؤمنين للنبيّ: اعذره في الناس بلسانك! ورمَوا بالدرع رجلاً من يهود بريئاً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، قال: ثنا محمد بن سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق: بِشر وبُشَير مبشِّر، وكان بشير رجلاً منافقاً، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينحله إلى بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر، قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، فقال:

أوَ كُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا وقالُوا ابنُ الأبَيْرِقِ قالَهَا

قال: وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام بالدَّرمك، ابتاع الرجل منهم، فخصّ به نفسه، فأما العيال: فإنما طعامهم التمر والشعير. فقدمت ضافطة من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك، فجعله في مشرَبة له، وفي المشربة سلاح له: درعان وسيفاهما وما يصلحهما. فَعُدي عليه من تحت الليل، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي تعَّلمْ أنه قد عُدِي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بسلاحنا وطعامنا. قال: فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نراه إلا على بعض طعامكم. قال: وقد كان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل! رجل منا له صلاح وإسلام. فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه، ثم أتى بني أبيرق فقال: والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبيننّ هذه السرقة! قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فوالله ما أنت بصاحبها! فسألنا في الدار حتى لم نشكّ أنهم أصحابها، فقال عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقلت: يا رسول الله، إن أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأنْظُرُ في ذلك. فلما سمع ذلك بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع إليه ناس من أهل الدار، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدوا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثَبَت. قال قتادة: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فقال:عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إسْلامٌ وَصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بالسَّرِقَةِ على غيرِ بَيِّنَةٍ وَلا ثَبَتٍ!. قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. فأتيت عمي رفاعة، فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان. فلم نلبث أن نزل القرآن: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } يعني: بني أبيرق، {وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ } أي مما قلت لقتادة، { إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ }[النساء: 106-107] أي بني أبيرق { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ }[النساء: 107-108]... إلى قوله: { ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً }[النساء: 110]: أي أنهم إن يستغفروا الله يغفر لهم، { وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً }[النساء: 111-112] قولهم للبيد: { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ }[النساء: 113] يعني أسيراً وأصحابه. { وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ }[النساء: 113]... إلى قوله: { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }[النساء: 114]، فلما نزل القرآن أتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح، فردّه إلى رفاعة. قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولاً؛ فلما أتيته بالسلاح، قال: يا ابن أخي، هو في سبيل الله. قال: فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً. فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد بن سهل، فأنزل الله فيه: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }[النساء: 115]... إلى قوله: { وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً بَعِيداً }[النساء: 116]. فلما نزل على سلافة رماها حسان بن ثابت بأبيات من شعر. فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت فرمته بالأبطح، ثم قالت: أهديت إليّ شعر حسان! ما كنت تأتيني بخير.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } يقول: بِمَا أنزل الله عليك وبيَّن لك، {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } فقرأ إلى قوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً }[النساء: 107]. ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق وفيما همّ به نبيّ الله صلى الله عليه وسلم من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه صلى الله عليه وسلم وحذّره أن يكون للخائنين خصيماً. وكان طعمة بن أبيرق رجلاً من الأنصار، ثم أحد بني ظَفَر، سرق درعاً لعمه كانت وديعة عنده، ثم قذفها على يهوديّ كان يغشاهم، يقال له زيد بن السمين، فجاء اليهودي إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يهتف، فلما رأى ذلك قومه بنو ظفر جاءوا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ليعذروا صاحبهم، وكان نبيّ الله عليه الصلاة والسلام قد همّ بعُذره، حتى أنزل الله في شأنه ما أنزل، فقال: { وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ }[النساء: 107] إلى قوله: { هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ }[النساء: 109] يعني بذلك قومه، { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً }[النساء: 112]، وكان طعمة قذف بها بريئاً. فلما بين الله شأن طعمة، نافق ولحق بالمشركين بمكة، فأنزل الله في شأنه: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }[النساء: 115].

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } وذلك أن نفراً من الأنصار غزواً مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأَظَنَّ بها رجلاً من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي. فأُتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى السارق ذلك، عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني قد غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده. فانطلقوا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ليلاً، فقالوا: يا نبيّ الله إن صاحبنا بريء، وإن سارق الدرع فلان، وقد أُحطنا بذلك علماً، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } يقول: احكم بينهم بما أنزل الله إليك في الكتاب،

{ وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ }[النساء: 106-107].... الآية، ثم قال للذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً: { يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ }[النساء: 108].... إلى قوله: { أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً }[النساء: 109] يعني الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفين بالكذب. ثم قال: { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً }[النساء: 112] يعني: السارق والذين يجادلون عن السارق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ }... الآية. قال: كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبيّ صلى الله عليه وسلم وطرحه على يهوديّ، فقال اليهوديّ: والله ما سرقتها يا أبا القاسم، ولكن طرحت عليّ! وكان للرجل الذي سرق جيران يبرّئونه ويطرحونه على اليهوديّ ويقولون: يا رسول الله، إن هذا اليهوديّ الخبيث يكفر بالله وبما جئت به! قال: حتى مال عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم ببعض القول، فعاتبه الله عزّ وجلّ في ذلك، فقال: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ } بما قلت لهذا اليهوديّ، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }. ثم أقبل على جيرانه فقال:

{ هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا }[النساء: 109] فقرأ حتى بلغ: { أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً }[النساء: 109]. قال: ثم عرض التوبة فقال: { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ }[النساء: 110-111] فما أدخلكم أنتم أيها الناس على خطيئة هذا تكلمون دونه. { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً }[النساء: 111-112] وإن كان مشركاً. { فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً }[النساء: 112] فقرأ حتى بلغ إلى قوله: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ }[النساء: 115] قال: أبى أن يقبل التوبة التي عرض الله له. وخرج إلى المشركين بمكة، فنقب بيتاً ليسرقه، فهدمه الله عليه فقتله؛ فذلك قوله: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدْىٰ }[النساء: 115] فقرأ حتى بلغ: { وَسَآءَتْ مَصِيراً }[النساء: 115]. ويقال: هو طعمة بن أبيرق، وكان نازلاً في بني ظفر.

وقال آخرون: بل الخيانة التي وصف الله بها من وصفه بقوله: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } جحوده وديعة كان أُودِعَها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً } قال: أمَّا «ما أراك الله»: فما أوحي الله إليك؛ قال: نزلت في طعمة بن أبيرق، واستودعه رجل من اليهود درعاً، فانطلق بها إلى داره، فحفر لها اليهودي ثم دفنها، فخالف إليها طعمة، فاحتفر عنها، فأخذها. فلما جاء اليهوديّ يطلب درعه كَافَرَهُ عنها، فانطلق إلى ناس من اليهود من عشيرته، فقال: انطلقوا معي، فإني أعرف وضع الدرع! فلما علم بهم طعمة، أخذ الدرع فألقاها في دار أبي مُلَيْلٍ الأنصاري، فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلما تقدر عليها، وقع به طعمة وأناس من قومه، فسبوه، وقال: أتخوّنونني؟ فانطلقوا يطلبونها في داره، فأشرفوا على بيت أبي مليل، فإذا هم بالدرع، وقال طعمة: أخذها أبو مليل. وجادلت الأنصار دون طعمة، وقال لهم: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له ينضح عني ويكذب حجة اليهودي، فإني إن أُكَّذب كذب على أهل المدينة اليهودي. فأتاه أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله جادل عن طعمة وأَكْذِب اليهودي! فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، فأنزل الله عليه: {وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهِ } مما أردت

{ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً }[النساء: 106-107]. ثم ذكر الأنصار ومجادلتهم عنه، فقال: { يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ }[النساء: 108] يقول: يقولون ما لا يرضى من القول، { هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ }[النساء: 109]. ثم دعا إلى التوبة، فقال: { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً }[النساء: 110]. ثم ذكر قوله حين قال أخذها أبو مليل فقال: { وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ... وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً }[النساء: 111-112]. ثم ذكر الأنصار وإتيانهم إياه أن ينضح عن صاحبهم ويجادل عنه فقوله: { لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ }[النساء: 113] يقول: النبوّة. ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة، فقال: { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ }[النساء: 114]. فلما فضح الله طعمة بالمدينة بالقرآن، هرب حتى أتى مكة، فكفر بعد إسلامه. ونزل على الحجاج بن علاط السلمي، فنقب بيت الحجاج فأراد أن يسرقه، فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقة جلود كانت عنده، فنظر فإذا هو بطعمة، فقال: ضيفي وابن عمي وأردت أن تسرقني؟! فأخرجه فمات بحرّة بني سليم كافراً، وأنزل الله فيه: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلّهِ مَا تَوَلَّىٰ }[النساء: 115]... إلى: { وَسَآءتْ مَصِيراً } [النساء: 115].

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قال: استودع رجل من الأنصار طعمة بن أبيرق مشرُبه له فيها درع، وخرج فغاب. فلما قدم الأنصاريّ فتح مشربته فلم يجد الدرع، فسأل عنها طعمة بن أبيرق، فرمي بها رجلاً من اليهود يقال له زيد بن السمين. فتعلق صاحب الدرع بطعمة في درعه؛ فلما رأى ذلك قومه أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكلموه ليدرأ عنه فهم بذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى:

{ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً * وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ }[النساء: 105-107] يعني طعمة بن أبيرق وقومه، { هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً }[النساء: 109] محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة. { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً }[النساء: 110] محمد وطعمة وقومه، قال: { وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ }... الآية، طعمة. { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً }[النساء: 111] يعني: زيد بن السمين، { فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً }[النساء: 112] طعمة بن أبيرق. { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ }[النساء: 113] يا محمد، { لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ }[النساء: 113] قوم طعمة ابن أبيرق. { وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }[النساء: 113] محمد صلى الله عليه وسلم. { لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ }[النساء: 114] حتى تنقضي الآية للناس عامة. { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهَدْىِ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }[النساء: 115]... الآية. قال: لما نزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش ورجع في دينه، ثم عدا على مشربة للحجاج بن علاط البهزيّ ثم السلمي حليف لبني عبد الدار، فنقبها، فسقط عليه حجر فَلِحجَ. فلما أصبح أخرجوه من مكة، فخرج فلقي ركباً من بهراء من قضاعة، فعرض لهم، فقال: ابن سبيل منقطع به! فحملوه حتى إذا جنّ عليه الليل عدا عليهم فسرقهم، ثم انطلق فرجعوا في طلبه فأدركوه، فقذفوه بالحجارة حتى مات. قال ابن جريج: فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ }[النساء: 116] أنزلت في طعمة بن أبيرق، يقولون: إنه رَمى بالدرع في دار أبي مليل بن عبد الله الخزرجي، فلما نزل القرآن لحق بقريش، فكان من أمره ما كان.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، ثنا عبيد بن سلمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ } يقول: بما أنزل عليك وأراكه في كتابه. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار استودع درعاً فجحد صاحبها، فخوّنه رجال من أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فغضب له قومه، وأتوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: خوّنوا صاحبنا وهو أمين مسلم، فاعذره يا نبيّ الله وازجر عنه! فقام نبيّ الله فعذره وكذب عنه وهو يرى أنه بريء وأنه مكذوب عليه، فأنزل الله بيان ذلك فقال: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَا أَرَاكَ ٱللَّهُ }... إلى قوله:

{ أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً }[النساء: 109] فبين الله خيانته. فلحق بالمشركين من أهل مكة، وارتدّ عن الإسلام، فنزل فيه: { وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ }[النساء: 115] إلى قوله: { وَسَآءتْ مَصِيراً }[النساء: 115].

قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بما دلّ عليه ظاهر الآية قول من قال: كانت خيانته التي وصفه الله بها في هذه الآية جحوده ما أودع، لأن ذلك هو المعروف من معاني الخيانات في كلام العرب؛ وتوجيه تأويل القرآن إلى الأشهر من معاني كلام العرب ما وجد إليه سبيل أولى من غيره.]

وَلَا تُجَٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ۝١٠٧

يعني بذلك جلّ ثناؤه: {وَلاَ تُجَـٰدِلْ } يا محمد فتخاصم {عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يعني: يخوّنون أنفسهم، يجعلونها خونة بخيانتهم ما خانوا من أموال من خانوه ماله وهم بنو أبيرق، يقول: لا تخاصم عنهم من يطالبهم بحقوقهم، وما خانوه فيه من أموالهم. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً } يقول: إن الله لا يحبّ من كان من صفته خيانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره، مما حرّمه الله عليه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وقد تقدّم ذكر الرواية عنهم.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } قال: اختان رجل عمًّا له درعاً، فقذف بها يهودياً كان يغشاهم، فجادل عمّ الرجل قومه، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم عذره، ثم لحق بأرض الشرك، فنزلت فيه:

{ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ }[النساء: 115]... الآية.]

يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ۝١٠٨

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ } يستخفى هؤلاء الذين يختانون أنفسهم ما أوتوا من الخيانة، وركبوا من العار والمعصية من الناس الذي لا يقدرون لهم على شيء إلا ذكرهم بقبيح ما أوتوا من فعلهم وشنيع ما ركبوا من جرمهم إذا اطلعوا عليه حياء منهم، وحذراً من قبيح الأحدوثة. {وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ } الذي هو مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وبيده العقاب والنكال وتعجيل العذاب، وهو أحقّ أن يستحيا منه من غيره، وأولى أن يعظم بأن لا يراهم حيث يكرهون أن يراهم أحد من خلقه {وَهُوَ مَعَهُمْ } يعني: والله شاهدهم، {إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ } يقول حين يسوّون ليلاً ما لا يرضى من القول فيغيرونه عن وجهه، ويكذبون فيه. وقد بينا معنى التبييت في غير هذا الموضع، وأنه كلّ كلام أو أمر أصلح ليلاً. وقد حكي عن بعض الطائيين أن التبييت في لغتهم التبديل، وأنشد للأسود بن عامر بن جُوَين الطائي في معاتبة رجل:

وَبَيَّتَ قَوْلِيَ عَبْدَ المَلِيــكِ قاتَلَكَ اللّهُ عَبْداً كَنُودَاً

بمعنى: بدلت قولي. ورُوي عن أبي رزين أنه كان يقول في معنى قوله: «يبيتون»: يؤلفون.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين: {إِذْ يُبَيّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ } قال: يؤلفون ما لا يَرْضَى من القول.

حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال: ثنا أبو يحيـى الحماني، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي رزين، بنحوه.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي رزين، مثله.

قال أبو جعفر: وهذا القول شبيه المعنى بالذي قلناه، وذلك أن التأليف هو التسوية والتغيير عما هو به وتحويله عن معناه إلى غيره.

وقد قيل: عني بقوله؛{يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ }: الرهط الذين مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة المدافعة عن بني أبيرق والجدال عنه على ما ذكرنا قبل فيما مضى عن ابن عباس وغيره. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } يعني جلّ ثناؤه: وكان الله بما يعمل هؤلاء المستخفون من الناس فيما أوتوا من جرمهم حياء منهم من تبييتهم ما لا يرضى من القول وغيره من أفعالهم محيطاً محصياً، لا يخفى عليه شيء منه، حافظاً لذلك عليهم، حتى يجازيهم عليه جزاءهم.]

هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ۝١٠٩

يعني جلّ ثناؤه بقوله: { هَـأَنْتُمْ هَـؤُلاء جَـٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } ها أنتم الذين جادلتم يا معشر من جادل عن بني أبيرق في الحياة الدنيا. والهاء والميم في قوله: {عَنْهُمْ } من ذكر الخائنين. {فَمَن يُجَـٰدِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ } يقول: فمن ذا يخاصم الله عنهم يوم القيامة: أي يوم يقوم الناس من قبورهم لمحشرهم، فيدافع عنهم ما الله فاعل بهم، ومعاقبهم به. وإنما يعني بذلك أنكم أيها المدافعون عن هؤلاء الخائنين أنفسهم، وإن دافعتم عنهم في عاجل الدنيا، فإنهم سيصيرون في آجل الآخرة إلى من لا يدافع عنهم عنده أحد فيما يحلّ بهم من أليم العذاب ونكال العقاب. وأما قوله: {أمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } فإنه يعني: ومن ذا الذي يكون على هؤلاء الخائنين وكيلاً يوم القيامة: أي ومن يتوكل لهم في خصومة ربهم عنهم يوم القيامة. وقد بينا معنى الوكالة فيما مضى، وأنها القيام بأمر من توكل له.]

وَمَن يَعْمَلْ سُوٓءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُۥ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١١٠

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يعمل ذنباً، وهو السوء، أو يظلم نفسه بإكسابه إياها ما يستحقّ به عقوبة الله، {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } يقول: ثم يتوب إلى الله بانابته مما عمل من السوء وظلم نفسه ومراجعته ما يحبه الله من الأعمال الصالحة التي تمحو ذنبه وتذهب جُرمه، {يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } يقول: يجد ربه ساتراً عليه ذنبه بصفحه له عن عقوبته جرمه، رحيماً به.

واختلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية، فقال بعضهم: عني بها الذين وصفهم الله بالخيانة بقوله:

{ وَلاَ تُجَـٰدِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ }[النساء: 107].

وقال آخرون: بل عني بها الذين يجادلون عن الخائنين، الذين قال الله لهم:

{ هَٰأَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا }[النساء: 109] وقد ذكرنا قائلي القولين كليهما فيما مضى.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أنه عنى بها كل من عمل سوءاً أو ظلم نفسه، وإن كانت نزلت في أمر الخائنين والمجادلين عنهم الذين ذكر الله أمرهم في الآيات قبلها.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قال عبد الله: كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئاً منه قرضه بالمقراض، فقال رجل: لقد أتى الله بني إسرائيل خيراً. فقال عبد الله: ما آتاكم الله خيراً مما أتاهم، جعل الله الماء لكم طهوراً، وقال: و

{ ٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ }[آل عمران: 135] وقال: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً }.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل، فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها، فقال ابن مغفل: ما لها؟ لها النار! فانصرفت وهي تبكي، فدعاها، ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } قال: فمسحت عينها ثم مضت.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً } قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه، وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب صغيراً كان أو كبيراً، ثم يستغفر الله، يجد الله غفوراً رحيماً، ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال.]

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ