انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

تفسير الطبريالآيات 80–88

تفسير سورة ص آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة ص

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 36:34

  1. 1 الآيات 52–88في هذه الصفحة 11:52

التفسير الصوتي لسورة ص كاملًا (3 مقاطع)

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝٨٠ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ۝٨١ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٨٣

يقول تعالـى ذكره: قال الله لإبلـيس: فإنك مـمن أنظرته إلـى يوم الوقت الـمعلوم، وذلك الوقت الذي جعله الله أجلاً لهلاكه. وقد بـيَّنت وقت ذلك فـيـما مضى علـى اختلاف أهل العلـم فـيه وقال: {فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أجمَعِينَ} يقول تعالـى ذكره: قال إبلـيس: فبعزّتك: أي بقدرتك وسلطانك وقهرك ما دونك من خـلقك {لاَغْوِينَّهُمْ أجمَعِينَ} يقول: لأُضلَّنّ بنـي آدم أجمعين {إلاَّ عِبـادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْـلَصِينَ} يقول: إلا من أخـلصته منهم لعبـادتك، وعصمتَه من إضلالـي، فلـم تـجعل لـي علـيه سبـيلاً، فإنـي لا أقدر علـى إضلاله وإغوائه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِينَّهُمْ أجمَعِينَ} قال: عَلِـم عدوّ الله أنه لـيست له عزّة.

قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ ۝٨٤ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٨٥ قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ۝٨٦

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {قالَ فـالـحَقُّ والـحَقَّ أقُولُ} فقرأه بعض أهل الـحجاز وعامة الكوفـيـين برفع الـحقّ الأوّل، ونصب الثانـي. وفـي رفع الـحقّ الأوّل إذا قُرىء كذلك وجهان: أحدهما رفعه بضمير لله الـحقّ، أو أنا الـحقّ وأقول الـحقّ. والثانـي: أن يكون مرفوعاً بتأويـل قوله: {لأَمْلأَنَّ} فـيكون معنى الكلام حينئذٍ: فـالـحقّ أن أملأ جهنـم منك، كما يقول: عزمة صادقة لآتـينك، فرفع عزمة بتأويـل لآتـينك، لأن تأويـله أن آتـيك، كما قال:

{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَـيَسْجُنُنَّهُ }فلا بدّ لقوله: { بَدَا لَهُمْ }من مرفوع، وهو مضمر فـي الـمعنى. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الـمكيـين والكوفـيـين بنصب الـحقّ الأوّل والثانـي كلـيهما، بـمعنى: حقاً لأملأن جهنـم والـحقّ أقول، ثم أدخـلت الألف واللام علـيه، وهو منصوب، لأن دخولهما إذا كان كذلك معنى الكلام وخروجهما منه سواء، كما سواء قولهم: حمداً لله، والـحمد لله عندهم إذا نصب. وقد يحتـمل أن يكون نصبه علـى وجه الإغراء بـمعنى: الزموا الـحقّ، واتبعوا الـحقّ، والأوّل أشبه لأن خطاب من الله لإبلـيس بـما هو فـاعل به وبتُبَّـاعه. وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، لصحة معنـيـيهما.

وأما الـحقّ الثانـي، فلا اختلاف فـي نصبه بـين قرّاء الأمصار كلهم، بـمعنى: وأقول الـحقّ. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مـجاهد، فـي قوله: {فـالـحَقُّ والـحَقَّ أقُولُ} يقول الله: أنا الـحقُّ، والـحقَّ أقول.

وحُدثت عن ابن أبـي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {فـالـحَقُّ والـحَقَّ أقُولُ} يقول الله: الـحقّ منـي، وأقول الـحقّ.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: ثنا أبـان بن تغلب، عن طلـحة الـيامي، عن مـجاهد، أنه قرأها {فـالـحَقُّ} بـالرفع {والـحَقَّ أقُولُ} نصبـاً وقال: يقول الله: أنا الـحقّ، والـحقّ أقول.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {الـحَقُّ والـحَقَّ أقُولُ} قال: قسم أقسم الله به.

وقوله: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّـمَ مِنْكَ} يقول لإبلـيس: لأملأنّ جهنـم منك ومـمن تبعك من بنـي آدم أجمعين. وقوله: {قُلْ ما أسأَلُكُمْ عَلَـيْهِ مِنْ أَجْرٍ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك، القائلـين لك

{ أأُنْزِلَ عَلَـيْهِ الذّكْرُ مِنْ بَـيْنِنا }}: ما أسألكم علـى هذا الذكر وهو القرآن الذي أتـيتكم به من عند الله أجراً، يعنـي ثوابـاً وجزاء {وما أنا مِنَ الـمُتَكَلِّفِـينَ} يقول: وما أنا مـمن يتكلف تـخرُّصَه وافتراءه، فتقولون: { إنْ هَذَا إِلاَّ إفْكٌ افَتَراهُ }و { إنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاَقٌ }كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {قُلْ ما أسألُكُمْ عَلَـيهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أنا مِنَ الـمُتَكَلِّفِـينَ} قال: لا أسألكم علـى القرآن أجراً تعطونـي شيئاً، وما أنا من الـمتكلفـين أتـخرّص وأتكلف ما لـم يأمرنـي الله به.

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَٰلَمِينَ ۝٨٧ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعْدَ حِينٍۭ ۝٨٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الـمشركين من قومك: {إنْ هُوَ} يعنـي: ما هذا القرآن {إلاَّ ذِكْرٌ} يقول: إلا تذكير من الله {للْعالَـمِينَ} من الـجنّ والإنس، ذكرهم ربهم إرادة استنقاذ من آمن به منهم من الهَلَكة. وقوله: {وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعحدَ حِينٍ} يقول: ولتعلـمنّ أيها الـمشركون بـالله من قُرَيش نبأه، يعنـي: نبأ هذا القرآن، وهو خبره، يعنـي حقـيقة ما فـيه من الوعد والوعيد بعد حين. وبـمثل الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ} قال: صدق هذا الـحديث نبأ ما كذّبوا به. وقـيـل: نبأه حقـيقة أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبـيّ.

ثم اختلفوا فـي مدة الـحِين الذي ذكره الله فـي هذا الـموضع: ما هي، وما نهايتها؟ فقال بعضهم: نهايتها الـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ}: أي بعد الـموت وقال الـحسن: يا ابن آدم عند الـموت يأتـيك الـخبر الـيقـين.

وقال بعضهم: كانت نهايتها إلـى يوم بدر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ} قال: يوم بدر.

وقال بعضهم: يوم القـيامة. وقال بعضهم: نهايتها القـيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ} قال: يوم القـيامة يعلـمون نبأ ما كذّبوا به بعد حين من الدنـيا وهو يوم القـيامة. وقرأ:

{ لِكُلّ نَبأٍ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَـمُونَ }قال: وهذا أيضاً الآخرة يستقرّ فـيها الـحقّ، ويبطُل البـاطل.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أعلـم الـمشركين الـمكذّبـين بهذا القرآن أنهم يعلـمون نبأه بعد حين من غير حدّ منه لذلك الـحين بحدّ، وقد علـم نبأه من أحيائهم الذين عاشوا إلـى ظهور حقـيقته، ووضوح صحته فـي الدنـيا، ومنهم من علـم حقـيقة ذلك بهلاكه ببدر، وقبل ذلك، ولا حدّ عند العرب للـحين، لا يُجاوَز ولا يقصر عنه. فإذ كان ذلك كذلك فلا قول فـيه أصحْ من أن يطلَق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك علـى وقت دون وقت. وبنـحو الذين قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا أيوب، قال: قال عكرمة: سُئِلْت عن رجل حلف أن لا يصنع كذا وكذا إلـى حين، فقلت: إن من الـحين حيناً لا يُدرك، ومن الـحين حِينٌ يُدرك، فـالـحين الذي لا يُدرك قوله: {وَلَتَعْلَـمُنَّ نَبأَهُ بَعْدَ حِينٍ}، والـحين الذي يُدرك قوله:

{ تُؤْتِـي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بإذْن رَبِّها }وذلك من حين تُصْرَم النـخـلة إلـى حين تُطْلِع، وذلك ستة أشهر.
الجمعة، 23 أكتوبر 2026 12 جمادى الأولى 1448 هـ