انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

تفسير القرطبيالآيات 1–20

تفسير سورة ص آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

صٓ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ۝١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ۝٢ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ۝٣

قوله تعالى: {صۤ} قراءة العامة «صۤ» بجزم الدال على الوقف؛ لأنه حرف من حروف الهجاء مثل: «الۤمۤ» و «الۤمۤر». وقرأ أبيّ بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم «صادِ» بكسر الدال بغير تنوين. ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارض، ومنه

{ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ }[عبس: 5] أي تعرّض. والمصاداة المعارضة، ومنه الصَّدَى وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى صادِ القرآنَ بعملك؛ أي عارضه بعملك وقابله به، فاعمل بأوامره، وٱنته عن نواهيه. النحاس: وهذا المذهب يروى عن الحسن أنه فسر به قراءته رواية صحيحة. وعنه أن المعنى ٱتله وتعرّض لقراءته. والمذهب الآخر أن تكون الدال مكسورة لالتقاء الساكنين. وقرأ عيسى بن عمر «صاد» بفتح الدال مثله: «قافَ» و «نونَ» بفتح آخرها. وله في ذلك ثلاثة مذاهب: أحدهنّ أن يكون بمعنى ٱتلُ. والثاني أن يكون فتح لالتقاء الساكنين وٱختار الفتح للإتباع؛ ولأنه أخفّ الحركات. والثالث أن يكون منصوباً على القسم بغير حرف؛ كقولك: اللَّه لأفعلنّ، وقيل: نصب على الإغراء. وقيل: معناه صادَ محمدٌ قلوب الخلق وٱستمالها حتى آمنوا به. وقرأ ٱبن أبي إسحاق أيضاً «صادٍ» بكسر الدال والتنوين على أن يكون مخفوضاً على حذف حرف القسم، وهذا بعيد وإن كان سيبويه قد أجاز مثله. ويجوز أن يكون مشبهاً بما لا يتمكن من الأصوات وغيرها. وقرأ هارون الأعور ومحمد بن السَّمَيْقَع: «صادُ» و «قافُ» و «نونُ» بضم آخرهن؛ لأنه المعروف بالبناء في غالب الحال، نحو منذُ وقطُ وقبلُ وبعدُ. و «صۤ» إذا جعلته ٱسماً للسورة لم ينصرف؛ كما أنك إذا سميت مؤنثاً بمذكر لا ينصرف وإن قلّت حروفه. وقال ٱبن عباس وجابر بن عبد اللّه وقد سئلا عن «صۤ» فقالا: لا ندري ما هي. وقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ٱبن عباس عن «صۤ» فقال: «صۤ» كان بحراً بمكة وكان عليه عرش الرحمن إذ لا ليل ولا نهار. وقال سعيد بن جبير: «صۤ» بحر يُحيي اللّه به الموتى بين النفختين. وقال الضحاك: معناه صدق اللّه. وعنه أن «صۤ» قسم أقسم اللّه به وهو من أسمائه تعالى. وقال السدي، وروي عن ٱبن عباس. وقال محمد بن كعب: هو مفتاح أسماء اللّه تعالى صمدُ وصانعُ المصنوعات وصادقُ الوعد. وقال قتادة: هو ٱسم من أسماء الرحمن. وعنه أنه ٱسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: هو فاتحة السورة. وقيل: هو مما ٱستأثر اللّه تعالى بعلمه، وهو معنى القول الأوّل. وقد تقدّم جميع هذا في «البقرة».

قوله تعالى: {وَٱلْقُرْآنِ} خفض بواو القسم والواو بدل من الباء؛ أقسم بالقرآن تنبيهاً على جلالة قدره؛ فإن فيه بيان كل شيء، وشفاء لما في الصدور، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم. {ذِي ٱلذِّكْرِ} خفض على النعت وعلامة خفضه الياء، وهو ٱسم معتل والأصل فيه ذَوَى على فَعَل. قال ٱبن عباس ومقاتل معنى «ذِي الذِّكْرِ» ذي البيان. الضحاك: ذي الشرف أي من آمن به كان شرفاً له في الدارين؛ كما قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أي شرفكم. وأيضاً القرآن شريف في نفسه لإعجازه وٱشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره. وقيل: «ذِي الذِّكْرِ» أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين. وقيل: «ذِي الذِّكْرِ» أي فيه ذكر أسماء اللّه وتمجيده. وقيل: أي ذي الموعظة والذكر. وجواب القسم محذوف. وٱختلف فيه على أوجه: فقيل جواب القسم «صۤ»؛ لأن معناه حقّ فهي جواب لقوله: {وَٱلْقُرْآنِ} كما تقول: حقًّا واللّهِ، نزل واللّهِ، وجب واللّهِ،؛ فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} حسَنّا، وعلى «في عِزَّةِ وَشِقَاقٍ» تماما. قاله ٱبن الأنباري. وحكى معناه الثعلبي عن الفراء. وقيل: الجواب «بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ» لأن «بل» نفي لأمر سبق وإثبات لغيره؛ قاله القتبيّ؛ فكأنه قال: {وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. أو «وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب؛ لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق. وهو كقوله:

{ قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوۤاْ }[قۤ: 1]. وقيل: الجواب «كَمْ أَهْلَكْنَا» كأنه قال: والقرآنِ لَكَمْ أهلكنا؛ فلما تأخرت «كَمْ» حذفت اللام منها؛ كقوله تعالى: { وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا } [الشمس: 1] ثم قال: «قَدْ أَفْلَحَ» أي لقد أفلح. قال المهدوي: وهذا مذهب الفراء. ٱبن الأنباري: فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله: «فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ». وقال الأخفش: جواب القسم { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ }[صۤ: 14] ونحو منه قوله تعالى: { تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [الشعراء: 97] وقوله: { وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ - إِن كُلُّ نَفْسٍ } [الطارق:1-4]. ٱبن الأنباري: وهذا قبيح؛ لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص. وقال الكسائي: جواب القسم قوله: { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } [صۤ: 64]. ٱبن الأنباري: وهذا أقبح من الأوّل؛ لأن الكلام أشدّ طولاً فيما بين القسم وجوابه. وقيل الجواب قوله: { إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } [صۤ: 54]. وقال قتادة: الجواب محذوف تقديره «وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» لتبعثنّ ونحوه.

قوله تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ} أي في تكبر وٱمتناع من قبول الحق؛ كما قال جل وعز:

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلإِثْمِ }[البقرة: 206] والعزّة عند العرب: الغَلَبة والقَهْر. يقال: من عَزَّ بَزَّ؛ يعني من غَلَب سَلَب. ومنه: «وَعَزَّنِي في الخِطْابِ» أراد غلبني. وقال جرير:

يَعُزُّ عَلَى الطريق بِمَنْكِبيهِكما ٱبْتَرَك الخْلِيعُ على القِداحِ

أراد يغلب. {وَشِقَاقٍ} أي في إظهار خلاف ومباينة. وهو من الشَّق كأنّ هذا في شَقّ وذلك في شَقّ. وقد مضى في «البقرة» مستوفى.

قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي من قوم كانوا أمنع من هؤلاء. و«كَمْ» لفظة التكثير {فَنَادَواْ} أي بالاستغاثة والتوبة. والنداء رفع الصوت؛ ومنه الخبر:

ألقِه على بلالٍ فإنّه أَنْدى منك صوتاًأي أرفع. {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال الحسن: نادوا بالتوبة وليس حين التوبة ولا حين ينفع العمل. النحاس: وهذا تفسير منه لقوله عز وجل: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} فأما إسرائيل فروى عن أبي إسحاق عن التميمي عن ٱبن عباس: «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» قال: ليس بحين نَزْوٍ ولا فِرار؛ قال: ضُبِط القوم جميعاً قال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فٱضطروا قال بعضهم لبعض مناص؛ أي عليكم بالفرار والهزيمة، فلما أتاهم العذاب قالوا مناص؛ فقال اللّه عز وجل: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال القشيري: وعلى هذا فالتقدير: فنادوا مناص فحذف لدلالة بقية الكلام عليه؛ أي ليس الوقت وقت ما تنادون به. وفي هذا نوع تحكم؛ إذ يبعد أن يقال: كل من هلك من القرون كانوا يقولون مناص عند الاضطرار. وقيل: المعنى «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» أي لا خلاص وهو نصب بوقوع لا عليه. قال القشيري: وفيه نظر لأنه لا معنى على هذا للواو في «وَلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ» وقال الجرجاني: أي فنادوا حين لا مناص؛ أي ساعة لا منجىً ولا فوت. فلما قدم «لا» وأخّر «حين» ٱقتضى ذلك الواو، كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداء وخبرا؛ مثل قولك جاء زيد راكباً؛ فإذا جعلته مبتدأ وخبرا ٱقتضى الواو مثل جاءني زيد وهو راكب، فحين ظرف لقوله: {فَنَادَواْ}. والمناص بمعنى التأخر والفِرار والخلاص؛ أي نادوا لطلب الخلاص في وقت لا يكون لهم فيه خلاص. قال الفرّاء:

أَمِنْ ذكر ليلى إذ نَأتكَ تَنُوصُ

يقال: ناص عن قِرْنه يَنُوص نَوْصاً ومناصاً أي فَرَّ وزاغ. النحاس: ويقال: ناص ينوص إذا تقدم.

قلت: فعلى هذا يكون من الأضداد، والنَّوْص الحمار الوحشي. وٱستناص أي تأخر؛ قاله الجوهري. وتكلم النحويون في «وَلاَتَ حِينَ» وفي الوقف عليه، وكثّر فيه أبو عبيدة القاسم بن سلاّم في كتاب القراءات وكل ما جاء به إلا يسيراً مردود. فقال سيبويه: «لات» مشبّهة بليس والاسم فيها مضمر؛ أي ليست أحياننا حين مناص. وحكي أن من العرب من يرفع بها فيقول: ولات حِينُ مناصٍ. وحكي أن الرفع قليل ويكون الخبر محذوفاً كما كان الاسم محذوفاً في النصب؛ أي ولات حينُ مناصٍ لنا. والوقف عليها عند سيبويه والفراء «ولات» بالتاء ثم تبتدىء «حِينَ مَنَاصٍ» وهو قول ٱبن كيسان والزجاج. قال أبو الحسن بن كيسان: والقول كما قال سيبويه؛ لأنه شبهها بليس فكما يقال ليست يقال لات. والوقوف عليها عند الكسائي بالهاء وَلاْه. وهو قول المبردّ محمد بن يزيد. وحكى عنه علي بن سليمان أن الحجة في ذلك أنها دخلت عليها الهاء لتأنيث الكلمة، كما يقال ثُمَّهْ ورُبَّهْ. وقال القشيري: وقد يقال ثُمَّتْ بمعنى ثُمَّ، ورُبَّتْ بمعنى رُبَّ؛ فكأنهم زادوا في لا هاء فقالوا لاه، كما قالوا في ثُمَّ ثُمَّهْ ثم عند الوصل صارت تاء. وقال الثعلبي: وقال أهل اللغة: و «لاَتَ حِينَ» مفتوحتان كأنهما كلمة واحدة، وإنما هي «لا» زيدت فيها التاء نحو ربّ ورُبّتْ، وثمّ وثُمّتْ. قال أبو زبيد الطائي:

طَلَبُوا صُلْحَنا ولاَتَ أَوَانِفأَجَبْنَا أَنْ ليس حينَ بقَاءِ

وقال آخر:

تذكَّر حُبَّ ليلى لاَتَ حِينَاوأمسى الشَّيْبُ قد قَطَعَ الْقَرينا

ومن العرب من يخفض بها؛ وأنشد الفراء:

فَلَتَعْرِفَنّ خَلاَئقًا مَشْمُولَةًولَتَنْدَمَنَّ ولاَتَ ساعةِ مَنْدَمِ

وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن «وَلاَتَ حِينَ» التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست. وكذلك هو في المصاحف الجدد والعتق بقطع التاء من حين. وإلى هذا كان يذهب أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنَّى. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: الوقف عندي على هذا الحرف «ولا» والابتداء «تحين مناصٍ» فتكون التاء مع حين. وقال بعضهم: «لات» ثم يبتدىء فيقول: «حين مناصٍ». قال المهدوي: وذكر أبو عبيد أن التاء في المصحف متصلة بحين وهو غلط عند النحويين، وهو خلاف قول المفسرين. ومن حجة أبي عبيد أن قال: إنا لم نجد العرب تزيد هذه التاء إلا في حين وأوان والآن؛ وأنشد لأبي وَجْزَةَ السعدي:

العاطفُون تَحِينَ ما مِنْ عاطِفٍوالمُطْعِمون زَمانَ أَيْنَ الْمُطْعِمُ

وأنشد لأبي زبيد الطائي:

طلبوا صلحنا ولا تأوانِفأجبنا أن ليس حين بقاءِ

فأدخل التاء في أوان. قال أبو عبيد: ومن إدخالهم التاء في الآن، حديث ٱبن عمر وسأله رجل عن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فذكر مناقبه ثم قال: ٱذهبْ بها تَلاَنَ معك. وكذلك قول الشاعر:

نَوِّلِي قَبل نأَيِ دَارِي جُماناوصِـلِينا كما زَعمْتِ تَلاناً

قال أبو عبيد: ثم مع هذا كله إني تعمدت النظر في الذي يقال له الإمام ـ مصحف عثمان ـ فوجدت التاء متصلة مع حين قد كتبت تحين. قال أبو جعفر النحاس: أما البيت الأول الذي أنشده لأبي وجزة فرواه العلماء باللغة على أربعة أوجه، كلها على خلاف ما أنشده؛ وفي أحدها تقديران؛ رواه أبو العباس محمد بن يزيد:

العاطِفونَ ولاتَ ما مِن عاطِفٍ

والرواية الثانية:

العاطِفونَ ولاَتَ حِينِ تَعاطفٍ

والرواية الثالثة رواها ابن كيسان:

العاطِفونَةَ حِينَ ما مِن عاطِفٍ

جعلها هاء في الوقف وتاء في الإدراج، وزعم أنها لبيان الحركة شبهت بهاء التأنيث.

الرواية الرابعة:

العاطِفونهُ حين ما مِن عاطِفٍ

وفي هذه الرواية تقديران؛ أحدهما وهو مذهب إسماعيل بن إسحاق أن الهاء في موضع نصب؛ كما تقول: الضاربون زيداً فإذا كنّيت قلت الضاربوه. وأجاز سيبويه في الشعر الضاربونهُ، فجاء إسماعيل بالتأنيث على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر العاطفونهْ على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مرّ بنا المسلمونهْ في الوقف. ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف؛ كما قرأ أهل المدينة: { مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } [الحاقة: 28 ـ 29] وأما البيت الثاني فلا حجة له فيه؛ لأنه يوقف عليه (ولات أوان) غير أن فيه شيئاً مشكلاً؛ لأنه يروى (ولات أوانِ) بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعاً أو منصوباً. وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ «ولاتِ حِينِ مناصِ» (بكسر التاء من لات والنون من حين فإن الثبت عنه أنه قرأ «ولاتِ حينَ مناص») فبنى «لاتِ» على الكسر ونصب «حين». فأما «ولاَتَ أوانِ» ففيه تقديران؛ قال الأخفش: فيه مضمر أي ولات حين أوان.

قال النحاس: وهذا القول بيّن الخطأ. والتقدير الآخر عن أبي إسحاق قال: تقديره ولات أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألا يعرب، وكسره لالتقاء الساكنين. وأنشده محمد بن يزيد (ولات أوانُ) بالرفع. وأما البيث الثالث فبيت مولّد لا يعرف قائله ولا تصح به حجة. على أن محمد بن يزيد رواه (كما زعمت الآن). وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن. فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما ٱحتجاجه بحديث ٱبن عمر، لما ذكر للرجل مناقب عثمان فقال له: ٱذهب بها تَلاَنَ إلى أصحابك فلا حجة فيه؛ لأن المحدّث إنما يروي هذا على المعنى. والدليل على هذا أن مجاهداً يروي عن ٱبن عمر هذا الحديث وقال فيه: ٱذهب فٱجهد جهدك. ورواه آخر: ٱذهب بها الآن معك. وأما ٱحتجاجه بأنه وجدها في الإمام «تحِينَ». فلا حجة فيه؛ لأن معنى الإمام أنه إمام المصاحف فإن كان مخالفاً لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلها «وَلاَتَ» فلو لم يكن في هذا إلا هذا الاحتجاج لكان مقنعاً. وجمع مناص مناوص.

وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٌ كَذَّابٌ ۝٤ أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَٰهًا وَٰحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ ۝٥

قوله تعالى: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} «أن» في موضع نصب والمعنى من أن جاءهم. قيل: هو متصل بقوله: {فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي في عزة وشقاق وعجبوا، وقوله: {كَمْ أَهْلَكْنَا} معترض. وقيل: لا بل هذا ابتداء كلام؛ أي ومن جهلهم أنهم أظهروا التعجب من أن جاءهم منذر منهم. {وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ} أي يجيء بالكلام المموَّه الذي يخدع به الناس؛ وقيل: يفرق بسحره بين الوالد وولده والرجل وزوجته {كَذَّابٌ} أي في دعوى النبوّة.

قوله تعالى: {أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً} مفعولان أي صيّر الآلهة إلٰهاً واحداً. {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} أي عجيب. وقرأ السلمي: «عُجَّابٌ» بالتشديد. والعُجَاب والعُجّاب والعَجَب سواء. وقد فرّق الخليل بين عَجِيب وعُجَاب فقال: العَجِيب العَجَب، والعُجَاب الذي قد تجاوز حدّ العَجَب، والطويل الذي فيه طول، والطُّوال، الذي قد تجاوز حدّ الطُّول. وقال الجوهري: العَجِيب الأمر الذي يتعجّب منه، وكذلك العُجَاب بالضم، والعُجّاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال مقاتل: «عُجَّابٌ» لغة أزد شنوءة. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:

مرض أبو طالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وعند رأس أبي طالب مجلس رجل، فقام أبو جهل كي يمنعه، قال: وشكوه إلى أبي طالب، فقال: يا بن أخي ما تريد من قومك؟ فقال:«يا عم إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب وتؤدّي إليهم بها الجزيةَ العجم» فقال: وما هي؟ قال: «لا إلٰه إلا اللّه» قال: فقالوا «أَجَعَل الآلِهَةَ إِلٰهاً وَاحِداً» قال: فنزل فيهم القرآن {صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } حتى بلغ {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ } خرّجه الترمذي أيضاً بمعناه. وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقيل: لما أسلم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه شق على قريش إسلامه فٱجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا: ٱقض بيننا وبين ٱبن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك. قال: «وماذا يسألونني» قالوا: ٱرفضنا وٱرفض ذكر آلهتنا وندعك وإلٰهك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم»فقال أبو جهل: للّه أبوكٰ لنعطينكها وعشر أمثالها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا لا إلٰه إلا اللّه» فنفروا من ذلك وقاموا؛ فقالوا: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلٰهاً واحِداً» فكيف يسع الخلق كلهم إلٰه واحد. فأنزل اللّه فيهم هذه الآيات إلى قوله: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}.

وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ۝٦ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَٰقٌ ۝٧ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ۝٨ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ۝٩ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَٰبِ ۝١٠ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ۝١١

قوله تعالى: {وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ} «الملأ» الأشراف، والانطلاق الذهاب بسرعة؛ أي ٱنطلق هؤلاء الكافرون من عند الرسول عليه السلام يقول بعضهم لبعض: «أَن ٱمْشُوا» أي ٱمضوا على ما كنتم عليه ولا تدخلوا في دينه {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ}. وقيل هو إشارة إلى مشيهم إلى أبي طالب في مرضه كما سبق. وفي رواية محمد بن إسحاق أنهم أبو جهل بن هشام، وشيبة وعُتبة أبناء ربيعة بن عبد شمس، وأميّة بن خلف، والعاص بن وائل، وأبو مُعيط؛ جاءوا إلى أبي طالب فقالوا: أنت سيدنا وأنصفنا في أنفسنا، فٱكفنا أمر ٱبن أخيك وسفهاء معه، فقد تركوا آلهتنا وطعنوا في ديننا؛

فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إن قومك يدعونك إلى السواء والنَّصَفَة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما أدعوهم إلى كلمة واحدة» فقال أبو جهل وعشرا. قال: «تقولون لا إله إلا اللّه» فقاموا وقالوا: «أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلٰهاً وَاحِداً» الآيات. {أَنِ ٱمْشُواْ} في موضع نصب والمعنى بأن ٱمشوا. وقيل: «أن» بمعنى أي؛ أي «وَٱنْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ» أي ٱمشوا؛ وهذا تفسير ٱنطلاقهم لا أنهم تكلموا بهذا اللفظ. وقيل: المعنى ٱنطلق الأشراف منهم فقالوا للعوام: «ٱمْشُوا وَٱصْبِرُوا عَلَى آلِهَتكُمْ» أي على عبادة آلهتكم «إِنَّ هَذَا» أي هذا الذي جاء به محمد عليه السلام {لَشَيْءٌ يُرَادُ} أي يراد بأهل الأرض من زوال نعم قوم وغير تنزل بهم. وقيل: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} كلمة تحذير؛ أي إنما يريد محمد بما يقول الانقياد له ليعلو علينا، ونكون له أتباعاً فيتحكم فينا بما يريد، فاحذروا أن تطيعوه. وقال مقاتل: إن عمر لما أسلم وقوي به الإسلام شقّ ذلك على قريش فقالوا: إن إسلام عمر في قوّة الإسلام لشيء يراد.

قوله تعالى: {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ} قال ابن عباس والقرظيّ وقتادة ومقاتل والكلبيّ والسديّ: يعنون ملّة عيسى النصرانية وهي آخر الملل. والنصارى يجعلون مع اللّه إلٰهاً. وقال مجاهد وقتادة أيضاً: يعنون ملة قريش. وقال الحسن: ما سمعنا أن هذا يكون في آخر الزمان. وقيل: أي ما سمعنا من أهل الكتاب أن محمداً رسول حقّ. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} أي كذب وتخرّص؛ عن ابن عباس وغيره. يقال: خلق وٱختلق أي ٱبتدع. وخلق اللّه عز وجل الخلق من هذا؛ أي ٱبتدعهم على غير مثال.

قوله تعالى: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} هو استفهام إنكار، والذكر هاهنا القرآن. أنكروا اختصاصه بالوحي من بينهم؛ فقال اللّه تعالى: {بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي} أي من وحي القرآن. أي قد علموا أنك لم تزل صدوقاً فيما بينهم، وإنما شكُّوا فيما أنزلته عليك هل هو من عندي أم لا. {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي إنما ٱغتَرُّوا بطول الإمهال، ولو ذاقوا عذابي على الشرك لزال عنهم الشك، ولما قالوا ذلك؛ ولكن لا ينفع الإيمان حينئذ. و «لَمَّا» بمعنى لم وما زائدة كقوله:

{ عَمَّا قَلِيلٍ } [المؤمنون: 40] و { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ }[النساء: 155].

قوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ } قيل: أم لهم هذا فيمنعوا محمداً عليه السلام مما أنعم اللّه عز وجل به عليه من النبوة. و «أم» قد ترد بمعنى التقريع إذا كان الكلام متصلاً بكلام قبله؛ كقوله تعالى:

{ الۤـمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } [السجدة: 1-3] وقد قيل إن قوله: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ} متصل بقوله: { وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ }[صۤ: 4] فالمعنى أن اللّه عز وجل يرسل من يشاء؛ لأن خزائن السموات والأرض له {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا} أي فإن ٱدعوا ذلك {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} أي فليصعدوا إلى السموات، وليمنعوا الملائكة من إنزال الوحي على محمد. يقال: رَقِيَ يَرْقَى وٱرتقى إذا صَعِد. ورَقَى يَرْقِي رَقْياً مثل رَمَى يَرْمي رَمْياً من الرُّقْية. قال الربيع بن أنس: الأسباب أرقّ من الشَّعر وأشدّ من الحديد ولكن لا ترى. والسبب في اللغة كل ما يوصل به إلى المطلوب من حبل أو غيره. وقيل: الأسباب أبواب السموات التي تنزل الملائكة منها؛ قاله مجاهد وقتادة. قال زهير:

* ولَوْ رَامَ أسبابَ السماءِ بِسُلَّم V

وقيل: الأسباب السموات نفسها؛ أي فليصعدوا سماء سماء. وقال السدي: «في الأَسْبَابِ» في الفضل والدين. وقيل: أي فليعلوا في أسباب القوّة إن ظنوا أنها مانعة. وهو معنى قول أبي عبيدة. وقيل: الأسباب الحبال؛ يعني إن وجدوا حبلاً أو سبباً يصعدون فيه إلى السماء فليرتقوا؛ وهذا أمر توبيخ وتعجيز. ثم وعد نبيّه صلى الله عليه وسلم النصر عليهم فقال: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} «ما» صلة وتقديره هم جند، فـ«جُنْدٌ» خبر ابتداء محذوف. {مَهْزُومٌ} أي مقموع ذليل قد ٱنقطعت حجتهم؛ لأنهم لا يصلون إلى أن يقولوا هذا لنا. ويقال: تهزّمت القربة إذا ٱنكسرت، وهزمتُ الجيش كسرته. والكلام مرتبط بما قبل؛ أي {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } وهم جند من الأحزاب مهزومون، فلا تغمك عزتهم وشقاقهم، فإني أهزم جمعهم وأسلب عزهم. وهذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وقد فُعِل بهم هذا في يوم بدر. قال قتادة: وعد اللّه أنه سيهزمهم وهم بمكة فجاء تأويلها يوم بَدْر. و «هُنَالِكَ» إشارة لبدر وهو موضع تحزُّبهم لقتال محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد بالأحزاب الذين أتوا المدينة وتحزبوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد مضى ذلك في «الأحزاب». والأحزاب الجند، كما يقال: جند من قبائل شتّى. وقيل: أراد بالأحزاب القرون الماضية من الكفّار. أي هؤلاء جند على طريقة أولئك؛ كقوله تعالى: { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ }[البقرة: 249] أي على ديني ومذهبي. وقال الفراء: المعنى هم جندٌ مغلوب؛ أي ممنوع عن أن يصعد إلى السماء. وقال القتبي: يعني أنهم جند لهذه الآلهة مهزوم، فهم لا يقدرون على أن يدّعوا الشيء من آلهتهم، ولا لأنفسهم شيئاً من خزائن رحمة اللّه، ولا من ملك السمواتِ والأرض.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ ۝١٢ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ ۝١٣ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ۝١٤

قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ذكرها تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له؛ أي هؤلاء من قومك يا محمد جندٌ من الأحزاب المتقدّمين الذين تحزَّبوا على أنبيائهم، وقد كانوا أقوى من هؤلاء فأهلكوا. وذكر اللّه تعالى القوم بلفظ التأنيث، وٱختلف أهل العربية في ذلك على قولين: أحدهما ـ أنه قد يجوز فيه التذكير والتأنيث. الثاني ـ أنه مذكر اللفظ لا يجوز تأنيثه، إلا أن يقع المعنى على العشيرة والقبيلة، فيغلب في اللفظ حكم المعنى المضمر تنبيهاً عليه؛ كقوله تعالى:

{ كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ }[عبس: 11 ـ 12] ولم يقل ذكرها؛ لأنه لما كان المضمر فيه مذكراً ذكره؛ وإن كان اللفظ مقتضياً للتأنيث. ووصف فرعون بأنه ذو الأوتاد. وقد ٱختلف في تأويل ذلك؛ فقال ٱبن عباس: المعنى ذو البناء المحكم. وقال الضحاك: كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتاداً. وعن ٱبن عباس أيضاً وقتادة وعطاء: أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يُلْعَب له عليها. وعن الضحاك أيضاً: ذو القوّة والبطش. وقال الكلبي ومقاتل: كان يعذِّب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّه مستلقياً بين أربعة أوتاد في الأرض، ويرسل عليه العقارب والحيات حتى يموت. وقيل: كان يشبح المعذب بين أربع سوارٍ؛ كل طرف من أطرافه إلى سارية مضروب فيه وَتَد من حديد ويتركه حتى يموت. وقيل: ذو الأوتاد أي ذو الجنود الكثيرة فسميت الجنود أوتاداً؛ لأنهم يقوّون أمره كما يقوّي الوتد البيت. وقال ٱبن قتيبة: العرب تقول هم في عزّ ثابت الأوتاد، يريدون دائماً شديداً. وأصل هذا أن البيت من بيوت الشَّعر إنما يثبت ويقوم بالأوتاد. قال الأسود بن يَعْفُر:

ولقد غَنَوْا فيها بأنعَمِ عِيشةٍفي ظلِّ مُلْكٍ ثابِت الأوتادِ

وواحد الأوتاد وتِد بالكسر، وبالفتح لغة. وقال الأصمعي: يقال وتَد واتِد كما يقال: شغل شاغل. وأنشد:

لاقتْ على الماءِ جُذَيْلاً وَاتِداًولم يكن يُخْلِفُها المَوَاعِدَا

قال: شبَّه الرجل بالجِذْل. {وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ} أي الغيضة. وقد مضى ذكرها في «الشعراء». وقرأ نافع وٱبن كثير وٱبن عامر: «لَيْكَةَ» بفتح اللام والتاء من غير همز. وهمز الباقون وكسروا التاء. وقد تقدّم هذا. {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} أي هم الموصوفون بالقوّة والكثرة؛ كقولك فلان هو الرجل. {إِن كُلٌّ} بمعنى ما كل. {إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} أي فنزل بهم العذاب لذلك التكذيب. وأثبت يعقوب الياء في «عَذَابِي» و«عِقابِي» في الحالين وحذفها الباقون في الحالين. ونظير هذه الآية قوله عز وجل: { وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } [غافر: 31] فسمى هذه الأمم أحزاباً.

وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ۝١٥ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝١٦

قوله تعالى: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً} «يَنْظُرُ» بمعنى ينتظر؛ ومنه قوله تعالى:

{ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ }[الحديد: 13]. «هؤلاء» يعني كفار مكة. «إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً» أي نفخة القيامة. أي ما ينتظرون بعد ما أصيبوا ببدر إلا صيحة القيامة. وقيل: ما ينتظر أحياؤهم الآن إلا الصيحة التي هي النفخة في الصور، كما قال تعالى: { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } [يسۤ: 49] وهذا إخبار عن قرب القيامة والموت. وقيل: أي ما ينتظر كفار آخر هذه الأمة المتديِّنين بدين أولئك إلا صيحة واحدة وهي النفخة. وقال عبد اللّه بن عمرو: لم تكن صيحة في السماء إلا بغضب من اللّه عز وجل على أهل الأرض. {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي من ترداد؛ عن ابن عباس. مجاهد: ما لها رجوع. قتادة: ما لها من مثنوية. السدّي: ما لها من إفاقة. وقرأ حمزة والكسائي: «مَا لَهَا مِنْ فُوَاقٍ» بضم الفاء. الباقون بالفتح. الجوهري: والفَواق والفُواق ما بين الحَلْبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتَدِرّ ثم تُحلَب. يقال: ما أقام عنده إلا فُوَاقاً؛ وفي الحديث: العيادة قدر فواق الناقة. وقوله تعالى: {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} يقرأ بالفتح والضم أي ما لها من نظرة وراحة وإفاقة. والفِيقة بالكسر ٱسم اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين: صارت الواو ياء لكسر ما قبلها؛ قال الأعشى يصف بقرة:

حتى إذا فِيقَةٌ في ضَرعِها ٱجتمعتْجاءتْ لِتُرضِع شِقَّ النَّفْسِ لَوْ رَضَعا

والجمع فِيق ثم أفواق مثل شِبر وأشبار ثم أفاويق. قال ابن همّام السّلُوليّ:

وذَمُّوا لنا الدنيا وهُمْ يَرْضَعُونَهاأَفَاوِيقَ حتى ما يدِرُّ لها ثُعْلُ

والأفاويق أيضاً ما ٱجتمع في السحاب من ماء، فهو يمطر ساعة بعد ساعة. وأفاقت الناقة إفاقة أي ٱجتمعت الفِيقة في ضرعها؛ فهي مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ ـ عن أبي عمرو ـ والجمع مفاويق. وقال الفرّاء وأبو عبيدة وغيرهما: «مِنْ فَوَاقٍ» بفتح الفاء أي راحة لا يفيقون فيها، كما يفيق المريض والمغشيّ عليه. و «مِنْ فُواقٍ» بضم الفاء من ٱنتظار. وقد تقدّم أنهما بمعنىً وهو ما بين الحلبتين.

قلت: والمعنى المراد أنها ممتدّة لا تقطيع فيها. وروى أبو هريرة قال: حدّثنا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن في طائفة من أصحابه... الحديث. وفيه:

يأمر اللّه عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول ٱنفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء اللّه ويأمره فيمدّها ويديمها ويطوّلها يقول اللّه عز وجل: {وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } وذكر الحديث، خرجه علي بن معبد وغيره كما ذكرناه في كتاب التذكرة.

قوله تعالى: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } قال مجاهد: عذابنا. وكذا قال قتادة: نصيبنا من العذاب. الحسن: نصيبنا من الجنة لنتنعم به في الدنيا. وقاله سعيد بن جُبير. ومعروف في اللغة أن يقال للنصيب قِطَّ وللكتاب المكتوب بالجائزة قِط. قال الفراء: القِط في كلام العرب الحظ والنصيب. ومنه قيل للصك قِط. وقال أبو عبيدة والكسائي: القِط الكتاب بالجوائز والجمع القطوط؛ قال الأعشى:

ولا الملِكُ النّعْمانُ يومَ لَقِيتُهُبِغِبْطتِهِ يُعطِي القُطوطَ وَيَأْفِقُ

يعني كتب الجوائز. ويروى: بأُمَّتِهِ بدل بغبطته، أي بنعمته وحاله الجليلة، ويأفِق يصلح. ويقال: في جمع قِط أيضاً قِططة وفي القليل أقط وأْقطاط. ذكره النحاس. وقال السدي: سألوا أن يمثل لهم منازلهم من الجنة ليعلموا حقيقة ما يوعدون به. وقال إسماعيل بن أبي خالد: المعنى عجّل لنا أرزاقنا. وقيل: معناه عجل لنا ما يكفينا؛ من قولهم: قَطْنِي؛ أي يكفيني. وقيل: إنهم قالوا ذلك ٱستعجالاً لكتبهم التي يعطونها بأيمانهم وشمائلهم حين تلي عليهم بذلك القرآن. وهو قوله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ }[الانشقاق: 7]. { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ }[الانشقاق: 10]. وأصل القطّ القَطّ وهو القطع، ومنه قَطّ القلم؛ فالقِط ٱسم للقطعة من الشيء كالقَسْمِ والقِسْم فأطلق على النصيب والكتاب والرزق لقطعه عن غيره؛ إلا أنه في الكتاب أكثَر ٱستعمالاً وأقوى حقيقة. قال أمية بن أبي الصَّلْت:

قومٌ لهم ساحةُ العِراقِ ومايُجْبَى إليهِ وَالقِطُّ والقَلَمُ

{قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} أي قبل يوم القيامة في الدنيا إن كان الأمر كما يقول محمد. وكل هذا ٱستهزاء منهم.

ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝١٧

قوله تعالى:{ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ} أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر لما ٱستهزءوا به. وهذه منسوخة بآية السيف.

قوله تعالى: {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ} لما ذكر من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم، أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على أذاهم، وسلاّه بكل ما تقدّم ذكره. ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء؛ ليتسلى بصبر من صبر منهم؛ وليعلم أن له في الآخرة أضعاف ما أعطيه داود وغيره من الأنبياء. وقيل: المعنى اصبر على قولهم، وٱذكر لهم أقاصيص الأنبياء؛ لتكون برهاناً على صحة نبوّتك. «ذَا الأيْدِ» ذا القوّة في العبادة. وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وذلك أشد الصوم وأفضله؛ وكان يصلي نصف الليل، وكان لا يفر إذا لاقى العدوّ، وكان قوياً في الدعاء إلى الله تعالى. وقوله: «عَبْدَنَا» إظهاراً لشرفه بهذه الإضافة. ويقال: الأيْد وَالآدُ كما تقول العيب والعاب. قال:

لمْ يَكُ يَنْآدُ فَأَمْسَى ٱنْآدا

ومنه رجل أيِّدٌ أي قويّ. وتأَيَّدَ الشيء تقوّى، قال الشاعر:

إذَا القوسُ وَتَّرهَا أَيِّدٌرَمَى فأَصابَ الكُلى وَالذُّرا

يقول: إذا اللّه وَتَّر القوس التي في السحاب رَمَى كُلى الإبل وأسنمَتها بالشحم. يعني من النبات الذي يكون من المطر. {إِنَّهُ أَوَّابٌ} قال الضحاك: أي توّاب. وعن غيره: أنه كلما ذكر ذنبه أو خطر على باله ٱستغفر منه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة مائة مرة

ويقال آب يؤوب إذا رجع؛ كما قال:

وكلُّ ذي غَيْبَةٍ يؤوبُوغائبُ الموت لا يؤوبُ

فكان داود رجَّاعاً إلى طاعة اللّه ورضاه في كل أمر فهو أهل لأن يقتدى به.

إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ ۝١٨

فيه أربع مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ} «يُسَبِّحْنَ» في موضع نصب على الحال، ذكر تعالى ما آتاه من البرهان والمعجزة وهو تسبيح الجبال معه. قال مقاتل: كان داود إذا ذكر اللّه جل وعز ذكرت الجبال معه، وكان يفقه تسبيح الجبال. وقال ابن عباس: «يُسَبِّحْنَ» يصلّين. وإنما يكون هذا معجزة إذا رآه الناس وعرفوه. وقال محمد بن إسحاق: أوتي داود من حسن الصوت ما يكون له في الجبال دويّ حسن، وما تصغي لحسنه (الطير) وتصوّت معه، فهذا تسبيح الجبال والطير. وقيل: سخرها اللّه عز وجل لتسير معه فذلك تسبيحها؛ لأنها دالة على تنزيه اللّه عن شبه المخلوقين. وقد مضى القول في هذا في «سبأ» وفي «سبحان» عند قوله تعالى:

{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء: 44] وأن ذلك تسبيح مقال على الصحيح من الأقوال. واللّه أعلم. (بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ) الإشراق أيضاً ٱبيضاض الشمس بعد طلوعها. يقال: شَرَقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. فكان داود يسبّح إثر صلاته عند طلوع الشمس وعند غروبها.

الثانية ـ روي عن ٱبن عباس أنه قال: كنت أمُّر بهذه الآية {بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} ولا أدري ما هي، حتى

حدّثتني أم هانىء أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى صلاة الضحى، وقال: «يا أم هانىء هذه صلاة الإشراق». وقال عكرمة قال ٱبن عباس: كان في نفسي شيء من صلاة الضحى حتى وجدتها في القرآن {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ}. قال عكرمة: وكان ٱبن عباس لا يصلّي صلاة الضحى ثم صلاها بعد. وروي أن كعب الأحبار قال لابن عباس: إني أجد في كتب اللّه صلاة بعد طلوع الشمس هي صلاة الأوّابين. فقال ابن عباس: وأنا أوجدك في القرآن؛ ذلك في قصة داود «يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإشْرَاقِ».

الثالثة ـ صلاة الضحى نافلة مستحبة، وهي في الغداة بإزاء العصر في العشيّ، لا ينبغي أن تصلي حتى تبيض الشمس طالعة؛ ويرتفع كدرها؛ وتشرق بنورها؛ كما لا تصلي العصر إذا ٱصفرّت الشمس. وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرْقَم أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال:

صلاة الأوّابين حين تَرْمَض الفصالُ الفصال والفصلان جمع فَصيل، وهو الذي يفطم من الرضاعة من الإبل. والرمضاء شدّة الحر في الأرض. وخصّ الفصال هنا بالذكر؛ لأنها هي التي تَرْمَض قبل ٱنتهاء شدّة الحر التي تَرْمَض بها أمهاتها لقلة جَلَدها، وذلك يكون في الضحى أو بعده بقليل، وهو الوقت المتوسط بين طلوع الشمس وزوالها؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. ومن الناس من يبادر بها قبل ذلك ٱستعجالاً، لأجل شغله فيخسر عمله؛ لأنه يصليها في الوقت المنهي عنه ويأتي بعمل هو عليه لا له.

الرابعة ـ روى الترمذي من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من صلّى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى اللّه له قصراً من ذهب في الجنة قال حديث غريب. وفي صحيح مسلم عن أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يصبح على كل سُلاَمَى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من حافظ على شَفْعة الضحى غُفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زَبد البحر. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال:أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى ونوم على وتر لفظ البخاري. وقال مسلموركعتي الضحىوخرّجه من حديث أبي الدرداء كما خرّجه البخاري من حديث أبي هريرة. وهذا كله يدل على أن أقل الضحى ركعتان وأكثره ثنتا عشرة. واللّه أعلم. وأصل السُّلامي (بضم السين) عظام الأصابع والأكف والأرجل، ثم ٱستعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. وروي من حديث عائشة رضي اللّه عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلثمائة مفصل فمن كبر اللّه وحمد اللّه وهلل اللّه وسبح اللّه وٱستغفر اللّه وعزل حجراً عن طريق الناس أو شوكة أو عظماً عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلثمائة سلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار قال أبو توبة: وربما قال «يمسي» كذا خرجه مسلم. وقوله: «ويجزي عن ذلك ركعتان» أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان. وذلك أن الصلاة عمل بجميع أعضاء الجسد؛ فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل. واللّه أعلم.

وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝١٩ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ۝٢٠

قوله تعالى: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً} معطوف على الجبال. قال الفراء: ولو قرىء «وَالطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ» لجاز؛ لأنه لم يظهر الفعل. قال ابن عباس: كان داود عليه السلام إذا سبح جاوبته الجبال وٱجتمعت إليه الطير فسبحت معه، فٱجتماعها إليه حشرها. فالمعنى وسخرنا الطير مجموعة إليه لتسبح اللّه معه. وقيل: أي وسخرنا الريح لتحشر الطيور إليه لتسبح معه، أو أمرنا الملائكة تحشر الطيور. {كُلٌّ لَّهُ} أي لداود {أَوَّابٌ} أي مطيع؛ أي تأتيه وتسبح معه. وقيل: الهاء للّه عز وجل.

قوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي قويناه حتى ثبت. قيل: بالهيبة وإلقاء الرعب منه في القلوب. وقيل: بكثرة الجنود. وقيل: بالتأييد والنصر. وهذا ٱختيار ابن العربي. فلا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير مُعانٍ. وقال ٱبن عباس رضي اللّه عنه: كان داود أشدّ ملوك الأرض سلطاناً. كان يحرس محرابه كل ليلة نيف وثلاثون ألف رجل فإذا أصبح قيل: ٱرجعوا فقد رضي عنكم نبيّ اللّه. والمُلْك عبارة عن كثرة المِلْك، فقد يكون للرجل مِلك ولكن لا يكون ملِكاً حتى يكثر ذلك؛ فلو ملك الرجل داراً وٱمرأة لم يكن ملكاً حتى يكون له خادم يكفيه مؤونة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورته الآدمية. وقد مضى هذا المعنى في «براءة» وحقيقة الملك في «النمل» مستوفى.

قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} فيه مسألتان:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ} أي النبوّة؛ قاله السدي. مجاهد: العدل. أبو العالية: العلم بكتاب اللّه تعالى. قتادة: السنة. شريح: العلم والفقه. {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} قال أبو عبد الرحمن السُّلَمي وقتادة: يعني الفصل في القضاء. وهو قول ٱبن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل. وقال ابن عباس: بيان الكلام. عليّ بن أبي طالب: هو البينة على المدّعي واليمين على من أنكر. وقاله شُريح والشَّعْبيّ وقتادة أيضاً. وقال أبو موسى الأشعري والشّعبي أيضاً: هو قوله أما بعد، وهو أول من تكلم بها. وقيل: «فَصْلُ الْخِطَاب» البيان الفاصل بين الحق والباطل. وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. والمعنى في هذه الأقوال متقارب. وقول عليّ رضي اللّه عنه يجمعه؛ لأن مدار الحكم عليه في القضاء ما عدا قول أبي موسى.

الثانية ـ قال القاضي أبو بكر بن العربي: فأما علم القضاء فَلَعَمْرُ إلٰهِك إنه لنوع من العلم مجرد، وفصل منه مؤكَّد، غير معرفة الأحكام والبصر بالحلال والحرام؛ ففي الحديث:

أقضاكم عليّ وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وقد يكون الرجل بصيراً بأحكام الأفعال، عارفاً بالحلال والحرام، ولا يقوم بفصل القضاء. يروى أن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حفر قوم زُبْية للأسد، فوقع فيها الأسد، وازدحم الناس على الزبية فوقع فيها رجل وتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، حتى صاروا أربعة، فجرحهم الأسد فيها فهلكوا، وحمل القوم السلاح وكاد يكون بينهم قتال؛ قال فأتيتهم فقلت: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناس! تعالوا أقض بينكم بقضاء؛ فإن رضيتموه فهو قضاء بينكم، وإن أبيتم رفعتم ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أحق بالقضاء. فجعل للأوّل ربع الدية، وجعل للثاني ثلث الدية، وجعل للثالث نصف الدية، وجعل للرابع الدية، وجعل الدياتِ على من حفر الزُّبْيَة على قبائل الأربعة؛ فسخط بعضهم ورضي بعضهم، ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصوا عليه القصة؛ فقال: «أنا أقضي بينكم» فقال قائل: إن علياً قد قضى بيننا. فأخبروه بما قضى عليّ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القضاء كما قضى عليّ» في رواية: فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء عليّ. وكذلك يروى في المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل فقال: إن ابن أبي ليلى ـ وكان قاضياً بالكوفة ـ جلد امرأة مجنونة قالت لرجل يا ابن الزانيين حدّين في المسجد وهي قائمة. فقال: أخطأ من ستة أوجه. قال ابن العربي: وهذا الذي قاله أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالروية إلا العلماء. فأما قضية عليّ فلا يدركها الشادي، ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا العاكف المتمادي. وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة المقتولين خطأ بالتدافع على الحفرة من الحاضرين عليها، فلهم الديات على من حضر على وجه الخطأ، بَيْد أن الأوّل مقتول بالمدافعة قاتل ثلاثةٍ بالمجاذبة، فله الديةُ بما قُتِل، وعليه ثلاثة أرباع الدية بالثلاثة الذين قتلهم. وأما الثاني فله ثلث الدية وعليه الثلثان بالاثنين اللذين قتلهما بالمجاذبة. وأما الثالث فله نصف الدية وعليه النصف؛ لأنه قتل واحداً بالمجاذبة فوقعت المحاصة وغرمت العواقل هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه. وهذا من بديع الاستنباط. وأما أبو حنيفة فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة: الأوّل أن المجنون لا حدّ عليه؛ لأن الجنون يسقط التكليف. وهذا إذا كان القذف في حالة الجنون، وأما إذا كان يجنّ مرة ويُفيق أخرى فإنه يحدّ بالقذف في حالة إفاقته. والثاني قولها يا ابن الزانيين فجلدها حدّين لكل أب حدّ، فإنما خطأه أبو حنيفة على مذهبه في أن حدّ القذف يتداخل، لأنه عنده حق الله تعالى كحدّ الخمر والزنى. وأما الشافعي ومالك فإنهما يريان أن الحدّ بالقذف حق للآدمي، فيتعدّد بتعدّد المقذوف. الثالث أنه جَلَد بغير مطالبة المقذوف، ولا تجوز إقامة حدّ القذف بإجماع من الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته ممن يقول إنه حق لله تعالى، ومن يقول إنه حق الآدمي. وبهذا المعنى وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حقّ للآدمي؛ إذ لو كان حقاً لله لما توقف على المطالبة كحدّ الزنى. الرابع أنه والى بين الحدّين، ومن وجب عليه حدّان لم يُوالَ بينهما، بل يحدّ لأحدهما ثم يترك حتى يندمل الضرب، (أو يستبل المضروب) ثم يقام عليه الحد الآخر. الخامس أنه حدّها قائمة، ولا تحدّ المرأة إلا جالسة مستورة؛ قال بعض الناس: في زنبيل. السادس أنه أقام الحد في المسجد ولا تقام الحدود فيه إجماعاً. وفي القضاء في المسجد والتعزير فيه خلاف. قال القاضي: فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء، الذي وقعت الإشارة إليه على أحد التأويلات في الحديث المرويّأقضاكم عليّ. وأما من قال: إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العجم، ولمحمد صلى الله عليه وسلم دون العرب؛ وقد بين هذا بقوله:وأوتيت جوامع الكلم. وأما من قال: إنه قوله أما بعد؛ فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: «أما بعد». ويروى أن أوّل من قالها في الجاهلية سحبان بن وائل، وهو أوّل من آمن بالبعث، وأوّل من توكأ على عصا، وعمِّر مائة وثمانين سنة. ولو صح أن داود عليه السلام قالها، لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم، وإنما كان بلسانه. والله أعلم.
السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ