انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

تفسير البغويالآيات 1–35

تفسير سورة ص آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

صٓ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ۝١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ۝٢

{صۤ} قيل: هو قسم، وقيل: اسم السورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في أوائل السور.

وقال محمد بن كعب القرظي: "صۤ" مفتاح اسم الصمد، وصادق الوعد.

وقال الضحاك: معناه صدق الله.

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: صدق محمد صلى الله عليه وسلم.

{وَٱلْقُرْءَانِ ذِى}، أي ذي البيان، قال ابن عباس ومقاتل. وقال الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله تعالى:

{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }[الزخرف: 44]، وهو قسم.

واختلفوا في جواب القسم، قيل: جوابه قد تقدم، وهو قوله "صۤ" أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمداً قد صدق.

وقال الفراء: "صۤ" معناها: وجب وحق، وهو جواب قوله: "والقرآن"، كما تقول: نزل الله. وقيل: جواب القسم محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار، ودلّ على هذا المحذوف. قوله تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.

قال قتادة: موضع القسم قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، كما قال:

{ وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوۤاْ } [ق: 1-2]. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: بل الذين كفروا، {فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}، والقرآن ذي الذكر.

وقال الأخفش: جوابه قوله تعالى:

{ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ }[ص: 14]، كقوله: { تَٱللهِ إِن كُنَّا } [الشعراء: 97]، وقوله: { وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ... إِن كُلُّ نَفْسٍ }[الطارق:1-4]

وقيل: جوابه قوله:

{ إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا }[ص: 54].

وقال الكسائي: قوله:

{ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ }[ص: 64]، وهذا ضعيف لأنه تخلل بين هذا القسم وبين الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة.

وقال القتيبي: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية: إن الله أقسم بـ صۤ والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة حمية جاهلية وتكبر عن الحق وشقاق وخلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال مجاهد: "في عزة" معازِّين.

كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ۝٣

{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ}، يعني: من الأمم الخالية، {فَنَادَواْ}، استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة، {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ}، قوة ولا فرار، و"المناص" مصدر ناص ينوص، وهو الفوت والتأخر، يقال: ناص ينوص إذا تأخر، وباص يبوص إذا تقدم، و"لات" بمعنى ليس بلغة أهل اليمن.

وقال النحويون: هي "لا"، زِيدَتْ فيها التاء، كقولهم: رُبَّ ورُبَّتْ وتمّ وثمّتْ، وأصلها هاء وصلت بلا، فقالوا: "لاَةَ"، كما قالوا: ثمة، فجعلوها في الوصل تاء، والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وعند الكسائي بالهاء: ولاة. ذهب جماعة إلى أن التاء زيدت في "حين"، والوقف على "ولا"،ثم يبتدئ: "تَحِيْنَ"، وهو اختيار أبي عبيدة، وقال: كذلك وجدت في مصحف عثمان، وهذا كقول أبي وَجْرَةَ السعديِّ:

العَاطِفُونَ تَحِيْنُ ما من عاطفٍوالمُطعِمُونَ زمانَ مَا مِنْ مُطْعِمِ

وفي حديث ابن عمر، وسأله رجل عن عثمان، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك، يريد: الآن.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص، أي: اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله تعالى: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاص} أي ليس حين هذا القول.

وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٌ كَذَّابٌ ۝٤ أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَٰهًا وَٰحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ ۝٥

{وَعَجِبُوۤاْ}، يعني: الكفار الذين ذكرهم الله عزّ وجلّ في قوله: {بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، {أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ}، يعني: رسولاً من أنفسهم ينذرهم، {وَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ}.

{أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً}, وذلك

أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم، فشقَّ ذلك على قريش، وفرح به المؤمنون. فقال الوليد ابن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلاً أكبرهم سناً الوليد ابن المغيرة، قال لهم: امشوا إلى أبي طالب، فأَتَوْا أبا طالب، وقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمتَ ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنَّا قد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السَّوَاء، فلا تَمِلْ كلَّ الميل على قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا يسألوني؟ قالوا: ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهكَ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوكَ لَنُعطيَكَها وعشر أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله، فنفروا من ذلك وقاموا، وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟.

{إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ}، أي: عجيب، والعَجَبُ والعُجابُ واحد، كقولهم: رجل كريم وكُرام، وكبير وكُبار، وطويل وطُوال، وعريض وعُراض.

وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ۝٦ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَٰقٌ ۝٧ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ۝٨ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ۝٩

{وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ}، أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب، يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم، أي: اثبتوا على عبادة آلهتكم، {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ}، أي لأمر يراد بنا، وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد بنا.

وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد أن يملك علينا.

{مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا}، أي بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد، {فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلأَخِرَةِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما، والكلبي، ومقاتل: يعنون النصرانية، لأنها آخر الملل وهم لا يوحِّدون، بل يقولون ثالث ثلاثة.

وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش ودينهم الذي هم عليه.

{إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ}، كذب وافتعال.

{أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ}، القرآن، {مِن بَيْنِنَا}، وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، يقوله أهل مكة، قال الله عزّ وجلّ:

{بْل هُمْ فَى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى}، أي وحيي وما أنزلتُ، {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ}، ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول.

{أَمْ عِندَهُمْ}, أعندهم، {خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ}،أي: نعمة ربك يعني: مفاتيح النبوة يعطونها من شاؤوا، نظيره:

{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ }[الزخرف:32] أي نبوة ربك، {ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ}، العزيز في ملكه، الوهاب وهب النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.

أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَٰبِ ۝١٠ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ۝١١ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ ۝١٢

{أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا}، أي: ليس لهم ذلك، {فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ}، أي: إن ادعوا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون، قال مجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز.

{جُندٌ مَّا هُنَالِكَ}, أي: هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند هنالك، و"ما" صلة، {مَهْزُومٌ} مغلوب، {مِّنَ ٱلاَْحَزَابِ}، أي: من جملة الأجناد، يعني: قريشاً.

قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزِمُ جندَ المشركين، فقال

{ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }[القمر: 45]، فجاء تأويلها يوم بدر، و"هنالك" إشارة إلى بدر ومصارعهم، "من الأحزاب"، أي: من جملة الأحزاب، أي: هم من القرون الماضية الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب، فقهروا وأهلكوا. ثم قال معزياً لنبيه صلى الله عليه وسلم: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ} قال ابن عباس، ومحمد بن كعب: ذو البناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت.

وقال القتيبي: تقول العرب: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد.

وقال الأسود بن يعفُر:

وَلَقَدْ غَنَوا فيهَا بأَنْعَمِ عيشةٍفي ظِلِّ مُلْكٍ ثابتِ الأَوْتَادِ

فأصل هذا أن بيوتهم كانت تثبت بالأوتاد.

وقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، يعني: أنهم كانوا يقوون أمره، ويشدون ملكه، كما يقوي الوتد الشيء، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم، وهو رواية عطية عن ابن عباس.

وقال الكلبي ومقاتل: "الأوتاد": جمع الوتد، وكانت له أوتاد يعذب الناس عليها، وكان إذا غضب على أحد مدَّه مستلقياً بين أربعة أوتاد، وشد كل يد ورجل منه إلى سارية، ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت.

وقال مجاهد، ومقاتل بن حيان: كان يمدّ الرجل مستلقياً على الأرض، يشد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد.

وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات.

وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه.

وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ ۝١٣ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ۝١٤ وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ۝١٥

{وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ لأَيْكَةِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ}، الذين تحزبوا على الأنبياء، فأعلم أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب.

{إِن كُلٌّ}، ما كل، {إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ}، وجب عليهم ونزل بهم عذابي.

{وَمَا يَنظُرُ}, ينتظر، {هَـٰؤُلآءِ}، يعني: كفار مكة، {إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً}، وهي نفخة الصور، {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ}، قرأ حمزة، والكسائي: "فُواق" بضم الفاء، وقرأ الآخرون بفتحها وهما لغتان، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم.

قال ابن عباس وقتادة: من رجوع، أي: ما يرد ذلك الصوت فيكون له رجوع. وقال مجاهد: نظرة. وقال الضحاك: مثنوية، أي صَرْفٌ ورَدٌّ.

والمعنى: أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف.

وفرَّق بعضهم بين الفتح والضم، فقال الفرّاء، وأبو عبيدة: الفتح بمعنى الراحة والإفاقة، كالجواب من الإِجابة، ذهبا بها إلى إفاقة المريض من علته، والفُواق بالضم ما بين الحَلْبَتين، وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن، فما بين الحَلْبَتين فُواق، أي أن العذاب لا يمهلهم بذلك القدر.

وقيل: هما أيضاً مستعارتان من الرجوع، لأن اللبن يعود إلى الضرع بين الحلبتين، وإفاقة المريض: رجوعه إلى الصحة.

وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝١٦ ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝١٧

{وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ}، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني كتابنا، و"القِطّ" الصحيفة التي أحصت كل شيء.

قال الكلبي: لما نزلت في الحاقة:

{ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ }[الحاقة 19]، { وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِشِمَالِهِ }[الحاقة: 25]، قالوا استهزاءً: عجِّلْ لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب. وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول.

وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي: يعني عقوبتنا ونصيبنا من العذاب.

قال عطاء: قاله النضر بن الحارث، وهو قوله:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[الأنفال: 32].

وعن مجاهد قال: "قطنا" حسابنا، ويقال لكتاب الحساب قِطّ.

وقال أبو عبيدة والكسائي: "القِطّ": الكتاب بالجوائز.

قال الله تعالى: {ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}، أي على ما يقوله الكفار من تكذيبك، {وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ}، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إنّ أحبَّ الصيامِ إلى الله صيامُ داود، وأحبَّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه".

وقيل: ذو القوة في الملك.

{إِنَّهُ أَوَّابٌ}، رجَّاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عن كل ما يكره، قال ابن عباس: مطيع. قال سعيد بن جبير: مسبِّح بلغة الحبش.

إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ ۝١٨ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝١٩ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ۝٢٠

{إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ}, كما قال:

{ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ }[الأنبياء: 79]. {يُسَبِّحْنَ}، بتسبيحه، {بِٱلْعَشِىِّ وٱلإِشْرَاقِ}، قال الكلبي: غدوة وعشية. والإشراق: هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها. وفسره ابن عباس: بصلاة الضحى.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن نصير، أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن عطاء بن أبي رباح،

عن ابن عباس في قوله: {بِٱلْعَشِىِّ وٱلإِشْرَاقِ}، قال: كنت أمرّ بهذه الآية ولا أدري ماهي حتى حدثتني أما هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوَضُوءٍ فتوضأ، ثم صلى الضحى، فقال: «يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق».

قوله عزّ وجلّ: {وَٱلطَّيْرَ}، أي: وسخرنا له الطير، {مَحْشُورَةً}، مجموعة إليه تسبح معه، {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ}، مطيع رجّاع إلى طاعته بالتسبيح، وقيل: أواب معه أي مسبح.

{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}، أي: قويناه بالحرس والجنود، قال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض سلطاناً، كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن، حدثنا داود بن سليمان، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علي بن أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود عليه السلام أن هذا غصبني بقراً، فسأله داود فجحد، فقال للآخر: البينة؟ فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قُومَا حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله إليه مرة أخرى فلم يفعل، فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال: إن الله أوحى إليّ أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بيِّنة؟ فقال داود: نعم والله لأنفذنّ أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل حتى أخبرك، إني والله ما أُخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أُخذتُ، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}.

{وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ}، يعني: النبوة والإصابة في الأمور، {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ}، قال ابن عباس: بيان الكلام.

وقال ابن مسعود، والحسن، والكلبي، ومقاتل: علم الحكم والتبصر في القضاء.

وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به.

ويُروى ذلك عن أُبيّ بن كعب قال: "فصل الخطاب" الشهود والأيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح.

وروي عن الشعبي: أن فصل الخطاب: هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: "أما بعد" إذا أراد الشروع في كلام آخر، وأول [من قاله داود عليه السلام

وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ ۝٢١

قوله عزّ وجلّ: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ}، هذه الآية من قصة امتحان داود عليه السلام، واختلف العلماء بأخبار الأنبياء عليهم السلام في سببه:

فقال قوم: كان سبب ذلك أنه عليه السلام تمنى يوماً من الأيام منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأل ربَّه أن يمتحنه كما امتحنهم، ويعطيه من الفضل مثل ما أعطاهم.

فروى السدي، والكلبي، ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان داود قد قَسَّمَ الدهر ثلاثة أيام يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه، ويوماً لنسائه وأشغاله، وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب أرى الخير كله وقد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه: أنهم ابتُلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها، ابتُلي إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتُلي إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتُلي يعقوب بالحزن على يوسف، فقال: رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضاً. فأوحى الله إليه إنك مبتلى في شهر كذا وفي يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله دخل داود محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن - وقيل: كان جناحاها لها من الدر والزبرجد - فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها، فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل فينظروا إلى قدرة الله تعالى، فلما قصد أخذها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها، فتنحت، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها، فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل, هذا قول الكلبي.

وقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقاً، فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجاباً بها فسأل عنها، فقيل هي تيشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود.

وذكر بعضهم أنه أحب أن يقتل أوريا ويتزوج امرأته، فكان ذنبه هذا القدر.

وذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا، وقدّمه قبل التابوت، وكان من قُدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدمه ففُتِحَ له، فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أيضاً أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا، فبعثه ففُتِحَ له، فكتب إلى داود بذلك فكتب له أيضاً أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأساً، فبعثه فقُتل في المرة الثالثة، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود، فهي أم سليمان عليهما السلام.

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كان ذلك ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته.

قال أهل التفسير: كان ذلك مباحاً لهم غير أن الله تعالى لم يرض له ذلكَ لأنه كان ذا رغبة في الدنيا، وازدياداً للنساء، وقد أغناه الله عنها بما أعطاه من غيرها.

وروي عن الحسن في سبب امتحان داود عليه السلام: أنه كان قد جزأ الدهر أجزاءً، يوماً لنسائه، ويوماً للعبادة، ويوماً للقضاء من بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل، يُذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروه فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً، فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك.

وقيل: إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلي اعتصم، فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على التوراة فبينما هو يقرأ إذْ دخلت عليه حمامة من ذهب كما ذكرنا، قال: وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا إذا سار إليه قتل، ففعل فأصيب فتزوج امرأته.

قالوا: فلما دخل داود بامرأة أوريا لم يلبث إلا يسيراً حتى بعث الله إليه ملكين في صورة رجلين في يوم عبادته، فطلبا أن يدخلا عليه، فمنعهما الحرس فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين، يقال: كانا جبريل وميكائيل، فذلك قوله عزّ وجلّ:

{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا ٱلْخَصْمِ}، خبر الخصم، {إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ}، صعدوا وعلوا، يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته، وإنما جمع الفعل وهما اثنان لأن الخصم اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، ومعنى الجمع في الاثنين موجود، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء، هذا كما قال الله تعالى:

{ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا }[التحريم: 4].

إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ۝٢٢ إِنَّ هَٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَٰحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ۝٢٣

{إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ}، خاف منهما حين هجما عليه في محرابه بغير إذنه، فقال: ما أدخلكما عليّ، {قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ}، أي نحن خصمان {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} جئناك لتقضي بيننا، فإن قيل: كيف قالا: {بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ} وهما ملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر، وهذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما.

{فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ}، أي لا تَجُرْ، يقال: شَطَّ الرجل شَطَطاً وأَشَطَّ إشطاطاً إذا جار في حكمه، ومعناه مجاوزة الحد، وأصل الكلمة من شطَّت الدار وأشطَّت، إذا بَعُدت. {وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ}، أرشدنا إلى طريق الصواب والعدل، فقال داود لهما: تكلّما.

فقال أحدهما: {إِنَّ هَذَآ أَخِى}، أي: على ديني وطريقتي، {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً}، يعني امرأة، {وَلِىَ نَعْجَةٌ وَٰحِدَةٌ}، أي امرأة واحدة، والعرب تكني بالنعجة عن المرأة، قال الحسين بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم، لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي فهو كقولهم: ضرب زيد عمراً، أو اشترى بكرٌ داراً، ولا ضرب هنالك ولا شراء.

{فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا}، قال ابن عباس: أعطنيها. قال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقته: ضمها إليّ فاجعلني كافلها، وهو الذي يعولها وينفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوجها. {وَعَزَّنِى}، غلبني، {فِى ٱلْخِطَابِ}، أي: في القول. وقيل: قهرني لقوة ملكه. قال الضحاك: يقول إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني.

وحقيقة المعنى: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده، وإن كان الحق معي. وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان لداود تسع وتسعون امرأة ولأوريا امرأة واحدة فضمها إلى نسائه.

قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۝٢٤

{قَالَ}، داود: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ}، أي: بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه.

فإن قيل: كيف قال لقد ظلمك ولم يكن سمع قول صاحبه؟.

قيل: معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، وقيل: قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول.

{وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ}، الشركاء، {لَيَبْغِىۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}، يظلم بعضهم بعضاً، {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ}، فإنهم لا يظلمون أحداً. {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}، أي: قليلٌ هم, و"ما" صلة يعني: الصالحين الذين لا يظلمون قليل.

قالوا: فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد إلى السماء، فعلم داود أن الله تعالى قد ابتلاه، وذلك قوله:

{وَظَنَّ دَاوُودُ}، أيقن وعلم، {أَنَّمَا فَتَنَّاهُ}، إنما ابتليناه.

وقال السدي بإسناده: أن أحدهما لما قال: {هَذَآ أَخِى} الآية، قال داود للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعاً وتسعين نعجة ولأخي نعجة واحدة وأنا أريد أن آخذها منه فأكمل نعاجي مائة، قال وهو كاره، إذاً لا ندعك وإن رُمتَ ذلك ضربت منك هذا وهذا وهذا، يعني: طرف الأنف وأصله والجبهة، فقال: يا داود أنت أحق بذلك حيث لم يكن لأوريا إلاَّ امرأة واحدة، ولك تسع وتسعون امرأة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته، فنظر داود فلم يرَ أحداً فعرف ما وقع فيه.

وقال القائلون بتنزيه الأنبياء في هذه القصة: إن ذنب داود إنما كان أنه تمنى أن تكون امرأة أوريا حلالاً له، فاتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب وهلاكه، فلما بلغ قتله داود لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذا هلك، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظمية عند الله.

وقيل: كان ذنب داود أن أوريا كان خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فتزوجت منه لجلالته، فاغتمَّ لذلك أوريا، فعاتبه الله على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي قال: ومما يصدق ما ذكرنا عن المتقدمين ما أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه أن المعافى بن زكريا القاضي ببغداد أخبره عن محمد بن جرير الطبري، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصيرفي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه سمعه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن داود النبي عليه السلام حين نظر إلى المرأة فهمَّ أن يُجمِع على بني إسرائيل وأوصى صاحب البعث، فقال: إذا حضر العدو فقرّبْ فلاناً بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به وبمن قدم بين يدي التابوت، فلم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة، ونزل الملكان يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد ومكث أربعين ليلة ساجداً حتى نبت الزرع من دمومه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه. وهو يقول في سجوده: ربِّ زلَّ داود زلَّة أبعدَ مما بين المشرق والمغرب، ربِّ إن لم ترحم ضعف داود، ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثاً في الخلق من بعده، فجاءه جِبريل من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به، فقال داود: إن الرب قادر على أن يغفر لي الهمّ الذي هممت به، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا رب دمي الذي عند داود، فقال جبريل: ما سألتُ ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، فعرج جبريل وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل جبريل، فقال: سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هَبْ لي دمك الذي عند داود فيقول: هو لك يا رب، فيقول: إن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضاً عنه».

وروي عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، ووهب بن منبه قالوا جميعاً: إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه، فتحولا في صورتهما فعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، وعلم داود إنما عني به فخرَّ ساجداً أربعين يوماً، لا يرفع رأسه إلا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجداً تمام أربعين يوماً، لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عزّ وجلّ، ويسأله التوبة، وكان من دعائه في سجوده: سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، سبحان الحائل بين القلوب، سبحان خالق النور، إلهي أنت خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذْ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني وكان من سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء، فيقال: هذا داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، سبحان خالق النور، إلهي بأي قدم أمشي أمامك وأقوم بين يديك يوم القيامة يوم تزول أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلاَّ من عند سيده؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حرَّ شمسك، فكيف أطيق حرّ نارك؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك؟ فكيف أطيق سوط جهنم؟ سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب، سبحان خالق النور، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري، سبحان خالق النور، إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهَواي، سبحان خالق النور، إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أَوْبَقَتْني، سبحان خالق النور، فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين، ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور.

وقال مجاهد: مكث أربعين يوماً ساجداً لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه، فنودي: يا داود أجائعٌ فتطعم؟ أم ظمآن فتسقى؟ أو عارٍ فتُكسى؟ فأجيب في غير ما طلب. قال: فَنحَبَ نحبةً هاج لها العود فاحترق من حرّ جوفه، ثم أنزل الله له التوبة والمغفرة.

قال وهب: إن داود أتاه نداء: أني قد غفرت لك، قال: يا رب كيف وأنت لا تظلم أحداً؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فنادِه، فأنا أُسْمِعُهُ نداءك فتحلل منه، قال: فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره، ثم نادى أوريا، فقال: لبيك من هذا الذي قطع عليَّ لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود، قال: ما جاء بك يا نبي الله، قال: أسألك أن تجعلني في حِلٍّ مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إليّ؟ قال: عرَّضْتُك للقتل، قال: عرضتني للجنة فأنت في حل، فأوحى الله إليه: يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالعنت، ألا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته؟ قال: فرجع إليه فناداه فأجابه فقال: من هذا الذي قطع عليَّ لذتي؟ قال: أنا داود، قال: يا نبي الله أليس قد عفوتُ عنك؟ قال: نعم ولكن إنما فعلتُ ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها، قال: فسكت ولم يجبه، ودعاه فلم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام على قبره وجعل التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل لداود، سبحان خالق النور، والويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويلله حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم، سبحان خالق النور، الويل ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور، فأتاه نداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمتُ بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك، قال: يا رب كيف وصاحبي لم يعفُ عني؟ قال: يا داود أعطيه من الثواب يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه، فأقول له رضي عبدي؟ فيقول: يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي. فذلك قوله تعالى:

{فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً}، أي ساجداً، عبّر بالركوع عن السجود، لأن كل واحد فيه انحناء.

قال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قوله: {وَخَرَّ راكِعاً} هل يقال للراكع: خرَّ؟ قلت: لا، ومعناه، فخرَّ بعدما كان راكعاً، أي: سجد. {وَأَنَابَ}، أي: رجع وتاب.

فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٢٥

{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ}، يعني: ذلك الذنب، {وَإِنَّ لَهُ}، بعد المغفرة، {عِندَنَا}، يوم القيامة، {لَزُلْفَىٰ}، لقربة ومكانة، {وَحُسْنَ مَـَآبٍ}، أي: حسن مرجع ومنقلب.

قال وهب بن منبه: إن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا يرقأ دمعه ليلاً ولا نهاراً، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسبّح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه، فيساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وَيُبْكي معه الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وَيُبْكي معه الجبال والحجارة والدواب والطير، حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وَتَبْكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء والسِّباع، فإذا أمسى رجع، فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه أن اليوم يوم نَوح داود على نفسه فليحضر من يساعده، فيدخل الدار التي فيها المحاريب، فيبسَط له ثلاثة فرش مسوح حشوها ليف، فيجلس عليها ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي، فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه، ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى تغرق الفُرُشُ من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب، فيجيء ابنه سليمان فيحمله فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه، ثم يمسح بها وجهه، ويقول: يا رب اغفر لي ما ترى، فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله.

وقال وهب: ما رفع داود رأسه حتى قال له الملك: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك فرفع رأسه فمكث حياته لا يشرب ماءً إلاَّ مزجه بدموعه، ولا يأكل طعاماً إلاَّ بلَّه بدموعه.

وذكر الأوزاعي مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ مثل عيني داود كقربتين تنطفان ماءً، ولقد خدَّت الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض».

قال وهب: لما تاب الله على داود قال: يا رب غفرتَ لي فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة؟ قال: فوسم الله خطيئته في يده اليمنى، فما رفع فيها طعاماً ولا شراباً إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيباً في الناس إلا بسط راحته فاستقبل الناس ليروا وسم خطيئته، وكان يبدأ إذا دعا فاستغفر للخاطئين قبل نفسه.

وقال قتادة عن الحسن: كان داود بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، يقول: تعالوا إلى داود الخاطئ فلا يشرب شراباً إلا مزجه بدموع عينيه، وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع عينيه، وكان يذرُّ عليه الملح والرماد فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين, قال: وكان داود قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر، فلما كان من خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله.

وقال ثابت: كان داود إذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله، فلا يشدها إلا الأسر، وإذا ذكر رحمة الله تراجعت.

وفي القصة: أن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته، فلما فعل ما فعل كانت لا تصغي إلى قراءته، فروي أنها قالت: يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك.

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب وأبوالنعمان قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سجدة صۤ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها".

وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد ابن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألتُ مجاهداً عن سجدة صۤ فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ قال: أوَما تقرأ:

{ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ }[الأنعام: 84] إلى: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }[الأنعام: 90]، وكان داود ممن أُمِرَ نبيكم أن يَقْتَدِيَ به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة محمد بن زيد بن خنيس، حدثنا الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جاء رجُل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إنّي رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدتُ فسجدتِ الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال الحسن: قال ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ذلك، ما أخبره الرجل عن قول الشجرة".

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ۝٢٦ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ ۝٢٧ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ۝٢٨

قوله تعالى: {يـٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ} تدبر أمور العباد بأمرنا، {فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ}، بالعدل، {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللهِ * إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ}، أي بأن تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل لذلك اليوم.

وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل.

{وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً}، قال ابن عباس: لا لثواب ولا لعقاب. {ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يعني: أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيء، وأنه لا بعث ولا حساب. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}.

{أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ}, قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين إنا نُعْطَى في الآخرةِ من الخير ما يُعْطَونَ، فنزلت هذه الآية: {أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ}، أي المؤمنين كالكفار. وقيل: أراد بالمتقين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أي: لا نجعل ذلك.

كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٢٩ وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝٣٠ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ ۝٣١

{كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ}، أي: هذا الكتاب أنزلناه إليك، {مُبَـٰرَكٌ}، كثير خيره ونفعه، {لِّيَدَّبَّرُوۤاْ}، أي ليتدبروا، {آيَاتِهِ}، وليتفكروا فيها، وقرأ أبو جعفر "لتدبروا" بتاء واحدة وتخفيف الدال، قال الحسن: تدبر آياته اتباعه، {وَلِيَتَذَكَّرَ}، ليتعظ، {أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ}. قوله عزّ وجلّ: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَـٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ}.

قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين، فأصاب منهم ألف فرس.

وقال مقاتل: وورث من أبيه داود ألف فرس.

وقال عوف عن الحسن: بلغني أنها كانت خيلاً أخرجت من البحر لها أجنحة.

قالوا: فصلى سليمان الصلاة الأولى، وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، فعرضت عليه تسعمائة، فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت، وفاتته الصلاة، ولم يُعلم بذلك فاغتم لذلك هيبةً لله، فقال: ردّوها عليّ، فردوها عليه، فأقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقرباً إلى الله عزّ وجلّ، وطلباً لمرضاته، حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحاً له وإن كان حراماً علينا، كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام، وبقي منها مائة فرس، فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل يقال من نسل تلك المائة.

قال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله الله عز وجل خيراً منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف يشاء.

وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرساً. وعن عكرمة: كانت عشرين ألف فرس، لها أجنحة.

قال الله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ}، و"الصافنات": هي الخيل القائمة على ثلاث قوائم وأقامت واحدة على طرف الحافر من يدٍ أو رجلٍ، يقال: صفن الفرس يصفن صفوناً: إذا قام على ثلاثة قوائم، وقلب أحد حوافره. وقيل: الصافن في اللغة القائم. وجاء في الحديث:

من سرّه أن يقوم له الرجال صفوناً فليتبوأ مقعده من النار. أي قياماً. والجياد: الخيار السراع، واحدها جواد.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الخيل السوابق.

فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ۝٣٢ رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ ۝٣٣

{فَقَالَ إِنِّىۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ}، أي: آثرت حب الخير، وأراد بالخير الخيلَ، والعرب تعاقب بين الراء واللام، فتقول: ختلتُ الرجل وخترته، أي: خدعته، وسميت الخيل خيراً لأنه معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم، قال مقاتل:حب الخير يعني: المال، فهي الخيل التي عرضت عليه. {عَن ذِكْرِ رَبِّي}، يعني: عن الصلاة وهي صلاة العصر. {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}، أي: توارت الشمس بالحجاب: استترت بما يحجبها عن الأبصار، يقال: الحاجب جبل دون قاف، بمسيرة سنة، والشمس تغرب من ورائه.

{رُدُّوهَا عَلَىَّ}, أي: ردوا الخيل عليَّ، فردوها، {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ}، قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل: ما زال يفعل، والمراد بالمسح: القطع، فجعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، هذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل وأكثر المفسرين، وكان ذلك مباحاً له، لأن نبي الله لم يكن يقدم على محرم، ولم يكن يتوب عن ذنب بذنب آخر.

وقال محمد بن إسحاق: لم يعنِّفه الله على عقر الخيل إذا كان ذلك أسفاً على ما فاته من فريضة ربّه عزّ وجلّ.

وقال بعضهم: إنه ذبحها ذبحاً وتصدق بلحومها، وكان الذبح على ذلك الوجه مباحاً في شريعته.

وقال قوم: معناه أنه حبسها في سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بكيِّ الصدقة.

وقال الزهري وابن كيسان: إنه كان يمسح سوقها وأعناقها بيده، يكشف الغبار عنها حباً لها وشفقة عليها، وهذا قول ضعيف، والمشهور هو الأول.

وحكي عن علي أنه قال في معنى قوله: {رُدُّوهَا عَلَىَّ} يقول سليمان بأمر الله عزّ وجلّ للملائكة الموكلين بالشمس: {رُدُّوهَا عَلَىَّ} يعني: الشمس، فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها، وذلك أنه كان يعرض عليه الخيل لجهاد عدو، حتى توارت بالحجاب.

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ۝٣٤ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ۝٣٥

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ}، اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه.

وكان سبب ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان عليه السلام بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، بها ملك عظيم الشأن، لم يكن للناس إليه سبيلاً لمكانه في البحر، وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطاناً لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإِنس، فقتل ملكها واستولى واستفاء وسَبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتاً لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم ير مثلها حسناً وجمالاً، فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإِسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حباً لم يحبه شيئاً من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك، قال سليمان: فقد أبدلك الله به مُلكاً هو أعظم من مُلكه، وسلطاناً هو أعظم من سلطانه، وهداك للإِسلام وهو خير من ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرتُهُ أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشياً لرجوت أن يُذهِبَ ذلك حزني، وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئاً، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزّرتهُ وقمّصتهُ وعمّمته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحاً، وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقاً، وكان لا يُرَد عن أبواب سليمان، أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل، حاضراً كان سليمان أو غائباً، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني، ورق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، فقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأُعَلِّمُ الناسَ بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس فقام فيهم خطيباً فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبي بما فيه، فذكر ما فضله الله حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك، ثم انصرف، فوجد سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى ملأه غضباً، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه. فقال: يا آصف ذكرتَ من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيراً في كل زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلمّا ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري؟ فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ فقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحاً في هوى امرأة، فقال: في داري؟ فقال: في داركَ، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائباً إلى الله عزّ وجلّ، حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللاً لله تعالى، وتضرعاً إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يوماً عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر، واسمه صخر، على صورة سليمان لا تنكر منه شيئاً، فقال: خاتمي أمينة! فناولته إيّاه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حاله، وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب ويسبونه، ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحاً عدة ما كان عُبِدَ الوثن في داره، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة الناس وعلانيته، فدخل على نسائه، فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أَشَدّه ما يدع منا امرأة في دمها ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج على بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة، فلما مضى أربعون صباحاً طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك، حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه وأعطاه السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده، ووقع ساجداً، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لما كان حدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأُتي به وجاؤوا له بصخرة فنقرها فأدخله فيها ثم شدّ عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر. هذا حديث وهب.

وقال الحسن: ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه.

وقال السدي: كان سبب فتنة سليمان أنه كان له مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة هي آثر نسائه وآمنهن عنده، وكان يأتمنها على خاتمه إذا أتى حاجته، فقالت له يوماً: إن أخي كان بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل فابتلي بقوله، فأعطاه خاتمه ودخل المخرج، فجاء الشيطان في صورته فأخذه وجلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان عليه السلام فسألها خاتمه فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا، وخرج مكانه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً، فأنكر الناس حكمه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم حتى دخلوا على نسائه. فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا حتى أحْدَقُوا به، ونشروا التوراة فقرؤوها فطار من بين أيديهم، حتى وقع على شرفة، والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت، وأقبل سليمان حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع قد اشتد جوعه، فاستطعمه من صيده، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجعه، فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، وأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم، فشق بطونهما وجعل يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فلبسه فرد الله عليه ملكه وبهاءه.

وحامت عليه الطير فعرف القوم أنه سليمان، فقاموا يعتذرون مما صنعوا. فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا أمر كائن لا بد منه، ثم جاء حتى أتى مملكته أمر حتى أُتى بالشيطان الذي أخذ خاتمه وجعله في صندوق من حديد، وأطبق عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في البحر وهو حي كذلك حتى الساعة.

وفي بعض الروايات: أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، وكان فيه ملكه فأعاده سليمان إلى يده فسقط فأيقن سليمان بالفتنة، فأتى آصف فقال لسليمان: إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يتماسك في يدك أربعة عشر يوماً، ففرّ إلى الله تائباً، فإني أقوم مقامك، وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك، ففرّ سليمان هارباً إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم، فوضعه في أصبعه فثبت فهو الجسد الذي قال الله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جسداً} فأقام آصف في ملكه يسير بسيرته أربعة عشر يوماً إلى أن ردّ الله على سليمان ملكه، فجلس على كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت.

ورُوي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام؟ فلم تنظر في أمور عبادي؟ فابتلاه الله عزّ وجلّ. فذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما روينا.

وقيل: قال سليمان يوماً لأطوفنّ الليلة على نسائي كلهن، فتأتي كل واحدة بابن يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن، فجامعهن فما خرج له منهن إلا شق مولود، فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه، فذلك قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جسداً}.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال سُليمان لأطوفنّ الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله ونسي، فطاف عليهن جميعاً، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وايم الله الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون».

وقال طاووس عن أبي هريرة: لأطوفنّ اليلة بمائة امرأة، قال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي. وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على كرسيه هو صخر الجني، فذلك قوله عزّ وجلّ: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}، أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوماً فلما رجع

{قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ}، قال مقاتل وابن كيسان: لا يكون لأحد من بعدي، قال عطاء بن أبي رباح: يريد هبْ لي ملكاً لا تسلبنيه في باقي عمري، وتعطيه غيري كما استلبته في ما مضى من عمري.

{إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}، قيل: سأل ذلك ليكون آية لنبوته، ودلالة على رسالته، ومعجزةً. وقيل: سأل ذلك ليكون عَلَماً على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه، وزاد فيه.

وقال مقاتل بن حيان: كان لسليمان ملكاً ولكنه أراد بقول: {لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ} تسخير الرياح والطير والشياطين، بدليل ما بعده.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن عفريتاً من الجن تفلت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: "ربّ هبْ لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي"، فرددته خاسئاً».
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 10 جمادى الأولى 1448 هـ