انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

تفسير ابن كثيرالآيات 1–40

تفسير سورة ص آية آية، من تفسير ابن كثير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

صٓ وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ ۝١ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ۝٢ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا۟ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ۝٣

أما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: {وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ} أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد، ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك في قوله تعالى: {ذِى ٱلذِّكْرِ} كقوله تعالى:

{ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ }[الأنبياء: 10] أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي: {ذِى ٱلذِّكْرِ}: ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة، ولا منافاة بين القولين؛ فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار. واختلفوا في جواب هذا القسم، فقال بعضهم: هو قوله تعالى: { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} وقيل: قوله تعالى: { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ }[ص: 64] حكاهما ابن جرير. وهذا الثاني فيه بعد كبير، وضعفه ابن جرير، وقال قتادة: جوابه { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} واختاره ابن جرير، ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه قال: جوابه {صۤ} بمعنى صدق حق {وَٱلْقُرْءَانِ ذِى ٱلذِّكْرِ} وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم، وقوله تبارك وتعالى: { بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} أي إن في هذا القرآن لذكرى لمن يتذكر وعبرة لمن يعتبر وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم {فِى عِزَّةٍ} أي: استكبار عنه وحمية، {وَشِقَاقٍ} أي: ومخالفة له ومعاندة ومفارقة، ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل، وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ} أي: من أمة مكذبة {فَنَادَواْ} أي: حين جاءهم العذاب، استغاثوا وجأروا إلى الله تعالى، وليس ذلك بمجد عنهم شيئاً؛ كما قال عز وجل: { فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ }[الأنبياء: 12] أي: يهربون { لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ }[الأنبياء: 13] قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله تبارك وتعالى: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} قال: ليس بحين نداء، ولا نزو، ولا فرار. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ليس بحين مغاث. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد: ــــ تذكر ليلى لات حين تذكر ــــ وقال محمد بن كعب في قوله تعالى: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم، وقال قتادة: لما رأوا العذاب، أرادوا التوبة في غير حين النداء، وقال مجاهد: {فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} ليس بحين فرار ولا إجابة. وقد روي نحو هذا عن عكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة، وعن مالك عن زيد بن أسلم: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} ولا نداء في غير حين النداء، وهذه الكلمة، وهي لات، هي لا التي للنفي، زيدت معها التاء؛ كما تزاد في ثم، فيقولون: ثمت، ورب، فيقولون: ربت، وهي مفصولة، والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين (ولا تحين مناص) والمشهور الأول، ثم قرأ الجمهور بنصب حين، تقديره: وليس الحين حين مناص، ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:

تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِيْناوأَضْحى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرينا

ومنهم من جوز الجر بها وأنشد:

طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍفَأَجَبْنا أَنْ لَيْس حين بقاءِ

وأنشد بعضهم أيضاً:

ولاتَ ساعةِ مَنْدَمِ

بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: النوص التأخر، والبوص التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب. والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

وَعَجِبُوٓا۟ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٌ كَذَّابٌ ۝٤ أَجَعَلَ ٱلْـَٔالِهَةَ إِلَٰهًا وَٰحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ ۝٥ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُوا۟ وَٱصْبِرُوا۟ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ ۝٦ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا ٱخْتِلَٰقٌ ۝٧ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ مِّن ذِكْرِى بَل لَّمَّا يَذُوقُوا۟ عَذَابِ ۝٨ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ۝٩ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَٰبِ ۝١٠ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ۝١١

يقول تعالى مخبراً عن المشركين في تعجبهم من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً؛ كما قال عز وجل:

{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ }[يونس: 2] وقال جل وعلا ههنا: {وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ} أي: بشر مثلهم، وقال الكافرون: { هَـٰذَا سَـٰحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ} أي: أزعم أن المعبود واحد لا إله إلا هو؟ أنكر المشركون ذلك، قبحهم الله تعالى، وتعجبوا من ترك الشرك بالله؛ فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان، وأشربته قلوبهم، فلما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الإله بالوحدانية، أعظموا ذلك، وتعجبوا وقالوا: { أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ} وهم سادتهم وقادتهم، ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: {ٱمْشُواْ} أي: استمروا على دينكم، {وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ} ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد، وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع، ولسنا نجيبه إليه.

(ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمة)

قال السدي: إن ناساً من قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون منا إليه شيء، فتعيرنا به العرب؛ يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه، تناولوه. فبعثوا رجلاً منهم يقال له: المطلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم، فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه، قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسراتهم، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك قال صلى الله عليه وسلم

يا عم أفلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم؟قال: وإلام تدعوهم؟ قال صلى الله عليه وسلمأدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجمفقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم: ما هي؟ وأبيك لنعطينكها وعشراً أمثالها، قال صلى الله عليه وسلمتقولون: لا إله إلا اللهفنفروا، وقالوا: سلنا غيرها، قال صلى الله عليه وسلملو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرهافقاموا من عنده غضاباً، وقالوا: والله لنشتمك وإلهك الذي أمرك بهذا { وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ يُرَادُ} ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزاد: فلما خرجوا، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى قوله: لا إله إلا الله، فأبى، وقال: بل على دين الأشياخ، ونزلت: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ }[القصص: 56].

قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عباد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته، فبعث إليه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل لعنه الله إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول، وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزيةففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشراً، فقالوا: وما هي؟ وقال أبو طالب: وأي كلمة هي يابن أخي؟ قال صلى الله عليه وسلملا إله إلا اللهفقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ} قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} لفظ أبي كريب. وهكذا رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن نمير، كلاهما عن أبي أسامة عن الأعمش عن عباد غير منسوب، به نحوه، ورواه الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً كلهم في تفاسيرهم من حديث سفيان الثوري عن الأعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن. وقولهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلأَخِرَةِ} أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة.

قال مجاهد وقتادة وأبو زيد: يعنون: دين قريش. وقال غيرهم: يعنون النصرانية، قاله محمد بن كعب والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، يعني: النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقاً، لأخبرتنا به النصارى، {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ} قال مجاهد وقتادة: كذب. وقال ابن عباس: تخرص. وقولهم: {أَءَنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} يعني: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه من بينهم كلهم؛ كما قال في الآية الأخرى:

{ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف: 31] قال الله تعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ }[الزخرف: 32] ولهذا لما قالوا هذا الذي دلّ على جهلهم وقلة عقلهم؛ في استبعادهم إنزال القرآن على الرسول من بينهم،

قال الله تعالى: {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلى حين قولهم ذلك عذاب الله تعالى ونقمته، سيعلمون غب ما قالوا، وما كذبوا به، يوم يدعون إلى نار جهنم دعاً. ثم قال تعالى مبيناً أنه المتصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من يشاء ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينزل الروح من أمره على من يشاء من عباده، ويختم على قلب من يشاء فلا يهديه أحد من بعد الله، وإن العباد لا يملكون شيئاً من الأمر، وليس إليهم من التصرف في الملك ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير.

ولهذا قال تعالى منكراً عليهم: { أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ} أي: العزيز الذي لا يرام جنابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى:

{ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً }[النساء: 53 ــــ 55] وقوله تعالى: { قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّى إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَـٰنُ قَتُورًا }[الإسراء: 100] وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البشري صلى الله عليه وسلم وكما أخبر عز وجل عن قوم صالح عليه السلام حين قالوا: { أَءُلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ }[القمر:25 ــــ 26].

وقوله تعالى: {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ} أي: إن كان لهم ذلك، فليصعدوا في الأسباب. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني: طرق السماء، وقال الضحاك رحمه الله تعالى: فليصعدوا إلى السماء السابعة.

ثم قال عز وجل: { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ} أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون، ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه الآية كقوله جلت عظمته:

{ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }[القمر: 44 ــــ 45] كان ذلك يوم بدر { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ }[القمر: 46].

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو ٱلْأَوْتَادِ ۝١٢ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْأَحْزَابُ ۝١٣ إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ۝١٤ وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ۝١٥ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝١٦

يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء القرون الماضية وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد تقدمت قصصهم مبسوطة في أماكن متعددة. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ} أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة، وأكثر أموالاً وأولاداً، فما دفع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك، ولهذا قال عز وجل: { إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرٌّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ} فجعل علة إهلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.

وقوله تعالى: { وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً وٰحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} قال مالك عن زيد بن أسلم: أي ليس لها مثنوية، أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، فقد جاء أشراطها، أي: فقد اقتربت ودنت وأزفت، وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر الله تعالى إسرافيل أن يطولها، فلا يبقى أحد من أهل السموات والأرض إلا فزع، إلا من استثنى الله عز وجل.

وقوله جل جلاله: { وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ} هذا إنكار من الله تعالى على المشركين في دعائهم على أنفسهم بتعجيل العذاب؛ فإن القط هو الكتاب، وقيل: هو الحظ والنصيب. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والضحاك والحسن وغير واحد: سألوا تعجيل العذاب، زاد قتادة: كما قالوا:

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }[الأنفال: 32] وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة، إن كانت موجودة؛ ليلقوا ذاك في الدنيا، وإنما خرج هذا منهم مخرج الاستبعاد والتكذيب. وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو الشر في الدنيا، وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك وإسماعيل بن أبي خالد، والله أعلم. ولما كان هذا الكلام منهم على وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمراً له بالصبر على أذاهم، ومبشراً له على صبره بالعاقبة والنصر والظفر:

ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝١٧ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ ۝١٨ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝١٩ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ۝٢٠

يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ذا أيد، والأيد القوة في العلم والعمل. قال ابن عباس رضي الله عنهما، والسدي وابن زيد: الأيد: القوة، وقرأ ابن زيد:

{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }[الذاريات: 47] وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة. وقال قتادة: أعطي داود عليه الصلاة والسلام قوة في العبادة، وفقهاً في الإسلام، وقد ذكر لنا أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر، وهذا ثابت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله عز وجل صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى وأنه كان أوابا، وهو الرجاع إلى الله عز وجل في جميع أموره وشؤونه.

وقوله تعالى: { إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ} أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار؛ كما قال عز وجل:

{ يَٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ }[سبأ: 10] وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجع بترجيعه، إذا مر الطير وهو سابح في الهواء، فسمعه وهو يترنم بقراءة الزبور، لا يستطيع الذهاب، بل يقف في الهواء، ويسبح معه، وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه، وتسبح تبعاً له. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر عن مسعر عن عبد الكريم عن موسى بن أبي كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه بلغه أن أم هانىء رضي الله عنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، صلى الضحى ثمان ركعات، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: قد ظننت أن لهذه الساعة صلاة، يقول عز وجل: {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ} ثم رواه من حديث سعيد بن أبي عروبة عن أبي المتوكل عن أيوب بن صفوان عن مولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن ابن عباس رضي الله عنهما كان لا يصلي الضحى، فأدخلته على أم هانىء رضي الله عنها، فقلت: أخبري هذا ما أخبرتني به، فقالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صب في قصعة، ثم أمر بثوب، فأخذ بيني وبينه، فاغتسل، ثم رش ناحية البيت، فصلى ثمان ركعات، وذلك من الضحى، قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن سواء، قريب بعضهن من بعض، فخرج ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: {يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِشْرَاقِ} وكنت أقول: أين صلاة الإشراق؟ وكان بعد يقول: صلاة الإشراق، ولهذا قال عز وجل: {وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً} أي: محبوسة في الهواء {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} أي: مطيع يسبح تبعاً له، وقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} أي: مطيع.

وقوله تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} أي: جعلنا له ملكاً كاملاً من جميع ما يحتاج إليه الملوك، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطاناً، وقال السدي: كان يحرسه كل يوم أربعة آلاف، وقال بعض السلف: بلغني أنه كان يحرسه في كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً، لا تدور عليهم النوبة إلى مثلها من العام القابل، وقال غيره: أربعون ألفاً مشتملون بالسلاح. وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم من رواية علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نفرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما على الآخر إلى داود عليه الصلاة والسلام أنه اغتصبه بقراً، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بينة، فأرجأ أمرهما، فلما كان الليل، أمر داود عليه الصلاة والسلام في المنام بقتل المدعي، فلما كان النهار، طلبهما، وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال له: إن الله تعالى أمرني بقتلك، فأنا قاتلك لا محالة، فقال: والله يا نبي الله إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيت عليه، وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد، فأمر به داود عليه السلام فقتل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، وهو الذي يقول الله عز وجل: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ}.

وقوله عز وعلا: {وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْحِكْمَةَ} قال مجاهد: يعني: الفهم والعقل والفطنة، وقال مرة: الحكمة والعدل، وقال مرة: الصواب، وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه، فقال السدي: {الْحِكْمَةَ} النبوة. وقوله جل جلاله: {وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} قال شريح القاضي والشعبي: فصل الخطاب: الشهود والأيمان. وقال قتادة: شاهدان على المدعي، أو يمين المدعى عليه هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل، أو قال: المؤمنون والصالحون، وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي. وقال مجاهد والسدي: هو إصابة القضاء، وفهم ذلك. وقال مجاهد أيضاً: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبّة النميري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن بلال بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: أول من قال: أما بعد، داود عليه السلام، وهو فصل الخطاب، وكذا قال الشعبي: فصل الخطاب: أما بعد.

وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ ۝٢١ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ۝٢٢ إِنَّ هَٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَٰحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ ۝٢٣ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۝٢٤ فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٢٥

قد ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم حديثاً لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه، ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل؛ فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضاً. وقوله تعالى: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب، أي: احتاطا به، يسألانه عن شأنهما. وقوله عز وجل: {وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ} أي: غلبني، يقال: عز يعز إذا قهر وغلب. وقوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـٰهُ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: اختبرناه. وقوله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعاً} أي: ساجداً {وَأَنَابَ} ويحتمل أنه ركع أولاً، ثم سجد بعد ذلك، وقد ذكر أنه استمر ساجداً أربعين صباحاً {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ} أي: ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وقد اختلف الأئمة في سجدة {صۤ} هل هي من عزائم السجود؟ على قولين، الجديد من مذهب الشافعي رضي الله عنه أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل، هو ابن علية، عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: السجدة في {صۤ} ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال النسائي أيضاً عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن الحسن، هو المقسمي، حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في {صۤ} وقال:

سجدها داود عليه الصلاة والسلام توبة، ونسجدها شكراًتفرد بروايته النسائي، ورجال إسناده كلهم ثقات.

وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع، أخبرنا أبو إسحاق المدرجي، أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي حدثنا زاهر بن أبي طاهر الشحامي، أخبرنا أبو سعد الكنجروذي، أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، فقرأت السجدة فسجدت، فسجدت الشجرة بسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع بها عني وزراً، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة، رواه الترمذي عن قتيبة، وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد، كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البخاري عند تفسيرها أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال: سألت مجاهداً عن سجدة {صۤ} فقال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما: من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ:

{ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ }[الأنعام: 84] { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ }[الأنعام: 90] فكان داود عليه الصلاة والسلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه الصلاة والسلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد، حدثنا بكر هو ابن عبد الله المزني أنه أخبره: أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه رأى رؤيا أنه يكتب {صۤ} فلما بلغ إلى الآية التي يسجد بها، رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد، تفرد به أحمد، وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر {صۤ} فلما بلغ السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر، قرأها، فلما بلغ السجدة، تشزن الناس للسجود، فقال صلى الله عليه وسلم

إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشنزتمفنزل وسجد. وتفرد به أبو داود، وإسناده على شرط الصحيح.

وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ} أي: وإن له يوم القيامة لقربة يقربه الله عز وجل بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية في الجنة؛ لتوبته وعدله التام في ملكه؛ كما جاء في الصحيح:

المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما ولواوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمإن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأقربهم منه مجلساً، إمام عادل، وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة، وأشدهم عذاباً، إمام جائرورواه الترمذي من حديث فضيل، وهو ابن مرزوق الأغر، عن عطية به، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ} قال: يقام داود يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول: وكيف وقد سلبته؟ فيقول الله عز وجل: إني أرده عليك اليوم، قال: فيرفع داود عليه الصلاة والسلام بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ۝٢٦

هذه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله، وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد، والعذاب الشديد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة، وكان قد قرأ الكتاب: أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن، وفقهت، فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان الله، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله، أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة، ثم توعده في كتابه فقال تعالى: {يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. وقال عكرمة: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ} هذا من المقدم والمؤخر، لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أمشى على ظاهر الآية، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَٰطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ ۝٢٧ أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ ۝٢٨ كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ ۝٢٩

يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثاً، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم يجمعهم يوم الجمع، فيثيب المطيع، ويعذب الكافر، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: الذين لا يرون بعثاً ولا معاداً، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم، ثم بين تعالى أنه عز وجل من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين فقال تعالى: { أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} أي: لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإرشاد يدل على العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء؛ فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه، ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلا بد في حكمة الحكيم العليم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة، قال تعالى: { كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ ءَايَـٰتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: ذوو العقول، وهي الألباب، جمع لب، وهو العقل، قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل، رواه ابن أبي حاتم.

وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ۝٣٠ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ ۝٣١ فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ ۝٣٢ رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ ۝٣٣

يقول تعالى مخبراً: أنه وهب لداود سليمان، أي: نبياً؛ كما قال عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَـٰنُ دَاوُودَ} أي: في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره؛ فإنه قد كان عنده مئة امرأة حرائر. وقوله تعالى: {نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر، حدثنا مكحول قال: لما وهب الله تعالى لداود سليمان، قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله والإيمان؟ قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان، قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين عباده، قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض، قال داود عليه السلام: فأنت نبي.

وقوله تعالى: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ} أي: إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات. قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث، وطرف حافر الرابعة، والجياد السراع. وكذا قال غير واحد من السلف، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله عز وجل: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ} قال: كانت عشرين فرساً ذات أجنحة، كذا رواه ابن جرير.

وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم ابن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس، فعقرها، وهذا أشبه، والله أعلم، وقال أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا عمارة ابن غزية: أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة رضي الله عنها: لعب، فقال صلى الله عليه وسلم

ما هذا يا عائشة؟قالت رضي الله عنها: بناتي، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال صلى الله عليه وسلمما هذا الذي أرى وسطهن؟قالت رضي الله عنها: فرس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلمما هذا الذي عليه؟قالت رضي الله عنها: جناحان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلمفرس له جناحان؟قالت رضي الله عنها: أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت رضي الله عنها: فضحك صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه. وقوله تبارك وتعالى: { فَقَالَ إِنِّىۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمداً، بل نسياناً؛ كما شغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر، حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه، من ذلك عن جابر رضي الله عنه قال: جاء عمر رضي الله عنه يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلموالله ما صليتهافقال: فقمنا إلى بطحان، فتوضأ نبي الله صلى الله عليه وسلم للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. ويحتمل أنه كان سائغاً في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال. وقد ادعى طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعاً، فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلى ذلك في حال المسايفة والمضايقة حيث لا تمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود؛ كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في فتح تستر، وهو منقول عن مكحول والأوزاعي وغيرهما، والأول أقرب؛ لأنه قال بعده: { رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} قال الحسن البصري: لا، قال: والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعقرت. وكذا قال قتادة، وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها؛ حباً لها. وهذا القول اختاره ابن جرير، قال: لأنه لم يكن ليعذب حيواناً بالعرقبة، ويهلك مالاً من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها. وهذا الذي رجح به ابن جرير فيه نظر لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضباً لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة، ولهذا لما خرج عنها لله تعالى، عوضه الله عز وجل ما هو خير منها، وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل، قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة وأبي الدهماء، وكانا يكثران السفر نحو البيت، قالا: أتينا على رجل من أهل البادية، فقال لنا البدوي: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل، وقال:

إنك لا تدع شيئاً اتقاء الله تعالى، إلا أعطاك الله عز وجل خيراً منه».

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ۝٣٤ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ ۝٣٥ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ۝٣٦ وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ۝٣٧ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ ۝٣٨ هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٣٩ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٤٠

يقول تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ} أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة، {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم: يعني: شيطاناً، {ثُمَّ أَنَابَ} أي: رجع إلى ملكه وسلطانه وأُبهته. قال ابن جرير، وكان اسم ذلك الشيطان صخراً، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة. وقيل: آصف، قاله مجاهد. وقيل: أصروا، قاله مجاهد أيضاً. وقيل: حقيق، قاله السدي. وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة، وقد قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قال: أمر سليمان عليه الصلاة والسلام ببناء بيت المقدس، فقيل له: ابنه، ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له: إن شيطاناً في البحر يقال له صخر شبه المارد، قال: فطلبه، وكانت في البحر عين يردها في كل سبعة أيام مرة، فنزح ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده، فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً، قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلاً، قال: ثم شربها حتى غلبت على عقله، قال: فأري الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فذل، قال: وكان ملكه في خاتمه، فأتى به سليمان عليه الصلاة والسلام، فقال: إنا قد أمرنا ببناء هذا البيت، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد، قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس، فوضعه عليها، فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه، فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام، لم يدخل بالخاتم، فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه، قال: فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه سليمان. قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: فتن نبي الله، وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في القوة، فقال: والله لأجربنه. قال: فقال: يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله، أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة، فيدع الغسل عمداً حتى تطلع الشمس، أترى عليه بأساً؟ قال: لا، فبينما هو كذلك أربعين ليلة، إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل، فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم، {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال: هو الشيطان صخر.

وقال السدي: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ} أي: ابتلينا سليمان، {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال: شيطاناً، جلس على كرسيه أربعين يوماً. قال: كان لسليمان عليه الصلاة والسلام مئة امرأة، وكانت امرأة منهم يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه وآمنهن عنده، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة، نزع خاتمة ولم يأمن عليه أحداً من الناس غيرها، فأعطاها يوماً خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتي الخاتم، فأعطته، فجاء حتى جلس على مجلس سليمان عليه الصلاة والسلام، وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا، وخرج وكأنه تائه، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً. قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه، فقالوا لهن: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان، فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك. قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به، ثم نشروا يقرؤون التوارة. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة، والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. وقال: وأقبل سليمان عليه الصلاة والسلام في حاله التي كان فيها، حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر، وهو جائع وقد اشتد جوعه، فسألهم من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه، فجعل يغسل دمه وهو على شاطىء البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته، قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم، ولم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطىء البحر، فشق بطونهما، فجعل يغسل فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فردّ الله عليه بهاءه وملكه، فجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان عليه الصلاة والسلام، فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. قال: فجاء حتى أتى ملكه، وأرسل إلى الشيطان فجيء به، فأمر به فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبيق. قال: وسخر الله له الريح، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله: {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}.

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تبارك وتعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} قال: شيطاناً يقال له آصف، فقال له سليمان عليه الصلاة والسلام: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه إياه، نبذه آصف في البحر، فساح سليمان عليه الصلاة والسلام، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله تبارك وتعالى من نساء سليمان، فلم يقربهنَّ ولم يقربنه، وأنكرنه. قال: فكان سليمان عليه الصلاة والسلام يستطعم فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني أنا سليمان، فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، ففتح بطنه فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر آصف فدخل البحر. وأرى هذه كلها من الإسرائيليات، ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية، أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} قال: أراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت الجرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته إياه، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء، قال لها: هاتي خاتمي، قالت: أعطيته سليمان، قال: أنا سليمان قالت: كذبت، ما أنت بسليمان، فجعل لا يأتي أحداً يقول له: أنا سليمان، إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك سليمان، عرف أنه من أمر الله عز وجل. قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله تبارك وتعالى أن يرد على سليمان سلطانه، ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان، فقالوا لهن: أتنكرن من سليمان شيئاً؟ قلن: نعم إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرؤوها على الناس، وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان عليه الصلاة والسلام، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان عليه السلام يحمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه الصلاة والسلام فقال: تحمل لي هذا السمك؟ فقال: نعم قال: بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك، قال: فحمل سليمان عليه الصلاة والسلام السمك، ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى بابه، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه الصلاة والسلام، فشق بطنها فإذا بالخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه الصلاة والسلام في طلبه، وكان شيطاناً مريداً، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاؤوا فبنوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط معه من الرصاص، قال: فأخذوه فأوثقوه، وجاؤوا به إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، فأمر به فنقر له تخت من رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سدَّ بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} يعني: الشيطان الذي كان سلط عليه، إسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما، إن صح عنه، من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات، من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان، بل عصمهن الله عز وجل منه تشريفاً وتكريماً لنبيه عليه السلام. وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنهم كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

قال يحيى بن أبي عمرو الشيباني: وجد سليمان خاتمه بعسقلان، فمشى في خرقة إلى بيت المقدس تواضعاً لله عز وجل، رواه ابن أبي حاتم. وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام خبراً عجيباً، فقال: حدثنا أبي رحمه الله، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار: أنه لما فرغ من حديث إرم ذات العماد، قال له معاوية: يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام وما كان عليه، ومن أي شيء هو؟ فقال: كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة، مرصعاً بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وقد جعل له درجة منها مفصصاً بالدر والياقوت والزبرجد، ثم أمر بالكرسي فحف من جانبيه بالنخل؛ نخل من ذهب، شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ، وجعل على رؤوس النخل التي على يمين الكرسي طواويس من ذهب، ثم جعل على رؤوس النخل التي على يسار الكرسي نسوراً من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتي صنوبر من ذهب، وعلى يسارها أسدان من ذهب، وعلى رؤوس الأسدين عمودان من زبرجد، وجعل من جانبي الكرسي كرم من ذهب، قد أظلتا الكرسي، وجعل عناقيدهما دراً وياقوتاً أحمر، ثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكاً وعنبراً، فإذا أراد سليمان عليه السلام أن يصعد على كرسيه، استدار الأسدان ساعة، ثم يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام، ثم يوضع منبران من ذهب: واحد لخليفته، والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان، ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبراً من ذهب، عليها سبعون قاضياً من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبراً من ذهب، ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه، وضع قدميه على الدرجة السفلى، فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى، وينشر النسر جناحه الأيسر، ثم يصعد سليمان عليه الصلاة والسلام على الدرجة الثانية، فيبسط الأسد يده اليسرى، وينشر النسر جناحه الأيمن، فإذا استوى سليمان عليه الصلاة والسلام على الدرجة الثالثة، وقعد على الكرسي، أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان عليه الصلاة والسلام، فوضعه على رأسه، فإذا وضعه على رأسه، استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة، فقال معاوية رضي الله عنه: وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب، ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني، فإذا أحست بدورانه دارت تلك الأسود والنسور والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلى أعلاه، فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رؤوسهن على رأس سليمان عليه الصلاة والسلام وهو جالس، ثم ينضحن جميعاً ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراة، فتجعلها في يده، فيقرؤها سليمان عليه الصلاة والسلام على الناس. وذكر تمام الخبر، وهو غريب جداً { قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} قال بعضهم معناه: لا ينبغي لأحد من بعدي، أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي؛ كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه، لا أنه يحجر على من بعده من الناس. والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكاً لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إن عفريتاً من الجن تفلت عليّ البارحة ــــ أو كلمة نحوها ــــ ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله تبارك وتعالى منه، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مِّن بَعْدِىۤ} ــــ قال روح: ــــ فرده خاسئاً. وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن زيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فسمعناه يقول:أعوذ بالله منك ــــ ثم قال ــــ ألعنك بلعنة اللهثلاثاً وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال صلى الله عليه وسلمإن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يتأخر، ثلاث مرات، ثم أردت أن آخذه، والله لولا دعوة سليمان، لأصبح موثقاً يلعب به صبيان أهل المدينة

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا ميسرة بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي، فذهبت أمر بين يديه، فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح، وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال:

لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين ــــ الإبهام والتي تليها ــــ ولولا دعوة أخي سليمان، لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعلوقد روى أبو داود منه:من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعلعن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد الزبيري به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط، وهو مخاصر فتى من قريش يُزَنُّ بشرب الخمر، فقلت: بلغني عنك حديث أنه

من شرب شربة من الخمر لم يقبل الله عز وجل له توبة أربعين صباحاً، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإنه من أتى البيت المقدس لا ينهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم يوم ولدته أمهفلما سمع الفتى ذكر الخمر، اجتذب يده من يده، ثم انطلق فقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:من شرب الخمر شربة، لا تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب، تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً فإن تاب تاب الله عليه - قال فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال - فإن عاد كان حقاً على الله تعالى أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامةقال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ، اهتدى، ومن أخطأه، ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجلوسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إن سليمان عليه السلام سأل الله تعالى ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة، سأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد، خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله عز وجل قد أعطانا إياهاوقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إن سليمان عليه الصلاة والسلام لما بنى بيت المقدس، سأل ربه عز وجل خلالاً ثلاثاًوذكره. وقد روي من حديث رافع بن عمير رضي الله عنه بإسناد وسياق غريبين. فقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي الزاهرية عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:قال الله عز وجل لداود عليه الصلاة والسلام: ابن لي بيتاً قي الأرض، فبنى داود بيتاً لنفسه قبل البيت الذي أمر به، فأوحى الله إليه: يا داود نصبت بيتك قبل بيتي، قال: يا رب هكذا قضيت، من ملك، استأثر. ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور، سقط ثلاثاً، فشكا ذلك إلى الله عز وجل، فقال: يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتاً، قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء، قال: يا رب أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى، ولكنهم عبادي، وأنا أرحمهم، فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه: لا تحزن، فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان. فلما مات داود، أخذ سليمان في بنائه، ولما تمَّ، قرَّب القرابين، وذبح الذبائح، وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه: قد أرى سرورك ببنيان بيتي، فسلني أعطك، قال: أسألك ثلاث خصال: حكماً يصادف حكمك، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ــــ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الثنتان، فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثةوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس بن سلمة الأكوع عن أبيه رضي الله عنه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلا استفتحه بـسبحان الله ربي العلي الأعلى الوهابوقد قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن برقان عن صالح بن مسمار قال: لما مات نبي الله داود عليه السلام، أوحى الله تبارك وتعالى إلى ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام: أن سلني حاجتك، قال: أسألك أن تجعل لي قلباً يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي، فقال الله عز وجل: أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته، فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني، وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبن له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده.

قال الله جلت عظمته: { فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} والتي بعدها. قال: فأعطاه ما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه. هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان عليه الصلاة والسلام في تاريخه، وروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود عليه الصلاة والسلام أنه قال: إلهي كن لسليمان كما كنت لي، فأوحى الله عز وجل إليه: أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي، أكن له كما كنت لك. وقوله تبارك وتعالى: { فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ} قال الحسن البصري رحمه الله: لما عقر سليمان عليه الصلاة والسلام الخيل غضباً لله عز وجل، عوضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع؛ الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر.

وقوله جل وعلا: {حَيْثُ أَصَابَ} أي: حيث أراد من البلاد. وقوله جل جلاله: { وَٱلشَّيَـٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} أي: منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلىء والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها { وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلأَصْفَادِ} أي: موثوقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى.

وقوله عز وجل: { هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي: مهما فعلت، فهو جائز لك، احكم بما شئت، فهو صواب. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خير بين أن يكون عبداً رسولاً ــــ وهو الذي يفعل ما يؤمر به، وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله تعالى به ــــ وبين أن يكون نبياً ملكاً، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعدما استشار جبريل عليه الصلاة والسلام فقال له: تواضع، فاختار المنزلة الأولى؛ لأنها أرفع قدراً عند الله عز وجل، وأعلى منزلة في المعاد، وإن كانت المنزلة الثانية، وهي النبوة مع الملك، عظيمة أيضاً في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر تبارك وتعالى ما أعطى سليمان عليه الصلاة والسلام في الدنيا، نبه تعالى على أنه ذو حظ عند الله يوم القيامة أيضاً، فقال تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـئَابٍ} أي: في الدنيا والآخرة.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ