انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة ص

تفسير الطبريالآيات 45–79

تفسير سورة ص آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة ص

الخلاصة من تفسير الطبري · 3 مقاطع · 36:34

  1. 1 الآيات 21–51في هذه الصفحة 15:52
  2. 2 الآيات 52–88في هذه الصفحة 11:52

التفسير الصوتي لسورة ص كاملًا (3 مقاطع)

وَٱذْكُرْ عِبَٰدَنَآ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ أُو۟لِى ٱلْأَيْدِى وَٱلْأَبْصَٰرِ ۝٤٥ إِنَّآ أَخْلَصْنَٰهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ۝٤٦ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٧

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {عِبـادَنا} فقرأته عامة قرّاء الأمصار: {وَاذْكُرْ عِبـادَنا} علـى الـجماع غير ابن كثـير، فإنه ذكر عنه أنه قرأه: «وَاذْكُرْ عَبْدَنا» علـى التوحيد، كأنه يوجه الكلام إلـى أن إسحاق ويعقوب بن ذرّية إبراهيـم، وأنهما ذُكِرا من بعده.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عبـاس يقرأ: «وَاذْكُرْ عَبْدَنا إبْرَاهِيـمَ» قال: إنـما ذكر إبراهيـم، ثم ذُكِر ولده بعده.

والصواب عنده من القراءة فـي ذلك، قراءة من قرأه علـى الـجماع، علـى أن إبراهيـم وإسحاق ويعقوب بـيان عن العبـاد، وترجمة عنه، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه.

وقوله: {أُولـي الأَيْدي والأبْصَارِ} ويعنـي بـالأيدي: القوّة، يقول: أهل القوّة علـى عبـادة الله وطاعته. ويعنـي بـالأبصار: أنهم أهل أبصار القلوب، يعنـي به: أولـي العقول للـحقّ.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم فـي ذلك نـحواً مـما قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أُولـي الأَيْدِي} يقول: أولـي القوّة والعبـادة، والأبْصَارِ يقول: الفقه فـي الدين.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أُولـي الأَيْدي والأبْصَارِ} قال: فُضِّلوا بـالقوّة والعبـادة.

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور أنه قال فـي هذه الآية {أُولـي الأَيْدِي} قال: القوّة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحن، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن مـجاهد، فـي قوله: {أُولـي الأَيْدِي} قال: القوّة فـي أمر الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مـجاهد {أُولـي الأَيْدِي} قال: الأيدي: القوّة فـي أمر الله، {والأبصار}: العقول.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أُولـي الأَيْدي والأَبْصَارِ} قال: القوّة فـي طاعة الله، {والأبصار}: قال: البصر فـي الـحقّ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أُولـي الأَيْدي والأَبْصَارِ} يقول: أعطوا قوّة فـي العبـادة، وبصراً فـي الدين.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {أُولـي الأَيْدِي والأَبْصَارِ} قال: الأيدي: القوّة فـي طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم فـي دينهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {أُولـي الأَيْدِي والأَبْصَارِ} قال: الأيدي: القوّة، والأبصار: العقول.

فإن قال لنا قائل: وما الأيدي من القوّة، والأيدي إنـما هي جمع يد، والـيد جارحة، وما العقول من الأبصار، وإنـما الأبصار جمع بصر؟ قـيـل: إن ذلك مثل، وذلك أن بـالـيد البطش، وبـالبطش تُعرف قوّة القويّ، فلذلك قـيـل للقويّ: ذويَدٍ وأما البصر، فإنه عنى به بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء، فلذلك قـيـل للرجل العالـم بـالشيء: بصير به. وقد يُـمكن أن يكون عَنـي بقوله: {أولـي الأَيْدِي}: أولـي الأيدي عند الله بـالأعمال الصالـحة، فجعل الله أعمالهم الصالـحة التـي عملوها فـي الدنـيا أيدياً لهم عند الله تـمثـيلاً لها بـالـيد، تكون عند الرجل الآخر.

وقد ذُكر عن عبد الله أنه كان يقرؤه: «أُولـي الأَيْدِ» بغير ياء، وقد يُحتـمل أن يكون ذلك من التأيـيد، وأن يكون بـمعنى الأيدي، ولكنه أسقط منه الـياء، كما قـيـل:

{ يَوْمَ يُنادِي الـمُنادِ }بحذف الـياء. وقوله عَزّ وجلّ: {إنَّا أخْـلَصْناهُمْ بِخالصَةٍ} يقول تعالـى ذكره: إنا خصصناهم بخاصة: ذكرى الدار.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة: «بُخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ» بإضافة خالصة إلـى ذكرى الدار، بـمعنى: أنهم أخـلصوا بخالصة الذكرى، والذكرى إذا قُرىء كذلك غير الـخالصة، كما الـمتكبر إذا قُرىء: «علـى كلّ قلب متكبر» بإضافة القلب إلـى الـمتكبر، هو الذي له القلب ولـيس بـالقلب. وقرأ ذلك عامة قرّاء العراق: {بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} بتنوين قوله: {خالِصَةٍ} وردّ ذكرى علـيها، علـى أن الدار هي الـخالصة، فردّوا الذكر وهي معرفة علـى خالصة، وهي نكرة، كما قـيـل: لشرّ مآب: جهنـم، فردّ جهنـم وهي معرفة علـى الـمآب وهي نكرة.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قَرَأَةِ الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقد اختلف أهل التأويـل، فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: إنا أخـلصناهم بخالصةٍ هي ذكرى الدار: أي أنهم كانوا يُذَكِّرون الناس الدار الآخرة، ويدعونهم إلـى طاعة الله، والعمل للدار الآخرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّا أَخْـلَصْناهُمْ بِخالصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} قال: بهذه أخـلصهم الله، كانوا يدعون إلـى الآخرة وإلـى الله.

وقال آخرون: معنى ذلك أن أخـلصهم بعملهم للآخرة وذكرهم لها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن الـحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد، فـي قوله: {إنَّا أَخْـلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} قال: بذكر الآخرة فلـيس لهم همّ غيرها.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {إنَّا أخْـلَصْناهُمْ بِخالِصَة ذِكْرَى الدَّارِ} قال: بذكرهم الدار الآخرة، وعملهم للآخرة.

وقال آخرون: معنى ذلك: إنا أخـلصناهم بأفضلِ ما فـي الآخرة وهذا التأويـل علـى قراءة من قرأه بـالإضافة. وأما القولان الأوّلان فعلـى تأويـل قراءة من قرأه بـالتنوين. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: «إنَّا أَخْـلَصْناهُمْ بِخالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ» قال: بأفضل ما فـي الآخرة أخـلصناهم به، وأعطيناهم إياه قال: والدار: الـجنة، وقرأ:

{ تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَـجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِـي الأرْضِ }قال: الـجنة، وقرأ: { وَلَنِعْمَ دَارُ الـمُتَّقِـينَ }قال: هذا كله الـجنة، وقال: أخـلصناهم بخير الآخرة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: خالصة عُقْبَى الدار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن سالـم الأفطس، عن سعيد بن جُبَـير {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} قال: عُقبى الدار.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصة أهل الدار. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن ابن أبـي زائدة، عن ابن جُرَيج، قال: ثنـي ابن أبـي نـجيح، أنه سمع مـجاهداً يقول: {بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} هم أهل الدار وذو الدار، كقولك: ذو الكلاع، وذو يَزَن.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من البصريـين يتأوّل ذلك علـى القراءة بـالتنوين {بِخالِصَةٍ} عمل فـي ذكر الآخرة.

وأولـى الأقوال بـالصواب فـي ذلك علـى قراءة من قرأه بـالتنوين أن يقال: معناه: إنا أخـلصناهُمْ بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة، فعملوا لها فـي الدنـيا، فأطاعوا الله وراقبوه وقد يدخـل فـي وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضاً الدعاء إلـى الله وإلـى الدار الآخرة، لأن ذلك من طاعة الله، والعمل للدار الآخرة، غير أن معنى الكلـمة ما ذَكَرْت. وأما علـى قراءة من قرأه بـالإضافة، فأن يقال: معناه: إنا أخـلصناهم بخالصة ما ذكر فـي الدار الآخرة فلـمَّا لـم تُذْكر «فـي» أضيفت الذكرى إلـى الدار كما قد بـيَّنا قبل فـي معنى قوله:

{ لا يَسْأَمُ الإنْسانُ مِنْ دُعاءِ الـخَيْرِ }}، وقوله: { بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلـى نِعاجِهِ }}. وقوله: { وإنَّهُمْ عِنْدَنا لَـمِنَ الـمُصْطَفَـينَ الأخيْارِ }يقول: وإن هؤلاء الذين ذكرنا عندنا لـمن الذين اصطفـيناهم لذكرى الآخرة الأخيار، الذين اخترناهم لطاعتنا ورسالتنا إلـى خـلقنا.

وَٱذْكُرْ إِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلْأَخْيَارِ ۝٤٨ هَٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍ ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد إسماعيـل والـيسع وذا الكِفل، وما أبلْوا فـي طاعة الله، فتأسَّ بهم، واسلك منهاجَهم فـي الصبر علـى ما نالك فـي الله، والنفـاذ لبلاغ رسالته. وقد بـيَّنا قبل من أخبـار إسماعيـل والـيسع وذا الكفل فـيـما مضى من كتابنا هذا ما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. والكِفْل فـي كلامِ العرب: الـحظّ والـجَدّ.

وقوله: {هَذَا ذِكْرٌ} يقول تعالـى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه إلـيك يا مـحمد ذكر لك ولقومك، ذكرناك وإياهم به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {هَذَا ذِكْرٌ} قال: القرآن.

وقوله: {وَإنَّ للْـمُتَّقِـينَ لَـحُسْنَ مآبٍ} يقول: وإن للـمتقـين الذين اتَّقَوْا الله فخافوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، لـحسنَ مَرْجع يرجعون إلـيه فـي الآخرة، ومَصِير يصيرون إلـيه. ثم أخبر تعالـى ذكره عن ذلك الذي وعده من حُسن الـمآب ما هو، فقال:

{ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّـحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ }}.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {وَإنَّ للْـمُتَّقِـينَ لَـحُسْنَ مآبٍ} قال: لـحسن منقلب.

جَنَّٰتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلْأَبْوَٰبُ ۝٥٠ مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ۝٥١

قوله تعالـى ذكره: {جَنَّاتِ عَدْنٍ}: بـيان عن حسن الـمآب، وترجمة عنه، ومعناه: بساتـينُ إقامة. وقد بـيَّنا معنى ذلك بشواهده، وذكرنا ما فـيه من الاختلاف فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقد:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {جَنَّاتِ عَدْنٍ} قال: سأل عمر كعبـاً ما عَدَن؟ قال: يا أمير الـمؤمنـين، قصور فـي الـجنة من ذهب يسكنها النبـيون والصدّيقون والشهداء وأئمةُ العدل.

وقوله: {مُفَتَّـحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ} يعنـي: مفتـحة لهم أبوابها وأدخـلت الألف واللام فـي الأبواب بدلاً من الإضافة، كما قـيـل:

{ فإنَّ الـجَنَّةَ هِيَ الـمَأْوَى }بـمعنى: هي مَأْواه وكما قال الشاعر:

ما وَلَدْتكُمْ حَيَّةُ ابْنَةُ مالِكٍسِفـاحاً وَما كانَتْ أحادِيثَ كاذِبِ وَلَكِنْ نَرَى أقْدَامَنا فِـي نِعالِكُمْوآنُفَنا بـينَ اللِّـحَى والـحَوَاجِبِ

بـمعنى: بـين الـحاكم وحواجبكم ولو كانت الأبواب جاءت بـالنصب لـم يكن لـحناً، وكان نصبه علـى توجيه الـمفتـحة فـي اللفظ إلـى جنات، وإن كان فـي الـمعنى للأبواب، وكان كقول الشاعر:

وَما قَوْمي بثعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍوَلا بِفَزَارَةَ الشِّعْرَ الرّقابـا

ثم نوّنت مفتـحة، ونصبت الأبواب.

فإن قال لنا قائل: وما فـي قوله: {مُفَتَّـحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ} من فـائدة خبر حتـى ذكر ذلك؟ قـيـل: فإن الفـائدة فـي ذلك إخبـار الله تعالـى عنها أن أبوابها تفتـح لهم بغير فتـح سكانها إياها، بـمعاناة بـيدٍ ولا جارحة، ولكن بـالأمر فـيـما ذُكر.

كما حدثنا أحمد بن الولـيد الرملـي، قال: ثنا ابن نفـيـل، قال: ثنا ابن دعيج، عن الـحسن، فـي قوله: {مُفَتَّـحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ} قال: أبواب تكلـم، فتكلـم: انفتـحي، انغلقـي.

وقوله: {مُتَّكِئِينَ فِـيها يَدْعُونَ فِـيها بِفـاكِهَةٍ كَثِـيرَةٍ وَشَراب} يقول: متكئين فـي جنات عدن، علـى سُرر يدعون فـيها بفـاكهة، يعنـي بثمار من ثمار الـجنة كثـيرة، وشراب من شرابها.

وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ ۝٥٢ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ۝٥٣ إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ۝٥٤

يقول تعالـى ذكره: عند هؤلاء الـمتقـين الذين أكرمهم الله بـما وصف فـي هذه الآية من إسكانهم جنات عدن {قاصِراتُ الطَّرْفِ} يعنـي: نساء قصرت أطرافهنّ علـى أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم، ولا يـمددن أعينهن إلـى سواهم.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَعِنْدَهُمْ قاصِرَاتُ الطَّرْفِ} قال: قصرن طرفهنّ علـى أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {قاصِرات الطَّرْفِ} قال: قصَرن أبصارهنّ وقلوبهنّ وأسماعهنّ علـى أزواجهنّ، فلا يردن غيرهم.

وقوله: {أتْرَابٌ} يعنـي: أسنان واحدة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل علـى اختلاف بـين أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {قاصِرَاتٌ الطَّرْفِ أتْرابٌ} قال: أمثال.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أتْرَابٌ} سن واحدة.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {أتْرَابٌ} قال: مستويات. قال: وقال بعضهم: متواخيات لا يتبـاغضن، ولا يتعادين، ولا يتغايرن، ولا يتـحاسدن.

وقوله: {هَذَا ما تُوعَدُون لِـيوْمِ الـحِسابِ} يقول تعالـى ذكره: هذا الذي يعدكم الله فـي الدنـيا أيها الـمؤمنون به من الكرامة لـمن أدخـله الله الـجنة منكم فـي الآخرة، كما:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {هَذَا ما تُوعَدُونَ لِـيَوْم الـحِسابِ} قال: هو فـي الدنـيا لـيوم القـيامة.

وقوله: {إنَّ هَذَا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفـادٍ} يقول تعالـى ذكره: إن هذا الذي أعطينا هؤلاء الـمتقـين فـي جنَّات عدن من الفـاكهة الكثـيرة والشراب، والقاصرات الطرف، ومكنَّاهم فـيها من الوصول إلـى اللذَّات وما اشتهته فـيها أنفسهم لرزقنا، رزقناهم فـيها كرامة منا لهم {ما لَهُ مِنْ نَفـادٍ} يقول: لـيس له عنهم انقطاع ولا له فناء، وذلك أنهم كلـما أخذوا ثمرة من ثمار شجرة من أشجارها، فأكلوها، عادت مكانها أخرى مثلها، فذلك لهم دائم أبداً، لا ينقطع انقطاع ما كان أهل الدنـيا أوتوه فـي الدنـيا، فـانقطع بـالفناء، ونَفِد بـالإنفـاد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {إنَّ هَذَا لَرزْقُنا مالَهُ مِنْ نَفـادٍ} قال: رزق الـجنة، كلـما أُخذ منه شيء عاد مثله مكانه، ورزق الدنـيا له نفـاد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما لَهُ مِنْ نَفـادٍ}: أي ما له انقطاع.

هَٰذَا وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٍ ۝٥٥ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝٥٦ هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ۝٥٧ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِۦٓ أَزْوَٰجٌ ۝٥٨ هَٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا۟ ٱلنَّارِ ۝٥٩ قَالُوا۟ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ۝٦٠

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {هَذَا}: الذي وصفت لهؤلاء الـمتقـين: ثم استأنف جلّ وعزّ الـخبر عن الكافرين به الذين طَغَوا علـيه وبَغَوا، فقال: {وإنَّ للطَّاغِينَ} وهم الذين تـمّردوا علـى ربهم، فعَصَوا أمره مع إحسانه إلـيهم {لَشَرَّ مآبٍ} يقول: لشرّ مرجع ومصير يصيرون إلـيه فـي الآخرة بعد خروجهم من الدنـيا، كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {وَإنَّ للطَّاغِينَ لَشرَّ مآبٍ} قال: لشرَّ مُنْقَلَبٍ.

ثم بـين تعالـى ذكره: ما ذلك الذي إلـيه ينقلبون ويصيرون فـي الآخرة، فقال: {جَهَنَّـمَ يَصْلَوْنَها} فترجم عن جهنـم بقوله: {لَشَرَّ مآبٍ} ومعنى الكلام: إن للكافرين لشرَّ مَصِير يصيرون إلـيه يوم القـيامة، لأن مصيرهم إلـى جهنـم، وإلـيها منقلبهم بعد وفـاتهم {فَبِئْسَ الـمِهادُ} يقول تعالـى ذكره: فبئس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم جهنـم.

وقوله: {هَذَا فَلْـيَذُوقُوهُ حَمِيـمٌ وَغَسَّاقٌ} يقول تعالـى ذكره: هذا حميـم، وهو الذي قد أُغلـي حتـى انتهى حرّه، وغساق فلـيذوقوه فـالـحميـم مرفوع بهذا، وقوله: {فَلْـيَذُوقُوهُ} معناه التأخير، لأن معنى الكلام ما ذكرت، وهو: هذا حميـم وغسَّاق فلـيذوقوه. وقد يتـجه إلـى أن يكون هذا مكتفـياً بقوله فلـيذوقوه ثم يُبْتدأ فـيقال: حميـمٌ وغَسَّاق، بـمعنى: منه حميـم ومنه غَسَّاق كما قال الشاعر:

حتـى إذا ما أضَاءَ الصُّبْحُ فـي غَلَسٍوَغُودِرَ البقْلُ مَلْويٌّ وَمَـحْصُودُ

وإذا وُجِّه إلـى هذا الـمعنى جاز فـي هذا النصب والرفع. النصب: علـى أن يُضْمر قبلها لها ناصب، كم قال الشاعر:

زِيادَتَنا نُعْمانُ لا تَـحْرِمَنَّناتَقِ اللّهَ فِـينا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو

والرفع بـالهاء فـي قوله: {فَلْـيَذُوقُوهُ} كما يقال: اللـيـلَ فبـادروه، واللـيـلُ فبـادروه.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {هَذَا فَلْـيَذوقُوهُ حَمِيـمٌ وَغَسَّاقٌ} قال: الـحميـم: الذي قد انتهى حَرُّه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الـحميـم دموع أعينهم، تـجمع فـي حياض النار فـيسقونه.

وقوله: {وَغَسَّاقٌ} اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والبصرة وبعض الكوفـيـين والشام بـالتـخفـيف: «وَغَسَاقٌ» وقالوا: هو اسم موضوع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: {وَغَسَّاقٌ} مشدّدة، ووجهوه إلـى أنه صفة من قولهم: غَسَقَ يَغْسِقُ غُسُوقاً: إذا سال، وقالوا: إنـما معناه: أنهم يُسْقَون الـحميـم، وما يسيـل من صديدهم.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما علـماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وإن كان التشديد فـي السِّين أتـمّ عندنا فـي ذلك، لأن الـمعروف ذلك فـي الكلام، وإن كان الآخر غير مدفوعة صحته.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: هو ما يَسيـل من جلودهم من الصديد والدم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {هَذَا فَلْـيَذُوقُوهُ حَمِيـمٌ وَغَسَّاقٌ} قال: كنا نـحدِّث أن الغَسَّاق: ما يسيـل من بـين جلده ولـحمه.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: {الغسَّاق}: الذي يسيـل من أعينهم من دموعهم، يُسْقونه مع الـحميـم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: الغسَّاق: ما يسيـل من سُرْمهم، وما يسقط من جلودهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد {الغسَّاق}: الصديد الذي يجمع من جلودهم مـما تصهَرهم النار فـي حياض يجتـمع فـيها فـيُسقونه.

حدثنـي يحيى بن عثمان بن صالـح السهميّ، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنا ابن لَهيعة، قال: ثنـي أبو قبـيـل أنه سمع أبـا هبـيرة الزيادي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: أيّ شيء الغسَّاق؟ قالوا: الله أعلـم، فقال عبد الله بن عمرو: هو القَـيْح الغلـيظ، لو أن قطرة منه تُهرَاق فـي الـمغرب لأنتنت أهل الـمشرق، ولو تُهَراق فـي الـمشرق لأنتنت أهل الـمغرب.

قال يحيى بن عثمان، قال أبـي: ثنا ابن لَهِيعة مرّة أخرى، فقال: ثنا أبو قبـيـل، عن عبد الله بن هبـيرة، ولـم يذكر لنا أبـا هبـيرة.

حدثنا ابن عوف، قال: ثنا أبو الـمغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا أبو يحيى عطية الكلاعيّ، أن كعبـاً كان يقول: هل تدرون ما غَسَّاق؟ قالوا: لا والله، قال: عين فـي جهنـم يسيـل إلـيها حُمَةُ كلِّ ذات حُمَةٍ من حية أو عقرب أو غيرها، فـيستنقع فـيؤتـي بـالآدمي، فـيغْمَس فـيها غمسة واحدة، فـيخرج وقد سقط جلده ولـحمه عن العظام. حتـى يتعلَّق جلده فـي كعبـيه وعقبـيه، وينـجَرّ لـحمه كجرّ الرجل ثوبه.

وقال آخرون: هو البـارد الذي لا يُستطاع من برده. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن يحيى بن أبـي زائدة، عن ابن جُرَيج، عن مـجاهد {وغسَّاق} قال: بـارد لا يُسْتطاع، أو قال: برد لا يُسْتطاع.

حدثنـي علـيّ بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك {هَذَا فَلْـيَذُوقُوهُ حَمِيـمٌ وغَسَّاقٌ} قال: يقال: الغسَّاق: أبرد البرد، ويقول آخرون: لا بل هو أنتن النَتْن.

وقال آخرون: بل هو الـمُنْتِن. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـمسيب، عن إبراهيـم النكري، عن صالـح بن حيان، عن أبـيه، عن عبد الله بن بُرَيدة، قال: الغسَّاق: الـمنتن، وهو بـالطُّخارية.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي عمرو بن الـحارث، عن درّاج، عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد الـخُدريّ، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

لَوْ أنَّ دَلْوا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَراقُ فِـي الدُّنـيْا لأَنُتَنَ أهْلَ الدُّنْـيا».

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب قول من قال: هو ما يسيـل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الْغُسُوق، وإن كان للآخر وجه صحيح.

وقوله: {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والكوفة {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} علـى التوحيد، بـمعنى: هذا حميـم وغساق فلـيذوقوه، وعذاب آخر من نـحو الـحميـم ألوان وأنواع، كما يقال: لك عذاب من فلان: ضروب وأنواع وقد يحتـمل أن يكون مراداً بـالأزواج الـخبر عن الـحميـم والغسَّاق، وآخر من شكله، وذلك ثلاثة، فقـيـل أزواج، يراد أن ينعت بـالأزواج تلك الأشياء الثلاثة. وقرأ ذلك بعضُ الـمكيـين وبعض البصريـين: «وأُخَرُ» علـى الـجماع، وكأن من قرأ ذلك كذلك كان عنده لا يصلـح أن يكون الأزواج وهي جمع نعتاً لواحد، فلذلك جمع أخَر، لتكون الأزواج نَعْتاً لها والعرب لا تـمنع أن ينعَت الاسم إذا كان فعلاً بـالكثـير والقلـيـل والاثنـين كما بـيَّنا، فتقول: عذاب فلان أنواع، ونوعان مختلفـان.

وأعجب القراءتـين إلـيّ أن أقرأ بها: {وآخَرُ} علـى التوحيد، وإن كانت الأخرى صحيحة لاستفـاضة القراءة بها فـي قرّاء الأمصار وإنـما اخترنا التوحيد لأنه أصحّ مخرجاً فـي العربـية، وأنه فـي التفسير بـمعنى التوحيد. وقـيـل إنه الزَّمهرير. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} قال الزمهرير.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ، عن مرة، عن عبد الله، بـمثله.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا معاوية، عن سفـيان، عن السديّ، عمن أخبره عن عبد الله بـمثله، إلا أنه قال: عذاب الزمهرير.

حدثنا مـحمد قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، عن مرّة الهمدانـي، عن عبد الله بن مسعود، قال: هو الزمهرير.

حُدثت عن يحيى بن أبـي زائدة، عن مبـارك بن فضالة، عن الـحسن، قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل والأغلال، وما يكون فـي الدنـيا، ثم قال: {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} قال: وآخر لـم ير فـي الدنـيا.

وأما قوله: {مِنْ شَكْلِهِ} فإن معناه: من ضربه، ونـحوه يقول الرجل للرجل: ما أنت من شكلـي، بـمعنى: ما أنت من ضربـي بفتـح الشين. وأما الشِّكْل فإنه من الـمرأة ما عَلَّقَتْ مـما تتـحسن به، وهو الدَّلُّ أيضاً منها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} يقول: من نـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} من نـحوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} قال: من كلّ شَكْلِ ذلك العذاب الذي سمّى الله، أزواج لـم يسمها الله، قال: والشَّكل: الشبـيه.

وقوله: {أزْوَاجٌ} يعنـي: ألوان وأنواع. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، فـي قوله: {وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ} قال: ألوان من العذاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أزْوَاجٌ} زوج زوج من العذاب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أزْوَاجٌ} قال: أزواج من العذاب فـي النار.

وقوله: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَـحِمٌ مَعَكُمْ} يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {هَذَا فَوْجٌ} هذا فرقة وجماعة مقتـحمة معكم أيها الطاغون النار، وذلك دخول أمة من الأمـم الكافرة بعد أمة {لا مرحبـاً بهم}، وهذا خبر من الله عن قـيـل الطاغين الذين كانوا قد دخـلوا النار قبل هذا الفوج الـمقتـحِم للفوج الـمقتـحَم فـيها علـيهم، لا مرحبـاً بهم، ولكن الكلام اتصل فصار كأنه قول واحد، كما قـيـل:

{ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ }فـاتصل قول فرعون بقول مَلئه، وهذا كما قال تعالـى ذكره مخبراً عن أهل النار: { كُلَّـما دَخَـلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها }}.

ويعنـي بقولهم: {لا مَرْحَبـاً بِهِمْ} لا اتَّسعت بهم مداخـلُهم، كما قال أبو الأسود:

لا مَرْحَبٌ وَاديكَ غيرُ مُضَيَّقِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَـحِمٌ مَعَكُمْ} فـي النار {لا مَرْحَبـاً بِهِمْ إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ قالُوا بَلْ أنْتُـمْ لا مَرْحَبـاً بِكُمْ}... حتـى بلغ: {فَبِئْسَ القَرَارُ} قال: هؤلاء التبَّـاع يقولون للرؤوس.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {هَذَا فَوْجٌ مُقْتَـحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبـاً بِهِمْ} قال: الفوج: القوم الذين يدخـلون فوجاً بعد فوج، وقرأ:

{ كُلَّـما دَخَـلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها }التـي كانت قبلها. وقوله: {إنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ} يقول: إنهم واردو النار وداخـلوها. {قالُوا بَلْ أنْتُـمْ لا مَرْحَبـاً بِكُمْ} يقول: قال الفوج الواردون جهنـم علـى الطاغين الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم لهم: بل أنتـم أيها القوم لا مرحبـاً بكم: أي لا اتسعت بكم أما كنكم، {أنْتُـمْ قَدَّمْتُـمُوهُ لَنا} يعنون: أنتـم قدمتـم لنا سُكنى هذا الـمكان، وصلَّـي النار بإضلالكم إيانا، ودعائكم لنا إلـى الكفر بـالله، وتكذيب رُسله، حتـى ضللنا بـاتبـاعكم، فـاستوجبنا سكنى جهنـم الـيوم، فذلك تقديـمهم لهم ما قدموا فـي الدنـيا من عذاب الله لهم فـي الآخرة {فَبِئْسَ القَرارُ} يقول: فبئس الـمكان يُسْتَقرّ فـيه جهنـم.

قَالُوا۟ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِى ٱلنَّارِ ۝٦١

وهذا أيضاً قول الفوج الـمقتـحم علـى الطاغين، وهم كانوا أتبـاع الطاغين فـي الدنـيا، يقول جلّ ثناؤه: وقال الأتبـاع: {رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هَذَا} يعنون: من قدّم لهم فـي الدنـيا بدعائهم إلـى العمل الذي يوجب لهم النار التـي ورودها، وسُكنى الـمنزل الذي سكنوه منها. ويعنون بقولهم {هَذَا}: العذاب الذي وردناه {فَزِدْهُ عَذَابـاً ضِعْفـاً فـي النَّارِ} يقولون: فأضعف له العذاب فـي النار علـى العذاب الذي هو فـيه فـيها، وهذا أيضاً من دعاء الأتبـاع للـمتبوعين.

وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ ۝٦٢ أَتَّخَذْنَٰهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلْأَبْصَٰرُ ۝٦٣ إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ ۝٦٤

يقول تعالـى ذكره: قال الطاغون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم فـي هذه الآيات، وهم فـيـما ذُكر أبو جهل والولـيد بن الـمُغيرة وذووهما: {ما لَنا لا نَرَى رِجالاً} يقول: ما بـالنا لا نرى معنا فـي النار رجالاً {كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ} يقول: كنا نعدّهم فـي الدنـيا من أشرارنا، وعنوا بذلك فـيـما ذُكر صُهَيْبـاً وخَبَّـابـاً وبِلالاً وسَلْـمان. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن لـيث، عن مـجاهد، فـي قوله: ما لَنا لا نَرَى {رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ} قال: ذاك أبو جهل بن هشام والولـيد بن الـمغيرة، وذكر أناساً صُهيبـاً وَعمَّاراً وخبَّـابـاً، كنَّا نعدّهم من الأشرار فـي الدنـيا.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت لـيثاً يذكر عن مـجاهد فـي قوله: وَقالُوا {ما لَنا لا نَرَى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرارِ} قال: قالوا: أي سَلْـمان؟ أين خَبَّـاب؟ أين بِلال؟.

وقوله:{أتَّـخَذْناهُمْ سِخْرِياًّ} اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والشام وبعض قرّاء الكوفة: {أتَّـخَذْناهُمْ} بفتـح الألف من أتـخذناهم، وقطعها علـى وجه الاستفهام، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة، وبعض قرّاء مكة بوصل الألف من الأشرار: «اتَّـخَذْناهُمْ». وقد بـيَّنا فـيـما مضى قبلُ، أن كلّ استفهام كان بـمعنى التعجب والتوبـيخ، فإن العرب تستفهم فـيه أحياناً، وتُـخرجه علـى وجه الـخبر أحياناً.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأه بـالوصل علـى غير وجه الاستفهام، لتقدّم الاستفهام قبلَ ذلك فـي قوله: {ما لَنا لا نَرَى رِجالاً كُنَّا} فـيصير قوله: «اتَّـخَذْناهُمْ» بـالـخبر أولـى وإن كان للاستفهام وجه مفهوم لـما وصفتُ قبلُ من أنه بـمعنى التعجب.

وإذ كان الصواب من القراءة فـي ذلك ما اخترنا لـما وصفنا، فمعنى الكلام: وقال الطاغون: ما لنا لا نرى سَلْـمان وبِلالاً وخَبَّـابـاً الذين كنَّا نعدّهم فـي الدنـيا أشراراً، اتـخذناهم فـيها سُخرياً نهزأ بهم فـيها معنا الـيوم فـي النار؟.

وكان بعض أهل العلـم بـالعربـية من أهل البصرة يقول: من كسر السين من السِّخْرِي، فإنه يريد به الهُزء، يريد يسخر به، ومن ضمها فإنه يجعله من السُّخْرَة، يستسخِرونهم: يستذِلُّونهم، أزاغت عنهم أبصارنا وهم معنا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد {أتَّـخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ} يقول: أهم فـي النار لا نعرف مكانهم؟.

وحُدثت عن الـمـحاربـيّ، عن جَوَيبر، عن الضحاك {وَقالُوا ما لَنا لا نَرىَ رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ} قال: هم قوم كانوا يسخَرون من مـحمد وأصحابه، فـانطُلِق به وبأصحابه إلـى الـجنة وذُهِبَ بهم إلـى النار فـ {قالُوا ما لَنا لا نَرَى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرارِ أَتَّـخَذْناهُمْ سِخْريًّا أمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأبْصارُ} يقولون: أزاغت أبصارنا عنهم فلا ندري أين هم؟.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {أَتَّـخَذْناهُمْ سِخْريًّا} قال: أخطأناهم {أمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأبْصَارُ} ولا نراهم؟.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقالُوا ما لَنا لا نَرَى رجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ} قال: فقدوا أهل الـجنة {أَتَّـخَذْناهُمْ سِخْريًّا} فـي الدنـيا {أمْ زَاغَت عَنْهُمُ الأَبْصَارُ} وهم معناه فـي النار.

وقوله: {إنَّ ذلكَ لَـحَقّ} يقول تعالـى ذكره: إن هذا الذي أخبرتكم أيها الناس من الـخبر عن تراجع أهل النار، ولعْن بعضهم بعضاً، ودعاء بعضهم علـى بعض فـي النار لـحقّ يقـين، فلا تشكُّوا فـي ذلك، ولكن استـيقنوه تـخاصم أهل النار. وقوله: {تَـخاصُمُ} ردّ علـى قوله: {لَـحَقٌّ}. ومعنى الكلام: إن تـخاصم أهل النار الذي أخبرتكم به لـحقّ.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يوجه معنى قوله: {أمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأبْصَارُ} إلـى: بل زاغت عنهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّ ذلكَ لَـحَقٌّ تـخاصُمُ أهْلِ النَّارِ} فقرأ:

{ تاللّهِ إنْ كُنَّا لَفِـي ضَلالٍ مُبِـينٍ إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبّ العالَـمِينَ }}، وقرأ: { { يَوْمَ نَـحْشُرُهُمْ جَمِيعاً }}... حتـى بلغ: { إنْ كُنَّا عَنْ عِبـادَتِكُمْ لَغافِلِـينَ }قال: إن كنتـم تعبدوننا كما تقولون إن كنا عن عبـادتكم لغافلـين، ما كنا نسمع ولا نبصر، قال: وهذه الأصنام، قال: هذه خصومة أهل النار، وقرأ: { وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ }قال: وضلّ عنهم يوم القـيامة ما كانوا يفترون فـي الدنـيا.

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٦٥ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّٰرُ ۝٦٦

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لـمشركي قومك: {إنَّـمَا أنا مُنْذِرٌ} لكم يا معشر قريش بـين يدي عذاب شديد، أنذركم عذاب الله وسخطه أن يحلّ بكم علـى كفركم به، فـاحذروه وبـادروا حلوله بكم بـالتوبة {وَما مِنْ إلَهٍ إلاَّ اللّهُ الوَاحِدُ القهَّارُ} يقول: وما من معبود تصلـح له العبـادة، وتنبغي له الربوبـية، إلا الله الذي يدين له كلّ شيء، ويعبدهُ كلّ خـلق، الواحد الذي لا ينبغي أن يكون له فـي ملكه شريك، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، القهار لكلّ ما دونه بقدرته، ربّ السموات والأرض، يقول: مالك السموات والأرض وما بـينهما من الـخـلق يقول: فهذا الذي هذه صفته، هو الإله الذي لا إله سواه، لا الذي لا يـملك شيئاً، ولا يضرّ، ولا ينفع. وقوله: {العَزِيرُ الغَفَّـارُ} يقول: العزيز فـي نقمته من أهل الكفر به، الـمدّعين معه إلها غيره، الغفَّـار لذنوب من تاب منهم ومن غيرهم من كفره ومعاصيه، فأناب إلـى الإيـمان به، والطاعة له بـالانتهاء إلـى أمره ونهيه.

قُلْ هُوَ نَبَؤٌا۟ عَظِيمٌ ۝٦٧ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ۝٦٨ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍۭ بِٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰٓ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝٦٩ إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٧٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا مـحمد لقومك الـمكذّبـيك فـيـما جئتهم به من عند الله من هذا القرآن، القائلـين لك فـيه: إن هذا إلا اختلاق {هُوَ نَبأٌ عَظِيـمٌ} يقول: هذا القرآن خبر عظيـم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل الأسدي، قال: ثنا أبُو أُسامة، عن شبل بن عبـاد، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {قُلْ هُوَ نَبأٌ عَظِيـمٌ أنْتُـمْ مُعْرِضُونَ} قال: القرآن.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن شريح، أن رجلاً قال له: أتقضي علـيّ بـالنبأ؟ قال: فقال له شريح: أوَ لَـيْس القرآن نبأ؟ قال: وتلا هذه الآية: {قُلْ هُوَ نَبأٌ عَظِيـمٌ} قال: وقَضَى علـيه.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {قُلْ هُو نَبأٌ عَظِيـمٌ أنْتُـمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} قال: القرآن. وقوله: {أنْتُـمْ عَنهُ مُعْرِضُونَ} يقول: أنتـم عنه منصرفون لا تعملون به، ولا تصدّقون بـما فـيه من حجج الله وآياته.

وقوله: {ما كانَ لِـيَ مِنْ عِلْـمٍ بـالـمَلإِ الأَعْلَـى} يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قومك: {ما كان لِـيَ من علـم بـالـملأ الأعلـى إذّ يَخْتَصِمُونَ} فـي شأن آدم من قبل أن يوحي إلـيَّ ربّـي فـيعلـمنـي ذلك، يقول: ففـي إخبـاري لكم عن ذلك دلـيـل واضح علـى أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيـل من عنده، لأنكم تعلـمون أن علـم ذلك لـم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن، ولا هو مـما شاهدته فعاينته، ولكنـي علـمت ذلك بإخبـار الله إياي به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ما كانَ لِـيَ مِنْ عِلْـمٍ بـالـمَلإٍ الأَعْلَـى إذْ يَخْتَصِمُونَ} قال: الـملأ الأعلـى: الـملائكة حين شووروا فـي خـلق آدم، فـاختصموا فـيه، وقالوا: لا تـجعل فـي الأرض خـلـيفة.

حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {بـالـمَلإِ الأَعْلَـى إذْ يَخْتَصِمَونَ} هو:

{ إذْ قالَ رَبُّكَ للْـمَلائِكَةِ إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَة }}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما كانَ لِـيَ مِنْ عِلْـمٍ بـالـمَلإِ الأعْلـى} قال: هم الـملائكة، كانت خصومتهم فـي شأن آدم حين قال ربك للـملائكة:

{ إنّـي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ }}... حتـى بلغ { ساجِدينَ }}، وحين قال: { إنّـي جاعِلٌ فِـي الأرْضِ خَـلِـيفَةً }}... حتـى بلغ { وَيَسْفِكَ الدّماءَ }}، ففـي هذا اختصم الـملأ الأعلـى.

وقوله: {إنْ يُوحَى إلـيَّ إلاَّ أنَّـمَا أنا نَذِيرٌ مُبِـينٌ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لـمشركي قريش: ما يوحي الله إلـيّ علـم ما لا علـم لـي به، من نـحو العلـم بـالـملأ الأعلـى واختصامهم فـي أمر آدم إذا أراد خَـلقه، إلا لأنـي إنـما أنا نذير مبـين «فإنـما» علـى هذا التأويـل فـي موضع خفض علـى قول من كان يرى أن مثل هذا الـحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض، فسواءٌ إسقاط خافضه منه وإثبـاته. وإما علـى قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الـخافض، فإنه علـى مذهبه نصب، وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقد يتـجه لهذا الكلام وجه آخر، وهو أن يكون معناه: ما يوحي الله إلـى إنذاركم. وإذا وجه الكلام إلـى هذا الـمعنى، كانت «أنـما» فـي موضع رفع، لأن الكلام يصير حينئذٍ بـمعنى: ما يوحَى إلـيَّ إلا الإنذار.

قوله:{ إلا أنـما أنا نَذِيرٌ مُبِـينٌ} يقول: إلا أنـي نذير لكم مُبِـين لكم إنذاره إياكم. وقـيـل: إلا أنـما أنا، ولـم يقل: إلا أنـما أنك، والـخبر من مـحمد عن الله، لأن الوحْي قول، فصار فـي معنى الـحكاية، كما يقال فـي الكلام: أخبرونـي أنـي مسيء، وأخبرونـي أنك مسيء بـمعنى واحد، كما قال الشاعر:

رَجُلانِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَاناأنَّا رأيْنا رَجُلاً عُرْيانا

بـمعنى: أخبرانا أنهما رأيا، وجاز ذلك لأن الـخبر أصله حكاية.

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ ۝٧١ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ۝٧٢ فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝٧٣ إِلَّآ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٧٤

وقوله: {إذْ قالَ رَبُّكَ} من صلة قوله:

{ إذْ يَخْتَصِمُونَ }}، وتأويـل الكلام: ما كان لـي من علـم بـالـملأ الأعلـى إذ يختصمون حين قال ربك يا مـحمد{ للْـمَلائِكَةِ إنّـي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ} يعنـي بذلك خـلق آدم.

وقوله: {فإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِـيهِ مِنْ رُوحي} يقول تعالـى ذكره: فإذا سوّيت خـلقه، وعَدَّلْت صورته، ونفخت فـيه من روحي، قـيـل: عنى بذلك: ونفخت فـيه من قُدرتـي. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـمسيب بن شريك، عن أبـي روق، عن الضحاك {وَنَفَخْتُ فِـيهِ مِنْ رُوحي} قال: من قدرتـي.

{فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ} يقول: فـاسجدوا له وخِرّوا له سُجَّداً. وقوله: {فَسَجدَ الـمَلاِئكَةُ كُلُّهُمْ أجمَعُونَ} يقول تعالـى ذكره: فلـما سوّى الله خـلق ذلك البشر، وهو آدم، ونفخ فـيه من روحه، سجد له الـملائكة كلهم أجمعون، يعنـي بذلك: الـملائكة الذين هم فـي السموات والأرض {إلاّ إبْلِـيسَ اسْتَكْبَرَ} يقول: غير إبلـيس، فإنه لـم يسجد، استكبر عن السجود له تعظماً وتكبراً {وكانَ مِنَ الكافِرِينَ} يقول: وكان بتعظُّمه ذلك، وتكبره علـى ربه ومعصيته أمره، مـمن كفر فـي علـم الله السابق، فجحد ربوبـيته، وأنكر ما علـيه الإقرار له به من الإذعان بـالطاعة، كما:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: قال أبو بكر فـي: {إلاَّ إبْلِـيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ} قال: قال ابن عبـاس: كان فـي علـم الله من الكافرين.

قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ ۝٧٥ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: {قالَ} الله لإبلـيس، إذ لـم يسجد لآدم، وخالف أمره: {يا إبْلِـيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ} يقول: أيّ شيء منعك من السجود {لِـما خَـلَقْتُ بِـيَدَيَّ} يقول: لـخـلق يديَّ يخبر تعالـى ذكره بذلك أنه خـلق آدم بـيديه، كما:

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنـي عبـيد الـمكتب، قال: سمعت مـجاهداً يحدّث عن ابن عمر، قال: خـلق الله أربعة بـيده: العرش، وعَدْن، والقلـم، وآدم، ثم قال لكلّ شي كن فكان.

وقوله: {أسْتَكْبَرْتَ} يقول لإبلـيس: تعظَّمت عن السجود لآدم، فتركَت السجود له استكبـاراً علـيه، ولـم تكن من الـمتكبرين العالـين قبل ذلك {أمْ كُنْتَ مِنَ العالِـينَ} يقول: أم كنت كذلك من قبل ذا علوّ وتكُّبر علـى ربك {قالَ أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَـلَقْتَنِـي مِنْ نارٍ} يقول جلّ ثناؤه: قال إبلـيس لربه: فعلت ذلك فلـم أسجد للذي أمرتنـي بـالسجود له لأنـي خير منه وكنت خيرا لأنك خـلقتنـي من نار وخـلقته من طين، والنار تأكل الطين وتُـحرقه، فـالنار خير منه، يقول: لـم أفعل ذلك استكبـاراً علـيك، ولا لأنـي كنت من العالـين، ولكنـي فعلته من أجل أنـي أشرف منه وهذا تقريع من الله للـمشركين الذين كفروا بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وأبَوا الانقـياد له، واتبـاع ما جاءهم به من عند الله استكبـاراً عن أن يكونوا تبعاً لرجل منهم حين قالُوا:

{ أأُنْزِلَ عَلَـيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَـيْنِنا وهَلْ هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ }فقصّ علـيهم تعالـى ذكره قصة إبلـيس وإهلاكه بـاستكبـاره عن السجود لآدم بدعواه أنه خير منه، من أجل أنه خـلق من نار، وخـلق آدم من طين، حتـى صار شيطاناً رجيـماً، وحقت علـيه من الله لعنته، مـحذّرهم بذلك أن يستـحقوا بـاستكبـارهم علـى مـحمد، وتكذيبهم إياه فـيـما جاءهم به من عند الله حسداً، وتعظماً من اللعن والسخط ما استـحقه إبلـيس بتكبره عن السجود لآدم.

قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝٧٧ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٧٨ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره لإبلـيس: {فـاخْرُجْ مِنْها} يعنـي من الـجنة {فإنَّكَ رَجِيـمٌ} يقول: فإنك مرجوم بـالقوم، مشتوم ملعون، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فـاخْرُجْ مِنْها فإنَّكَ رَجِيـمٌ} قال: والرجيـم: اللعين.

حُدثت عن الـمـحاربـيّ، عن جُوَيبر، عن الضحاك بـمثله.

وقوله: {وَإنَّ عَلَـيْكَ لَعْنَتِـي} يقول: وإن لك طردي من الـجنة {إلـى يَوْمِ الدّينِ} يعنـي: إلـى يوم مـجازاة العبـاد ومـحاسبتهم {قال رَبّ فأنْظِرْنِـي إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} يقول تعالـى ذكره: قال إبلـيس لربه: ربّ فإذ لعنتنـي، وأخرجتنـي من جنتك {فأنْظِرْنِـي} يقول: فأخِّرنـي فـي الأجل، ولا تهلكنـي {إلـى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} يقول: إلـى يوم تَبْعَثُ خـلقك من قبورهم.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ