انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الفتح

تفسير الطبريالآيات 1–16

تفسير سورة الفتح آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الفتح

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 28:15

  1. 1 الآيات 1–17في هذه الصفحة 14:53
  2. 2 الآيات 18–29 13:22

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ۝١ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا ۝٢ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ۝٣

يعني بقوله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} يقول: إنا حكمنا لك يا محمد حكماً لمن سمعه أو بلغه على من خالفك وناصبك من كفار قومك، وقضينا لك عليهم بالنصر والظفر، لتشكر ربك، وتحمده على نعمته بقضائه لك عليهم، وفتحه ما فتح لك، ولتسبحه وتستغفره، فيغفر لك بفعالك ذلك ربك، ما تقدّم من ذنبك قبل فتحه لك ما فتح، وما تأخَّر بعد فتحه لك ذلك ما شكرته واستغفرته.

وإنما اخترنا هذا القول فـي تأويـل هذه الآية لدلالة قول الله عزّ وجلّ

{ إذَا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْح، ورأيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْوَاجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوَّاباً } على صحته، إذ أمره تعالى ذكره أن يسبح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنه توّاب على من فعل ذلك، ففي ذلك بيان واضح أن قوله تعالى ذكره:{ لَيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ } إنما هو خبر من الله جلّ ثناؤه نبيه عليه الصلاة والسلام عن جزائه له على شكره له، على النعمة التي أنعم بها عليه من إظهاره له ما فتح، لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها.

وبعد ففي صحة الخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم حتى ترِم قدماه، فقيل له: يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:

أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً؟، الدلالة الواضحة على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيح من القول، وأن الله تبارك وتعالى، إنما وعد نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم غفران ذنوبه المتقدمة، فتح ما فتح عليه، وبعده على شكره له، على نعمه التي أنعمها عليه. وكذلك كان يقول صلى الله عليه وسلم: إنّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وأتُوبُ إلَيْهِ فِي كُلّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ ولو كان القول في ذلك أنه من خبر الله تعالى نبيه أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر على غير الوجه الذي ذكرنا، لم يكن لأمره إياه بالاستغفار بعد هذه الآية، ولا لاستغفار نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ربه جلّ جلاله من ذنوبه بعدها معنى يعقل، إذ الاستغفار معناه: طلب العبد من ربه عزّ وجلّ غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوب تغفر لم يكن لمسألته إياه غفرانها معنى، لأنه من المحال أن يقال: اللهمّ اغفر لي ذنباً لم أعمله. وقد تأوّل ذلك بعضهم بمعنى: ليغفر لك ما تقدّم من ذنبك قبل الرسالة، وما تأخر إلى الوقت الذي قال:{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ}. وأما الفتح الذي وعد الله جلّ ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم هذه العدة على شكره إياه عليه، فإنه فيما ذُكر الهدنة التي جرت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش بالحديبية.

وذُكر أن هذه السورة أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفة عن الحديبية بعد الهدنة التي جرَت بينه وبين قومه. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله:{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: {إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} قال: قضينا لك قضاءً مبينا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} والفتح: القضاء.

ذكر الرواية عمن قال: هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ذكرت:

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر { إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} قال: الحديبية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} قال: نحرُه بالحديبية وحَلْقُه.

حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا أبو بحر، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا جامع بن شدّاد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لما أقبلنا من الحُديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم، قال: فقلنا أيقظوه، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

افْعَلُوا كمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، فكذلك من نام أو نسي قال: وفقدنا ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدناها قد تعلَّق خطامها بشجرة، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه اشتدّ عليه فلما سري عنه أخبرنا أنه أُنزل عليه:{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً}.

حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: لما رجعنا من غزوة الحديبية، وقد حيل بيننا وبين نسكنا، قال: فنحن بين الحزن والكآبة، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ:{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ، وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، ويَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}، أو كما شاء الله، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:

لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعاً

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، في قوله: {إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} قال: نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن، فقال:

لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعاً، فَقَرأ{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ...} إلى قوله:{ عَزِيزاً} فقال أصحابه هنيئاً لك يا رسول الله قد بين الله لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله هذه الآية بعدها { لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارَ خالِدِينَ فِيها... } إلى قوله: { وكانَ ذلكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً }

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أنس، قال: أُنزلت هذه الآية، فذكر نحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بنحوه، غير أنه قال في حديثه: فَقال رجل من القوم: هنيئاً لك مريئاً يا رسول الله، وقال أيضاً: فبين الله ماذا يفعل بنبيه عليه الصلاة والسلام، وماذا يفعل بهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: «نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ} مرجعه من الحديبية، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

لَقَدْ نَزَلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِمَّا عَلى الأرْضِ، ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبيّ الله، قد بين الله تعالى ذكره لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: { لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ... } إلى قوله: { فَوْزاً عَظِيماً }»

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، قال: لما نزلت هذه الآية {إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} قالوا: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ فنزلت

{ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ خالِدِينَ فِيها، وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ }

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس في هذه الآية{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} قال: الحديبية.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: ما كنا نعدّ فتح مكة إلا يوم الحديبية.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: تكلم سهل بن حنيف يوم صفِّين، فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم، لقد رأيتنا يوم الحديبية، يعني الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حقّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال:

بَلى »، قال: ففيم نُعطَى الدنية في ديننا، ونرجع ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا بْنَ الخَطَّابِ، إنّي رَسُولُ الله، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي أبَداً، قال: فرجع وهو متغيظ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألسنا على حقّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال: ففيم نعطَى الدنية في ديننا، ونرجع ولمَّا يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال: يا بن الخطاب إنه رسول الله، لن يضيعه الله أبداً، قال: فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فأقرأه إياها، فقال: يا رسول الله، أوَ فَتْح هو؟ قال:نَعَمْ ».

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر، قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدّون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحا، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة مِئة، والحديبية: بئر.

حدثني موسى بن سهل الرملي، ثنا محمد بن عيسى، قال: ثنا مُجَمع بن يعقوب الأنصاريّ، قال: سمعت أبي يحدّث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمِّع بن جارية الأنصاريّ، وكان أحد القرّاء الذين قرأوا القرآن، قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرفنا عنها، إذا الناس يهزّون الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما للناس، قالوا: أُوحِي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لَيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} فقال رجل: أوَ فتحٌ هو يا رسول الله؟ قال:

نَعَمْ»، «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَفَتْحٌ »، قال: فقُسِّمَت خيبر على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، وكان الجيش ألفا وخمس مئة، فيهم ثلاث مئة فارس، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهماً، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ، قال: نزلت {إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً} بالحديبية، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصبه في غزوة، أصاب أن بُويع بيعة الرضوان، وغُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس، وبلغ الهَدْىُ مَحِله، وأُطعموا نخل خيبر، وفرح المؤمنون بتصديق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبظهور الروم على فارس.

وقوله تعالى:{ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بإظهاره إياك على عدوّك، ورفعه ذكرك في الدنيا، وغفرانه ذنوبك في الآخرة {ويَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} يقول: ويرشدك طريقاً من الدين لا اعوجاج فيه، يستقيم بك إلى رضا ربك {وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} يقول: وينصرك على سائر أعدائك، ومن ناوأك نصراً، لا يغلبه غالب، ولا يدفعه دافع، للبأس الذي يؤيدك الله به، وبالظفر الذي يمدّك به.

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِيمَٰنًا مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝٤

يعني جلّ ذكره بقوله:{ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ} الله أنزل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين بالله ورسوله إلى الإيمان، والحقّ الذي بعثك الله به يا محمد. وقد مضى ذكر اختلاف أهل التأويل في معنى السكينة قبل، والصحيح من القول في ذلك بالشواهد المغنية، عن إعادتها في هذا الموضع.

{لِيَزْدَادُوا إيماناً مَعَ إيمانِهِمْ} يقول: ليزدادوا بتصديقهم بما جدّد الله من الفرائض التي ألزمهموها، التي لم تكن لهم لازمة {إيماناً مع إيمانهم}، يقول: ليزدادوا إلى أيمانهم بالفرائض التي كانت لهم لازمة قبل ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله:{ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ } قال: السكينة: الرحمة { لِيَزْدَادُوا إيمَاناً مَعَ إيمانِهِمْ } قال: إن الله جلّ ثناؤه بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدّقوا بها زادهم الصلاة، فلما صدّقوا بها زادهم الصيام، فلما صدّقوا به زادهم الزكاة، فلما صدّقوا بها زادهم الحجّ، ثم أكمل لهم دينهم، فقال

{ اليَوْمَ أكمَلْتُ لَكُمْ ديَنَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } قال ابن عباس: فأوثق إيمان أهل الأرض وأهل السموات وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله.

وقوله: {ولِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } يقول تعالى ذكره: ولله جنود السموات والأرض أنصار ينتقم بهم ممن يشاء من أعدائه {وكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} يقول تعالى ذكره: ولم يزل الله ذا علم بما هو كائن قبل كونه، وما خلقه عاملوه، حكيما في تدبيره.

لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ۝٥

يقول تعالى ذكره: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، لتشكر ربك، وتحمده على ذلك، فيغفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، وليحمد ربهم المؤمنون بالله، ويشكروه على إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم من الفتح الذي فتحه، وقضاه بينهم وبين أعدائهم من المشركين، بإظهاره إياهم عليهم، فيدخلهم بذلك جنات تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها إلى غير نهاية وليكفر عنهم سيىء أعمالهم بالحسنات التي يعملونها شكراً منهم لربهم على ما قضى لهم، وأنعم عليهم به { وكانَ ذلكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً} يقول تعالى ذكره: وكان ما وعدهم الله به من هذه العدة، وذلك إدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وتكفيره سيئاتهم بحسنات أعمالهم التي يعملونها عند الله لهم {فَوْزاً عَظِيماً} يقول: ظفراً منهم بما كانوا تأمَّلوه ويسعون له، ونجاة مما كانوا يحذرونه من عذاب الله عظيما. وقد تقدّم ذكر الرواية أن هذه الآية نزلت لما قال المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تلا عليهم قول الله عزّ وجلّ

{ إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأخَّرَ } هذا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟ تبييناً من الله لهم ما هو فاعل بهم.

حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله:{ لِيُدخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ...} إلى قوله:

{ وَيُكَفِّرَ عَنُهُمْ سَيِّئاتِهِمْ } فأعلم الله سبحانه نبيه عليه الصلاة والسلام.

وقوله: {لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ }على اللام من قوله:

{ لِيَغْفَرِ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ }بتأويل تكرير الكلام { إنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ }، إنا فتحنا لك ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، ولذلك لم تدخل الواو التي تدخل في الكلام للعطف، فلم يقل: وليدخل المؤمنين.

وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ۝٦ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ۝٧

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله، وليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار، وليعذّب المنافقين والمنافقات، بفتح الله لك يا محمد، ما فتح لك من نصرك على مشركي قريش، فيكبتوا لذلك ويحزنوا، ويخيب رجاؤهم الذي كانوا يرجون من رؤيتهم في أهل الإيمان بك من الضعف والوهن والتولي عنك في عاجل الدنيا، وصليّ النار والخلود فيها في آجل الآخرة{ وَالمُشْرِكِينَ وَالمُشْرِكاتِ} يقول: وليعذّب كذلك أيضاً المشركين والمشركات { الظَّانِّينَ باللَّهِ } أنه لن ينصرك، وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع، يقول تعالى ذكره: على المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الذين ظنوا هذا الظنّ دائرة السوء، يعني دائرة العذاب تدور عليهم به.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة { دائِرَةُ السَّوْءِ} بفتح السين. وقرأ بعض قرّاء البصرة «دائِرَةُ السُّوءِ» بضم السين. وكان الفرّاء يقول: الفتح أفشى في السين قال: وقلما تقول العرب دائرة السُّوء بضم السين، والفتح في السين أعجب إليّ من الضم، لأن العرب تقول: هو رجل سَوْء، بفتح السين ولا تقول: هو رجل سُوء.

وقوله: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهمْ } يقول: ونالهم الله بغضب منه، ولعنهم: يقول: وأبعدهم فأقصاهم من رحمته{ وأعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ } يقول: وأعدّ لهم جهنم يصلونها يوم القيامة { وَساءَتْ مَصِيراً} يقول: وساءت جهنم منزلاً يصير إليه هؤلاء المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات.

وقوله:{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } يقول جلّ ثناؤه: ولله جنود السموات والأرض أنصاراً على أعدائه، إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم، وسارعوا إلى ذلك بالطاعة منهم له {وكانَ اللَّهُ عَزيزاً حَكِيماً} يقول تعالى ذكره: ولم يزل الله ذا عزّة، لا يغلبه غالب، ولا يمتنع عليه مما أراده به ممتنع، لعظم سلطانه وقدرته، حكيم في تدبيره خلقه.

إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝٨ لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝٩

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {إنَّا أرْسَلْناكَ} يا محمد {شاهِداً} على أمتك بما أجابوك فيما دعوَتهم إليه، مما أرسلتك به إليهم من الرسالة، {ومُبَشِّراً} لهم بالجنة إن أجابوك إلى ما دعوتهم إليه من الدين القيِّم، ونذيرا لهم عذاب الله إن هم تولَّوْا عما جئتهم به من عند ربك.

ثم اختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ لِتُؤْمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهِ } فقرأ جميع ذلك عامة قرّاء الأمصار خلا أبي جعفر المدني وأبي عمرو بن العلاء، بالتاء {لِتُؤْمِنُوا، وتُعَزّرُوهُ، وَتُوَقِّرُوهُ، وَتُسَبِّحُوهُ} بمعنى: لتؤمنوا بالله ورسوله أنتم أيها الناس. وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرو كله بالياء «لِيُؤْمِنُوا، ويُعَزّرُوهُ، ويُوَقِّرُوهُ، ويُسَبِّحُوهُ» بمعنى: إنا أرسلناك شاهداً إلى الخلق ليؤمنوا بالله ورسوله ويعزّروه.

والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { إنَّا أرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} يقول: شاهداً على أمته على أنه قد بلغهم ومبشراً بالجنة لمن أطاع الله، ونذيراً من النار.

وقوله:{ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: تجلّوه، وتعظموه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس« وَيُعَزِّرُوهُ» يعني: الإجلال «وَيُوَقِّرُوهُ» يعني: التعظيم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:« وَيُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ» كل هذا تعظيم وإجلال.

وقال آخرون: معنى قوله:« وَيُعَزِّرُوهُ»: وينصروه، ومعنى «وَيُوَقِّرُوهُ» ويفخموه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة « وَيُعَزِّرُوهُ»: ينصروه «وَيُوَقِّرُوهُ» أمر الله بتسويده وتفخيمه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَيُعَزِّرُوهُ} قال: ينصروه، ويوقروه: أي ليعظموه.

حدثني أبو هريرة الضُّبَعيّ، قال: ثنا حرميّ، عن شعبة، عن أبي بشر، جعفر بن أبي وحشية، عن عكرِمة «وَيُعَزِّرُوهُ» قال: يقاتلون معه بالسيف.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني هشيم، عن أبي بشر، عن عكرِمة، مثله.

حدثني أحمد بن الوليد، قال: ثنا عثمان بن عمر، عن سعيد، عن أبي بشر، عن عكرِمة، بنحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى ومحمد بن جعفر، قالا: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عكرِمة، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ويعظموه. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: «وَيُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوهُ» قال: الطاعة لله.

وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها. ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنُّصرة والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال.

وقد بيَّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

فأما التوقير: فهو التعظيم والإجلال والتفخيم.

وقوله: {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً } يقول: وتصلوا له يعني لله بالغدوات والعشيات. والهاء في قوله:{ وَتُسَبِّحُوهُ} من ذكر الله وحده دون الرسول. وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات: «وَيُسَبِّحُوا اللَّهَ بُكْرَةً وأصِيلاً». وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة «وَيُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً» في بعض القراءة «ويسبِّحوا الله بكرة وأصيلاً».

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في بعض الحروف «وَيُسَبِّحُوا اللَّهَ بُكْرَةً وَأصِيلاً».

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: «وَيُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلاً» يقول: يسبحون الله رجع إلى نفسه.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ۝١٠

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ} بالحديبية من أصحابك على أن لا يفرّوا عند لقاء العدوّ، ولا يولُّوهم الأدبار {إنَّمَا يُبايِعُونَ اللَّهَ } يقول: إنما يبايعون ببيعتهم إياك الله، لأن الله ضمن لهم الجنة بوفائهم له بذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله:{ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ} قال: يوم الحديبية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّمَا يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فإنَّمَا يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ } وهم الذين بايعوا يوم الحديبية.

وفي قوله:{ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ} وجهان من التأويل: أحدهما: يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه صلى الله عليه وسلم والآخر: قوّة الله فوق قوّتهم في نُصرة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنهم إنما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نُصرته على العدوّ.

وقوله: {فَمَنْ نَكَثَ فإنَّمَا يَنْكُثُ على نَفْسِهِ} يقول تعالى ذكره: فمن نكث بيعته إياك يا محمد، ونقضها فلم ينصرك على أعدائك، وخالف ما وعد ربه { فإنَّمَا يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ} يقول: فإنما ينقض بيعته، لأنه بفعله ذلك يخرج ممن وعده الله الجنة بوفائه بالبيعة، فلم يضرّ بنكثه غير نفسه، ولم ينكث إلا عليها، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تبارك وتعالى ناصره على أعدائه، نكث الناكث منهم، أو وفى ببيعته.

وقوله:{ وَمَنْ أوْفَى بِمَا عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ... } الآية، يقول تعالى ذكره: ومن أوفى بما عاهد الله عليه من الصبر عند لقاء العدوّ في سبيل الله ونُصرة نبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه {فَسَيُؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً} يقول: فسيعطيه الله ثواباً عظيماً، وذلك أن يُدخله الجنة جزاءً له على وفائه بما عاهد عليه الله، ووثق لرسوله على الصبر معه عند البأس بالمؤكدة من الأيمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فَسَيؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً} وهي الجنة.

سَيَقُولُ لَكَ ٱلْمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَٰلُنَا وَأَهْلُونَا فَٱسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًۢا بَلْ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۢا ۝١١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: سيقول لك يا محمد الذين خلفهم الله في أهليهم عن صحبتك، والخروج معك في سفرك الذي سافرت، ومسيرك الذي سرت إلى مكة معتمراً، زائرًا بيت الله الحرام إذا انصرفت إليهم، فعاتبتهم على التخلف عنك، شغلتنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وإصلاح معايشنا وأهلونا، فاستغفر لنا ربنا لتخلُّفنا عنك، قال الله جلّ ثناؤه مكذّبهم في قيلهم ذلك: يقول هؤلاء الأعراب المخلَّفون عنك بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وذلك مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار لهم، يقول: يسألونه بغير توبة منهم ولا ندم على ما سلف منهم من معصية الله في تخلفهم عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسير معه { قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} يقول تعالى ذكره لنبيه: قل لهؤلاء الأعراب الذين يسألونك أن تستغفر لهم لتخلفهم عنك: إن أنا استغفرت لكم أيها القوم، ثم أراد الله هلاككم أو هلاك أموالكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعاً بتثميره أموالكم وإصلاحه لكم أهليكم، فمن ذا الذي يقدر على دفع ما أراد الله بكم من خير أو شرّ، والله لا يعازّه أحد، ولا يغالبه غالب.

وقوله:{ بلَ كانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيراً} يقول تعالى ذكره: ما الأمر كما يظنّ هؤلاء المنافقون من الأعراب أن الله لا يعلم ما هم عليها منطوون من النفاق، بل لم يزل الله بما يعملون من خير وشرّ خبيراً، لا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه، سرّها وعلانيتها، وهو محصيها عليهم حتى يجازيهم بها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذُكر عنه حين أراد المسير إلى مكة عام الحُديبية معتمراً استنفر العرب ومن حول مدينته من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه حذراً من قومه قريش أن يعرضوا له الحرب، أو يصدّوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم بالعمرة، وساق معه الهدى، ليعلم الناس أنه لا يريد حرباً، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وتخلَّفوا خلافه فهم الذين عَنَى الله تبارك وتعالى بقوله:{ سَيَقُول لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنا أمْوَالُنا وأهْلُونا... } الآية.

وكالذي قلنا في ذلك قال أهل العلم بسِيَر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه، منهم ابن إسحاق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق بذلك.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَاب شَغَلَتْنا أمْوَالُنا وأهْلُونا} قال: أعراب المدينة: جهينة ومزينة، استتبعهم لخروجه إلى مكة، قالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاؤوه، فقتلوا أصحابه فنقاتلهم فاعتلوا بالشغل.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ إنْ أرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} فقرأته قرّاء المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة {ضَرّاً} بفتح الضاد، بمعنى: الضرّ الذي هو خلاف النفع. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين «ضُرّاً» بضم الضاد، بمعنى البؤس والسَّقم.

وأعجب القراءتين إليّ الفتح في الضاد في هذا الموضع بقوله:{ أوْ أرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}، فمعلوم أن خلاف النفع الضرّ، وإن كانت الأخرى صحيحاً معناها.

بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًۢا بُورًا ۝١٢

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الأعراب المعتذرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرَفه من سفره إليهم بقولهم: {شَغَلَتْنا أمْوَالُنا وأهْلُونا} ما تخلفتم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شخص عنكم، وقعدتم عن صحبته من أجل شغلكم بأموالكم وأهليكم، بل تخلفتم بعده في منازلكم، ظناً منكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه سيهلكون، فلا يرجعون إليكم أبداً باستئصال العدوّ إياهم وزيِّن ذلك في قلوبكم، وحسَّن الشيطان ذلك في قلوبكم، وصححه عندكم حتى حسُن عندكم التخلف عنه، فقعدتم عن صحبته {وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ} يقول: وظننتم أن الله لن ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين على أعدائهم، وأن العدوّ سيقهرونهم ويغلبونهم فيقتلونهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

{ سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ... }إلى قوله: {وكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} قال: ظنوا بنبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيهلكون، فذلك الذي خلفهم عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: {وكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} يقول: وكنتم قوماً هَلْكى لا يصلحون لشيء من الخير. وقيل: إن البور في لغة أذرعات: الفاسد فأما عند العرب فإنه لا شيء. ومنه قول أبي الدرداء: فأصبح ما جمعوا بُوراً أي ذاهباً قد صار باطلاً لا شيء منه ومنه قول حسَّان بن ثابت:

لا يَنْفَعُ الطُّولُ مِن نُوك القُلوب وقدْ يَهْدِي الإلَهُ سَبِيلَ المَعْشَرِ البُورِ

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} قال: فاسدين.

وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} قال: البور الذي ليس فيه من الخير شيء.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ وكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً} قال: هالكين.

وَمَن لَّمْ يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ سَعِيرًا ۝١٣ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ۝١٤

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين من الأعراب، ومن لم يؤمن أيها الأعراب بالله ورسوله منكم ومن غيركم، فيصدّقه على ما أخبر به، ويقرّ بما جاء به من الحقّ من عند ربه، فإنا أعددنا لهم جميعاً سعيراً من النار تستعر عليهم في جهنم إذا وردوها يوم القيامة يقال من ذلك: سعرت النار: إذا أوقدتها، فأنا أسعرها سعراً ويقال: سعرتها أيضا إذا حرّكتها. وإنما قيل للمِسْعر مِسْعر، لأنه يحرّك به النار، ومنه قولهم: إنه لمِسْعر حرب: يراد به موقدها ومهيجها.

وقوله:{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ } يقول تعالى ذكره: ولله سلطان السموات والأرض، فلا أحد يقدر أيها المنافقون على دفعه عما أراد بكم من تعذيب على نفاقكم إن أصررتم عليه أو منعه من عفوه عنكم إن عفا، إن أنتم تبتم من نفاقكم وكفركم، وهذا من الله جلّ ثناؤه حثّ لهؤلاء الأعراب المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على التوبة والمراجعة إلى أمر الله في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول لهم: بادروا بالتوبة من تخلفكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله يغفر للتائبين {وكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} يقول: ولم يزل الله ذا عفو عن عقوبة التائبين إليه من ذنوبهم ومعاصيهم من عباده، وذا رحمة بهم أن يعاقبهم على ذنوبهم بعد توبتهم منها.

سَيَقُولُ ٱلْمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَٰمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا۟ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝١٥

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرت معتمراً تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن صحبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة {لِتَأخُذُوها} وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر { ذَرُوَنا نَتَّبِعْكُم} إلى خيبر، فنشهد معكم قتال أهلها { يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ} يقول: يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضاً من غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئاً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: رجع، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، فوعده الله مغانم كثيرة، فعجلت له خيبر، فقال المخلَّفون { ذَرُونا نَتَّبِعْكُم يُرِيُدونَ أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } وهي المغانم ليأخذوها، التي قال الله جلّ ثناؤه:{ إذَا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتأْخُذُوها} وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن رجل من أصحابه، عن مقسم قال: لما وعدهم الله أن يفتح عليهم خيبر، وكان الله قد وعدها من شهد الحديبية لم يعط أحداً غيرهم منها شيئاً، فلما علم المنافقون أنها الغنيمة قالوا:{ ذَرُونا نَتَّبِعْكُم يُرِيُدونَ أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } يقول: ما وعدهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذَا انْطَلَقْتُمْ.... } الآية، وهم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية. ذُكر لنا أن المشركين لما صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية عن المسجد الحرام والهدي، قال المقداد: يا نبيّ الله، إنا والله لا نقول كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم:

{ اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنَّا هاهُنا قاعِدُونَ } ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فلما سمع ذلك أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم تبايعوا على ما قال فلما رأى ذلك نبيّ الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً، ورجع من عامه ذلك.

وقال آخرون: بل عنى بقوله:{ يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } إرادتهم الخروج مع نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في غزوه، وقد قال الله تبارك وتعالى{ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً}. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذَا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ...} الآية، قال الله له عزّ وجلّ حين رجع من غزوه،

{ فَاسْتَأذنَوُكَ للُخُرُوجِ فقل لَنْ تَخْرُجُوا مَعيَ أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّاً... }الآية يريدون أن يبدّلوا كلام الله: أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ويخرجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيه صلى الله عليه وسلم.

وهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له، لأن قول الله عزّ وجلّ

{ فاسْتأْذَنُوكَ للْخُرُوج فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَداً ولَنْ تُقاتِلُوا مَعيَ عَدُوّاً } إنما نزَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنْصَرَفَه من تَبوك، وعُنِي به الذين تخلَّفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضاً، فكيف يجوز أن يكون الأمر على ما وصفنا معنياً بقول الله:{ يُرِيُدونَ أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ شخص معتمراً يريد البيت، فصدّه المشركون عن البيت، الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أُوحِيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: { فاسْتأْذَنُوكَ للْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعي أبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً }

فإذ كان ذلك كذلك، فالصواب من القول في ذلك: ما قاله مجاهد وقتادة على ما قد بيَّنا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ يُرِيُدونَ أن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة، وبعض قرّاء الكوفة { كَلاَمَ الله } على وجه المصدر، بإثبات الألف. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة «كَلِمَ اللَّهِ» بغير ألف، بمعنى جمع كلمة، وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وإن كنتُ إلى قراءته بالألف أَمْيل.

وقوله:{ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المخلفين عن المسير معك يا محمد: لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا السير إليهم لقتالهم { كَذَلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبلُ } يقول: هكذا قال الله لنا من قبل مَرْجِعنا إليكم، إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تَتَّبعونا إلى خيبر، لأن غنيمتها لغيركم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كَذَلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } أي إنما جعلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب.

وقوله:{ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا} أن نصيب معكم مغنماً إن نحن شهدنا معكم، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدونَنا } أن نصيب معكم غنائم.

وقوله:{ بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلاَّ قَلِيلاً } يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب من أنكم إنما تمنعونهم من اتباعكم حسداً منكم لهم على أن يصيبوا معكم من العدوّ مغنماً، بل كانوا لا يفقهون عن الله ما لهم وعليهم من أمر الدين إلا قليلاً يسيراً، ولو عقلوا ذلك ما قالوا لرسول الله والمؤمنين به، وقد أخبروهم عن الله تعالى ذكره أنه حرمهم غنائم خيبر، إنما تمنعوننا من صحبتكم إليها لأنكم تحسدوننا.

قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُو۟لِى بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَٰتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا۟ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝١٦

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد {للْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأْعْرَابِ} عن المسير معك، {سَتُدْعَوْنَ إلَى} قتال {قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ} في القتال {شَدِيدٍ}.

واختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخبر الله عزّ وجلّ عنهم أن هؤلاء المخلفين من الأعراب يُدْعَوْن إلى قتالهم، فقال بعضهم: هم أهل فارس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أُولي بأْسٍ شَدِيدٍ أهل فارس.

حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاريّ، قال: أخبرنا داود بن الزبرقان، عن ثابت البُنَانيّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، في قوله: {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: فارس والروم.

قال: أخبرنا داود، عن سعيد، عن الحسن، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن، في قوله: {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: هم فارس والروم.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: هم فارس.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: قال الحسن: دُعُوا إلى فارس والروم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: فارس والروم.

وقال آخرون: هم هَوازن بحُنين. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير وعكرمة، في قوله:{ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: هوازن.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير وعكرِمة في هذه الآية {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ} قال: هوازن وثقيف.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة { أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلِمُونَ} قال: هي هَوازن وغَطَفان يوم حُنين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { قُلْ للْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ} فدُعُوا يوم حُنين إلى هوازن وثقيف فمنهم من أحسن الإجابة ورغب في الجهاد.

وقال آخرون: بل هم بنو حنيفة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال بنو حنيفة مع مُسَيلمة الكذّاب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير وعكرِمة أنهما كانا يزيدان فيه هوازن وبني حنيفة.

وقال آخرون: لم تأت هذه الآية بعد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ} لم تأت هذه الآية.

وقال آخرون: هم الروم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: ثنا الفرج بن محمد الكلاعي، عن كعب، قال: {أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال: الروم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس في القتال، ونجدة في الحروب، ولم يوضع لنا الدليل من خبر ولا عقل على أن المعنيَّ بذلك هوازن، ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم، ولا أعيان بأعيانهم، وجائز أن يكون عنى بذلك بعض هذه الأجناس، وجائز أن يكون عُنِي بهم غيرهم، ولا قول فيه أصحّ من أن يُقال كما قال الله جلّ ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد.

وقوله:{ تُقاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلِمُونَ} يقول تعالى ذكره للمخلَّفين من الأعراب: تقاتلون هؤلاء الذين تُدعون إلى قتالهم، أو يسلمون من غير حرب ولا قتال.

وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءات «تُقاتِلُونَهُمْ أوْ يُسْلمُوا»، وعلى هذه القراءة وإن كانت على خلاف مصاحف أهل الأمصار، وخلافا لما عليه الحجة من القرّاء، وغير جائز عندي القراءة بها لذلك تأويل ذلك: تقاتلونهم أبدا إلا أن يسلموا، أو حتى يسلموا.

وقوله:{ فإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُم اللَّهُ أجْراً حَسَناً} يقول تعالى ذكره فإن تطيعوا الله في إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتال هؤلاء القوم الأولي البأس الشديد، فتجيبوا إلى قتالهم والجهاد مع المؤمنين{ يُؤْتِكُم اللَّهُ أجْراً حَسَناً} يقول: يعطكم الله على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنة، وهي الأجر الحسن {وَإنْ تَتَوَلَّوْا كمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ} يقول: وإن تعصوا ربكم فتدبروا عن طاعته وتخالفوا أمره، فتتركوا قتال الأولي البأس الشديد إذا دُعيتم إلى قتالهم { كمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ} يقول: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، من قبل أن تُدعَوا إلى قتال أولي البأس الشديد { يُعَذّبْكُمُ اللَّهُ عَذَاباً ألِيماً يعني: وجيعاً، وذلك عذاب النار على عصيانكم إياه، وترككم جهادهم وقتالهم مع المؤمنين.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ