انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحشر

تفسير الطبريالآيات 10–24

تفسير سورة الحشر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحشر

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 26:58

  1. 1 الآيات 1–10في هذه الصفحة 14:19
  2. 2 الآيات 11–24في هذه الصفحة 12:39

وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝١٠

يقول تعالى ذكره: والذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين الأوّلين {يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإِخْوَانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بالإيمَان} مِنَ الأنصار. وعنى بالذين جاءوا من بعدهم المهاجرون أنهم يستغفرون لإخوانهم من الأنصار.

وقوله: {وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غَلاّ للَّذِينَ آمَنُوا} يعني غمراً وضغناً. وقيل: عني بالذين جاءوا من بعدهم: الذين أسلموا من بعد الذين تبوّءوا الدار. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {والَّذِينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ} قال: الذين أسلموا نعتوا أيضاً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ثم ذكر الله الطائفة الثالثة، فقال: {والَّذِينَ جاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلإخْوَانِنا} حتى بلغ {إنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ} إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يؤمروا بسببهم.

وذُكر لنا أن غلاماً لحاطب بن أبي بلتعة جاء نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيّ الله ليدخلنَّ حاطب في حيّ النار، قال:

كذبت إنه شهد بدراً والحُديبيةوذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أغلظ لرجل من أهل بدر، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم:وَما يُدْريكَ يا عُمَرُ لَعَلَّهُ قَدْ شَهِدَ مَشْهَداً اطَّلَعَ اللَّهُ فِيهِ إلى أهْلِهِ، فأشْهَدَ مَلائِكَتَهُ إنُي قَدْ رَضِيتُ عَنْ عِبادي هَؤلاء، فَلْيَعْمَلُوا ما شاءُوا فما زال بعضُنا منقبضاً من أهل بدر، هائباً لهم، وكان عمر رضي الله عنه يقول: وإلى أهل بدر تهالك المتهالكون، وهذا الحيّ من الأنصار، أحسن الله عليهم الثناء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: {وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غلاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا} قال: لا تورث قلوبنا غلاً لأحد من أهل دينك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن ابن أبي ليلى، قال: كان الناس على ثلاث منازل: المهاجرون الأوّلون {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحْسانٍ وَالَّذِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوَانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} يقول جلّ ثناؤه مخبراً عن قيل الذين جاءوا من بعد الذين تبوّءوا الدار والإيمان أنهم قالوا: لا تجعل في قلوبنا غلاً لأحد من أهل الإيمان بك يا ربنا.

قوله: {إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} يقول: إنك ذو رأفة بخلقك، وذو رحمة بمن تاب واستغفر من ذنوبه.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝١١

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد، فترى إلى الذين نافقوا وهم فيما ذُكر عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ووديعة، ومالك ابنا نوفل وسُوَيد وداعس بَعَثوا إلى بني النضير حين نزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للحرب أن اثبتُوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم، خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، ويكفّ عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة.

حدثنا بذلك ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان.

وقال مجاهد في ذلك ما:

حدثني به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا} قال: عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، ورفاعة أو رافعة بن تابوت. وقال الحارث: رفاعة بن تابوت، ولم يشكّ فيه، وعبد الله بن نَبْتل، وأوس بن قَيْظِيّ.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قوله {ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا} يعني عبد الله بن أُبيّ ابن سلول وأصحابه، ومن كان منهم على مثل أمرهم.

وقوله: {يَقُولُون لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ} يعني بني النضير، كما:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس {يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ} يعني: بني النضير.

وقوله: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} يقول: لئن أخرجتم من دياركم ومنازلكم، وأُجْليتم عنها لنخرُجَنّ معكم، فنُجلى عن منازلنا وديارنا معكم.

وقوله: {وَلا نُطِيعُ فِيُكُمْ أحَداً أبَداً} يقول: ولا نطيع أحداً سألنا خذلانكم، وترك نصرتكم، ولكنا نكون معكم {وَلَئِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} يقول: وإن قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه لننصرنَّكم معشرَ النضير عليهم.

وقوله: {واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ} يقول: والله يشهد إن هؤلاء المنافقين الذين وعدوا بني النضير النصرة على محمد صلى الله عليه وسلم {لَكَاذِبُونَ} في وعدهم إياهم مَا وَعَدُوهم من ذلك.

لَئِنْ أُخْرِجُوا۟ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا۟ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ۝١٢

يقول تعالى ذكره: لئن أُخرج بنو النضير من ديارهم، فأَجْلوا عنها لا يخرج معهم المنافقون الذين وعدوهم الخروج من ديارهم، ولئن قاتلهم محمد صلى الله عليه وسلم لا ينصرهم المنافقون الذين وعدوهم النصر، ولئن نصر المنافقون بني النضير ليولُّنّ الأدبار منهزمين عن محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه هاربين منهم، قد خذلوهم {ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} يقول: ثم لا ينصر الله بني النضير على محمد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بل يخذلهم.

لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ۝١٣ لَا يُقَٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍۭ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ۝١٤

يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأنتم أيها المؤمنون أشدّ رهبة في صدور اليهود من بني النضير من الله: يقول: هم يرهبونهم أشدّ من رهبتهم من الله {ذَلكَ بأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} يقول تعالى ذكره: هذه الرهبة التي لكم في صدور هؤلاء اليهود التي هي أشد من رهبتهم من الله من أجل أنهم قوم لا يفقهون، قدر عظمة الله، فهم لذلك يستخفُّون بمعاصيه، ولا يرهبون عقابه قدر رهبته منكم.

وقوله: {لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} يقول جلّ ثناؤه: لا يقاتلكم هؤلاء اليهود بني النضير مجتمعين إلا في قرى محصنة بالحصون، لا يبرزون لكم بالبراز، {أوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} يقول: أو من خلف حيطان.

واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة والمدينة {أوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} على الجماع بمعنى الحيطان. وقرأه بعض قرّاء مكة والبصرة: «مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ» على التوحيد بمعنى الحائط.

والصواب من القول عندي في ذلك أنهما قراءاتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله:{ بأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} يقول جلّ ثناؤه: عداوة بعض هؤلاء الكفار من اليهود بعضاً شديدة {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً} يعني المنافقين وأهل الكتاب، يقول: تظنهم مؤتلفين مجتمعة كلمتهم، {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} يقول: وقلوبهم مختلفة لمعاداة بعضهم بعضاً.

وقوله: {ذَلِكَ بأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} يقول جلّ ثناؤه: هذا الذي وصفت لكم من أمر هؤلاء اليهود والمنافقين، وذلك تشتيت أهوائهم، ومعاداة بعضهم بعضاً من أجل أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظّ لهم مما فيه عليهم البخس والنقص. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلكَ بأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} قال: تجد أهل الباطل مختلفة شهادتهم، مختلفة أهواؤهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحقّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} قال: المنافقون يخالف دينهم دين النضير.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} قال: هم المنافقون وأهل الكتاب.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، مثل ذلك.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} قال: المشركون وأهل الكتاب.

وذُكر أنها في قراءة عبد الله: «وَقُلُوبُهُمْ أشَتُّ» بمعنى: أشدّ تشتتاً: أي أشدّ اختلافاً.

كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٥ كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٦

يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء اليهود من بني النضير والمنافقين فيما الله صانع بهم من إحلال عقوبته بهم {كَمَثلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول: كشبههم.

واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بالذين من قبلهم، فقال بعضم: عني بذلك بنو قَيْنُقاع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قوله {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبالَ أمْرِهِمْ وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} يعني بني قَيْنُقاع.

وقال آخرون: عُني بذلك مشركو قريش ببدر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمر، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبالَ أمْرِهِمْ} قال: كفار قريش.

وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: إن الله عزّ وجلّ مثل هؤلاء الكفار من أهل الكتاب مما هو مذيقهم من نكاله بالذين من قبلهم من مكذّبي رسوله صلى الله عليه وسلم، الذين أهلكهم بسخطه، وأمر بني قينقاعٍ ووقعة بدر، كانا قبل جلاء بني النضير، وكلّ أولئك قد ذاقوا وبال أمرهم، ولم يخصص الله عزّ وجلّ منهم بعضاً في تمثيل هؤلاء بهم دون بعض، وكلّ ذائق وبال أمره، فمن قربت مدته منهم قبلهم، فهم ممثلون بهم فيما عُنُوا به من المثل.

وقوله: {ذَاقُو وَبالَ أمْرِهِمْ} يقول: نالهم عقاب الله على كفرهم به.

وقوله: {وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ} يقول: ولهم في الآخرة مع ما نالهم في الدنيا من الخزي عذاب أليم، يعني: موجع.

وقوله: {كَمَثلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قال إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللَّهَ رَبّ العَالمِينَ} يقول تعالى ذكره: مثل هؤلاء المنافقين الذين وعدوا اليهود من النضيرة النضرة، إن قوتلوا، أو الخروج معهم إن أُخرجوا، ومثل النضير في غرورهم إياهم بإخلافهم الوعد، وإسلامهم إياهم عند شدّة حاجتهم إليهم، وإلى نُصرتهم إياهم، كمثل الشيطان الذي غرّ إنْساناً، ووعده على اتباعه وكفره بالله، النصرة عند الحاجة إليه، فكفر بالله واتبعه وأطاعه، فلما احتاج إلى نُصرته أسلمه وتبرأ منه، وقال له: {إني أخاف الله ربّ العالمين} في نُصرتك.

وقد اختلف أهل التأويل في الإنسان الذي قال الله جلّ ثناؤه {إذْ قالَ للإنْسانِ اكْفُرْ} هو إنسان بعينه، أم أريد به المثل لمن فعل الشيطان ذلك به، فقال بعضهم: عُنِي بذلك إنسان بعينه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الله بن نهيك، قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: إن راهباً تعبَّد ستين سنة، وإن الشيطان أرداه فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجنها، ولها إخوة، فقال لإخوتها: عليكم بهذا القسّ فيداويها، فجاءوا بها، قال: فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته، فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك أعييتني، أنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعتُ بك، اسجد لي سجدة، فسجد له فلما سجد له قال: إني بريء منك إني أخاف الله ربّ العالمين فذلك قوله: {كمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ}.

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية {كمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ} قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب، قال: فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان، فقال له اقتلها ثم ادفعها، فإنك رجل مصدّق يسمع كلامك، فقتلها ثم دفنها قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها، ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا وما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا، بل قُصَّها علينا قال: فقصها، فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك قالوا: فما هذا إلا لشيء، فانطلقوا فاستعدَوْا مَلِكَهُم على ذلك الراهب، فأتَوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنا أنجيك مما أوقعتك فيه قال: فسجد له فلما أَتَوا به ملكَهم تبرأ منه، وأُخِذ فقتل.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {كمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكُفُرْ}... إلى

{ { وَذَلكَ جزاءُ الظَّالِمِينَ } } قال عبد الله بن عباس: كان راهب من بني إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يُؤتى من كلّ أرض فيُسئل عن الفقه، وكان عالماً، وإن ثلاثة إخوة كانت لهم أخت حسنة من أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يسافروا، فكبر عليهم أن يخلفوها ضائعة، فجعلوا يأتمرون ما يفعلون بها فقال أحدهم: أدلكم على من تتركونها عنده؟ قالوا: من هو؟ قال: راهب بني إسرائيل، إن ماتت قام عليها. وإن عاشت حفظها حتى ترجعوا إليه فعمدوا إليه فقالوا: إنا نريد السفر، ولا نجد أحداً أوثق في أنفسنا، ولا أحفظ لما وُلِّيَ منك لما جعل عندك، فإن رأيت أن نجعل أختنا عندك فإنها ضائعة شديدة الوجع، فإن ماتت فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى نرجع، فقال: أكفيكم إن شاء الله فانطلقوا فقام عليها فداواها حتى بَرَأت، وعاد إليها حسنها، فاطلع إليها فوجدها متصنعة، فلم يزل به الشيطان يزين له أن يقع عليها حتى وقع عليها، فحملت، ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها قال: إن لم تقتلها افتضحت وعرف شبهك في الولد، فلم يكن لك معذرة، فلم يزل به حتى قتلها، فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟ قال: ماتت فدفنتها، قالوا: قد أحسنت، ثم جعلوا يرون في المنام، ويخبرون أن الراهب هو قتلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا، فعمدوا إلى الشجرة فوجدوها تحتها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه، فقال له الشيطان: أنا زيَّنت لك الزنا وقتلها بعد الزنا، فهل لك أن أنجيك؟ قال: نعم، قال: أفتطيعني؟ قال: نعم قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له ثم قتل، فذلك قوله {كمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ} الآية.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: كان رجل من بني إسرائيل عابداً، وكان ربما داوى المجانين، فكانت امرأة جميلة، فأخذها الجنون، فجيء بها إليه، فتركت عنده، فأعجبته، فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال: إن عُلم بهذا افتضحت، فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت، ولكنه وقع عليها فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها، فقالوا: ما نتهمك، فأخبرنا أين دفنتها، ومن كان معك، فوجدوها حيث دفنها، فأُخذ وسُجن، فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فتخرج منه، فاكفر بالله، فأطاع الشيطان، وكفر بالله، فأُخذ وقتل، فتبرأ الشيطان منه حينئذ. قال: فما أعلم هذه الآية إلا نزلت فيه {كمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إنّي بَرِيءٌ مِنْكَ إنّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ}.

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك الناس كلهم، وقالوا: إنما هذا مثل ضُرِب للنضير في غرور المنافقين إياهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قالَ للإنْسانِ اكْفُرْ} عامَّة الناس.

فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَٰلِدَيْنِ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٧ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٨

يقول تعالى ذكره: فكان عُقبى أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه، فكفر بالله أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبداً {وَذَلكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} يقول: وذلك ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة، وكلُّ كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به أنهم في النار مخلَّدون.

واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: {خالِدَيْنِ فِيها} فقال بعض نحويي البصرة: نصب على الحال، وفي النار خبر قال: ولو كان في الكلام لكان الرفع أجود في «خالدين» قال: وليس قولهم: إذا جئت مرّتين فهو نصب لشيء، إنما فيها توكيد جئت بها أو لم تجىء بها فهو سواء، إلا أن العرب كثيراً ما تجعله حالاً إذا كان فيها للتوكيد وما أشبهه في غير مكان قال:

{ { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أهْلِ الكِتابِ وَالمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها } }. وقال بعض نحويي الكوفة: في قراءة عبد الله بن مسعود: «فَكَانَ عاقِبَتَهُمَا أنَّهُما في النَّارِ خالِدَيْنِ في النَّارِ» قال: وفي أنهما في النار خالدين فيها نصب قال: ولا أشتهي الرفع وإن كان يجوز، فإذا رأيت الفعل بين صفتين قد عادت إحداهما على موضع الأخرى نصبت، فهذا من ذلك قال: ومثله في الكلام قولك: مررت برجل على نابِه متحملاً به ومثله قول الشاعر:

والزَّعْفَرَانُ عَلى تَرائِبهاشَرِقاً بِهِ اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ

لأن الترائب هي اللبات ههنا، فعادت الصفة باسمها الذي وقعت عليه، فإذا اختلفت الصفتان جاز الرفع والنصب على حُسْن، من ذلك قولك: عبد الله في الدار راغب فيك، ألا ترى أن «في» التي في الدار مخالفة لفي التي تكون في الرغبة قال: والحجة ما يُعرف به النصف من الرفع أن لا ترى الصفة الآخرة تتقدم قبل الأولى ألا ترى أنك تقول: هذا أخوك في يده درهم قابضاً عليه، فلو قلت: هذا أخوك قابضاً عليه في يده درهم لم يجز، إلا ترى أنك تقول: هذا رجل قائم إلى زيد في يده درهم، فهذا يدل على أن المنصوب إذا امتنع تقديم الآخر، ويدل على الرفع إذا سهل تقديم الآخر.

وقوله {يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ووحدوه، اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.

وقوله {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ} يقول: ولينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال، أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي توبقه؟. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ}: ما زال ربكم يقرّب الساعة حتى جعلها كغد، وغدٌ يوم القيامة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {ما قَدَّمتْ لِغَدٍ} يعني يوم القيامة.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {ما قَدَّمتْ لِغَد} يعني يوم القيامة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ قول الله عزّ وجلّ {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ} يعني يوم القيامة الخير والشرّ قال: والأمس في الدنيا، وغدٌ في الآخرة، وقرأ:

{ كأنْ لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ } قال: كأن لم تكن في الدنيا.

وقوله: {وَاتَّقُوا الله} يقول: وخافوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه {إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بأعمالكم خيرها وشرّها، لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميعها.

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝١٩

يقول تعالى ذكره: ولا تكونوا كالذين تركوا أداء حقّ الله الذي أوجبه عليهم {فأنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ} يقول: فأنساهم الله حظوظ أنفسهم من الخيرات. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {نَسُوا اللَّهَ فأنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ} قال: نَسُوا حقّ الله، فأنساهم أنفسهم قال: حظّ أنفسهم.

وقوله: {أُولَئكَ هُمُ الفاسقون} يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين نسوا الله، هم الفاسقون، يعني الخارجون من طاعة الله إلى معصيته.

لَا يَسْتَوِىٓ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ۝٢٠

يقول تعالى ذكره: لا يعتدل أهل النار وأهل الجنة، أهل الجنة هم الفائزون، يعني أنهم المُدرِكون ما طلبوا وأرادوا، الناجون مما حذروا.

لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُۥ خَٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ۝٢١

وقوله: {لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَل لرأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ} يقول جلّ ثناؤه: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل، وهو حجر، لرأيته يا محمد خاشعاً يقول: متذللاً، متصدعاً من خشية الله على قساوته، حذراً من أن لا يؤدّي حقّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أنزل على ابن آدم وهو بحقه مستخفٌ، وعنه، عما فيه من العِبَر والذكر، مُعْرض، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وَقْراً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لرأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ}... إلى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} قال: يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله عز وجل الناس إذا نزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال:

{ { كذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَال للنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } }.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَوْ أنْزَلْنا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَل لرأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدّعاً مِن خَشْيَةِ اللَّهِ}... الآية، يعذر الله الجبل الأصمّ، ولم يعذر شقيّ ابن آدم، هل رأيتم أحداً قطّ تصدّعت جوانحه من خشية الله؟.

{وَتِلكَ الأمْثالُ نَضْرُبها للنَّاسِ} يقول تعالى ذكره: وهذه الأشياء نشبهها للناس، وذلك تعريفه جلّ ثناؤه إياهم أن الجبال أشدّ تعظيماً لحقه منهم مع قساوتها وصلابتها.

وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} يقول: يضرب الله لهم هذه الأمثال ليتفكروا فيها، فينيبوا، وينقادوا للحق.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ۝٢٢

يقول تعالى ذكره: الذي يتصدع من خشيته الجبل أيها الناس، هو المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له، عالم غيب السموات والأرض، وشاهد ما فيهما مما يرى ويحسّ {هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} يقول: هو رحمن الدنيا والآخرة، رحيم بأهل الإيمان به.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٢٣

يقول تعالى ذكره: هو المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، الملك الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه، القدّوس، قيل: هو المبارك. وقد بيَّنت فيما مضى قبل معنى التقديس بشواهده، وذكرت اختلاف المختلفين فيه بما أغنى عن إعادته. ذكر من قال: عُنِي به المبارك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {القُدُّوسُ}: أي المبارك.

وقوله: {السلامُ} يقول: هو الذي يسلم خلقه من ظلمه، وهو اسم من أسمائه، كما:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {السَّلامُ}: الله السلام.

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد الله، يعني العَتَكي، عن جابر بن زيد قوله: {السَّلامُ} قال: هو الله.

وقد ذكرت الرواية فيما مضى، وبيَّنت معناه بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته. وقوله: {المؤْمِنُ} يعني بالمؤمن: الذي يؤمن خلقه من ظلمه. وكان قتادة يقول في ذلك ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {المؤْمِنُ} أمن بقوله أنه حقّ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {المؤْمِنُ} أمن بقوله أنه حقّ.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُوَيبر عن الضحاك {المُؤْمِنُ} قال: المصدق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله {المُؤْمِنُ} قال: المؤمن: المصدّق الموقن، آمن الناس بربهم فسماهم مؤمنين، وآمن الربّ الكريم لهم بإيمانهم صدّقهم أن يسمى بذلك الاسم.

وقوله: {المُهَيْمِنُ} اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: المهيمن: الشهيد. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: {المُهَيْمَنُ} قال: الشهيد، وقال مرّة أخرى: الأمين.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {المُهَيْمِنُ} قال: الشهيد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {المُهَيْمِنُ} قال: أنزل الله عزّ وجلّ كتاباً فشهد عليه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {المُهَيْمِنُ} قال: الشهيد عليه.

وقال آخرون: المهيمن: الأمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن جُويبر، عن الضحاك {المُهَيْمِنُ}: الأمين.

وقال آخرون: {المُهَيْمِنُ}: المصدّق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {المُهَيْمِنُ} قال: المصدّق لكلّ ما حدّث، وقرأ:

{ { وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } } قال: فالقرآن مصدّق على ما قبله من الكتب، والله مصدّق في كلّ ما حدّث عما مضى من الدنيا، وما بقي، وما حدّث عن الآخرة.

وقد بيَّنت أولى هذه الأقوال بالصواب فيما مضى قبل في سورة المائدة بالعلل الدالة على صحته، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: {العَزِيزُ}: الشديد في انتقامه ممن انتقم من أعدائه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {العَزِيزُ} أي في نقمته إذا انتقم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {العَزِيزُ} في نقمته إذا انتقم. وقوله: {الجَبَّارُ} يعني: المصلح أمور خلقه، المصرفهم فيما فيه صلاحهم. وكان قتادة يقول: جبر خلقه على ما يشاء من أمره.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {الجَبَّارُ} قال: جَبَرَ خلقه على ما يشاء.

وقوله: {المُتَكَبِّرُ} قيل: عُنِي به أنه تكبر عن كلّ شرّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {المُتَكَبِّرُ} قال: تكبر عن كلّ شر.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أبو رجاء، قال: ثني رجل، عن جابر بن زيد، قال: إن اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع يقول: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عالِمُ الغَيْب والشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوس السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزيزُ الجَبَّارُ المتكبرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول: تنزيهاً لله وتبرئة له عن شرك المشركين به.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: هو المعبود الخالق، الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه، البارىء الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته، المصوّر خلقه كيف شاء، وكيف يشاء.

وقوله: {لَهُ الأسْماءُ الْحُسْنَى} يقول تعالى ذكره: لله الأسماء الحسنى، وهي هذه الأسماء التي سمى الله بها نفسه، التي ذكرها في هاتين الآيتين {يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول: يسبح له جميع ما في السموات والأرض، ويسجد له طوعاً وكرهاً {وَهُوَ العَزِيزُ} يقول: وهو الشديد الانتقام من أعدائه {الْحَكِيمُ} في تدبيره خلقه، وصرفهم فيما فيه صلاحهم.

السبت، 31 أكتوبر 2026 20 جمادى الأولى 1448 هـ