انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحجرات

تفسير الطبريالآيات 1–11

تفسير سورة الحجرات آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحجرات

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 17:02

  1. 1 الآيات 1–13في هذه الصفحة 12:48
  2. 2 الآيات 14–18 4:14

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١

يعني تعالى ذكره بقوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا}: يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله، وبنبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم { لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي اللَّهَ وَرَسُولِهِ} يقول: لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم، قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله، محكيّ عن العرب فلان يقدّم بين يدي إمامه، بمعنى يعجل بالأمر والنهي دونه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت ألفاظهم بالبيان عن معناه ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ لا تُقَدِّموا بينَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ } يقول: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي اللَّهِ ورَسُولِهِ... } الآية قال: نُهُوا أن يتكلموا بين يدي كلامه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قال: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة { يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ } ذُكر لنا أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا لوضع كذا وكذا، قال: فكره الله عزّ وجلّ ذلك، وقدم فيه.

وقال: الحسن: أناس من المسلمين ذبحوا قبل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قال: إن أُناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لو أنزل في كذا، وقال الحسن: هم قوم نحروا قبل أن يصلي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الذبح.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } يعني بذلك في القتال، وكان من أمورهم لا يصلح أن يُقْضَى إلا بأمره ما كان من شرائع دينهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله جلّ ثناؤه:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال: لا تقطعوا الأمر دون الله ورسوله.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدّمُوا بَينَ يَدَي اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قال: لا تقضوا أمراً دون رسول الله، وبضم التاء من قوله:{ لا تُقَدّمُوا} قرأ قرّاء الأمصار، وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وقد حكي عن العرب قدّمت في كذا، وتقدّمت في كذا، فعلى هذه اللغة لو كان قيل: «لا تَقَدَّمُوا» بفتح التاء كان جائزاً.

وقوله:{ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يقول: وخافوا الله أيها الذين آمنوا في قولكم، أن تقولوا ما لم يأذن لكم به الله ولا رسوله، وفي غير ذلك من أموركم، وراقبوه، إن الله سميع لما تقولون، عليم بما تريدون بقولكم إذا قلتم، لا يخفى عليه شيء من ضمائر صدوركم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ۝٢

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله تتجهموه بالكلام، وتغلظون له في الخطاب {وَلا تجْهَرُوا لَهُ بالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} يقول: ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً: يا محمد، يا محمد، يا نبيّ الله، يا نبي الله، يا رسول الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ}، قال لا تنادُوه نداء، ولكن قولاً ليناً يا رسول الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} كانوا يجهرون له بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فوعظهم الله، ونهاهم عن ذلك.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، كانوا يرفعون، ويجهرون عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فوعظوا، ونهوا عن ذلك.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: { لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ...} الآية، هو كقوله:{ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً} نهاهم الله أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضاً وأمرهم أن يشرّفوه ويعظِّموه، ويدعوه إذا دعوه باسم النبوّة.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا أبو ثابت بن ثابت قيس بن الشماس، قال: ثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه، قال: لما نزلت هذه الآية {لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بالقَوْلِ} قال: قعد ثابت في الطريق يبكي، قال: فمرّ به عاصم بن عديّ من بني العَجلان، فقال: ما يُبكيك يا ثابت؟ قال: لهذه الآية، أتخوّف أن تكون نزلت فيّ، وأنا صيِّت رفيع الصوت قال: فمضى عاصم بن عديّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وغلبه البكاء، قال: فأتى امرأته جميلة ابنة عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، فقال لها: إذا دخلتُ بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله، أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره، فقال:

اذْهَبْ فادْعُهُ لي فجاء عاصم إلى المكان، فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: اكسر الضَّبة، قال: فخرجا فأتيا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يُبْكِيكَ يا ثابِتُ؟ فقال: أنا صيِّت، وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ {لا تَرْفَعوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ القَولِ } فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:أما تَرْضَى أنْ تَعِيشَ حَميداً، وتَقْتَلَ شَهيداً، وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فقال: رضيت ببُشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبداً على رسول الله، فأنزل الله { إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ للتَّقْوَى... } الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر بن عطية، قال: جاء ثابت بن قيس بن الشماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال:

يا ثابت ما الذي أرى بك »؟ فقال: آية قرأتها الليلة، فأخشى أن يكون قد حَبِط عملي {يا أيُّها الَّذِين آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ } وكان في أُذنه صمم، فقال: يا نبيّ الله أخشى أن أكون قد رفعت صوتي، وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي، وأنا لا أشعر: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: امْشِ على الأرْضِ نَشِيطاً فإنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عليه، قال: ثنا أيوب، عن عكرِمة، قال: لما نزلت:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ...} الآية، قال ثابت بن قيس: فأنا كنت أرفع صوتي فوق صوت النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأجهر له بالقول، فأنا من أهل النار، فقعد في بيته، فتفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل عنه، فقال رجل: إنه لجاري، ولئن شئت لأعلمنّ لك علمه، فقال:

نعم »، فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفقدك، وسأل عنك، فقال: نزلت هذه الآية {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ...} الآية وأنا كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجهر له بالقول، فأنا من أهل النار، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:بَلْ هُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فلما كان يوم اليمامة انهزم الناس، فقال:أفّ لهؤلاء وما يعبدون، وأفّ لهؤلاء وما يصنعون »، يا معشر الأنصار خلوا لي بشيء لعلي أصلى بحرّها ساعة قال: ورجل قائم على ثلمة، فقتل وقُتِل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزُّهريّ، أن ثابت بن قيس بن شماس، قال: لما نزلت { لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ} قال: يا نبيّ الله، لقد خشيت أن أكون قد هلكت، نهانا الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وإني امرؤ جهير الصوت، ونهى الله المرء أن يحبّ أن يُحمد بما لم يفعل، فأجدني أحبّ أن أُحمد ونهى الله عن الخُيَلاء وأجدني أحبّ الجمال قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا ثابِتُ أما تَرْضَى أنْ تَعيشَ حَمِيداً، وَتُقْتَلَ شَهِيداً، وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فعاش حميداً، وقُتل شهيداً يوم مُسَيلمة.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا نافع بن عمر بن جُميْل الجمحي، قال: ثني أبن أبي مليكة، عن الزبير، قال: «قدم وفد أراه قال تميم، على النبيّ صلى الله عليه وسلم، منهم الأقرع بن حابس، فكلم أبو بكر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يستعمله على قومه، قال: فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله، قال: فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك. قال: ونزل القرآن:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا لا تَرْفَعوا أصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ...} إلى قوله:

{ وأَجْرٌ عَظِيمٌ } قال: فما حدّث عمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فَيُسْمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: وما ذكر ابن الزبير جدّه، يعني أبا بكر.

وقوله: {أنْ تَحْبَطَ أعمالُكُمْ} يقول: أن لا تحبط أعمالكم فتذهب باطلة لا ثواب لكم عليها، ولا جزاء برفعكم أصواتكم فوق صوت نبيكم، وجهركم له بالقول كجهر بعضكم لبعض.

وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك، فقال بعض نحوَّيي الكوفة: معناه: لا تحبط أعمالكم. قال: وفيه الجزم والرفع إذا وضعت «لا» مكان «أن». قال: وهي في قراءة عبد الله «فَتَحْبَطْ أعمالُكُمْ» وهو دليل على جواز الجزم، وقال بعض نحويي البصرة: قال: أن تحبط أعمالكم: أي مخافة أن تحبط أعمالكم وقد يقال: أسند الحائط أن يميل.

وقوله: {وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ } يقول: وأنتم لا تعلمونَ ولا تدورن.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ۝٣

يقول تعالى ذكره: إن الذين يكفون رفع أصواتهم عند رسول الله، وأصل الغضّ: الكفّ في لين. ومنه: غضّ البصر، وهو كفه عن النظر، كما قال جرير:

فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍفَلا كَعْبا بَلَغْتَ وَلا كِلابا

وقوله:{ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ للتَّقْوى} يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، هم الذين اختبر الله قلوبهم بامتحانه إياها، فاصطفاها وأخلصها للتقوى، يعني لاتقائه بأداء طاعته، واجتناب معاصيه، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخلص جيدها، ويبطل خبثها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } قال: أخلص.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله:{ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحبّ.

وقوله:{ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } يقول: لهم من الله عفو عن ذنوبهم السالفة، وصفح منه عنها لهم { وأَجْرٌ عَظِيمٌ} يقول: وثواب جزيل، وهو الجنة.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝٤ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٥

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن الذين ينادونك يا محمد من وراء حجراتكِ، والحجرات: جمع حجرة، والثلاث: حُجَر، ثم تجمع الحجر فيقال: حَجُرات وحُجْرات، وقد تجمع بعض العرب الحجر: حَجَرات بفتح الجيم، وكذلك كلّ جمع كان من ثلاثة إلى عشرة على فُعَلٍ يجمعونه على فعَلات بفتح ثانيه، والرفع أفصح وأجود ومنه قول الشاعر:

أما كانَ عَبَّادٌ كَفِيئا لِدَارِمبَلى، وَلأبْياتٍ بِها الحُجُرَاتُ

يقول: بلى ولبني هاشم.

وقوله:{ وأكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون} يقول: أكثرهم جهال بدين الله، واللازم لهم من حقك وتعظيمك. وذُكر أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في قوم من الأعراب جاؤوا ينادون رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته: يا محمد اخرج إلينا. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا أبو عمار المروزي، والحسن بن الحارث، قالا: ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله:{ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَات} قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إنْ حمدي زين، وإن ذمِّي شين، فقال:

ذَاكَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعَالى

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن أبي إسحاق، عن البراء بمثله، إلا أنه قال: ذاكم الله عزّ وجلّ.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا المعتمر بن سليمان التيمي، قال: سمعت داود الطُّفاوي يقول: سمعت أبا مسلم البجلي يحدّث عن زيد بن أرقم، قال: جاء أناس من العرب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملِكاً نعش في جناحه قال: فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بذلك، قال: ثم جاؤوا إلى حجر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجعلوا ينادونه. يا محمد، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم:{ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون} قال: فأخذ نبيّ الله بأذني فمدّها، فجعل يقول:

قَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يا زَيْدُ، قَدْ صَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَكَ يا زَيْدُ

حدثنا الحسن بن أبي يحيى المقدمي، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وُهَيب، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن أبي سَلَمة، قال: ثني الأقرع بن حابس التميميّ أنه أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فناداه، فقال: يا محمد إنّ مدحي زَيْن، وإنّ شتمي شَيْن فخرج إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:

وَيْلَكَ ذلكَ اللَّهُ فأنزل الله { إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاء الحُجُرَاتِ... } الآية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ}: أعراب بني تميم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة أن رجلاً جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فناداه من وراء الحُجَر، فقال: يا محمد إنْ مدحي زين، وإنّ شتمي شَيْن فخرج إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:

وَيْلَكَ ذلكَ اللَّهُفأنزل الله { إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله:{ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ...} الآية، ذُكر لنا أن رجلاً جعل ينادي يا نبيّ الله يا محمد، فخرج إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:

ما شأنُكَ؟ فقال: والله إنّ حمده لزين، وإنّ ذمَّه لشَيْن، فقال نبيّ صلى الله عليه وسلم:ذَاكُمُ اللَّهُ، فأدبر الرجل، وذُكر لنا أن الرجل كان شاعرا.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، قال: كان بشر بن غالب ولَبيد بن عُطارد، أو بشر بن عُطارد ولبيد بن غالب، وهما عند الحجاج جالسان، يقول بشر بن غالب للبيد بن عطارد نزلت في قومك بني تميم {إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ} فذكرت ذلك لسعيد بن جُبَير، فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية، أجابه:

{ يَمُنُّون عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا }قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك بنو أسد.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: «أتى أعرابيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته، فقال: يا محمد، يا محمد فخرج إليه النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:

مالَكَ مالَكَ، فقال: تعلم أنْ مدحي لزين، وأن ذمِّي لشين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ذَاكُمُ اللَّهُ، فنزلت { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْوَاتَكُمْ فَوقَ صَوْتِ النَّبِي }

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ} فقرأته قرّاء الأمصار بضمّ الحاء والجيم من الحُجُرات، سوى أبي جعفر القارىء، فإنه قرأ بضم الحاء وفتح الجيم على ما وصفت من جمع الحُجْرة حُجَر، ثم جمع الحُجَر: حُجَرات.

والصواب من القراءة عندنا الضم في الحرفين كليهما لما وصفت قبل.

وقوله:{ وَلَوْ أنَّهُمْ صَبَرُوا حتى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لهُمْ } يقول تعالى ذكره: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك يا محمد من وراء الحجرات صبروا فلم ينادوك حتى تخرج إليهم إذا خرجت، لكان خيراً لهم عند الله، لأن الله قد أمرهم بتوقيرك وتعظيمك، فهم بتركهم نداءك تاركون ما قد نهاهم الله عنه، {واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } يقول تعالى ذكره: الله ذو عفو عمن ناداك من وراء الحجاب، إن هو تاب من معصية الله بندائك كذلك، وراجع أمر الله في ذلك وفي غيره رحيم به أن يعاقبه على ذنبه ذلك من بعد توبته منه.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ ۝٦

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله { إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ } عن قوم { فَتَبَيَّنُوا}.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله:{ فَتَبَيَّنُوا} فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة «فَتَثَبَّتُوا» بالثاء، وذُكر أنها في مصحف عبد الله منقوطة بالثاء. وقرأ ذلك بعض القرّاء فتبيَّنوا بالباء، بمعنى: أمهلوا حتى تعرفوا صحته، لا تعجلوا بقبوله، وكذلك معنى «فَتَثَبَّتُوا».

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وذُكر أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط. ذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا جعفر بن عون، عن موسى بن عبيدة، عن ثابت موْلى أمّ سلمة، عن أمّ سلمة، قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً في صدقات بني المصطلق بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحدّثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال: فبلغ القوم رجوعه قال: فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلاً مصدّقاً، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال، وأذّن بصلاة العصر قال: ونزلت يا {أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا على ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ}.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ... } الآية، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم أحد بني عمرو بن أمية، ثم أحد بني أبي معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ منهم الصدقات، وإنه لما أتَّاهم الخبر فرحوا، وخرجوا لِيَتَلقَّوْا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لما حدّث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، فبينما هو يحدّث نفسه أن يغزوهم، إذ أتاه الوفد، فقالوا: يا رسول الله، إنا حدّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن يكون إنما ردّه كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فأنزل الله عذرهم في الكتاب، فقال {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْما بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا على ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ}.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:{ إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ } قال: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، ليصدّقهم، فتلقوه بالهدية فرجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بني المصطلق جمعت لتقاتلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ...} حتى بلغ بِجَهالَةٍ وهو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة، بعثه نبيّ الله صلى الله عليه وسلم مصدّقاً إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهم قد ارتدّوا عن الإسلام، فبعث نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبَّت ولا يعجل، فانطلق حتى أتاهم ليلاً، فبعث عيونه فلما جاؤوا أخبروا خالداً أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد، فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر، فأنزل الله عزّ وجلّ ما تسمعون، فكان نبيّ الله يقول:

التَّبَيُّنُ مِنَ اللَّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ } فذكر نحوه.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن هلال الوزّان، عن ابن أبي ليلى، في قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا} قال: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حُمَيد، عن هلال الأنصاري، عن عبد الرحمن ابن أبي لَيلى { إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ } قال: نزلت في الوليد بن عقبة حين أُرسل إلى بني المصطلق.

قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم، الوليد بن أبي معيط فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوا ما قِبَلهم من صدقاتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يغزوهم، فبينما هم في ذلك قَدِم وفدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ولنؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فاستمرّ راجعاً، فبلغنا أنه يزعم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خرجنا إليه لنقاتله، ووالله ما خرجنا لذلك فأنزل الله في الوليد بن عقبة وفيهم:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ... } الآية.

قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أصحابه إلى قوم يصدقهم، فأتاهم الرجل، وكان بينه وبينهم إحنة في الجاهلية فلما أتاهم رحبوا به، وأقرّوا بالزكاة، وأعطوا ما عليهم من الحقّ، فرجع الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، منع بنو فلان الصدقة، ورَجعوا عن الإسلام، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث إليهم فأتوْه فقال:

أمَنَعْتُمُ الزَّكاةَ، وَطَرَدْتمْ رَسُولي؟ فقالوا: والله ما فعلنا، وإنا لنعلم أنك رسول الله، ولا بدّ لنا، ولا منعنا حقّ الله في أموالنا، فلم يصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، فعذرهم.

وقوله:{ أنْ تُصِيبُوا قَوْما بِجَهالَةٍ} يقول تعالى ذكره: فتبيَّنوا لئلا تصيبوا قوماً برآء مما قُذفوا به بجناية بجهالة منكم { فَتُصْبِحُوا على ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ } يقول: فتندموا على إصابتكم إياهم بالجناية التي تصيبونهم بها.

وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ۝٧ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝٨

يقول تعالى ذكره: لأصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: واعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله،{ أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ} فاتقوا الله أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإن الله يخبره أخباركم، ويعرّفه أنباءكم، ويقوّمه على الصواب في أموره.

وقوله:{ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ} يقول تعالى ذكره: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم { لَعَنِتُّمْ} يقول: لنالكم عنت، يعني الشدّة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم لأنه كان يخطىء في أفعاله كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في بني المصطلق: إنهم قد ارتدّوا، ومنعوا الصدقة، وجمعوا الجموع لغزو المسلمين، فغزاهم فقتل منهم، وأصاب من دمائهم وأموالهم كان قد قتل، وقتلتم من لا يحلّ له ولا لكم قتله، وأخذ وأخذتم من المال ما لا يحلّ له ولكم أخذه من أموال قوم مسلمين، فنالكم من الله بذلك عنت { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ } الإيمانَ بالله ورسوله، فأنتم تطيعون رسول الله، وتأتمون به فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه، وكان يطيعكم لنالكم وأصابكم.

وقوله:{ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } يقول: وحسن الإيمان في قلوبكم فآمنتم {وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ} بالله {وَالفُسُوقَ} يعني الكذب، {والعِصْيانَ} يعني ركوب ما نهى الله عنه في خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضييع ما أمر الله به { أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } يقول: هؤلاء الذين حبَّب الله إليهم الإيمان، وزيَّنه في قلوبهم، وكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحقّ.

وقوله:{ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} يقول: ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان، وأنعم عليكم هذه النعمة التي عدّها فضلاً منه، وإحساناً ونعمة منه أنعمها عليكم {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يقول: والله ذو علم بالمحسن منكم من المسيء، ومن هو لنعم الله وفضله أهل، ومن هو لذلك غير أهل، وحكمةٍ في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما شاء من قضائه. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله:{ وَاعْلَمُوا أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُم فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ } قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَاعْلَمُوا أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ...} حتى بلغ { لَعَنِتُّمْ} هؤلاء أصحاب نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، لو أطاعهم نبيّ الله في كثير من الأمر لعنتم، فأنتم والله أسخف رأياً، وأطيش عقولاً، اتهم رجل رأيه، وانتصح كتاب الله، فإن كتاب الله ثقة لمن أخذ به، وانتهى إليه، وإن ما سوى كتاب الله تغرير.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، قال: قال معمر، تلا قتادة { لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ } قال: فأنتم أسخف رأياً وأطيش أحلاماً،، فاتهم رجل رأيه، وانتصح كتاب الله وكذلك كما قلنا أيضاً في تأويل قوله:{ وَلَكِنَّ الله حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ } قالوا. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} قال: حببه إليهم وحسَّنه في قلوبهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله {وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ وَالعِصْيانَ أولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} قالوا أيضاً. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وكَرَّهَ الَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ} قال: الكذب والعصيان قال: عصيان النبيّ صلى الله عليه وسلم { أُولَئِكَ هُم الرَّاشدونَ} من أين كان هذا؟ قال: فضل من الله ونعمة قال: والمنافقون سماهم الله أجمعين في القرآن الكاذبين قال: والفاسق: الكاذب في كتاب الله كله.

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُوا۟ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُوا۟ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ۝٩

يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل {فإنْ بَغَتْ إحْدَاهُما عَلى الأُخْرَى} يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدّت ما جعل الله عدلاً بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما { فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله {حتى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ } يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه {فإنْ فاءَتْ فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالعَدْلِ} يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلاً بين خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصْلِحُوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَت إحْدَاهُما على الأُخُرَى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ } فإن الله سبحانه أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم من بعض، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله، حتى ينصف المظلوم من الظالم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغٍ، فحقّ على إمام المؤمنين أن يجاهدهم ويقاتلهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقرّوا بحكم الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا...} إلى آخر الآية، قال: هذا أمر من الله أمر به الوُلاة كهيئة ما تكون العصبة بين الناس، وأمرهم أن يصلحوا بينهما، فإن أبوْا قاتل الفئة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله، فإذا رجعت أصلحوا بينهما، وأخبروهم أن المؤمنين إخوة، فأصلحوا بين أخويكم قال: ولا يقاتل الفئة الباغية إلا الإمام.

وذُكر أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه، مما سأذكره إن شاء الله تعالى. ذكر الرواية بذلك:

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس، قال: قيل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أُبيّ، قال: فانطلق إليه وركب حماراً، وانطلق المسلمون، وهي أرض سبخة فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لنتن حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، قال: فغضب لعبد الله بن أُبيّ رجل من قومه قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه نزلت فيهم{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما}.

حدثني أبو حُصَين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثني حصين، عن أبي مالك في قوله:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنْ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } قال: رجلان اقتتلا فغضب لذا قومه، ولذا قومه، فاجتمعوا حتى اضَّربوا بالنعال حتى كاد يكون بينهم قتال، فأنزل الله هذه الآية.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك، في قوله:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } قال: كان بينهم قتال بغير سلاح.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله:{ وَإن طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما} قال: كانا حيين من أحياء الأنصار، كان بينهما تنازع بغير سلاح.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: {وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما} قال: كان قتالهم بالنعال والعصيّ، فأمرهم أن يصلحوا بينهم.

قال: ثنا مهران، قال: ثنا المُبارك بن فَضَالة، عن الحسن { وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِين اقْتَتَلُوا} قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعوهم إلى الحكم، فيأَبْون أن يجيبوا فأنزل الله:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِين اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْدَاهُما على الأُخْرَى فَقاتِلُوا الَّتي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ } يقول: ادفعوهم إلى الحكم، فكان قتالهم الدفع.

قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن السديّ {وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحوا بَيْنَهُما } قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد، تحت رجل، فكان بينها وبين زوجها شيء، فرقاها إلى علية، فقال لهم: احفظوا، فبلغ ذلك قومها، فجاؤوا وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي والنعال فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء ليصلح بينهم، فنزل القرآن { وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فإنْ بَغَتْ إحْداهُما على الأُخْرَى} قال: تبغي: لا ترضى بصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } قال: الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصيّ بينهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا... } الآية، ذُكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف، فأمر الله أن تُقاتل حتى تفيء إلى أمر الله، كتاب الله، وإلى حكم نبيه صلى الله عليه وسلم وليست كما تأوّلها أهل الشبهات، وأهل البدع، وأهل الفراء على الله وعلى كتابه، أنه المؤمن يحلّ لك قتله، فوالله لقد عظَّم الله حُرمة المؤمن حتى نهاك أن تظنّ بأخيك إلا خيراً، فقال:{ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ... } الآية.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، أن قوماً من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي، فأنزل الله فيهم { وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } قال قتادة: كان رجلان بينهما حقّ، فتدارآ فيه، فقال أحدهما: لآخذنَّه عنوة، لكثرة عشيرته وقال الآخر: بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: ثني عبد الله بن عباس، قال: قال زيد، في قول الله تعالى:{ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما}، وذلك الرجلان يقتتلان من أهل الإسلام، أو النفر والنفر، أو القبيل والقبيلة فأمر الله أئمة المسلمين أن يقضوا بينهم بالحقّ الذي أنزله في كتابه: إما القصاص والقود، وإمَّا العقل والعير، وإمَّا العفو،{ فإنْ بَغَتْ إحْدَاهُما على الأُخْرَى} بعد ذلك كان المسلمون مع المظلوم على الظالم، حتى يفيء إلى أمر الله، ويرضى به.

حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: ثني ابن شهاب وغيره: يزيد في الحديث بعضهم على بعض، قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فيه عبد الله بن رواحة، وعبد الله بن أُبيّ ابن سلول: فلما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن أبيّ ابن سلول: لقد آذانا بول حماره، وسدّ علينا الروح، وكان بينه وبين ابن رواحة شيء حتى خرجوا بالسلاح، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فحجز بينهم، فلذلك يقول عبد الله بن أُبيّ:

مَتى ما يَكُنْ مَوْلاكَ خَصْمَكَ جاهداًتُظَلَّمْ وَيَصْرَعْكَ الَّذِينَ تُصَارِعُ

قال: فأنزلت فيهم هذه الآية {وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا}.

وقوله:{ وأَقْسِطُوا} يقول تعالى ذكره: واعدلوا أيها المؤمنون في حكمكم بين من حكمتم بينهم بأن لا تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم رسوله {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ } يقول: إن الله يحبّ العادلين في أحكامهم، القاضين بين خلقه بالقسط.

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا۟ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝١٠

يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به { إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} في الدين { فأَصْلِحُوا بَينَ أخَوَيْكُمْ} إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله. ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل الإيمان، وبالتثنية قرأ ذلك قرّاء الأمصار. وذُكر عن ابن سيرين أنه قرأ «بين إخوانكم» بالنون على مذهب الجمع، وذلك من جهة العربية صحيح، غير أنه خلاف لما عليه قرّاء الأمصار، فلا أحبّ القراءة بها {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك من فرائضه، واجتناب معاصيه، ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه بطاعته.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُوا۟ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَٰبِ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَٰنِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝١١

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين {عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ } يقول: المهزوء منهم خير من الهازئين { وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ } يقول: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات، عسى المهزوء منهنّ أن يكنْ خيراً من الهازئات.

واختلف أهل التأويل في السخرية التي نهى الله عنها المؤمنين في هذه الآية، فقال بعضهم: هي سخرية الغنيّ من الفقير، نُهِي أن يُسخر من الفقير لفقره. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد { لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ } قال: لا يهزأ قوم بقوم أن يسأل رجل فقير غنياً، أو فقيراً، وإن تفضل رجل عليه بشيء فلا يستهزىء به.

وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله من ستر عليه من أهل الإيمان أن يسخر ممن كشف في الدنيا ستره منهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ } قال: ربما عثر على المرء عند خطيئته عسى أن يكونوا خيراً منهم، وإن كان ظهر على عثرته هذه، وسترت أنت على عثرتك، لعلّ هذه التي ظهرت خير له في الآخرة عند الله، وهذه التي سترت أنت عليها شرّ لك، ما يدريك لعله ما يغفر لك قال: فنُهي الرجل عن ذلك، فقال:{ لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ} وقال في النساء مثل ذلك.

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك.

وقوله:{ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ} يقول تعالى ذكره: ولا يغتب بعضكم بعضاً أيها المؤمنون، ولا يطعن بعضكم على بعض وقال:{ لا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ } فجعل اللامز أخاه لامزاً نفسه، لأن المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضهم لبعض من تحسين أمره، وطلب صلاحه، ومحبته الخير. ولذلك رُوي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

المُؤْمِنُونَ كالجَسَدِ الوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائِرُ جَسَدِهِ بالحُمَّى والسَّهَر. وهذا نظير قوله: { يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمُ بالباطِلِ إلاَّ أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ } بمعنى: ولا يقتل بعضكم بعضاً. وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله:{ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ} قال: لا تطعنوا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ } يقول: ولا يطعن بعضكم على بعض.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:{ وَلا تَلْمزُوا أنْفُسَكُمْ} يقول: لا يطعن بعضكم على بعض.

قوله: {وَلا تَنابَزُوا بالألْقاب} يقول: ولا تداعوا بالألقاب والنبز واللقب بمعنى واحد، يُجمع النبز: أنبازاً، واللقب: ألقاباً.

واختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يكره النبز بها الملقَّب، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية، فلما أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضاً بما يكره من أسمائه التي كان يدعى بها في الجاهلية. ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: قال أبو جبيرة بن الضحاك: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة، قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا الرجل بالاسم، قلنا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت هذه الآية { وَلا تَنابَزُوا بالألْقاب... } الآية كلها.

حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن أبي جُبَيرة بن الضحاك، قال: كان أهل الجاهلية يسمون الرجل بالأسماء، فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً باسم من تلك الأسماء، فقالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فأنزل الله { وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ}.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: ثني أبو جُبَيرة بن الضحاك، فذكر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، نحوه.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُليَة، قال: أخبرنا داود عن الشعبيّ، قال: ثني أبو جبيرة بن الضحاك، قال: نزلت في بني سلمة {وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ } قال: قَدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان يدعو الرجل، فتقول أمه: إنه يغضب من هذا، قال: فنزلت {وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ}. وقال مرّة: كان إذا دعا باسم من هذا، قيل: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت الآية.

وقال آخرون: بل ذلك قول الرجل المسلم للرجل المسلم: يا فاسق، يا زاني. ذكر من قال ذلك:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، قال: سألت عكرِمة، عن قول الله { وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ } قال: هو قول الرجل للرجل: يا منافق، يا كافر.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرِمة، في قوله { وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ} قال: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حصين، عن عكرِمة { وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ } قال: يا فاسق، يا كافر.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن خصيف، عن مجاهد أو عكرِمة {وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ } قال: يقول الرجل للرجل: يا فاسق، يا كافر.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله:{ وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ } قال: دُعي رجل بالكفر وهو مسلم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:{ وَلا تَنابَزُوا بالألْقابِ } يقول للرجل: لا تقل لأخيك المسلم: ذاك فاسق، ذاك منافق، نهى الله المسلم عن ذلك وقدّم فيه.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {وَلا تَنابَزُوا بالألْقاب } يقول: لا يقولنّ لأخيه المسلم: يا فاسق، يا منافق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:{ وَلا تَنابَزُوا بالألقابِ} قال: تسميته بالأعمال السيئة بعد الإسلام زان فاسق.

وقال آخرون: بل ذلك تسمية الرجل الرجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسوق والأعمال القبيحة بعد التوبة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس {وَلا تَنابَزُوا بالألْقاب بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ... } الآية، قال: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها، وراجع الحقّ، فنهى الله أن يُعيَّر بما سلف من عمله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: كان اليهودي والنصرانيّ يسلم، فيلقب، فيقال له: يا يهوديّ، يا نصراني، فنهوا عن ذلك.

والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهيه ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها. وإذا كان ذلك كذلك صحّت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها، ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض، لأن كلّ ذلك مما نهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضاً.

وقوله:{ بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } يقول تعالى ذكره: ومن فعل ما نهينا عنه، وتقدّم على معصيتنا بعد إيمانه، فسخر من المؤمنين، ولمز أخاه المؤمن، ونبزه بالألقاب، فهو فاسق { بِئْسَ الاِسْمْ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } يقول: فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقاً، بئس الاسم الفسوق، وترك ذكر ما وصفنا من الكلام، اكتفاء بدلالة قوله:{ بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ } عليه.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثنا به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقرأ { بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ } قال: بئس الاسم الفسوق حين تسميه بالفسق بعد الإسلام، وهو على الإسلام. قال: وأهل هذا الرأي هم المعتزلة، قالوا: لا نكفره كما كفره أهل الأهواء، ولا نقول له مؤمن، كما قالت الجماعة، ولكنا نسميه باسمه إن كان سارقاً فهو سارق، وإن كان خائناً سموه خائناً وإن كان زانياً سموه زانياً قال: فاعتزلوا الفريقين أهل الأهواء وأهل الجماعة، فلا بقول هؤلاء قالوا، ولا بقول هؤلاء، فسموا بذلك المعتزلة.

فوجه ابن زيد تأويل قوله:{ بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ} إلى من دعي فاسقاً، وهو تائب من فسقه، فبئس الاسم ذلك له من أسمائه.. وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام، وذلك أن الله تقدّم بالنهي عما تقدّم بالنهي عنه في أوّل هذه الآية، فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدّم على بغيه، أو بقبيح ركوبه ما ركب مما نهي عنه، لا أن يخبر عن قُبح ما كان التائب أتاه قبل توبته، إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح، فيختم آخرها بالوعيد عليه أو بالقبيح.

وقوله:{وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } قال: ومن لم يتب من ذلك الفسوق فأولئك هم الظالمون.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ