انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الجن

تفسير الطبريالآيات 20–28

تفسير سورة الجن آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الجن

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 12:39

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 12:39

قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُوا۟ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٠ قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ۝٢١ قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا ۝٢٢

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: {قُلْ إنَّمَا أدْعُو رَبي} فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين على وجه الخبر «قال» بالألف ومن قرأ ذلك كذلك، جعله خبراً من الله عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال، فيكون معنى الكلام: وأنه لما قام عبد الله يدعوه تلبدوا عليه، قال لهم: إنما أدعو ربي، ولا أشرك به أحداً. وقرأ ذلك بعض المدنيين وعامة قرّاء الكوفة على وجه الأمر من الله عزّ وجلّ لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس الذين كادوا يكونوا عليك لبداً، إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحداً.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {قُلْ إنّي لا أمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لمشركي العرب الذين ردّوا عليك ما جئتهم به من النصيحة: إني لا أملك لكم ضرّاً في دينكم ولا في دنياكم، ولا رشداً أرشدكم، لأن الذي يملك ذلك، الله الذي له مُلك كلّ شيء.

وقوله: {قُلْ إنّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ} من خلقه إن أرادني أمراً، ولا ينصرني منه ناصر.

وذُكر أن هذه الآية أُنزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم، لأن بعض الجنّ قال: أنا أجيره.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرميّ أنه ذكر له أن جنياً من الجنّ من أشرافهم ذا تَبَع، قال: إنما يريد محمد أن نجيره وأنا أجيره فأنزل الله: {قُلْ إنّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ}.

وقوله: {وَلَنْ أجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً} يقول: ولن أجد من دون الله ملجأً ألجأ إليه، كما:

حدثنا مهران، عن سفيان {وَلَنْ أجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً} يقول: ولن أجد من دون الله ملجأً ألجأ إليه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {وَلَنْ أجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً}: أي ملجأً ونصيراً.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {مُلْتَحَداً} قال: ملجأً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {وَلَنْ أجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً} يقول: ناصراً.

إِلَّا بَلَٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۝٢٣ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ۝٢٤

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لمشركي العرب: إني لا أملك لكم ضرّاً ولا رشداً {إلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ} يقول: إلاّ أن أبلغكم من الله ما أمرني بتبليغكم إياه، وإلا رسالاته التي أرسلني بها إليكم فأما الرشد والخذلان، فبيد الله، هو مالكه دون سائر خلقه يهدى من يشاء ويخذل من أراد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ} فذلك الذي أملك بلاغاً من الله ورسالاته.

وقد يحتمل ذلك معنى آخر، وهو أن تكون «إلا» حرفين، وتكون «لا» منقطعة من «إن» فيكون معنى الكلام: قل إني لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالاته ويكون نصب البلاغ من إضمار فعل من الجزاء كقول القائل: إن لا قياماً فقعوداً، وإن لا إعطاء فردًّا جميلاً، بمعنى: إن لا تفعل الإعطاء فردّاً جميلاً.

وقوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ} يقول تعالى ذكره: ومن يعص الله فيما أمره ونهاه، ويكذّب به ورسوله، فجحد رسالاته، فإن له نار جهنم يصلاها {خالِدِينَ فِيها أبَداً} يقول: ماكثين فيها أبداً إلى غير نهاية.

وقوله: {حتى إذَا رأَوْا ما يُوعَدُونَ} يقول تعالى ذكره: إذا عاينوا ما يعدهم ربهم من العذاب وقيام الساعة {فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أضْعَفُ ناصِراً وأقَلُّ عَدَداً} أجند الله الذي أشركوا به، أم هؤلاء المشركون به.

قُلْ إِنْ أَدْرِىٓ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُۥ رَبِّىٓ أَمَدًا ۝٢٥ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا ۝٢٧ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا۟ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًۢا ۝٢٨

يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك: ما أدري أقريب ما يعدكم ربكم من العذاب وقيام الساعة {أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّي أمَداً} يعني: غاية معلومة تطول مدتها.

وقوله: {عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أحَداً إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} يعني بعالم الغيب: عالم ما غاب عن أبصار خلقه، فلم يروه فلا يظهر على غيبه أحداً، فيعلمه أو يريه إياه إلا من ارتضى من رسول، فإنه يظهره على ما شاء من ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {فَلا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أحَداً إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} فأعلم الله سبحانه الرسل من الغيب الوحي وأظهرهم عليه بما أوحي إليهم من غيبه، وما يحكم الله، فإنه لا يعلم ذلك غيره.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {عالِم الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أحَداً إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} فإنه يصطفيهم، ويطلعهم على ما يشاء من الغيب.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} فإنه يظهره من الغيب على ما شاء إذا ارتضاه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فَلا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أحَداً إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} قال: ينزل من غيبه ما شاء على الأنبياء أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الغيب القرآن، قال: وحدثنا فيه بالغيب بما يكون يوم القيامة.

وقوله: {فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} يقول: فإنه يرسل من أمامه ومن خلفه حرساً وحفظة يحفظونه.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن الضحاك {إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه ومن خلفه، أن يتشبَّه الشيطان على صورة الملك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن منصور، عن إبراهيم {مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: ملائكة يحفظونهم من بين أيديهم ومن خلفهم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم {مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: الملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من الجنّ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن طلحة، يعني ابن مصرف، عن إبراهيم، في قوله: {مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: الملائكة رصد من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من الجن.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبيّ صلى الله عليه وسلم من الشيطان حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: الملائكة.

وقوله: {لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ} اختلف أهل التأويل في الذي عُنِي بقوله {لِيَعْلَمَ} فقال بعضهم: عُنِي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: معنى الكلام: ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد أبلغت الرسل قبله عن ربها.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أُبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ} ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد أبلغت عن ربها وحفظت.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة {لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أُبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ} قال: ليعلم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن الرسل قد أبلغت عن الله، وأن الله حفظها، ودفع عنها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليعلم المشركون أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أُبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ} قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليعلم محمد أن قد بلغت الملائكة رسالات ربهم.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله: {عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أحَداً إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبرائيل {لِيَعْلَم} محمد {أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وأحاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وأحْصَى كُل شَيْءٍ عَدَداً} قال: وما نزل جبريل عليه السلام بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندنا بالصواب، قول من قال: ليعلم الرسول أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وذلك أن قوله: {لِيَعْلَم} من سبب قوله {فإنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} وذلك خبر عن الرسول، فمعلوم بذلك أن قوله ليعلم من سببه إذ كان ذلك خبرا عنه.

وقوله: {وأحاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} يقول: وعلم بكلّ ما عندهم {وأحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} يقول: علم عدد الأشياء كلها، فلم يخف عليه منها شيء. وقد:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير أنه قال في هذه الآية {إلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}... إلى قوله {وأحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدَاً} قال: ليعلم الرسل أن ربهم أحاط بهم، فبلغوا رسالاتهم.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ