انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الجن

تفسير البغويالآيات 1–28

تفسير سورة الجن آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا ۝١ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا ۝٢ وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةً وَلَا وَلَدًا ۝٣

{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}, وكانوا تسعة من جن نصيبين. وقيل: سبعة، استمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ذكرنا خبرهم في سورة الأحقاف {فَقَالُوۤاْ}، لما رجعوا إلى قومهم: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَاً عجباً}، قال ابن عباس: بليغاً، أي قرآناً ذا عجب يُعجَبُ منه لبلاغته.

{يَهْدِىۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ}، يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان، {فَـآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً}.

{وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا}، قرأ أهل الشام والكوفة غير أبي بكر عن عاصم: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ} بفتح الهمزة وكذلك ما بعده إلى قوله: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ}، وقرأ الآخرون بكسرهن, وفتح أبو جعفر منها "وأنه" وهو ما كان مردوداً إلى الوحي، وكسر ما كان حكاية عن الجن.

والاختيار كسر الكل لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَاً عَجَباً}، وقالوا: {وَأَنَّهُ تَعَـٰلَىٰ}.

ومن فتح ردَّه على قوله: "فَـآمَنَّا به" وآمنا بكل ذلك؛ ففتح "أنّ" لوقوع الإيمان عليه.

{جَدُّ ربِّنا}، جلال ربنا وعظمته، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة. يقال: جَدّ الرجلُ, أي: عَظُمَ، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدّ فينا، أي: عظم قدره.

وقال السدي: "جَدُّ ربِّنا" أي أمر ربنا: وقال الحسن: غنى ربنا. ومنه قيل للجد: حظ، ورجل مجدود.

وقال ابن عباس: قدرة ربنا. قال الضحاك: فعله.

وقال القرظي: آلاؤه ونعماؤه على خلقه.

وقال الأخفش: علا ملك ربنا. {مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةً وَلاَ وَلَدا}، قيل: تعالى جل جلاله وعظمته عن أن يتخذ صاحبةً أو ولداً.

وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطًا ۝٤ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۝٥ وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ۝٦

{وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا}، جاهلنا، قال مجاهد وقتادة: هو إبليس، {عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً}، كذباً وعدواناً وهو وصفه بالشريك والولد.

{وَأَنَّا ظَنَنَّآ}، حسبنا، {أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ}، قرأ يعقوب "تَقَوَّل" بفتح الواو وتشديدها, {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، أي: كنا نظنهم في قولهم إن لله صاحبة وولداً حتى سمعنا القرآن.

قال الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ}، وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في أرض قفر, قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح.

أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي, أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي, أخبرنا ابن فنجويه, حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك, حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق المروزي, حدثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرسوس, حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي, حدثنا القاسم بن مالك, عن عبد الرحمن بن إسحاق, عن أبيه, عن كردم بن أبي سائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك, فنادى منادٍ لا نراه، يقول: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة، فأنزل الله عزّ وجلّ على رسوله صلى الله عليه وسلم بمكة {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ}، {فَزَادُوهُمْ رَهَقاً}، يعني زاد الإنسُ الجنَ باستعاذتهم بقادتهم رهقاً.

قال ابن عباس: إثماً. قال مجاهد: طغياناً. قال مقاتل: غيّاً. قال الحسن: شراً قال إبراهيم: عظمة وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغياناً، يقولون: سدنا الجن والإنس، و"الرَّهق" في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم.

وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا۟ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَدًا ۝٧ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ۝٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًا رَّصَدًا ۝٩ وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ۝١٠ وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدًا ۝١١

{وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ}، يقول الله تعالى: إن الجن ظنوا، {كَمَا ظَنَنتُم}، يا معشر الكفار من الإنس، {أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أحداً}، بعد موته.

{وَأَنَّا}، تقول الجن: {لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ}، قال الكلبي: السماء الدنيا، {فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً}، من الملائكة {وشُهُباً}، من النجوم.

{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا}, من السماء، {مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ}، أي: كنا نستمع، {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رصداً}، أرصد له ليرمى به.

قال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا من ذلك أصلاً ثم قالوا:

{وَأَنَّا لاَ نَدْرِىۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلأََرْضِ}، برمي الشهب، {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}.

{وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ}، دون الصالحين, {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدداً}، أي: جماعات متفرقين وأصنافاً مختلفة، والقِدَّةُ: القطعة من الشيء، يقال: صار القوم قدداً إذا اختلفت حالاتهم، وأصلها من القَدّ وهو القطع. قال مجاهد: يعنون: مسلمين وكافرين.

وقيل: ذوو أهواء مختلفة, وقال الحسن والسدي: الجن أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة.

وقال ابن كيسان: شيعاً وفرقاً لكل فرقة هوى كأهواء الناس.

وقال سعيد بن جبير: ألواناً شتى, وقال أبو عبيدة: أصنافاً.

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُۥ هَرَبًا ۝١٢ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦ فَمَن يُؤْمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ۝١٣ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَٰسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ تَحَرَّوْا۟ رَشَدًا ۝١٤ وَأَمَّا ٱلْقَٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ۝١٥ وَأَلَّوِ ٱسْتَقَٰمُوا۟ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَٰهُم مَّآءً غَدَقًا ۝١٦ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِۦ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ۝١٧

{وَأَنَّا ظَنَنَّآ}، علمنا وأيقنا، {أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلأَرْضِ}، أي: لن نفوته إن أراد بنا أمراً، {وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً}، إن طلبنا.

{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ}، القرآن وما أتى به محمد، {ءَامَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً}، نقصاناً من عمله وثوابه، {وَلاَ رَهَقاً}، ظلماً. وقيل: مكروهاً يغشاه.

{وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ}، وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَمِنَّا ٱلقَـٰسِطُون}، الجائرون العادلون عن الحق. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله نداً، يقال: أقسط الرجل إذا عدل فهو مقسط، وقسط إذا جار فهو قاسط, {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً}، أي قصدوا طريق الحق وتوخَّوه.

{وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ}، الذين كفروا، {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}، كانوا وقود النار يوم القيامة. ثم رجل إلى كفار مكة فقال:

{وَأَن لَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ}، اختلفوا في تأويلها، فقال قوم: لو استقاموا على طريقة الحق والإيمان والهدى فكانوا مؤمنين مطيعين، {لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّآءً غَدَقاً}، كثيراً، قال مقاتل: وذلك بعدما رُفع عنهم المطر سبع سنين. وقالوا معناه لو آمنوا لَوسّعنا عليهم في الدنيا وأعطيناهم مالاً كثيراً وعيشاً رغداً، وضرب الماء الغدق مثلاً, لأن الخير والرزق كله في المطر، كما قال:

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ }[المائدة: 66]. وقال: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[الأعراف: 96].

وقوله تعالى: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}، أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيما خُوِّلوا. وهذا قول سعيد ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل والحسن.

وقال آخرون: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالاً كثيراً, ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه عقوبةً لهم واستدراجاً حتى يفتتنوا بها فنعذبهم، وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان، كما قال الله:

{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ }الآية [الأنعام: 44].

{وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ}، قرأ أهل الكوفة ويعقوب: "يسلكه" بالياء، وقرأ الآخرون بالنون، أي: ندخله، {عَذَاباً صَعَداً}، قال ابن عباس: شاقاً، والمعنى ذا صعد, أي: ذا مشقة. قال قتادة: لا راحة فيه. وقال مقاتل: لا فرح فيه. قال الحسن: لا يزداد إلا شدة. والأصل فيه أن الصعود يشق على الناس.

وَأَنَّ ٱلْمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًا ۝١٨ وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا۟ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ۝١٩

{وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ}، يعني المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله، {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أحَداً}، قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد بها المساجد كلها.

وقال الحسن: أراد بها البقاع كلها لأن الأرض جعلت كلها مسجداً للنبي صلى الله عليه وسلم.

وقال سعيد بن جبير: قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن نأتي المسجد وأن نشهد معك الصلاة ونحن ناؤون؟ فنزلت: {وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ}.

وروي عن سعيد بن جبير أيضاً: أن المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان وهي سبعة: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان؟ يقول: هذه الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ, أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب, حدثنا علي بن الحسن الهلالي والسري بن خزيمة قالا: حدثنا يعلى بن أسد, حدثنا وُهيب, عن عبد الله بن طاووس, عن أبيه, عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء: الجبهة - وأشار بيده إليها - واليدين, والركبتين, وأطراف القدمين ولا أكف الثوب ولا الشعر».

فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة, فواحدها مسجِد, بكسر الجيم، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها مسجَد, بفتح الجيم.

{وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ}، قرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها، {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ}، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، {يدعوه}، يعني يعبده ويقرأ القرآن, وذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن، {كادوا}، يعني الجن، {يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا}، أي يركب بعضهم بعضاً، ويزدحمون حرصاً على استماع القرآن. هذا قول الضحاك ورواية عطية عن ابن عباس.

وقال سعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واقتدائهم به في الصلاة.

وقال الحسن وقتادة وابن زيد يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله, فأبى الله إلا أن يتم نوره، ويتم هذا الأمر, وينصره على من ناوأه.

وقرأ هشام عن ابن عامر "لُبداً" بضم اللام، وأصل "اللبد": الجماعات بعضها فوق بعض، ومنه سمى اللبد الذي يفرش لتراكمه, وتلبد الشعر: إذا تراكم.

قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُوا۟ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٠ قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ۝٢١ قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا ۝٢٢ إِلَّا بَلَٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۝٢٣ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ۝٢٤ قُلْ إِنْ أَدْرِىٓ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُۥ رَبِّىٓ أَمَدًا ۝٢٥ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا ۝٢٧ لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا۟ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًۢا ۝٢٨

{قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّى}، قرأ أبو جعفر, وعاصم, وحمزة: "قل" على الأمر، وقرأ الآخرون: "قال" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما أدعو ربي", قال مقاتل: وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد جئت بأمر عظيم فارجع عنه فنحن نجيرك، فقال لهم: إنما أدعو ربي، {وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أحداً}.

{قُلْ إِنِّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً}، لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً، {وَلاَ رَشَداً}، أي لا أسوق إليكم رشداً، أي: خيراً يعني أن الله يملكه.

{قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ}، لن يمنعني منه أحد إن عصيته. {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلتحداً}، ملجأ أميل إليه. ومعنى "الملتحد" أي: المائل، قال السدي: حرزاً. وقال الكلبي: مدخلاً في الأرض مثل السِّرب.

{إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِ}، ففيه الجوار والأمن والنجاة، قاله الحسن. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذاب الله، يعني التبليغ. وقال قتادة: إلا بلاغاً من الله فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه. وقيل: لا أملك لكم ضراً ولا رشداً لكن أبلغ بلاغاً من الله فإنما أنا مرسل به لا أملك إلا ما ملكت. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ ورسولَهُ}، ولم يؤمن، {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدَاً}.

{حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ}، يعني العذاب يوم القيامة، {فَسَيَعْلَمُونَ}، عند نزول العذاب، {مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عدداً}، أهم أم المؤمنون.

{قُلْ إِنْ أَدْرِىۤ}، أي ما أدري، {أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ}، يعني العذاب وقيل القيامة، {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّىۤ أمَداً}, أجلاً وغاية تطول مدتها يعني: أن علم وقت العذاب غيب لا يعلمه إلا الله.

{عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ} رفع على نعت، قوله "ربي"، وقيل: هو عالم الغيب: {فَلاَ يُظْهِر}، لا يطلع، {عَلَىٰ غَيْبِهِ أحداً * إِلاَّ مَن ٱرْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}، إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما يشاء من الغيب لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بان يخبر عن الغيب، {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيهِ ومِنْ خلفِهِ رَصَداً}، ذكر بعض الجهات دلالة على جميعها رصداً أي: يجعل بين يديه وخلفه حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين أن يسترقوا السمع، ومن الجن أن يستمعوا الوحي فيلقوا إلى الكهنة.

قال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولاً أتاه إبليس في صورة مَلَك يخبره فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصداً من الملائكة يحرسونه ويطردون الشياطين، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان، فاحذره وإذا جاءه ملك قالوا له: هذا رسول ربك.

{لِيَعْلَمَ}، قرأ يعقوب: "ليُعْلم" بضم الياء أي ليعلم الناس،{أن} الرسل، {قَدْ أبْلَغُوا}، وقرأ الآخرون بفتح الياء أي: "ليَعلم" الرسولُ أن الملائكة قد أبلغوا، {رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ}، أي: علم الله ما عند الرسل فلم يخفَ عليه شيء، {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدداً}، قال ابن عباس: أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق فلم يفُتْهُ علمُ شيءٍ حتى مثاقيل الدر والخردل، ونصب "عدداً" على الحال، وإن شئت على المصدر، أي عدّ عدًّا.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ