انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الجن

تفسير القرطبيالآيات 1–18

تفسير سورة الجن آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا ۝١ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا ۝٢ وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةً وَلَا وَلَدًا ۝٣

فيه خمس مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} أي قل يا محمد لأمتك: أَوْحَى الله إليّ على لسان جبريل {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ} إليّ {نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} وما كان عليه السلام عالماً به قبل أن أوحي إليه. هكذا قال ٱبن عباس وغيره على ما يأتي. وقرأ ٱبن أبي عَبْلة «أحِيَ» على الأصل؛ يقال: أَوحَى إليه ووحَى، فقلبت الواو همزة؛ ومنه قوله تعالى:

{ { وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ } } [المرسلات: 11] وهو من القلب المطلق جوازه في كل واو مضمومة. وقد أطلقه المازنيّ في المكسورة أيضاً كإشاح وإسادة و «إِعَاءِ أَخِيهِ» ونحوه.

الثانية ـ وٱختُلِف هل رآهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فظاهر القرآن يدل على أنه لم يرهم؛ لقوله تعالى: {ٱسْتَمَعَ}، وقوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}. وفي صحيح مسلم والترمذي عن ٱبن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجنّ وما رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشُهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم؛ فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حِيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشُّهب! قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فٱضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فٱنظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمرّ النفر الذين أخذوا نحو تِهامة وهو بنخلة عامدين إلى سُوق عُكَاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر؛ فلما سمعوا القرآن ٱستمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} فأنزل الله عز وجل على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}. رواه الترمذي عن ٱبن عباس قال:

قول الجنّ لقومهم {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} قال: لما رأوه يصلّي وأصحابه يصلّون بصلاته فيسجدون بسجوده قال: تعجّبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم: «لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا»قال: هذا حديث حسن صحيح؛ ففي هذا الحديث دليل على أنه عليه السلام لم ير الجنّ ولكنهم حضروه، وسمعوا قراءته. وفيه دليل على أن الجنّ كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر بسبب الشياطين لما رُمُوا بالشّهب. وكان المرميّون بالشّهب من الجنّ أيضاً. وقيل لهم شياطين كما قال:شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّفإن الشيطان كل متمرّد وخارج عن طاعة الله. وفي الترمذي عن ٱبن عباس قال: كان الجنّ يصعدون إلى السماء يستمعون إلى الوَحْي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأما الكلمة فتكون حقًّا، وأما ما زادوا فيها، فيكون باطلاً. فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنِعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر إلا من أمر قد حدث في الأرض! فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلّي بين جبلين ـ أراه قال بمكة ـ فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحَدث الذي حدث في الأرض. قال: هذا حديث حسن صحيح. فدلّ هذا الحديث على أن الجنّ رموا كما رُميت الشياطين. وفي رواية السُّديّ: أنهم لما رُموا أتوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم فقال: أيتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمّها فأتوه فشمّ فقال: صاحبكم بمكة. فبعث نفراً من الجنّ، قيل: كانوا سبعة. وقيل: تسعة منهم زَوْبعة. وروى عاصم عن زِرّ قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الثُّماليّ: بلغني أنهم من بني الشَّيْصَبَان، وهم أكثر الجنّ عدداً، وأقواهم شوكة، وهم عامة جنود إبليس. ورَوي أيضاً عاصم عن زرّ: أنهم كانوا سبعة نفر؛ ثلاثة من أهل حَرَّان وأربعة من أهل نَصِيبين. وحكي جُويبر عن الضحاك: أنهم كانوا تسعة من أهل نَصِيبين (قرية باليمن غير التي بالعراق). وقيل: إن الجنّ الذين أتوا مكة جنّ نصِيبين، والذين أتوه بنخلة جنّ نِيْنَوَى. وقد مضى بيان هذا في سورة «الأحقاف». قال عِكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم { { ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ } } [العلق: 1] وقد مضى في سورة «الأحقاف» التعريف بٱسم النفر من الجنّ، فلا معنى لإعادة ذلك.

وقيل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى الجنّ ليلة الجنّ وهو أثبت؛

روى عامر الشّعبي قال: سألت علقمة هل كان ٱبن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ فقال علقمة: أنا سألت ٱبن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشِّعاب، فقلنا ٱسْتُطير أو ٱغتيل، قال: فبتنا بشِّر ليلة بات بها قوم، فلما أصبح إذا هو يجيء من قبل حِرَاء، فقلنا: يا رسول الله! فقدناك وطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم؛ فقال: «أتاني داعي الجنّ فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» فٱنطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد وكانوا من جنّ الجزيرة، فقال: «لكم كلُّ عَظْم ذُكر ٱسم الله عليه يقع في أيديكم أوْفَرَ ما يكون لحماً، وكلُّ بَعْرة عَلفٌ لدوابكم ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا تستنجُوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم الجنّ»قال ٱبن العربي: وٱبن مسعود أعرف من ٱبن عباس؛ لأنه شاهده وٱبن عباس سمعه وليس الخبر كالمعاينة. وقد قيل: إن الجنّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعتين: إحداهما بمكة وهي التي ذكرها ٱبن مسعود، والثانية بنخلة وهي التي ذكرها ٱبن عباس. قال البيهقيّ: الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو في أوّل ما سمعت الجنّ قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعي الجنّ مرة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود. قال البيهقي: والأحاديث الصحاح تدل على أن ٱبن مسعود لم يكن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ، وإنما سار معه حين انطلق به وبغيره يريه آثار الجنّ وآثار نيرانهم. قال: وقد رُوي من غير وجه أنه كان معه ليلتئذ، وقد مضى هذا المعنى في سورة «الأحقاف» والحمد لله. روي عن ٱبن مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:أمرت أن أتلوا القرآن على الجنّ فمن يذهب معي؟» فسكتوا، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحَجُون عند شِعْب أبي دُبّ فخطّ عليَّ خطّا فقال: «لا تجاوزه» ثم مضى إلى الحَجُون فانحدر عليه أمثالُ الحَجَل يحدرون الحجارة بأقدامهم، يمشون يقرعون في دُفوفهم كما تَقرْع النِّسوة في دُفوفها، حتى غَشَوه فلا أراه، فقمت فأوْمَى إليّ بيده أن أجلس، فتلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما ٱنفتل إليّ قال: «أردتَ أن تأتيني»؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما كان ذلك لك، هؤلاء الجنّ أتوا يستمعون القرآن، ثم ولّوا إلى قومهم منذرين فسألوني الزاد فزوّدتهم العظم والبعر فلا يَستطِيبَنّ أحدكم بعظم ولا بعرقال عكرمة: وكانوا ٱثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل. وفي رواية: ٱنطلق بي عليه السلام حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خَطّ لي خطَّا، فأتاه نفر منهم فقال أصحابنا كأنهم رجال الزط وكأن وجوههم المَكَاكي، فقالوا: ما أنت؟ قال: «أنا نبيّ الله» قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: «هذه الشجرة» فقال: «يا شجرة» فجاءت تجرّ عروقها، لها قعاقع حتى أنتصبت بين يديه، فقال: «على ماذا تشهدين» قالت: أشهد أنك رسول الله. فرجعت كما جاءت تجرّ بعروقها الحجارة، لها قعاقع حتى عادت كما كانت. ثم روي. أنه عليه السلام لما فرغ وضع رأسه على حجِر ٱبن مسعود فرقد ثم ٱستيقظ فقال: «هل من وضوء» قال: لا، إلا أن معي إداوة فيها نبيذ. فقال: «هل هو إلا تمر وماء» فتوضأ منه

الثالثة ـ قد مضى الكلام في الماء في سورة «الحجر» وما يستنجَى به في سورة «براءة» فلا معنى للإعادة.

الرابعة ـ وٱختلَف أهل العلم، في أصل الجنّ؛ فروى إسماعيل عن الحسن البصريّ: أن الجنّ ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب. فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً فهو وليّ الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان. وروى الضحاك عن ٱبن عباس: أن الجّن هم ولد الجان وليسوا بشياطين، وهم يؤمنون؛ ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس. وٱختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة، على حسب الاختلاف في أصلهم. فمن زعم أنهم من الجان لا من ذرّية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم. ومن قال: إنهم من ذرّية إبليس فلهم فيه قولان: أحدهما ـ وهو قول الحسن يدخلونها. الثاني ـ وهو رواية مجاهد لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار. حكاه الماورديّ. وقد مضى في سورة «الرحمن» عند قوله تعالى:

{ { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ } } [الرحمن: 56] بيان أنهم يدخلونها.

الخامسة ـ قال البيهقي في روايته:

وسألوه الزاد وكانوا من جنّ الجزيرة فقال: «لكم كلُّ عظم»دليل على أنهم يأكلون ويَطْعَمون. وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجنّ، وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم؛ اجتراءً على الله وافتراءً، والقرآن والسنة تردّ عليهم، وليس في المخلوقات بسيط مركب مزدوج، إنما الواحد الواحد سبحانه، وغيره مركب وليس بواحد كيفما تصرف حاله. وليس يمتنع أن يراهم النبيّ صلى الله عليه وسلم في صورهم كما يرى الملائكة. وأكثر ما يَتَصوّرون لنا في صور الحيات؛ ففي الموطأ: أن رجلا حديث عهد بعُرس استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار أن يرجع إلى أهله... الحديث، وفيه: فإذا حيّة عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها. وذكر الحديث. وفي الصحيح أنه عليه السلام قال:إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئاً فحرِّجوا عليها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر». وقال: «أذهبوا فادفنوا صاحبكموقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة» وبيان التحريج عليهنّ. وقد ذهب قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة؛ لقوله في الصحيح:إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا. وهذا لفظ مختص بها فيختص بحكمها. قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم يُعَلَّل بحرمة المدينة، فيكون ذلك الحكم مخصوصاً بها، وإنما عُلِّل بالإسلام، وذلك عامّ في غيرها ألا ترى قوله في الحديث مخبراً عن الجنّ الذي لقي:وكانوا من جنّ الجزيرة؛ وهذا بيِّن يَعضُده قوله:ونَهَى عن عوامر البيوت، وهذا عامّ. وقد مضى في سورة «البقرة» القول في هذا فلا معنى للإعادة.

قوله تعالى: {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً} أي في فصاحة كلامه. وقيل: عَجَباً في بلاغة مواعظه. وقيل: عجباً في عظم بركته. وقيل: قرآنا عزيزاً لا يوجد مثله. وقيل: يعنون عظيماً. {يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ} أي إلى مراشد الأمور. وقيل: إلى معرفة الله تعالى؛ و «يَهْدِي» في موضع الصفة أي هادياً. {فَآمَنَّا بِهِ} أي فَٱهتدينا به وصدّقنا أنه من عند الله {وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً} أي لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه؛ لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رُمِي الجنّ بالشُّهب. وقيل لا نتخذ مع الله إلٰهاً آخر؛ لأنه المتفرّد بالربوبية. وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجنّ بتدبرها القرآن. وقوله تعالى: {ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ} أي ٱستمعوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فعلموا أن ما يقرؤه كلام الله. ولم يذكر المستمع إليه لدلالة الحال عليه. والنفر الرهط؛ قال الخليل: ما بين ثلاثة إلى عشرة. وقرأ عيسى الثَّقفي «يَهْدِي إلَى الرَّشَدِ» بفتح الراء والشين.

قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} كان عَلْقمة ويحيـى والأعمش وحمزة والكسائيّ وٱبن عامر وخَلَف وحفص والسّلمي ينصبون «أَنَّ» في جميع السورة في ٱثني عشر موضعاً، وهو: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا}، {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ}، {وَأَنَّا ظَنَنَّآ}، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ}، {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ}، {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ}، {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ}، {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ}، {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ}، {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ}، {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ}، {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ}، عطفاً على قوله: {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ}، {وَأَنَّهُ ٱسْتَمَعَ} لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع ٱسم فاعل «أُوحِيَ» فما بعده عليه. وقيل: هو محمول على الهاء في «آمَنَّا بِهِ» أي وبـ«ـأَنَّه تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا» وجاز ذلك وهو مضمر مجرور لكثرة حرف الجار مع «أنّ». وقيل: المعنى أي وصدّقنا أنه جدّ ربنا. وقرأ الباقون كلَّها بالكسر وهو الصواب، وٱختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفاً على قوله: {فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا} لأنه كله من كلام الجنّ. وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع؛ وهي قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا}، {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ}، {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ}، قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجنّ. وأما قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} فكلهم فتحوا إلا نافعاً وشيبة وزرَّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضّل عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير. ولا خلاف في فتح همزة {أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ}، {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}، {وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ}. وكذلك لا خلاق في كسرها ما بعد القول؛ نحو قوله تعالى: «فقالوا إنا سمعنا» و{قَالَ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي} و{قُلْ إنْ أدْرِي}

{ { قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ } } [الجن: 21] وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء؛ نحو قوله تعالى: { { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } } [الجن: 23] و«فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ» لأنه موضع ٱبتداء.

قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} الجدّ في اللغة: العظمة والجلال؛ ومنه قوله أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآلِ عمران جَدّ في عيوننا؛ أي عَظُم وجلّ. فمعنى: «جدُّ رَبِّنَا» أي عظمته وجلاله؛ قاله عكرمة ومجاهد وقتادة. وعن مجاهد أيضاً: ذِكره. وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضاً: غناه. ومنه قيل للحظ جَدُّ، ورجل مجدود أي محظوظ؛ وفي الحديث:

ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّقال أبو عبيدة والخليل: أي ذا الغنى، منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة. وقال ٱبن عباس: قدرته. الضحاك: فعله. وقال القُرظيّ والضحاك أيضاً: آلاؤهُ ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السديّ: أمره. وقال سعيد بن جُبير: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا} أي تعالى ربنا. وقيل: إنهم عَنَوا بذلك الجدّ الذي هو أب الأب، ويكون هذا من قول الجنّ. وقال محمد بن علي بن الحسين وٱبنه جعفر الصادق والربيع: ليس لله تعالى جَدّ، وإنما قالته الجنّ للجهالة، فلم يؤاخذوا به. وقال القشيريّ: ويجوز إطلاق لفظ الجدّ في حق الله تعالى؛ إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ مُوهِم، فتجنُّبُه أولى. وقراءة عِكرمة «جِدّ» بكسر الجيم: على ضد الهزل. وكذلك قرأ أبو حَيْوة ومحمد بن السَّمَيْقع. ويروى عن ٱبن السَّمَيقع أيضاً وأبي الأشهب «جَدَا رَبِّنَا»، وهو الجدوى والمنفعة. وقرأ عكرمة أيضاً «جَدًّا» بالتنوين «رَبُّنَا» بالرفع على أنه مرفوع، بـ«ـتعالى»، و«جَدًّا» منصوب على التمييز. وعن عكرمة أيضاً «جَدٌّ» بالتنوين والرفع «رَبُّنَا» بالرفع على تقدير: تعالى جَدٌّ جَدُّ رَبِّنا؛ فجدّ الثاني بدل من الأوّل وحذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ومعنى الآية: وأنه تعالى جلال ربِّنا أن يتخذ صاحبة وولداً للإستئناس بهما والحاجة إليهما، والرّب يتعالى عن الأنداد والنظراء.

وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطًا ۝٤ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۝٥ وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ۝٦ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا۟ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَدًا ۝٧

قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً} الهاء في «أَنَّهُ» للأمر أو الحديث، وفي «كَانَ» ٱسمها، وما بعدها الخبر. ويجوز أن تكون «كَانَ» زائدة. والسفيه هنا إبليس في قول مجاهد وٱبن جريج وقتادة. ورواه أبو بُرْدة بن أبي موسى عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: المشركون من الجنّ: قال قتادة: عصاه سفيه الجنّ كما عصاه سفيه الإنس. والشطط والاشتطاط: الغلوّ في الكفر. وقال أبو مالك: هو الجَور. الكلبيّ: هو الكذب. وأصله البعد فيعبّر به عن الجور لبعده عن العدل، وعن الكذب لبعده عن الصدق؛ قال الشاعر:

بأيَّةِ حالٍ حكّموا فيك فٱشتطُّواوما ذاكَ إلا حيثُ يَمَّمَكَ الوَخْطُ

قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ} أي حسبنا {أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولداً، حتى سمعنا القرآن وتبيَّنا به الحقّ. وقرأ يعقوب والجحدريّ وابن أبي إسحق «أَنْ لَنْ تَقَوَّلَ». وقيل: ٱنقطع الإخبار عن الجنّ ها هنا فقال الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ} فمن فتح وجعله من قول الجنّ ردّها إلى قوله: «أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ»، ومن كسر جعلها مبتدأ من قول الله تعالى. والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بوادٍ: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه؛ فيبيت في جواره حتى يصبح؛ قاله الحسن وٱبن زيد وغيرهما. قال مقاتل: كان أوّل من تعوذ بالجنّ قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم. وقال كَرْدَم بن أبي السائب: خرجت مع أبي إلى المدينة أوّلَ ما ذُكر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حَمَلا من الغنم، فقال الراعي: يا عَامر الوادي، أنا جارك. فنادى منادٍ يا سِرْحان أرسله، فأتى الحملَ يَشْتد. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقاً} أي زاد الجنُّ الإنس «رهقا» أي خطيئة وإثماً؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد وقتادة. والرهَق: الإثم في كلام العرب وغِشيان المحارم؛ ورجلٌ رَهِقٌ إذا كان كذلك؛ ومنه قوله تعالى: { { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } } [يونس: 27] وقال الأعشى:

لا شَيءَ ينفعني مِن دونِ رؤيتِهاهل يَشتفِي وامِقٌ ما لم يُصِب رَهَقَا

يعني إثماً. وأضيفت الزيادة إلى الجنّ إذ كانوا سبباً لها. وقال مجاهد أيضاً: «فَزَادُوهُم» أي إن الإنس زادوا الجنّ طغياناً بهذا التعوّذ، حتى قالت الجنّ: سُدنا الإنس والجنّ. وقال قتادة أيضاً وأبو العالية والربيع وٱبن زيد: ٱزداد الإنس بهذا فَرَقاً وخوفاً من الجنّ. وقال سعيد بن جُبير: كفراً. ولا خفاء أن الاستعاذة بالجنّ دون الاستعاذة بالله كفر وشرك. وقيل: لا يطلق لفظ الرجال على الجنّ؛ فالمعنى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجنّ برجال من الإنس، وكان الرجل من الإنس يقول مثلاً: أعوذ بحذيفة بن بدر من جنّ هذا الوادي. قال القشيريّ: وفي هذا تحكُّم إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجال على الجنّ.

قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً} هذا من قول الله تعالى للإنس؛ أي وأن الجنّ ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم. الكلبيّ: المعنى: ظنت الجنّ كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولاً إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم. وكل هذا توكيد للحجة على قريش؛ أي إذا آمن هؤلاء الجنّ بمحمد، فأنتم أحقّ بذلك.

وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ۝٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًا رَّصَدًا ۝٩ وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ۝١٠

قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} هذا من قول الجنّ؛ أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا {فَوَجَدْنَاهَا} قد {مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً} أي حَفَظة، يعني الملائكة. والحَرَس: جمع حارس {وَشُهُباً} جمع شهاب، وهو ٱنقضاض الكواكب المحرقة لهم عن ٱستراق السمع. وقد مضى القول فيه في سورة «الحجر» و«الصافات». و«وَجَدَ» يجوز أن يقدّر متعدّياً إلى مفعولين، فالأوّل الهاء والألف، و«مُلِئَتْ» في موضع المفعول الثاني. ويجوز أن يتعدّى إلى مفعول واحد ويكون «مُلِئَتْ» في موضع الحال على إضمار قد. و«حَرَساً» نصب على المفعول الثاني بـ«ـمُلِئَتْ». و«شَدِيداً» من نعت الحرس، أي ملئت ملائكة شدادا. ووحد الشَّديد على لفظ الحرس؛ وهو كما يقال: السَّلَف الصالح بمعنى الصالحين، وجمع السَّلَف أسلاف وجمع الحرس أحراس؛ قال:

«تجـاوزتُ أحراساً وأهـوالَ مَعْشَرٍ»

ويجوز أن يكون «حَرَساً» مصدراً على معنى حُرِست حراسةً شديدة.

قوله تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً}. «مِنْهَا» أي من السماء، و«مَقَاعِدَ»: مواضع يُقْعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء؛ يعني أن مَرَدة الجنّ كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهِنة على ما تقدّم بيانه، فحرسها الله تعالى حين بعث رسوله بالشُّهب المحرقة، فقالت الجنّ حينئذ: {فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} يعني بالشهاب: الكوكب المحرِق؛ وقد تقدّم بيان ذلك. ويقال: لم يكن انقضاض الكواكب إلا بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو آية من آياته. وٱختلف السَّلَف هل كانت الشياطين تُقذَف قبل المبعث، أو كان ذلك أمراً حدث لمبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال الكلبي وقال قوم: لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه: خمسِمائة عام، وإنما كان من أجل بعثة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات كلها، وحُرست بالملائكة والشهب.

قلت: ورواه عطية العوفي عن ٱبن عباس؛ ذكره البيهقي. وقال عبد الله بن عمر: لما كان اليوم الذي نُبِّىء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُنعت الشياطين ورُموا بالشُّهب. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تُحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم حُرست السماء، ورُميت الشياطين بالشُّهب، ومُنعت عن الدنوّ من السماء. وقال نافع بن جُبير: كانت الشياطين في الفترة تَسمع فلا تُرمَى، فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رُميت بالشُّهب. ونحوه عن أبيّ بن كعب قال: لم يُرمَ بنجم منذ رُفع عيسى حتى نُبِّىءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُمِيَ بها. وقيل كان ذلك قبل المبعث، وإنما زادت بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنذاراً بحاله؛ وهو معنى قوله تعالى: «مُلِئَتْ» أي زيد في حَرَسها؛ وقال أَوْس بن حَجَر وهو جاهليّ:

فٱنقَضّ كالدُّرِّي يَتْبَعُهنَقْعٌ يَثورُ تخَالُه طُنُبَا

وهذا قول الأكثرين. وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال: كل شعر رُوِي فيه فهو مصنوع، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث. والقول بالرمي أصح؛ لقوله تعالى، {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً}. وهذا إخبار عن الجنّ، أنه زِيد في حرس السماء حتى ٱمتلأت منها ومنهم؛ ولما رُوي عن ٱبن عباس قال: بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم جالس في نفر من أصحابه إذا رُمِي بنجم، فقال: «ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟» قالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تُرْمَى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربّنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمراً في السماء سبّح حملة العرش ثم سبّح أهل كل سماء، حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء ويستخبرُ أهلُ السماء حملةَ العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه، فتتخَطَّف الجنُّ فيُرْمون فما جاءوا به فهو حقّ ولكنهم يزيدون فيه». وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث. ورَوَى الزهريّ نحوه عن عليّ بن الحسين عن عليّ بن أبي طالب عن ٱبن عباس. وفي آخره قيل للزهريّ: أكان يُرمَى في الجاهلية؟ قال: نعم. قلت: أفرأيت قوله سبحانه: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} قال: غُلظت وشُدِّد أمرُها حين بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم. ونحوه قال القتبيّ: كان ولكن ٱشتدّت الحراسة بعد المبعث؛ وكانوا من قبلُ يسترقون ويُرمَون في بعض الأحوال، فلما بُعث محمد صلى الله عليه وسلم مُنعت من ذلك أصلاً. وقد تقدم بيان هذا في سورة «والصافات» عند قوله: « { وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } » [الصافات: 8-9] قال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجنّ لإحراق نفسها بسبب ٱستماع خبر، بعد أن صار ذلك معلوماً لهم؟ فالجواب: أن الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة، كما ينسَى إبليس في كل وقت أنه لا يسلم، وأن الله تعالى قال له: { { وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ } } [الحجر: 35] ولولا هذا لما تحقق التكليف. والرَّصَد: قيل من الملائكة؛ أي ورصداً من الملائكة. والرَّصَدُ: الحافظ للشيء والجمع أرصاد، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعاً كالحرس، والواحد: راصد. وقيل: الرصد هو الشهاب، أي شهاباً قد أرصد له، ليرجم به؛ فهو فَعَلٌ بمعنى مفعول كالخَبَط والنَّفَض.

قوله تعالى: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ} أي هذا الحرس الذي حرست بهم السماء {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} أي خيراً. قال ٱبن زيد: قال إبليس لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن يُنزل على أهل الأرض عذاباً أو يُرسل إليهم رسولاً. وقيل: هو من قول الجنّ فيما بينهم قبل أن يسمعوا قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم. أي لا ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم، فإنهم يكذبونه ويهلِكون بتكذيبه كما هلك من كذَّب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا؛ فالشرّ والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولما سمعوا قراءته علموا أنهم مُنعوا من السماء حراسة للوحي. وقيل: لا؛ بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن ٱنصرفوا إليهم منذرين؛ أي لما آمنوا أشفقوا ألاّ يؤمن كثير من أهل الأرض فقالوا: إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أمْ يؤمنون؟

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدًا ۝١١ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُۥ هَرَبًا ۝١٢

قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} هذا من قول الجنّ، أي قال بعضهم لبعض لما دَعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإنا كنا قبل ٱستماع القرآن منّا الصالحون ومنّا الكافرون. وقيل: «وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ» أي ومن دون الصالحين في الصلاح، وهو أشبه من حمله على الإيمان والشرك. {كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} أي فِرقاً شتّى؛ قاله السُّديّ. الضحاك: أدياناً مختلفة. قتادة: أهواءً متباينة؛ ومنه قول الشاعر:

القَابِضُ الباسِطُ الْهادِي بِطاعتِهِفي فِتْنَةِ الناسِ إِذْ أَهْوَاؤُهُمْ قِدَدُ

والمعنى: أي لم يكن كل الجنّ كفاراً بل كانوا مختلفين: منهم كفّار، ومنهم مؤمنون صلحاء، ومنهم مؤمنون غير صلحاء. وقال المسيّب: كنا مسلمين ويهود ونصارى ومجوس. وقال السّدّي في قوله تعالى: {طَرَآئِقَ قِدَداً} قال: في الجنّ مثَلكم قَدَرية، ومُرْجئة، وخوارج، ورافضة، وشيعة، وسُنّية. وقال قوم: أي وإِنا بعد ٱستماع القرآن مختلفون: منّا المؤمنون ومنّا الكافرون. أي ومنّا الصالحون، ومنّا مؤمنون لم يتناهوا في الصلاح. والأوّل أحسن؛ لأنه كان في الجنّ من آمن بموسى وعيسى، وقد أخبر الله عنهم أنهم قالوا: { { إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } } [الأحقاف: 30] وهذا يدلّ على إيمان قوم منهم بالتوراة، وكان هذا مبالغة منهم في دعاء من دعوهم إلى الإيمان. وأيضاً لا فائدة في قولهم: نحن الآن منقسمون إلى مؤمن وإلى كافر. والطرائق: جمع الطريقة وهي مذهب الرجل، أي كنا فرقاً مختلفة. ويقال: القوم طرائق أي على مذاهب شتّى. والقِدد: نحوٌ من الطرائق وهو توكيد لها، واحدها: قِدّة. يقال: لكل طريق قِدّة، وأصلها من قَدّ السيور، وهو قطعها؛ قال لبيد يرثي أخاه أَرْبَد:

لم تَبْلُغِ العينُ كلَّ نَهْمَتِهاليلةَ تُمْسِي الجِيادُ كالقِددِ

وقال آخر:

ولَقَدْ قُلْتُ وزَيدٌ حاسِرٌيومَ وَلَّتْ خيلُ عَمْرو قِدَدَا

والقِدّ بالكسر: سير يُقَدّ من جلد غير مدبوغ؛ ويقال: ماله قِدٌّ ولا قِحْف؛ فالقِدُّ: إناء من جلد، والقِحف: من خشب.

قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ} الظنّ هنا بمعنى العلم واليقين، وهو خلاف الظنّ في قوله تعالى:

{ { وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ } } [الجن: 5]، { { وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ } } [الجن: 7] أي علمنا بالاستدلال والتفكر في آيات الله: أنَّا في قبضته وسلطانه، لن نفوته بهرب ولا غيره. و{هَرَباً} مصدر في موضع الحال أي هاربين.

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦ فَمَن يُؤْمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ۝١٣ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَٰسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ تَحَرَّوْا۟ رَشَدًا ۝١٤ وَأَمَّا ٱلْقَٰسِطُونَ فَكَانُوا۟ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ۝١٥

قوله تعالى: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا ٱلْهُدَىٰ} يعني القرآن {آمَنَّا بِهِ} وبالله، وصدّقنا محمداً صلى الله عليه وسلم على رسالته. وكان صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الإنس والجنّ. قال الحسن: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الإنس والجنّ، ولم يبعث الله تعالى قطُّ رسولاً من الجنّ، ولا من أهل البادية، ولا من النساء؛ وذلك قوله تعالى:

{ { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ } } [يوسف: 109] وقد تقدم هذا المعنى. وفي الصحيح:وبُعثت إلى الأحمر والأسودأي الإنس والجنّ. {فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً} قال ٱبن عباس: لا يخاف أن يُنْقَص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته؛ لأن البخس النقصان، والرَّهَق: العدوان وغشيان المحارم؛ قال الأعشى:

لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دُونِ رُؤْيَتِهَاهل يَشْتَفِي وَامِقٌ مَا لَمْ يُصِبْ رَهَقاً

الوامق: المحبّ؛ وقد وَمِقَه يَمِقه بالكسر أي أحبّه، فهو وامق. وهذا قول حكاه الله تعالى عن الجِنّ؛ لقوّة إيمانهم وصحة إسلامهم. وقراءة العامة «فَلاَ يَخَافُ» رفعاً على تقدير فإنه لا يخاف. وقرأ الأعمش ويحيـى وإبراهيم «فَلاَ يَخَفْ» جزماً على جواب الشرط وإلغاء الفاء.

قوله تعالى: {وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ} أي وأنّا بعد ٱستماع القرآن مختلفون، فمنّا من أسلم ومنّا من كفر. والقاسط: الجائر، لأنه عادل عن الحقّ، والمُقْسِط: العادل؛ لأنه عادل إلى الحق؛ [يقال:] قسط: أي جار، وأقسط: إذا عدل؛ قال الشاعر:

قومٌ هُمُ قتلوا ٱبنَ هِندٍ عَنْوَةًعَمْراً وهم قَسَطُوا على النُّعْمَانِ

قوله تعالى: {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً} أي قصدوا طريق الحق وتوخَّوه ومنه تحرّى القِبلةِ {وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ} أي الجائرون عن طريق الحقّ والإيمان {فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} أي وَقوداً. وقوله: «فَكَانُوا» أي في علم الله تعالى

وَأَلَّوِ ٱسْتَقَٰمُوا۟ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَٰهُم مَّآءً غَدَقًا ۝١٦ لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِۦ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ۝١٧

قوله تعالى: {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} هذا من قول الله تعالى. أي لو آمن هؤلاء الكفار لوسّعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق. وهذا محمول على الوحي؛ أي أوحى إليّ أن لو ٱستقاموا. ذكر ٱبن بحر: كل ما في هذه السورة من «إن» المكسورة المثقلة فهي حكاية لقول الجِن الذين ٱستمعوا القرآن، فرجعوا إلى قومهم منذرين، وكل ما فيها من أن المفتوحة المخففة فهي وحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ٱبن الأنباري: ومن كسر الحروف وفتح «وَأَنْ لَوِ ٱسْتَقَامُوا» أضمر يميناً تامًّا، تأويلها: والله أن لو ٱستقاموا على الطريقة؛ كما يقال في الكلام: والله أَنْ قمتَ لقمتُ، ووالله لو قمتَ قمتُ؛ قال الشاعر:

أَما واللَّهِ أن لو كُنتَ حُرًّاوما بِالحُرّ أنتَ ولا العتِيقِ

ومن فتح ما قبل المخففة نسَقها ـ أعنى الخفيفة ـ على «أَوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ»، «وَأَنْ لَوِ ٱسْتَقَامُوا» أو على «آمَنَّا بِهِ» وبأن لو ٱستقاموا. ويجوز لمن كسر الحروف كلها إلى «أن» المخففة، أن يعطف المخففة على «أَوحِيَ إِلَيَّ» أو على «آمَنَّا بِهِ»، ويستغني عن إضمار اليمين. وقراءة العامة بكسر الواو من «لوِ» لالتقاء الساكنين. وقرأ ٱبن وثّاب والأعمش بضم الواو. و{مَّآءً غَدَقاً} أي واسِعاً كثيراً، وكانوا قد حُبِس عنهم المطر سبع سنين؛ يقال: غَدِقَتِ العينُ تَغدَق، فهي غَدِقة، إذا كثر ماؤها. وقيل: المراد الخلق كلُّهم أي {وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ} طريق الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين {لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً } أي كثيراً {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} أي لنختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم. وقال عمر في هذه الآية: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة. فمعنى «لأَسْقَيْنَاهُمْ» لوسَّعنا عليهم في الدنيا؛ وضرَبَ الماء الغَدَق الكثير لذلك مثلاً؛ لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه؛ كقوله تعالى: { { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } } [الأعراف: 96] وقوله تعالى: { { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } } [المائدة: 66] أي بالمطر. والله أعلم. وقال سعيد بن المسيّب وعطاء بن أبي رَبَاح والضحاك وقَتادة ومقاتل وعطية وعُبيد بن عمير والحسن: كان والله أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، ففتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر والمقوقس والنجاشيّ ففُتنوا بها، فوثبوا على إمامهم فقتلوه. يعني عثمان بن عفّان. وقال الكلبيّ وغيره: «وَأَنَّ لَوِ ٱسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيَقَةِ» التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفاراً لوسّعنا أرزاقهم مكراً بهم وٱستدراجاً لهم، حتى يَفتتنوا بها، فنعذبهم بها في الدنيا والآخرة. وهذا قول قاله الربيع ٱبن أنس وزيد بن أسلم وٱبنه والكلبيّ والثّمالي ويَمَان بن رَباب وٱبن كيسان وأبو مِجْلَز؛ وٱستدلّوا بقوله تعالى: { { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } } [الأنعام: 44] الآية. وقوله تعالى: { { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ } } [الزخرف: 33] الآية؛ والأوّل أشبه؛ لأن الطريقة معرّفة بالألف واللام، فالأوجب أن تكون طريقته طريقة الهدى؛ ولأن الاستقامة لا تكون إلا مع الهدى. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:أخْوف ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم من زَهْرة الدنيا» قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال: «بركات الأرض.. وذكر الحديث. وقال عليه السلام:فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا (كما بُسطت على مَن قبلكم) فتنافسوها كما تنافسوها فتهلكَكم كما أهلكتهم .

قوله تعالى: {وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ} يعني القرآن؛ قاله ٱبن زيد. وفي إعراضه عنه وجهان: أحدهما عن القبول، إن قيل إنها في أهل الكفر. الثاني عن العمل، إن قيل إنها في المؤمنين. وقيل: «وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ» أي لم يشكر نعمه {يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً} قرأ الكوفيون وعيّاش عن أبي عمرو «يَسْلُكْهُ» بالياء وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لذكر ٱسم الله أوّلا فقال: « وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ». الباقون «نَسْلُكْهُ» بالنون. وروى عن مسلم بن جُندب ضم النون وكسر اللام. وكذلك قرأ طلحة والأعرج وهما لغتان، سلكه وأسلكه بمعنًى؛ أي ندخله. {عَذَاباً صَعَداً} أي شاقًّا شديداً. قال ٱبن عباس: هو جبل في جهنم. الخدري، كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت. وعن ٱبن عباس: أن المعنى مشقة من العذاب. وذلك معلوم في اللغة أن الصَّعَد: المشقة، تقول: تصَعَّدني الأمر: إذا شقّ عليك؛ ومنه قول عمر: ما تَصعَّدني شيء ما تَصعدتني خُطبة النكاح، أي ما شقّ عليّ. وعذاب صَعَدٌ أي شديد. والصَّعَد: مصدر صَعِد؛ يقال: صَعِدَ صَعَداً وصُعوداً، فوصف به العذاب؛ لأنه يتصعد المعذّب أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. وقال أبو عبيدة: الصَّعَد مصدر؛ أي عذاباً ذا صَعَدٍ، والمشي في الصَّعود يشقّ. والصَّعود. العقبة الكئود. وقال عكرمة: هو صخرة ملساء في جهنم يُكلَّف صعودها؛ فإذا ٱنتهى إلى أعلاها حُدِر إلى جهنم. وقال الكلبيّ: يكلّف الوليد بن المغيرة أن يصعد جبلاً في النار من صخرة ملساء، يُجذب من أمامه بسلاسل، ويُضرب من خلفه بمقامع حتى يبلغ أعلاها، ولا يبلغ في أربعين سنة. فإذا بلغ أعلاها أُحْدِر إلى أسفلها، ثم يكلّف أيضاً صعودَها، فذلك دأبه أبداً، وهو قوله تعالى: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً}.

وَأَنَّ ٱلْمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدًا ۝١٨

فيه ست مسائل:

الأولى ـ قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} «أَنَّ» بالفتح، قيل: هو مردود إلى قوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} أي قل أوحَى إلى أن المساجد لله. وقال الخليل: أي ولأن المساجد لله. والمراد البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة. وقال سعيد بن جبير: قالت الجنّ كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} أي بُنيت لذكر الله وطاعته. وقال الحسن: أراد بها كل البقاع؛ لأن الأرض كلها مسجد للنبيّ صلى الله عليه وسلم، يقول:

أينما كنتم فصلّوافأينما صليتم فهو مسجدوفي الصحيح:وجعلت ليَ الأرض مسجداً وطَهوراً. وقال سعيد بن المسيّب وطَلْق ٱبن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد، وهي القدمان والركبتان واليدان والوجه؛ يقول: هذه الأعضاء أنعم الله بها عليك، فلا تسجد لغيره بها، فتجحد نعمة الله. قال عطاء: مساجدك: أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها. وفي الصحيح عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:أمرت أن أسجد على سبعة أعظُم: الجبهة ـ وأشار بيده إلى أنفه ـ واليدين والركبتين وأطراف القدمين. وقال العباس قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب. وقيل: المساجد هي الصلوات؛ أي لأن السجود لله. قاله الحسن أيضاً. فإن جعلت المساجد المواضع فواحدها مسجِد بكسر الجيم، ويقال بالفتح؛ حكاه الفراء. وإن جعلتها الأعضاء لواحدها مَسجَد بفتح الجيم. وقيل: هو جمع مَسجَد وهو السجود، ويقال: سجدت سجوداً ومَسجَداً، كما تقول: ضربت في الأرض ضَرْباً ومَضرَباً بالفتح: إذا سرت في ٱبتغاء الرزق. وقال ابن عباس: المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسمّيت مكة المساجد؛ لأن كل أحد يسجد إليها. والقول الأوّل أظهر هذه الأقوال إن شاء الله، وهو مروي عن ٱبن عباس رحمه الله

الثانية: قوله تعالى: {لِلَّهِ} إضافة تشريف وتكريم، ثم خصّ بالذكر منها البيت العتيق فقال:

{ { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ } } [الحج: 26]. وقال عليه السلام:لا تُعمَل المَطِيّ إلا إلى ثلاثة مساجدالحديث خرجه الأئمة. وقد مضى الكلام فيه. وقال عليه السلام:صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرامقال ٱبن العربي: وقد روى من طريق لا بأس بها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فإن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي هذاولو صح هذا لكان نَصّاً.

قلت: هو صحيح بنقل العدل عن العدل حَسْب ما بيناه في سورة «إبراهيم».

الثالثة: المساجد وإن كانت لله ملكاً وتشريفاً فإنها قد تنسب إلى غيره تعريفاً؛ فيقال: مسجد فلان. وفي صحيح الحديث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سابقَ بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأَمدُها ثَنيّة الوَدَاع، وسابق بين الخيل التي لم تضمّر من الثنيّة إلى مسجد بني زُريق. وتكون هذه بالإضافة بحكم المحلية كأنها في قبلتهم، وقد تكون بتحبيسهم، ولا خلاف بين الأمة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن ٱختلفوا في تحبيس غير ذلك.

الرابعة: مع أن المساجد لله لا يذكر فيها إلا الله فإنه تجوز القسمة فيها للأموال. ويجوز وضع الصدقات فيها على رسم الاشتراك بين المساكين وكل من جاء أكل. ويجوز حبس الغريم فيها، وربط الأسير والنوم فيها، وسكنى المريض فيها وفتح الباب للجار إليها، وإنشاد الشعر فيها إذا عرِي عن الباطل. وقد مضى هذا كله مبيناً في سورة «براءة». و«النور» وغيرهما.

الخامسة قوله تعالى: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام. وقال مجاهد: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبَيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيّه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها. يقول: فلا تشركوا فيها صنماً وغيره مما يعبد. وقيل: المعنى أفرِدوا المساجد لذكر الله، ولا تتخذوها هزواً وَمتّجراً ومجلساً، ولا طرقاً، ولا تجعلوا لغير الله فيها نصيباً. وفي الصحيح:

من نَشَد ضالّة في المسجد فقولوا لا ردّها الله عليك فإن المساجد لم تُبْنَ لهذاوقد مضى في سورة «النور» ما فيه كفاية من أحكام المساجد والحمد لله.

السادسة: روَى الضحاك عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:

كان إذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى. وقال: {وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً} اللهم أنا عبدك وزائرك وعلى كل مَزور حقّ وأنت خير مَزور فأسألك برحمتك أن تفك رقبتي من النار» فإذا خرج من المسجد قدّم رجله اليسرى؛ وقال: «اللهم صُبَّ عليَّ الخير صبًّا ولا تنزع عني صالح ما أعطيتني أبداً ولا تجعل معيشتي كَدًّا، وٱجعل لي في الأرض جَدًّا» أي غِنًى.
الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ