انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النازعات

تفسير الطبريالآيات 33–46

تفسير سورة النازعات آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النازعات

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 11:24

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 11:24

مَتَٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَٰمِكُمْ ۝٣٣ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ ۝٣٤ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ۝٣٥ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ۝٣٦

يعني تعالى ذكره بقوله: {مَتاعاً لَكُمْ ولأنْعامِكُمْ} أنه خلق هذه الأشياء، وأخرج من الأرض ماءها ومرعاها، منفعة لنا، ومتاعاً إلى حين.

وقوله: {فإذَا جاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى} يقول تعالى ذكره: فإذا جاءت التي تطمّ على كل هائلة من الأمور، فتغمر ما سواها بعظيم هولها، وقيل: إنها اسم من أسماء يوم القيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {فإذَا جاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى} من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذّره عباده.

حدثني محمد بن عُمَارة، قال: ثنا سهل بن عامر، قال: ثنا مالك بن مِغْول، عن القاسم بن الوليد، في قوله: {فإذَا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} قال: سيق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.

وقوله: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعَى} يقول: إذا جاءت الطامَّة يوم يتذكَّر الإنسان ما عَمِل في الدنيا من خير وشرّ، وذلك سعيه {وَبُرّزَتِ الجَحِيمُ} يقول: وأُظْهِرت الجحيم، وهي نار الله لمن يراها. يقول: لأبصار الناظرين.

فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ۝٣٧ وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ۝٣٨ فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ ۝٣٩ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ۝٤٠ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ ۝٤١

يقول تعالى ذكره: فأما من عتا على ربِّه، وعصاه واستكبر عن عبادته.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {طَغَى} قال: عصى.

قوله: {وآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا} يقول: وآثر متاع الحياة الدنيا على كرامة الآخرة، وما أعدّ الله فيها لأوليائه، فعمل للدنيا، وسعى لها، وترك العمل للآخرة {فإنَّ الجَحِيمَ هيَ المأْوَى} يقول: فإن نار الله التي اسمها الجحيم، هي منزلُهُ ومَأْواه، ومصيُره الذي يصير إليه يوم القيامة.

وقوله: {وأمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى} يقول: وأما من خاف مسألة الله إياه عند وقوفه يوم القيامة بين يديه، فاتقاه، بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه {ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى} يقول: ونهى نفسه عن هواها فيما يكرهه الله، ولا يرضاه منها، فزجرها عن ذلك، وخالف هواها إلى ما أمره به ربه {فإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى} يقول: فإن الجنة هي مأواه ومنزله يوم القيامة.

وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في معنى قوله: {ولِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ} فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۝٤٢ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَىٰهَآ ۝٤٣ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ۝٤٤ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَىٰهَا ۝٤٥ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَىٰهَا ۝٤٦

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يسألك يا محمد هؤلاء المكذّبون بالبعث عن الساعة التي تبعث فيها الموتَى من قبورهم أيانَ مرساها، متى قيامها وظهورها؟ وكان الفرّاء يقول: إن قال قائل: إنما الإرساء للسفينة، والجبال الراسية وما أشبههنّ، فكيف وصَفَ الساعة بالإرساء؟ قلت: هي بمنزلة السفينة إذا كانت جارية فرست، ورسوّها: قيامها قال: وليس قيامها كقيام القائم، إنما هي كقولك: قد قام العدل، وقام الحقّ: أي ظهر وثبت.

قال أبو جعفر رحمه الله: يقول الله لنبيه: {فِيمَ أنْتَ مِنْ ذِكْراها} يقول: في أيّ شيء أنت من ذكر الساعة والبحث عن شأنها. وذُكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر ذكر الساعة، حتى نزلت هذه الآية.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: لم يزلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَسأل عن الساعة، حتى أنزل الله عزّ وجلّ: {فِيمَ أنْتَ مِنْ ذِكْراها إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها}.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسماعيل، عن طارق بن شهاب، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يزال يَذكر شأن الساعة حتى نزلت {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيَّانَ مُرْساها}؟... إلى {مَنْ يَخْشاها}.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فيمَ أنْتَ مِنْ ذِكْراها} قال: الساعة.

وقوله: {إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها} يقول: إلى ربك منتهى علمها، أي إليه ينتهي علم الساعة، لا يعلم وقت قيامها غيره.

وقوله: {إنَّمَا أنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها} يقول تعالى ذكره لمحمد: إنما أنت رسول مبعوث بإنذار الساعة من يخاف عقاب الله فيها على إجرامه، ولم تكلَّف علمَ وقت قيامها، يقول: فدع ما لم تكلف علمَه، واعمل بما أُمرت به، من إنذار من أُمرت بإنذاره.

واختلف القرّاء في قراءة قوله: {مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها} فكان أبو جعفر القارىء وابن محيصن يقرآن: «مُنْذِرٌ» بالتنوين، بمعنى: أنه منذرٌ مَنْ يَخشاها وقرأ ذلك سائر قرّاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة بإضافة مُنْذِرٍ إلى من.

والصواب من القول في ذلك عندي: أنهم قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وقوله: {كأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ عَشِيَّةً أوْ ضُحاها} يقول جلّ ثناؤه: كأن هؤلاء المكذّبين بالساعة، يوم يرون أن الساعة قد قامت، من عظيم هولها، لم يلبثوا في الدنيا إلا عشية يوم، أو ضحا تلك العشية والعرب تقول: آتيك العشية أو غدَاتَها، وآتيك الغداةَ أو عشيتها، فيجعلون معنى الغداة، بمعنى أوّل النهار، والعشية: آخر النهار، فكذلك قوله: {إلاَّ عَشِيَّةً أوْ ضُحاها} إنما معناها إلا آخر يوم أو أوّله، وينشد هذا البيت:

نَحْنُ صَبَحْنا عامِراً فِي دَارِها عَشِيَّةَ الهِلالِ أوْ سِرَارِها

يعني: عشية الهلال، أو عشية سرار العشية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثوا إلاَّ عَشِيَّةً أوْ ضُحاها} وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ