قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفِي ذَلِكَ تَقْدِيرَانِ: أَحَدُهُمَا تَقْدِيرُهُ: هُمْ مِنَ الَّذِينَ، فَـ «يُحَرِّفُونَ» عَلَى هَذَا حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي هَادُوا. وَالثَّانِي: تَقْدِيرُهُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا قَوْمٌ، فَقَوْمٌ هُوَ الْمُبْتَدَأُ وَمَا قَبْلَهُ الْخَبَرُ، وَيُحَرِّفُونَ نَعْتٌ لِقَوْمٍ. وَقِيلَ التَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّفُونَ، كَمَا قَالَ: (وَمَا
مِنَّا إِلَّا لَهُ) [الصَّافَّاتِ: ١٦٤] ؛ أَيْ:
مَنْ لَهُ، وَمَنْ هَذِهِ عِنْدَنَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مِثْلُ قَوْمٍ، وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى الَّذِي؛ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ لَا يُحْذَفُ دُونَ صِلَتِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مِنَ الَّذِينَ مُتَعَلِّقٌ بِنَصِيرٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، كَمَا قَالَ: (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ) [غَافِرٍ: ٢٩] ؛ أَيْ: يَمْنَعُنَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي يُرِيدُونَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي أُوتُوا؛ لِأَنَّ شَيْئًا وَاحِدًا لَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ حَالٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يُعْطَفَ بَعْضُ الْأَحْوَالِ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا يَكُونُ حَالًا مِنَ الَّذِينَ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَقِيلَ: هُوَ حَالٌ مِنْ أَعْدَائِكُمْ؛ أَيْ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ كَائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ، وَالْفَصْلُ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَهُمَا مُسَدِّدٌ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ الْحَالِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جُعِلَتْ فِيهِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَالًا، فَيُحَرِّفُونَ فِيهِ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ فِي هَادُوا. وَ (الْكَلِمَ) : جَمْعُ كَلِمَةٍ. وَيُقْرَأُ: «الْكَلَامَ» وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ. وَ (عَنْ مَوَاضِعِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِيُحَرِّفُونَ، وَذُكِرَ الضَّمِيرُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الْكَلِمِ؛ لِأَنَّهَا جِنْسٌ. (وَيَقُولُونَ) : عَطْفٌ عَلَى يُحَرِّفُونَ. وَ (غَيْرَ مُسْمَعٍ) : حَالٌ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: لَا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا، هَذَا ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ، فَأَمَّا مَا أَرَادُوا فَهُوَ لَا أُسْمِعْتَ خَيْرًا. وَقِيلَ: أَرَادُوا غَيْرَ مَسْمُوعٍ مِنْكَ. (وَرَاعِنَا) : قَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ. وَ (لَيًّا)، (وَطَعْنًا) : مَفْعُولٌ لَهُ. وَقِيلَ: مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَالْأَصْلُ فِي لَيٍّ لَوَى فَقُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً، وَأُدْغِمَتْ. وَ (فِي الدِّينِ) : مُتَعَلِّقٌ بِـ «طَعْنٍ». (
خَيْرًا لَهُمْ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ؛ كَمَا قَالَ «وَأَقْوَمَ». وَمِنْ مَحْذُوفَةٌ؛ أَيْ: مِنْ غَيْرِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى فَاضِلٍ وَجَيِّدٍ، فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى «مِنْ». (إِلَّا قَلِيلًا) : صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: إِيمَانًا قَلِيلًا.