انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير الطبريالآيات 44–51

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النساء

الخلاصة من تفسير الطبري · 12 مقطعًا · 3:03:07

  1. 1 الآيات 36–57في هذه الصفحة 19:24

التفسير الصوتي لسورة النساء كاملًا (12 مقطعًا)

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ۝٤٤ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا ۝٤٥

اختلف أهل التأويل في معنى قوله جلّ ثناؤه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ } فقال قوم: معناه: ألم تخبر. وقال آخرون: معناه: ألم تعلم. والصواب من القول في ذلك: ألم تر بقلبك يا محمد علماً إلى الذين أوتوا نصيباً. وذلك أن الخبر والعلم لا يجليان رؤية، ولكنه رؤية القلب بالعلم لذلك كما قلنا فيه.

وأما تأويل قوله: {إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } فإنه يعني: إلى الذين أُعطوا حظًّا من كتاب الله، فعلموه. وذكر أن الله عنى بذلك طائفة من اليهود الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ } فهم أعداء الله اليهود، اشتروا الضلالة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } إلى قوله:

{ يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ }[النساء: 46] قال: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب اليهودي.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظمائهم ـ يعني: من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوى لسانه وقال: راعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك! ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ }... إلى قوله:

{ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } [النساء: 46].

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق بإسناده عن ابن عباس، مثله.

القول في تأويل قوله تعالى: {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً }.

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ }: اليهود الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يختارون الضلالة، وذلك الأخذ على غير طريق الحق وركوب غير سبيل الرشد والصواب، مع العلم منهم بقصد السبيل ومنهم الحقّ. وإنما عنى الله بوصفهم باشترائهم الضلالة مقامهم على التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم وتركهم الإيمان به، وهم عالمون أن السبيل الحقّ الإيمان به وتصديقه بما قد وجدوا من صفته في كتبهم التي عندهم.

وأما قوله: {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ } يعني بذلك تعالى ذكره: ويريد هؤلاء اليهود الذين وصفهم جلّ ثناؤه بأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب أن تضلوا أنتم يا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم المصدّقين به أن تضلوا السبيل، يقول: أن تزولوا عن قصد الطريق، ومحجة الحقّ، فتكذبوا بمحمد، وتكونوا ضلالاً مثلهم. وهذا من الله تعالى ذكره تحذير منه عباده المؤمنين أن يستنصحوا أحدا من أعداء الإسلام في شيء من أمر دينهم، أو أن يسمعوا شيئاً من طعنهم في الحقّ. ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عن عداوة هؤلاء اليهود الذين نهى المؤمنين أن يستنصحوهم في دينهم إياهم، فقال جلّ ثناؤه: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } يعني بذلك تعالى ذكره: والله أعلم منكم بعداوة هؤلاء اليهود أيها المؤمنون، يقول: فانتهوا إلى طاعتي عما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، فإني أعلم بما هم عليه لكم من الغشّ والعداوة والحسد وأنهم إنما يبغونكم الغوائل، ويطلبون أن تضلوا عن محجة الحقّ فتهلكوا.

وأما قوله: {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً } فإنه يقول: فبالله أيها المؤمنون فثقوا، وعليه فتوكلوا، وإليه فارغبوا دون غيره، يكفكم مهمكم وينصركم على أعدائكم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً } يقول: وكفاكم وحسبكم بالله ربكم ولياً يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم والحراسة من أن يستفزَّكم أعداؤكم عن دينكم أو يصدّوكم عن اتباع نبيكم. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً } يقول: وحسبكم بالله ناصراً لكم على أعدائكم وأعداء دينكم، وعلى من بغاكم الغوائل، وبغي دينكم العوج.

]

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٤٦

ولقوله جلّ ثناؤه: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ } وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون معناه: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا يحرّفون الكلم. فيكون قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } من صلة «الذين». وإلى هذا القول كانت عامة أهل العربية من أهل الكوفة يوجهون. قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ }. والآخر منهما: أن يكون معناه: من الذين هادوا من يحرّف الكلم عن مواضعه. فتكون «من» محذوفة من الكلام اكتفاء بدلالة قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } عليها، وذلك أن «مِن» لو ذكرت في الكلام كانت بعضاً لـ «مَنْ»، فاكتفى بدلالة «مِنْ» عليها، والعرب تقول: منا من يقول ذلك، ومنا لا يقوله، بمعنى: منا من يقول ذاك، ومنا من لا يقوله، فتحذف «من» اكتفاء بدلالة من عليه، كما قال ذو الرمة:

فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ وآخَرُ يُذْرِي دَمْعَةَ العْينِ بالمَهْلِ

يعني: ومنهم من دمعه. وكما قال الله تبارك وتعالى: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }[الصافات: 164]، وإلى هذا المعنى كانت عامة أهل العربية من أهل البصرة يوجهون تأويل قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ } غير أنهم كانوا يقولون: المضمر في ذلك «القوم»، كأن معناه عندهم: من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم، ويقولون: نظير قول النابغة:

كأنَّكَ مِنْ جِمالِ بني أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيهِ بِشَنّ

يعني: كأنك جمل من جمال أقيشٍ.

فأما نحويو الكوفة، فينكرون أن يكون المضمر مع «مِن» إلا «مَن«أو ما أشبهها.

والقول الذي هو أولى بالصواب عندي في ذلك قول من قال قوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ } من صلة الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، لأن الخبرين جميعاً والصفتين من صفة نوع واحد من الناس، وهم اليهود الذين وصف الله صفتهم في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }. وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، فلا حاجة بالكلام إذ كان الأمر كذلك إلى أن يكون فيه متروك.

وأما تأويل قوله: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ } فإنه يقول: يبدّلون معناها ويغيرونها عن تأويله، والكلم جماع كلمة. وكان مجاهد يقول: عنى بالكلم: التوراة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوٰضِعِهِ }: تبديل اليهود التوراة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وأما قوله: {عَن مَّوٰضِعِهِ } فإنه يعني: عن أماكنه ووجوهه التي هي وجوهه.

القول في تأويل قوله: {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: من الذين هادوا يقولون: سمعنا يا محمد قولك، وعصينا أمرك. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد، في قوله: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } قال: قالت اليهود: سمعنا ما تقول، ولا نطيعك.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } قالوا: قد سمعنا، ولكن لا نطيعك.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ }.

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن اليهود الذين كانوا حوالى مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصره، أنهم كانوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كقول القائل للرجل يسبه: اسمع لا أسمعك الله. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قال: هذا قول أهل الكتاب يهود، كهيئة ما يقول الإنسان: اسمع لاسمعت، أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وشتماً له واستهزاء.

حُدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قال: يقولون لك: واسمع لاسمعت.

وقد رُوي عن مجاهد والحسن أنهما كانا يتأوّلان في ذلك بمعنى: واسمع غير مقبول منك. ولو كان ذلك معناه لقيل: واسمع غير مسموع، ولكن معناه: واسمع لاتسمع، ولكن قال الله تعالى ذكره: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ } فوصفهم بتحريف الكلام بألسنتهم والطعن في الدين بسبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وأما القول الذي ذكرته عن مجاهد: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } يقول: غير مقبول ما تقول، فهو كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قال: غير مستمع. قال ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ }: غير مقبول ما تقول.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } قال: كما تقول: اسمع غير مسموع منك.

وحدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: كان ناس منهم يقولون: {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } كقولك: اسمع غير صاغ.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَرٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ }.

يعني بقوله: {وَرٰعِنَا }: أي راعنا سمعك، افهم عنا وأفهمنا. وقد بينا تأويل ذلك في سورة البقرة بأدلته بما فيه الكفاية عن إعادته.

ثم أخبر الله جلّ ثناؤه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } يعني: تحريكاً منهم بألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه من معنييه، واستخفافاً منهم بحقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ }. كما:

حدثني الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: كانت اليهود يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك! يستهزئون بذلك، فكانت اليهود قبيحة، فقال: راعنا سمعك ليًّا بألسنتهم؛ والليّ: تحريكهم ألسنتهم بذلك، {وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ }.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {رٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } كان الرجل من المشركين يقول: أرعني سمعك! يلوي بذلك لسانه، يعني: يحرّف معناه.

حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ }... إلى: {وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ } فإنهم كانوا يستهزئون ويلوون ألسنتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعنون في الدين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَرٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ } قال: «راعنا» طعنهم في الدين، وليهم بألسنتهم ليبطلوه ويكذبوه. قال: والراعن: الخطأ من الكلام.

حُدثت عن المنجاب، قال: ثنا بشر، أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } قال: تحريفاً بالكذب.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولو أن هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم قالوا لنبيّ لله: سمعنا يا محمد قولك، وأطعنا أمرك، وقبلنا ما جئتنا به من عند الله، واسمع منا، وانظرنا ما نقول، وانتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ } يقول: لكان ذلك خيراً لهم عند الله وأقوم، يقول: وأعدل وأصوب في القول. وهو من الاستقامة من قول الله: {وَأَقْوَمُ قِيلاً } بمعنى: وأصوب قيلاً. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } قال: يقولون: اسمع منا فإنا قد سمعنا وأطعنا، وانظرنا فلا تعجل علينا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد، قوله: {وَٱنْظُرْنَا } قال: اسمع منا.

حدثنا القاسم، ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: {وَٱنْظُرْنَا } قال: أفهمنا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱنْظُرْنَا } قال: أفهمنا.

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله مجاهد وعكرمة من توجيههما معنى: {وَٱنْظُرْنَا } إلى: اسمع منا، وتوجيه مجاهد ذلك إلى: أفهمنا، ما لا نعرف في كلام العرب، إلا أن يكون أراد بذلك من توجيهه إلى أفهمنا: انتظرنا نفهم ما تقول، أو انتظرنا نقل حتى تسمع منا، فيكون ذلك معنى مفهوماً وإن كان غير تأويل الكلمة ولا تفسير لها، فلا نعرف «انظرنا» في كلام العرب إلا بمعنى: انتظرنا وانظر إلينا، فأما «انظرنا» بمعنى انتظرنا، فمنه قول الحطيئة:

وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ لَوْ أنَّ دِرَّتَكُمْ يَوْماً يَجِيءُ بِها مَسْحِي وَإبْساسِي

وأما انظرنا بمعنى: انظر إلينا، فمنه قول عبد الله بن قيس الرقيات:

ظاهِرَاتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كمَا يَنْظُرُ الأرَاكَ الظِّباءُ

بمعنى كما ينظر إلى الأراك الظباء.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً }.

يعني بذلك: ولكن الله تبارك وتعالى أخزى هؤلاء اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآية فأقصاهم وأبعدهم من الرشد، واتباع الحقّ بكفرهم، يعني بجحودهم نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربهم من الهدى والبينات {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } يقول: فلا يصدّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربهم، ولا يقرّون بنبوّته إلا قليلاً، يقول: لا يصدّقون بالحقّ الذي جئتهم به يا محمد إلا إيماناً قليلاً. كما:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } قال: لا يؤمنون هم إلا قليلاً.

وقد بينا وجه ذلك بعلله في سورة البقرة.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ۝٤٧

يعني جلّ ثناؤه بقوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }: اليهود من بني إسرائيل الذين كانوا حوالي مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله لهم: يا أيها الذين أنزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به، {ءامِنُواْ } يقول: صدّقوا بما أنزلنا إلى محمد من الفرقان، {مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ } يعني: محققاً للذي معكم من التوراة التي أنزلتها إلى موسى بن عمران، {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا }.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: طمسه إياه: محوه آثارها حتى تصير كالأقفاء.

وقال آخرون: معنى ذلك: أن نطمس أبصارها فنصيرها عمياء، ولكن الخبر خرج بذكر الوجه، والمراد به بصره. {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا }: فنجعل أبصارها من قبل أقفائها. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءامِنُواْ }... إلى قوله: {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } وطمسها أن تعمى فنردّها على أدبارها، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقري ونجعل لأحدهم عينين في قفاه.

حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبديّ، قال: ثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } قال: نجعلها في أقفائها فتمشي على أعقابها القهقرى.

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية بنحوه، إلا أنه قال: طمسها أن يردّها على أقفائها.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } قال: نحوّل وجوهها قبل ظهورها.

وقال آخرون: معنى ذلك من قبل أن نعمي قوماً عن الحقّ، فنردّها على أدبارها في الضلالة والكفر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا }: فنردّها عن الصراط الحقّ، {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } قال: في الضلالة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } عن صراط الحقّ، {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } في الضلالة.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال الحسن: {نَّطْمِسَ وُجُوهاً } يقول: نطمسها عن الحقّ، {فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا }: على ضلالتها.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }... إلى قوله: {كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } قال: نزلت في مالك بن الصيّف ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع. أما {أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } يقول: فنعميها عن الحقّ، ونرجعها كفاراً.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } يعني: أن نردّهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردّهم على أدبارهم فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.

وقال آخرون: معنى ذلك: من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها وناحيتهم التي هم بها، فنردّها على أدبارها من حيث جاءوا منه بدءاً من الشام. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا } قال: كان أبي يقول: إلى الشام.

وقال آخرون: معنى ذلك: من قبل أن نطمس وجوهاً فنمحو آثارها ونسوّيها، فنردّها على أدبارها بأن نجعل الوجوه منابت الشعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم، فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردّها على أدبارها بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً }: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء، فنردّها على أدبارها، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقفاء، والأقفاء وجوها، فيمشون القهقري، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الله جلّ ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلـٰلَةَ } ثم حذّرهم جلّ ثناؤه بقوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا }... الآية، بأَسه وسطوَتَه، وتعجيل عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكّ أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفاراً. وإذ كان ذلك كذلك، فبِّين فساد قول من قال: تأويل ذلك أن نعميها عن الحقّ فنردّها في الضلالة، فما وجه ردّ من هو في الضلالة فيها؟ وإنما يرد في الشيء من كان خارجاً منه، فأما من هو فيه فلا وجه لأن يقال: يردّه فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً أن الله قد تهدّد الذين ذكرهم في هذه الآية بردّه وجوههم على أدبارهم، كان بيناً فساد تأويل من قال: معنى ذلك يهدّدهم بردّهم في ضلالتهم.

وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من قبل أن نجعل الوجوه منابت الشعر كهيئة وجوه القردة، فقول لقول أهل التأويل مخالف، وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين على خطئه شاهداً.

وأما قول من قال: معناه: من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها فنردّهم إلى الشام من مساكنهم بالحجاز ونجد، فإنه وإن كان قولاً له وجهٌ كما يدلّ عليه ظاهر التنزيل بعيد، وذلك أن المعروف من الوجوه في كلام العرب التي هي خلاف الأقفاء، وكتاب الله يوجه تأويله إلى الأغلب في كلام من نزل بلسانه حتى يدلّ على أنه معنيّ به غير ذلك من الوجوه التي ذكرت دليل يجب التسليم له. وأما الطمس: فهو العفو والدثور في استواء؛ ومنه يقال: طمست أعلام الطريق تَطْمِسُ طُمُوساً، إذا دثرت وتعفت فاندفنت واستوت بالأرض، كما قال كعب بن زهير:

منْ كُلّ نَضَّاخَةِ الذّفْرَى إذَا عَرقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ

يعني بطامس الأعلام: داثر الأعلام مندفنها. ومن ذلك قيل للأعمى الذي قد تعفيَّ غَرُّ ما بين جفني عينيه فدثر: أعمى مطموس وطميس، كما قال الله جلّ ثناؤه: { وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ }[يس: 66].

قال أبو جعفر: الغَرُّ: الشقّ الذي بين الجفنين.

فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية، فهل كان ما توعدهم به؟ قيل: لم يكن لأنه آمن منهم جماعة، منهم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومخيرق، وجماعة غيرهم، فدفع عنهم بإيمانهم.

ومما يبين عن أن هذه الآية نزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم، ما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة جميعاً، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، قال: ثني سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم:

يا مَعْشَرَ يهود اتَّقُوا الله وأسْلِمُوا! فوالله إنكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذي جِئْتُكُمْ به لحقٌّ فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله فيهم: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا }... الآية.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب في زمان عمر أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمرّ على المدينة، فخرج إليه عمر، فقال: يا كعب أسلم! قال: ألستم تقرءون في كتابكم:

{ مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }[الجمعة: 5]؟ وأنا قد حملت التوراة. قال: فتركه ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، قال: فسمع رجلاً من أهلها حزيناً، وهو يقول: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ ءامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهَا }... الآية، فقال كعب: يا ربّ أسلمت! مخافة أن تصيبه الآية، ثم رجع فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين.

القول في تأويل قوله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً }.

يعني بقوله جلّ ثناؤه: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ }: أو نلعنكم، فنخزيكم، ونجعلكم قردة، {كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } يقول: كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم، قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله: {ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ } كما قال:

{ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا }[يونس: 22]. وقد يحتمل أن يكون معناه: من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها أو نلعن أصحاب الوجوه، فجعل الهاء والميم في قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ } من ذكر أصحاب الوجوه، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }... إلى قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } أي نحوّلهم قردة.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } يقول: أو نجعلهم قردة.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } أو نجعلهم قردة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ } قال: هم يهود جميعاً، نلعن هؤلاء كما لعنا الذين لعنا منهم من أصحاب السبت.

وأما قوله: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً } فإنه يعني: وكان جميع ما أمر الله أن يكون كائناً مخلوقاً موجوداً، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خلقه. والأمر في هذا الموضع: المأمور، سمي أمر الله لأنه عن أمره كان وبأمره، والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولاً.

]

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا ۝٤٨

يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقا لمِا معكم، وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام. وإذ كان ذلك معنى الكلام، فإن قوله: {أَن يُشْرَكَ بِهِ } في موضع نصب بوقوع يغفر عليها وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهراً، وذلك أن يوجه معناه: إلى أن الله لا يغفر بأن يشرك به على تأويل الجزاء، كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنباً مع شرك أو عن شرك؛ وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون «أن» في موضع خفض في قول بعض أهل العربية. وذكر أن هذه الآية نزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت:

{ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ }[الزمر: 53]. ذكر الخبر بذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: ثني محبر، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: لما نزلت:

{ { يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ }[الزمر: 53]... الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبيّ الله. فكره ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً}.

حُدثت عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } قال: أخبرني محبر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية:

{ يٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ }[الزمر: 53]... الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبيّ الله. فكره ذلك النبيّ، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ }.

حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الهيثم بن حماد، قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: كنا معشر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لا نشكّ في قاتل النفس، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } فأمسكنا عن الشهادة.

وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركاً بالله.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ إِثْماً عَظِيماً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ومن يشرك بالله في عبادته غيره من خلقه، فقد افترى إثماً عظيماً، يقول: فقد اختلق إثماً عظيماً. وإنما جعله الله تعالى ذكره مفترياً، لأنه قال زوراً وإفكاً بجحوده وحدانية الله وإقراره بأن لله شريكاً من خلقه وصاحبة أو ولداً، فقائل ذلك مفتر، وكذلك كلّ كاذب فهو مفتر في كذبه مختلق له.

]

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ۝٤٩

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ألم تر يا محمد بقلبك الذين يزكون أنفسهم من اليهود فيبرّئونها من الذنوب، ويطرونها.

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي كانت اليهود تزكي به أنفسها، فقال بعضهم: كانت تزكيتهم أنفسهم قولهم:

{ نَحْنُ أَبْنَٰؤُءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُاْ }[المائده: 18]. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } وهم أعداء الله اليهود زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لا ذنوب لنا.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } قال: هم اليهود والنصارى، قالوا:

{ نَحْنُ أَبْنَٰؤُءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُاْ }[المائده: 18] وقالوا: { لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }[البقرة: 111].

وحدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قال: قالت يهود: ليست لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون، فإن كانت لهم ذنوب، فإن لنا ذنوباً، فإنما نحن مثلهم، قال الله تعالى ذكره:

{ ٱنظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً }[النساء: 50].

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } قال: قال أهل الكتاب:

{ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }[البقرة: 111] وقالوا: { نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ }[المائدة: 18] وقالوا: نحن على الذي يحبّ الله. فقال تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَاءُ } حين زعموا أنهم يدخلون الجنة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه وأهل طاعته.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } نزلت في اليهود، قالوا: إنا نعِّلم أبناءنا التوراة صغاراً فلا تكون لهم ذنوب، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا، ما عملنا بالنهار كُفِّر عنا بالليل.

وقال آخرون: بل كانت تزكيتهم أنفسهم تقديمهم أطفالهم لإمامتهم في صلاتهم زعماً منها أنهم لا ذنوب لهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } قال: يهود كانوا يقدّمون صبيانهم في الصلاة فيؤمونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم. فتلك التزكية.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد، قال: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك تزكية. قال ابن جريج: هم اليهود والنصارى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن أبي مالك في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } قال: نزلت في اليهود كانوا يقدّمون صبيانهم يقولون: ليست لهم ذنوب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي مكين، عن عكرمة، في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } قال: كان أهل الكتاب يقدمون الغلمان الذين لم يبلغوا الحنث يصلون بهم، يقولون ليس لهم ذنوب، فأنزل الله: {الم تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }... الآية.

وقال آخرون: بل تزكيتهم أنفسهم كانت قولهم: إن أبناءنا سيشفعون لنا ويزكوننا. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا قد توفوا وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون ويزكوننا. فقال الله لمحمد: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }... إلى {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً }.

وقال آخرون: بل ذلك كان منهم تزكية من بعضهم لبعض. ذكر من قال ذلك:

حدثني يحيـى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء! يلقى الرجل ليس يملك له نفعاً ولا ضرًّا، فيقول: والله إنك لذيت وذيت، ولعلّه أن يرجع، ولم يحل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }... الآية.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى تزكية القوم الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم وصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحباء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه، لأنه ذلك هو أظهر معانيه لإخبار الله عنهم أنها إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها.

وأما الذين قالوا: معنى ذلك: تقديمهم أطفالهم للصلاة، فتأويل لا تدرك صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم. وأما قوله جلّ ثناؤه: {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَاءُ } فإنه تكذيب من الله المزكين أنفسهم من اليهود والنصارى، المبرئيها من الذنوب، يقول الله لهم: ما الأمر كما زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا، وإنكم برآء مما يكرهه الله، ولكنكم أهل فرية وكذب على الله، وليس المزكي من زكى نفسه، ولكنه الذي يزكيه الله، والله يزكي من يشاء من خلقه، فيطهره ويبرئه من الذنوب بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه من معاصيه إلى ما يرضاه من طاعته.

وإنما قلنا إن ذلك كذلك لقوله جلّ ثناؤه:

{ ٱنظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلكَذِبَ }[النساء: 50] وأخبر أنهم يفترون على الله الكذب بدعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد طهرهم من الذنوب.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولا يظلم الله هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه، فيبخسهم في تركه تزكيتهم، وتزكية من ترك تزكيته، وفي تزكية من زكى من خلقه شيئاً من حقوقهم ولا يضع شيئاً في غير موضعه، ولكنه يزكي من يشاء من خلقه، فيوفقه، ويخذل من يشاء من أهل معاصيه؛ كل ذلك إليه وبيده، وهو في كل ذلك غير ظالم أحداً ممن زكاه أو لم يزكه فتيلاً.

واختلف أهل التأويل في معنى «الفتيل»، فقال بعضهم: هو ما خرج من بين الإصبعين والكفين من الوسخ إذا فتلت إحداهما بالأخرى. ذكر من قال ذلك:

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: الفتيل: ما خرج من بين أصبعيك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن التيمي، قال: سألت ابن عباس، عن قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قال: ما فتلت بين أصبعيك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن زيد بن درهم أبي العلاء، قال: سمعت أبا العالية، عن ابن عباس: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قال: الفتيل: هو الذي يخرج من بين إصبعي الرجل.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } والفتيل: هو أن تدلك بين أصبعيك، فما خرج بينهما فهو ذلك.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، في قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قال: الفتيل: الوسخ الذي يخرج من بين الكفين.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الفتيل: ما فتلت به يديك فخرج وسخ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قال: ما تدلكه في يديك فيخرج بينهما.

وأناس يقولون: الذي يكون في بطن النواة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله: {فَتِيلاً } قال: الذي في بطن النواة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال: الفتيل: الذي في بطن النواة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني طلحة بن عمرو، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول، فذكر مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهداً يقول: الفتيل: الذي في شقّ النواة.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد، قال: الفتيل: في النوى.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } قال: الفتيل: الذي في شقّ النواة.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: الفتيل: شِقّ النواة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: الفتيل: الذي في بطن النواة.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قال: الفتيل: الذي يكون في شقّ النواة.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً }: فتيل النواة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرّة، عن عطية، قال: الفتيل: الذي في بطن النواة.

قال أبو جعفر: وأصل الفتيل: المفتول، صرف من فمفعول إلى فعيل، كما قيل: صريع ودهين من مصروع ومدهون. وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله جلّ ثناؤه إنما قصد بقوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } الخبر عن أنه لا يظلم عباده أقلّ الأشياء التي لا خطر لها، فكيف بما له خطر، وكان الوسخ الذي يخرج من بين أصبعي الرجل أو من بين كفيه إذا فتل إحداهما على الأخرى، كالذي هو في شقّ النواة وبطنها، وما أشبه ذلك من الأشياء التي هي مفتولة، مما لا خطر له ولا قيمة، فواجب أن يكون كل ذلك داخلاً في معنى الفتيل، إلا أن يخرج شيئاً من ذلك ما يجب التسليم له مما دلّ عليه ظاهر التنزيل.

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًا مُّبِينًا ۝٥٠

يعني بذلك جلّ ثناؤه: انظر يا محمد كيف يفتري هؤلاء الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب القائلون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم الكذب والزور من القول، فيختلقونه على الله. {وَكَفَىٰ بِهِ } يقول: وحسبهم بقيلهم ذلك الكذب والزور على الله {إِثْماً مُّبِيناً } يعني: إنه يبين كذبهم لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أفكة فجرة. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج:

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ }[النساء: 49] قال: هم اليهود والنصارى {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ }.

]

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا ۝٥١

يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر بقلبك يا محمد إلى الذين أعطوا حظاً من كتاب الله فعلموه يؤمنون بالجبت والطاغوت، يعني: يصدّقون بالجبت والطاغوت ويكفرون بالله، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر والتصديق بهما شرك.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى الجبت والطاغوت، فقال بعضهم: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: الجبت والطاغوت: صنمان.

وقال آخرون: الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ } الجبت: الأصنام، والطاغوت: الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.

وزعم رجال أن الجبت: الكاهن والطاغوت: رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف، وكان سيد اليهود.

وقال آخرون: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، قال: قال عمر رضي الله عنه: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العنسي، عن عمر مثله.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.

حدثني يعقوب، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ } قال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد، قال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطات والكاهن.

وقال آخرون: الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: كان أبي يقول: الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان.

وقال آخرون: الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: {الجبت والطاغوت}، قال: الجبت: الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت: الكاهن.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن رفيع، قال: الجبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن أبي العالية، أنه قال: الطاغوت: الساحر، والجبت: الكاهن.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن داود، عن أبي العالية في قوله: {الجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} قال: أحدهما السحر، والآخر الشيطان.

وقال آخرون: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ } كنا نحدّث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن.

وقال آخرون: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الشيطان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير، قال: الجبت: الكاهن: والطاغوت: الساحر.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا عوف، عن محمد، قال في الجبت والطاغوت، قال: الجبت: الكاهن، والآخر: الساحر.

وقال آخرون: الجبت: حيـي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ } الطاغوت: كعب بن الأشرف، والجبت: حيـي بن أخطب.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الجبت: حيـي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف.

حدثني يحيـى بن أبي طالب، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: {بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ } قال: الجبت: حيـي بن أخطب، والطاغوت. كعب بن الأشرف.

وقال آخرون: الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قال: الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان كان في صورة إنسان.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ } أن يقال: يصدّقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين. وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة أو خضوع له، كائناً ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان.

وإذ كان ذلك كذلك وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جبوتاً وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولاً منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيـي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين. وقد بينت الأصل الذي منه قيل للطاغوت طاغوت، بما أغني عن إعادته في هذا الموضع.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً }.

يعني بذلك جلّ ثناؤه: ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {هَـؤُلاء } يعني بذلك: هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر {أَهْدَىٰ } يعني أقوم وأعدل {مِّنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} يعني من الذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم {سَبِيلاً } يعني: طريقاً. وإنما ذلك مثل، ومعنى الكلام: إن الله وصف الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله، وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك. ذكر الآثار الواردة بما قلنا:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال: فأنزلت:

{ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ }[الكوثر: 3]، وأنزلت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ }... إلى قوله: { فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً }[النساء: 52].

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ } ثم ذكر نحوه.

وحدثني إسحاق بن شاهين، قال: أخبرنا خالد الواسطي، عن داود، عن عكرمة، قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقال له المشركون: احكم بيننا وبين هذا الصنبور الأبتر، فأنت سيدنا وسيد قومك. فقال كعب: أنتم والله خير منه. فأنزل الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }... إلى آخر الآية.

حدثنا الحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنا معك نقاتله، فقالوا: إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما! ففعل. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده. قال: بل أنتم خير وأهدى! فنزلت فيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً }.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود بني النضير ما كان حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين، فهمّوا به وبأصحابه، فأطلع الله ورسوله على ما همّوا به من ذلك، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان: يا أبا سعد، إنكم قوم تقرءون الكتاب، وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم، فأخبرنا: ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم! فقال أبو سفيان: نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه. قال: دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه! ألا ترون أن محمداً يزعم أنه بعث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء؟ وما نعلم ملكاً أعظم من ملك النساء! فذلك حين يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: نزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش قال: كفار قريش أهدى من محمد عليه الصلاة والسلام. قال ابن جريج: قدم كعب بن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد فصغر أمره ويسره وأخبرهم أنه ضالّ. قال: ثم قالوا له: ننشدك الله نحن أهدى أم هو؟ فإنك قد علمت أنا ننحر الكوم، ونسقي الحجيج، ونعمر البيت، ونطعم ما هبّت الريح! قال: أنتم أهدى.

وقال آخرون: بل هذه الصفة جماعة من اليهود منهم حيـي بن أخطب، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم. ذكر الأخبار بذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن قاله، قال: أخبرني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الذين حزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حُيَـيّ بن أخطب، وسلام بن أبي الحُقَيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحُقَقيق، وأبو عامر، ووحْوح بن عامر، وهَوْذة بن قيس؛ فأما وحوح، وأبو عامر، وهوذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير. فلما قدموا على قريش، قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول، فاسألوهم أدينكم خير، أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنزل الله فيهم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ }... إلى قوله: {وآتيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ }... الآية، قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف وحيـي بن أخطب ورجلين من اليهود من بني النضير لقيا قريشاً بموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة والسقاية وأهل الحرم. فقالا: لا، بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه.

وقال آخرون: بل هذه صفة حيـي بن أخطب وحده، وإياه عني بقوله: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً }. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }... إلى آخر الآية، قال: جاء حيـي بن أخطب إلى المشركين، فقالوا: يا حيـي إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه؟فقال نحن وأنتم خير منهم! فذلك قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ }... إلى قوله: {وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً }.

وأولى الأقوال بالصحة في ذلك قول من قال: إن ذلك خبر من الله جلّ ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود، وجائز أن يكون كانت الجماعة الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعد أو يكون حيياً وآخر معه، إما كعبا وإماً غيره.

]

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ