انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النساء

تفسير القرطبيالآيات 44–59

تفسير سورة النساء آية آية، من تفسير القرطبي.

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ ۝٤٤ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا ۝٤٥ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ۝٤٦ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ۝٤٧ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا ۝٤٨ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ۝٤٩ ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًا مُّبِينًا ۝٥٠ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا ۝٥١ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ۝٥٢ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ۝٥٣

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} إلى قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} الآية.

نزلت في يهود المدينة وما وَالاها. قال ٱبن إسحاق: وكان رِفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء يهودَ، إذا كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوّى لسانه وقال: أرْعِنا سمَعْك يا محمد حتى نفهمك؛ ثم طعن في الإسلام وعابه فأنزل الله عز وجل {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} إلى قوله {قَلِيلاً}. ومعنى {يَشْتَرُونَ} يستبدلون فهو في موضع نصب على الحال، وفي الكلام حذف تقديره يشترون الضلالة بالهدى؛ كما قال تعالى

{ { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } } [البقرة: 16] قاله القتبيّ وغيره. {وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} عطف عليه، والمعنى تضِلوا طريق الحق. وقرأ الحسن: «تُضَلُّوا» بفتح الضاد أي عن السبيل.

قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} يريد منكم؛ فلا تستصحبوهم فإنهم أعداؤكم. ويجوز أن يكون «أعلم» بمعنى عليم؛ كقوله تعالى

{ { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } } [الروم: 27] أي هيّن. {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً} الباء زائدة؛ زيدت لأن المعنى ٱكتفوا بالله فهو يكفيكم أعداءكم. و «وَلِيّاً» و «نَصِيراً» نصب على البيان، وإن شئت على الحال.

قوله تعالى: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} قال الزجاج: إن جُعلت {مِّنَ} متعلقة بما قبل فلا يوقف على قوله {نَصِيراً}، وإن جعلت منقطعة فيجوز الوقف على {نَصِيراً} والتقدير من الذين هادوا قوم يحرّفون الكلم؛ ثم حذف. وهذا مذهب سيبويه، وأنشد النحويون:

لو قلت ما في قومها لم تيثَمِيفضُلها في حسبٍ وَمَبْسِمِ

قالوا: المعنى لو قلت ما في قومها أحد يفضُلها؛ ثم حذف. وقال الفراء: المحذوف {مِّنَ} المعنى: مِن الذين هادوا مَن يحرّفون. وهذا كقوله تعالى: { { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } } [الصافات: 164] أي مَن له. وقال ذو الرُّمَّة:

فظَلّوا ومِنهم دَمْعُه سابقٌ لهوآخر يُذْرِي عَبْرةَ العَيْن بالهَمْلِ

يريد ومنهم مَن دمعه، فحذف الموصول. وأنكره المبرّد والزجاج؛ لأن حذف الموصول كحذف بعض الكلمة. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميّ وإبراهيم النَّخَعِيّ «الكَلاَمَ». قال النحاس: و «الكَلِم» في هذا أوْلى؛ لأنهم إنما يحرّفون كلم النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو ما عندهم في التوراة وليس يحرّفون جميع الكلام، ومعنى {يُحَرِّفُونَ} يتأوّلونه على غير تأويله. وذَمّهم الله تعالى بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين. وقيل: {عَن مَّوَاضِعِهِ} يعني صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي سمعنا قولك وعصينا أمرك. {وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} قال ٱبن عباس: كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ٱسمع لا سمعتَ، هذا مرادهم ـ لعنهم الله ـ وهم يظهرون أنهم يريدون ٱسمع غير مسمَع مكروها ولا أذًى. وقال الحسن ومجاهد: معناه غير مسمع منك، أي مقبول ولا مجاب إلى ما تقول. قال النحاس: ولو كان كذلك لكان غير مسموعٍ منك. وتقدّم القول في {وَرَاعِنَا}. ومعنى {لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ} أي يلوُون ألسنتهم عن الحق أي يُميلونها إلى ما في قلوبهم. وأصل اللّيّ الفَتْل، وهو نصب على المصدر، وإن شئت كان مفعولاً من أجله. وأصله لَوْياً ثم أدغمت الواو في الياء. {وَطَعْناً} معطوف عليه أي يطعنون في الدّين، أي يقولون لأصحابهم لو كان نبِيّاً لدَرَى أننا نَسُبُّه، فأظهر الله تعالى نبيّه على ذلك فكان من علامات نبوته، ونهاهم عن هذا القول. ومعنى {وَأَقْوَمَ} أصوب لهم في الرأي. {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} أي إلا إيماناً قليلاً لا يستحقون به اسم الإيمان. وقيل: معناه لا يؤمنون إلا قليلاً منهم؛ وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا} قال ابن إسحاق:

كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساءَ من أحبار يهود منهم عبد الله بن صُورِيا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم: «يا معشر يهود ٱتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق» قالوا: ما نعرف ذلك يا محمد. وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} إلى آخر الآية.

قوله تعالى: {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} نصب على الحال. {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} الطّمْس استئصال أثر الشيء؛ ومنه قوله تعالى:

{ { فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ } } [المرسلات: 8]. ونطمِس ونطمُس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان. ويقال في الكلام: طَسَم يَطْسِم ويَطْسُم بمعنى طَمَس؛ يقال: طَمَس الأثرُ وطَسَم أي ٱمّحى، كله لغات؛ ومنه قوله تعالى: { { رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ } } [يونس: 88] أي أهلكها؛ عن ابن عرفة. ويقال: طَمَسته فطَمَس لازم ومتعد. وطمس الله بصره، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين؛ ومنه قوله تعالى: { { وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } } [يسۤ: 66] يقول أعميناهم.

واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية؛ هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسَلْبِهِم التوفيق؟ قولان. رُوي عن أُبيّ بن كعب أنه قال: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ} من قبل أن نضلكم إضلالاً لا تهتدون بعده. يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبةً. وقال قتادة: معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء. أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب؛ هذا معناه عند أهل اللغة. ورُوي عن ابن عباس وعطية العَوْفيّ: أن الطّمس أن تُزال العينان خاصّةً وتردّ في القفا، فيكون ذلك رَدّاً على الدبر ويمشي القَهْقَرَى. وقال مالك رحمه الله: كان أوّل إسلام كعب الأحبار أنه مَر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية: {يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ آمِنُواْ} فوضع كفّيه على وجهه ورجع القَهْقَرَى إلى بيته فأسلم مكانه وقال: والله لقد خِفت ألا أبلغ بيتي حتى يُطمَس وجهي. وكذلك فعل عبد الله بن سَلاَم، لمّا نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أدري أن أصل إليك حتى يحوّل وجهي في قفاي. فإن قيل: كيف جاز أن يهدّدهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم؛ فقيل: إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المُبَرِّد: الوعيد باق منتظر. وقال: لا بدّ من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة.

قوله تعالى: {أَوْ نَلْعَنَهُمْ} أي أصحاب الوجوه {كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ ٱلسَّبْتِ} أي نمسخهم قِردةً وخنازير؛ عن الحسن وقتادة. وقيل: هو خروج من الخطاب إلى الغيبة. {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي كائناً موجوداً. ويراد بالأمر المأمورُ فهو مصدر وقع موقع المفعول؛ فالمعنى أنه متى أراده أوجده. وقيل: معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا

{ { إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } } [الزمر: 53] فقال له رجل: يا رسول الله والشرك! فنزل {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}. وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأُمة. {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه. فقال محمد بن جرير الطبري: قد أبانت هذه الآية أن كل صاحبِ كبيرةٍ ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شِرْكاً بالله تعالى. وقال بعضهم: قد بين الله تعالى ذلك بقوله: { { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } } [النساء: 31] فأعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخةٌ لِلّتِي في آخر «الفرقان». قال زيد بن ثابت: نزلت سورة «النساء» بعد «الفرقان» بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل. وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي «الفرقان» إن شاء الله تعالى. وفي التّرمذيّ عن عليّ بن أبي طالب قال: ما في القرآن آية أحبّ إليّ من هذه الآية {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} قال: هذا حديث حسن غريب.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} فيه ثلاث مسائل.

الأُولى ـقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} هذا اللفظ عام في ظاهره ولم يختلف أحد من المتأوّلين في أن المراد اليهود. واختلفوا في المعنى الذي زَكّوا به أنفسهم؛ فقال قتادة والحسن: ذلك قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}، وقولهم: {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} وقال الضّحاك والسُّدِّي: قولهم لا ذنوب لنا وما فعلناه نهاراً غُفر لنا ليلاً وما فعلناه ليلاً غفر لنا نهاراً، ونحن كالأطفال في عدم الذنوب. وقال مجاهد وأبو مالك وعِكْرمة: تقديمهم الصغار للصلاة؛ لأنهم لا ذنوب عليهم. وهذا يبعد من مقصد الآية. وقال ابن عباس: ذلك قولهم آباؤنا الذين ماتوا يشفعون لنا ويزكوننا. وقال عبد الله بن مسعود: ذلك ثناء بعضهم على بعض. وهذا أحسن ما قيل؛ فإنه الظاهر من معنى الآية، والتزكية: التطهير والتبرية من الذنوب.

الثانية ـ هذه الآية وقولُه تعالى:

{ { فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ } } [النجم: 32] يقتضي الغَضّ من المُزَكّي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزّاكِي المُزَكَّى من حسنت أفعاله وزكّاه الله عز وجل فلا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له. وفي صحيح مسلم عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمّيت ٱبنتي بَرّةَ؛ فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسمّيت بَرّة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُزكّوا أنفسكم الله أعلم بأهل البِر منكم»فقالوا: بِمَ نسميها؟ فقال: «سمّوها زينب» . فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسَه، ويجري هذا المجرى ما قد كثر في هذه الديار المصرية من نعتهم أنفسَهم بالنعوت التي تقتضي التزكية؛ كزكيّ الدين ومُحْيي الدين وما أشبه ذلك، لكن لما كثرت قبائح المسمين بهذه الأسماء ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها فصارت لا تفيد شيئاً.

الثالثة ـ فأما تزكية الغير ومدحُه له؛ ففي البخاريّ من حديث أبي بكرة

أن رجلاً ذُكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيراً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وَيْحَك قطعت عنق صاحبك ـ يقوله مراراً ـ إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل أحسِب كذا وكذا إن كان يَرى أنه كذلك وحَسِيبه الله ولا يزكِّي على اللَّهِ أحداً» فنهى صلى الله عليه وسلم أن يُفرِطَ في مدح الرجل بما ليس فيه فيدخله في ذلك الإعجاب والكِبْر، ويظن أنه في الحقيقة بتلك المنزلة فيحمله ذلك على تضييع العمل وترك الازدياد من الفضل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم:وَيْحَك قطعت عنق صاحِبك. وفي الحديث الآخر:قطعتم ظهر الرجلحين وصفوه بما ليس فيه. وعلى هذا تأوّل العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: ٱحْثُوا التراب في وجوه المدّاحينأن المراد به المدّاحون في وجوههم بالباطل وبما ليس فيهم، حتى يجعلوا ذلك بضاعة يستأكلون به الممدوح ويَفتنونه؛ فأما مدح الرجل بما فيه من الفعل الحَسَن والأمر المحمود ليكون منه ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الاقتداء به في أشباهه فليس بمدّاح، وإن كان قد صار مادحاً بما تكلم به من جميل القول فيه. وهذا راجع إلى النياتوالله يعلم المفسِد من المصلِح. وقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يَحْثُ في وجوه المدّاحين التراب، ولا أمر بذلك. كقول أبي طالب:

وأبيض يُستسقَى الغمامُ بوجههثِمَال اليتامى عِصْمة للأراملِ

وكمدح العباس وحسّان له في شعرهما، ومدَحه كعب بن زُهير، ومدح هو أيضاً أصحابه فقال:إنكم لتَقِلون عند الطمع وتَكْثرون عند الفزع. وأما قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث:لا تُطرُوني كما أطرتِ النصارى عيسى ابن مريم وقولوا: عبد الله ورسولهفمعناه لا تصفوني بما ليس فيّ من الصفات تلتمسون بذلك مَدْحِي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله فكفروا بذلك وضلّوا. وهذا يقتضي أن من رفع ٱمْراً فوق حده وتجاوز مقداره بما ليس فيه فمعْتَد آثم؛ لأن ذلك لو جاز في أحد لكان أولى الخلق بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} الضمير في «يُظْلَمُونَ» عائد على المذكورين ممن زكَّى نفسه وممن يزكيه الله عز وجل. وغيرُ هذين الصنفين عُلِم أن الله تعالى لا يظلمه من غير هذه الآية. والفَتِيل الخيط الذي في شَقّ نواة التمرة؛ قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقيل: القشرة التي حول النواة بينها وبين البُسْرة. وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك والسُّدِّي: هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفّيك من الوسخ إذا فتلتهما؛ فهو فعِيل بمعنى مفعول. وهذا كله يرجع إلى كناية عن تحقير الشيء وتصغيره، وأن الله لا يظلمه شيئاً. ومثل هذا في التحقير قوله تعالى:

{ { وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } } [النساء: 124] وهو النكتة التي في ظهر النّواة، ومنه تنبت النخلة، وسيأتي. قال الشاعر يذمّ بعض الملوك:

تَجمعُ الجيْشَ ذا الأُلوف وتغْزُوثم لا تَرْزأ العدوّ فَتيلا

ثم عجب النبيّ صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل: تزكيتهم لأنفسهم؛ عن ابن جُريج. وروي أنهم قالوا: ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أبنائنا يوم تولد. والافتراء الاختلاق؛ ومنه ٱفترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه. وفَريَت الشيء قطعته. {وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً} نصب على البيان. والمعنى تعظيم الذنب وذمه. والعرب تستعمل مثل ذلك في المدح والذم.

قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ} يعني اليهود {يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ} اختلف أهل التأويل في تأويل الجِبْت والطاغوت؛ فقال ابن عباس وابن جُبير وأبو العالية: الجِبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن. وقال الفاروق عمر رضي الله عنه: الجِبت السحر والطاغوت الشيطان. ابن مسعود: الجِبت والطاغوت هٰهنا كعب بن الأشرف وحُيَي بن أخطب. عِكرمة: الجِبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف؛ دليله قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ}. قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن. وروى ٱبن وهب عن مالك بن أنس: الطاغوت ما عُبد من دون الله. قال: وسمعت من يقول إن الجِبت الشيطان؛ ذكره النحاس. وقيل: هما كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله؛ وهذا حسن. وأصل الجِبت الجِبس وهو الذي لا خير فيه، فأبدلت التاء من السين؛ قاله قُطْرُب. وقيل: الجِبت إبليس والطاغوتُ أولياؤه. وقول مالك في هذا الباب حَسَن؛ يدل عليه قوله تعالى:

{ { أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّاغُوتَ } } [النحل: 36] وقال تعالى: { { وَٱلَّذِينَ ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا } } [الزمر: 17]. وروى قَطَن بن المخارِق عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:الطَّرْق والطِّيَرة والعِيافة من الجبت. الطّرق الزجر، والعِيافة الخط؛ خرّجه أبو داود في سننه. وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغى الإنسان. والله أعلم.

قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلاً من الذين آمنوا بمحمد. وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحُد ليحالفوا قريشاً على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دُور قريش فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعنّ على قتال محمد؛ فقال أبو سفيان: إنك ٱمرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أُمِّيُّون لا نعلم، فأينّا أهدى سبيلاً وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما عليه محمد.

قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ} أي أَلَهم؟ والميم صلة. «نَصِيبٌ» حظ «من الملك» وهذا على وجه الإنكار؛ يعني ليس لهم من المُلك شيء، ولو كان لهم منه شيء لم يعطوا أحداً منه شيئاً لبخلهم وحسدهم. وقيل: المعنى بل ألهم نصيب؛ فتكون أم منقطعة ومعناها الإضراب عن الأوّل والاستئناف للثاني. وقيل: هي عاطفة على محذوف؛ لأنهم أنِفُوا من ٱتباع محمد صلى الله عليه وسلم. والتقدير: أهم أوْلى بالنبوّة ممن أرسلتهُ أم لهم نصيب من الملك؟.

{فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً} أي يمنعون الحقوق. خبّر الله عز وجل عنهم بما يعلمه منهم. والنّقير: النكتة في ظهر النواة؛ عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. وعن ابن عباس أيضاً: النقير: ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض. وقال أبو العالية: سألت ابن عباس عن النقير فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعهما وقال: هذا النقير. والنقير: أصل خشبة يُنقَر ويُنبَذ فيه؛ وفيه جاء النهي ثم نسخ. وفلان كريم النّقِير أي الأصل. و «إذاً» هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز. قال سيبويه: «إذاً» في عوامل الأفعال بمنزلة «أظن» في عوامل الأسماء، أي تُلْغَى إذا لم يكن الكلام معتمداً عليها، فإن كانت في أوّل الكلام وكان الذي بعدها مستقبلاً نصبت؛ كقولك: أنا أزورك، فيقول مجيباً لك: إذاً أكرمَك. قال عبد الله بن عنَمَة الضَّبيّ:

أُرْدُدْ حِمارَك لا يرتع برَوْضَتِنَا إذَنْ يُرَدَّ وَقَيْدُ العَيْرِ مكروبُ

نصب لأن الذي قبل «إذن» تام فوقعت ابتداء كلام. فإن وقعت متوسطة بين شيئين كقولك: زيد إذاً يزورك ألغيت؛ فإن دخل عليها فاء العطف أو واو العطف فيجوز فيها الإعمال والإلغاء؛ أما الإعمال فلأن ما بعد الواو يستأنف على طريق عطف الجملة على الجملة، فيجوز في غير القرآن فإذاً لا يؤتوا. وفي التنزيل { { وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ } } [الإسراء: 76] وفي مصحف أُبَيّ «وإذاً لا يلبثوا». وأما الإلغاء فلأن ما بعد الواو لا يكون إلا بعد كلام يعطف عليه، والناصب للفعل عند سيبويه «إذاً» لمضارعتها «أن»، وعند الخليل أن مضمرة بعد إذاً. وزعم الفرّاء أن إذاً تكتب بالألف وأنها منوّنة. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت أبا العباس محمد بن يزيد يقول: أشتهي أن أكوي يدَ مَن يكتب إذاً بالألف؛ إنها مثل لَنْ وأَنْ، ولا يدخل التنوين في الحروف.

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ۝٥٤ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ۝٥٥

فيه أربع مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ} يعني اليهود. {ٱلنَّاسَ} يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّةً، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. حسدوه على النبوّة وأصحابَه على الإيمان به. وقال قتادة: «الناس» العرب، حسدتهم اليهود على النبوّة. الضحاك: حسدت اليهود قريشاً؛ لأن النبوّة فيهم. والحسد مذموم وصاحبه مغموم. وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؛ رواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد؛ نَفَس دائم، وحزن لازم، وعَبرة لا تنفد. وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نِعم الله. قيل له: ومَن يعادي نِعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتي متسخط لقضائي غيرُ راضٍ بقسمتي. ولمنصور الفقيه:

ألاَ قُلْ لمن ظَلّ لي حاسداأتدرِي على مَن أسأتَ الأدَبْ أسأتَ على اللَّه في حكمهإذا أنتَ لم ترض لي ما وَهَبْ

ويقال: الحسد أوّل ذنب عُصي الله به في السماء، وأوّل ذنب عُصي به في الأرض؛ فأما في السماء فحسَدُ إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسدُ قابِيلَ لهابيلَ. ولأبي العتاهية في الناس:

فيا ربِّ إن الناس لا ينصفونَنِيفكيف ولو أنصفتُهم ظلَمونِي وإن كان لي شيءٌ تصدَّوْا لأخذهوإن شئتُ أبغِي شيئَهم منعوني وإن نالهم بذْلي فلا شُكرَ عندهموإن أنا لم أبذُلْ لهم شتمُونِي وإنْ طَرقَتْنِي نكبةٌ فكِهُوا بهاوإن صَحِبتني نعمةٌ حسدوني سأمنع قلبي أن يَحنّ إليهمووأحجب عنهم ناظري وجُفونِي

وقيل: إذا سَرّك أن تسلم من الحاسد فغَمَ عليه أمرك. ولرجل من قريش:

حسدوا النعمةَ لما ظهرتْفرموها بأباطيل الكَلِمْ وإذا ما ٱللَّه أسدَى نعمةلم يَضِرْها قولُ أعداء النِّعَمْ

ولقد أحسن من قال:

ٱصبِرْ على حسدِ الحسود فإن صبرك قاتلُه فالنار تأكل بعضهاإن لم تجد ما تأكُله

وقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى: { { رَبَّنَآ أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ } } [فصلت: 29]. إنه إنما أراد بالذي من الجنّ إبليس والذي من الإنس قابيل؛ وذلك أن إبليس كان أوّل من سنّ الكفر، وقابيل كان أوّل من سنّ القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد. وقال الشاعر:

إن الغُرابَ وكان يمشي مشيةًفيما مضى من سالف الأحوالِ حسد القَطاةَ فَرَامَ يمشِي مشيَهافأصابه ضربٌ من التّعقالِ

الثانية ـ قوله تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَآ} ثم أخبر تعالى أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيماً. قال همام بن الحارث: أُيِّدوا بالملائكة. وقيل: يعني ملك سليمان؛ عن ابن عباس. وعنه أيضاً: المعنى أم يحسدون محمداً على ما أحلّ الله له من النساء فيكون المُلْك العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعا وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. واختار الطّبرِي أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء. والمراد تكذيب اليهود والردّ عليهم في قولهم: لو كان نبياً ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوّة عن ذلك؛ فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان يوبّخهم، فأقرّت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألف امرأة»؟ ٰ قالوا: نعم ثلاثمائة مَهْرية، وسبعمائة سَرِيَة، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألف عند رجل ومائة عند رجل أكثر أوتسع نسوة» ؟ فسكتوا. وكان له يومئذ تسع نسوة.

الثالثة ـ يقال: إن سليمان عليه السلام كان أكثر الأنبياء نساء. والفائدة في كثرة تزوّجه أنه كان له قوة أربعين نبِياً، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحا. ويقال: إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة؛ لأن لكل امرأة قبيلتين قبيلة من جهة الأب وقبيلة من جهة الأم؛ فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه فتكون عَونا له على أعدائه. ويقال: إن كل من كان أتقى فشهوته أشدّ؛ لأن الذي لا يكون تقياً فإنما يتفرّج بالنظر والمس، ألا ترى ما رُوي في الخبر:

العينان تزنيان واليدان تزنيان. فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع، والمُتَّقي لا ينظر ولا يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثَر جماعا. وقال أبو بكر الورّاق: كلّ شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب؛ ولهذا كان الأنبياء يفعلون ذلك.

الرابعة ـ قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ} يعني بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه تقدّم ذكره وهو المحسود. {وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ} أعرض فلم يؤمن به. وقيل: الضمير في «بِهِ» راجع إلى إبراهيم. والمعنى: فمن آل إبراهيم مَن آمن به ومنهم من صدّ عنه. وقيل: يرجع إلى الكتاب. والله أعلم.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ۝٥٦ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ۝٥٧

قد تقدم معنى الإصلاء أوّل السورة. وقرأ حُميد بن قيس «نَصليهم» بفتح النون أي نشويهم. يقال: شاة مَصْلِية. ونصب «نَاراً» على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار. {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} يقال: نضِج الشيء نُضجاً ونَضْجاً، وفلان نضيج الرأي مُحْكمه. والمعنى في الآية: تبدّل الجلود جلوداً أُخر. فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة: كيف جاز أن يعذّب جلداً لم يَعصِه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تُحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس. يدل عليه قوله تعالى: {لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} وقوله تعالى:

{ { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً } } [الإسراء: 97]. فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. ولو أراد الجلود لقال: ليذقنّ العذاب مقاتل: تأكله النار كل يوم سبع مرات. الحسن: سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم: عودوا فعادوا كما كانوا. ابن عمر: إذا احترقوا بدّلت لهم جلود بيض كالقراطيس. وقيل: عنى بالجلود السرابيل؛ كما قال تعالى: { { وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } } [إبراهيم:49] { { سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ } } [إبراهيم: 50] سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة؛ كما يقال للشيء الخاص بالإنسان؛ هو جِلدة ما بين عينْيه. وأنشد ابن عمر رضي الله عنه:

يلومونني في سالمٍ وألومهموجِلدةُ بَيْنَ العيْن والأنف سالمُ

فكلما احترقت السرابيل أُعيدت. قال الشاعر:

كسا اللؤم تَيْماً خضرةً في جلودها فويلٌ لتَيْم مِن سرابيلها الخُضْرِ

فكنى عن الجلود بالسرابيل. وقيل: المعنى أعدنا الجلد الأوّل جديداً؛ كما تقول للصائغ: صُغ لي من هذا الخاتَم خاتماً غيره؛ فيكسره ويصوغ لك منه خاتماً. فالخاتم المصوغ هو الأوّل إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة. وهذا كالنفس إذا صارت ترابا وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى: وكعهدك بأخ لك صحيح ثم تراه بعد ذلك سقيماً مُدْنِفاً فتقول له: كيف أنت؟ فيقول: أنا غير الذي عهدت. فهو هو، ولكن حاله تغيرت. فقول القائل: أنا غير الذي عهدت، وقوله تعالى: «غيرها» مجاز. ونظيره قوله تعالى: { { يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ } } [إبراهيم: 48] وهي تلك الأرض بعينها إلا أنها تغير آكامها وجبالها وأنهارها وأشجارها، ويزاد في سعتها ويسوّى ذلك منها؛ على ما يأتي بيانه في سورة «إبراهيم» عليه السلام. ومن هذا المعنى قول الشاعر:

فما الناسُ بالناس الذين عهدتهمولا الدار بالدار التي كنتُ أعرفُ

وقال الشَّعْبي: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة! ذمّت دهرها، وأنشدت بيتَيْ لبيد:

ذهب الذين يُعاش في أكنافِهموبقِيتُ في خَلْفٍ كجلْدِ الأجربِ يتَلذّذون مجانَة ومَذلّةويُعاب قائلهم وإن لم يَشْغَبِ

فقالت: رحم الله لَبِيداً فكيف لو أدرك زماننا هذا! فقال ابن عباس: لئن ذمّت عائشة دهرها لقد ذمت «عاد» دهرها؛ لأنه وُجِد في خِزانة «عاد» بعد ما هلكوا بزمن طويل سهم كأطول ما يكون من رماح ذلك الزمن عليه مكتوب:

بلاد بها كُنّا ونحن بأهلهاإذِ النّاسُ ناسٌ والبلادُ بِلادُ

البلاد باقية كما هي إلاّ أَنَّ أحوالها وأحوال أهلها تنكّرت وتغيّرت. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً} أي لا يُعجزه شيء ولا يفوته. {حَكِيماً} في إيعاده عباده. وقوله في صفة أهل الجنة: {وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً} يعني كثيفاً لا شمس فيه. الحسن: وُصِف بأنه ظليل؛ لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسّموم ونحو ذلك. وقال الضحاك: يعني ظلال الأشجار وظلال قصورها. الكلبي: «ظِلاً ظَلِيلاً» يعني دائماً.

إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ۝٥٨

فيه مسألتان:

الأولى؛ قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ} هذه الآية من أمّهات الأحكام تضمنّت جميع الدَّين والشرع. وقد اختُلِف مَن المخاطب بها؛ فقال علي بن أبي طالب وزيد بن أسلم وشَهْر بن حَوْشَب وابن زيد: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصَّة، فهي للنبي صلى الله عليه وسلم وأُمَرائه، ثم تتناول من بعدهم. وقال ابن جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحَجَبي العَبْدَري من بني عبد الدّار ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السِّدانة إلى السِّقاية؛ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية. قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبلُ منه، فدعا عثمان وشيبة فقال:

خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. وحكى مَكِّي: أن شيبة أراد ألاّ يدفع المفتاح، ثم دفعه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: خذه بأمانة الله. وقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردُوهن إلى الأزواج. والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات. وهذا اختيار الطبري. وتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرّز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة مّا ونحوه؛ والصلاةُ والزكاةُ وسائرُ العبادات أمانة الله تعالى. ورُوي هذا المعنى مرفوعاً من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلّهاأو قال:كلّ شيء إلا الأمانة ـ والأمانة في الصلاة ـ والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشدّ ذلك الودائع. ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية. وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخّص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة.

قلت: وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرارِ منهم والفجار؛ قاله ابن المنذر. والأمانة مصدر بمعنى المفعول فلذلك جُمع. ووجه النظم بما تقدّم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقولهم: إن المشركين أهْدَى سبيلاً، فكان ذلك خيانة منهم فانجرّ الكلام إلى ذكر جميع الأمانات؛ فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا. وأمهاتها في الأحكام: الوَدِيعة واللُّقَطَة والرهن والعارِيّة. وروى أُبَى بن كعب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تَخُن من خانك. أخرجه الدَّارَقُطْني. ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدّم في «البقرة» معناه. وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حِجَة الوداع:العارِيّة مؤدّاة والمِنْحة مردودة والدَّين مُقْضى والزّعِيم غارم. صحيح أخرجه الترمذي وغيره. وزاد الدّارَقُطْني. فقال رجل: فَعَهْدُ الله؟ قال: «عهد الله أحقُّ ما أُدّى» . وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في ردّ الوديعة وأنها مضمونة ـ على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تُعدّى فيها أو لم يُتعدّ ـ عطاءٌ والشافعي وأحمد وأشهب. ورُوي أن ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما ضمنا الوديعة. وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلِف عنده فهو مصدَّق في تَلفه ولا يضمنه إلا بالتّعدي. وهذا قول الحسن البصري والنَّخَعي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا: ومعنى قوله عليه السلام:العارِيَةُ مؤَدّاةهو كمعنى قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا}. فإذا تَلِفَت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق؛ فكذلك العارية إذا تلفت من غير تَعدٍّ؛ لأنه لم يأخذها على الضمان، فإذا تلِفَت بتعدّيه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها. وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارِيّة. وروى الدّارقُطْني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لا ضمان على مؤتَمن. واحتج الشافعي فيما استدلّ به بقول صَفْوان للنبي صلى الله عليه وسلم لما استعار منه الأدراع: أعارِيّة مضمونة أو عارِيّة مؤدّاة؟ فقال: «بل عارية مؤدّاة»

الثانية ـ قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ} قال الضحاك: بالبيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر. وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميعُ الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. قال صلى الله عليه وسلم:

إن المُقْسِطين يوم القيامة على منابَر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلوُا. وقال:كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راعٍ على أهله وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه والعبد راعٍ على مال سيّده وهو مسؤول عنه ألاَ فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيتهفجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كلَّ هؤلاء رعاة وحكاماً على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم؛ لأنه إذا أفتى حكم وقضى وفصَل بين الحلال والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدَّى وحكم يُقضَى. وقد تقدّم في «البقرة» القول في «نِعماً».

{إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى؛ كما قال تعالى؛

{ { إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ } } [طه: 46] فهذا طريق السمع. والعقل يدل على ذلك؛ فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضهما من العَمى والصمم، إذ المحل القابل للضدّين لا يخلو من أحدهما، وهو تعالى مقدّس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من المتّصف بالنقائص؛ كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر. وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص. وهو أيضاً دليل سمعي يُكتفَى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام. جَلَّ الرب تبارك وتعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون { { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } } [الصافات: 180].

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ۝٥٩

فيه ثلاث مسائل:

الأولى ـ لما تقدّم إلى الولاة في الآية المتقدّمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدّم في هذه الآية إلى الرعيّة فأمر بطاعته جل وعز أوّلا، وهي امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثا؛ على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم. قال سهل بن عبد الله التُّسْتَري: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد. قال سهل: وإذا نهى السلطان العالِمَ أن يُفتي فَليس له أن يفتَى؛ فإن أفتى فهو عاصٍ وإن كان أميرا جائرا. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية؛ ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غَزَوْا، والحُكْمُ من قبلهم وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة. وإن صلّوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مُبتدِعة لم تجز الصلاة معهم إلاّ أن يُخافوا فيصلّى معهم تَقيّة وتعاد الصلاة.

قلت: رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: حقٌ على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدّي الأمانة؛ فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: {وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ} أهل القرآن والعلم؛ وهو اختيار مالك رحمه الله، ونحوُه قولُ الضحاك قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدين. وحكي عن مُجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصّة. وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصّة. وروى سفيان بن عُيينة عن الحكم بن أَبَان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن حرائر. فقلت بأي شيء؟ قال بالقرآن. قلت: بأي شيء في القرآن؟ قال قال الله تعالى: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} وكان عمر من أولي الأمر؛ قال: عَتقت ولو بسقْط. وسيأتي هذا المعنى مُبَيَّناً في سورة «الحَشْر» عند قوله تعالى:

{ { وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } } [الحشر: 7] وقال ابن كَيْسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبّرون أمر الناس.

قلت: وأصح هذه الأقوال الأوّلُ والثاني؛ أما الأوّل فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم. وروى الصحيحان عن ابن عباس قال: نزل {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} في عبدالله بن حُذافة بن قيس بن عَدِي السَّهْمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سَرِيّة. قال أبو عمر: وكان في عبدالله بن حذافة دُعابةٌ معروفة؛ ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّره على سَرِيّة فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا فلما أوقدوها أمرهم بالتقحُّم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي؟! وقال:

من أطاع أميري فقد أطاعني. فقالوا: ما آمَّنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار! فصوّب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال:لا طاعة لمخلوق في معصية الخالققال الله تعالى: { { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ } } . [النساء: 29] وهو حديث صحيح الإسناد مشهور. وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم ابن ثَوْبان أن أبا سعيد الخُدْرِي قال: كان عبد الله بن حذافة بن قيس السَّهْمِي من أصحاب بَدْر وكانت فيه دُعابة وذكر الزبير قال: حدّثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب عن الّليث بن سعد قال: بلغني أنه حلّ حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع. قال ابن وهب: فقلت لليث ليُضْحِكه؟ قال: نعم كانت فيه دُعابة. قال ميمون بن مَهران ومقاتل والكلبي: «أُولُو الأَمْرِ» أصحاب السّرايا. وأما القول الثاني فيدّل على صحته قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. فأمر تعالى بردّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الردّ إلى الكتاب والسنة؛ ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهم لازما. قال سهل بن عبدالله رحمه الله: لا يزال الناس بخير ما عظّموا السلطان والعلماء؛ فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسَد دنياهم وأخراهم. وأما القول الثالث فخاص، وأخص منه القول الرابع. وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحاً، فإن العقل لكل فضيلة أُسّ، ولكل أدب ينبوع، وهو الذي جعله الله للدّين أصلا وللدنيا عماداً، فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدَبَّرة بأحكامه؛ والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل. وروي هذا المعنى عن ابن عباس. وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر عليّ والأئمة المعصومون. ولو كان كذلك ما كان لقوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} معنىً، بل كان يقول فردّوه إلى الإمام وأولي الأمر، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة. وهذا قول مهجور مخالف لما عليه الجمهور. وحقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدّها وهي مخالفة الأمر. والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتدّ. و «أولو» واحدهم «ذو» على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، كلّ واحد اسمُ الجمع ولا واحد له من لفظه. وقد قيل في واحد الخيل: خائل وقد تقدّم.

الثانية ـ قوله تعالىٰ: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} أي تجادلتم واختلفتم؛ فكأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويُذهبها. والنزع الجذب. والمنازعة مجاذبة الحجج؛ ومنه الحديث:

وأنا أقول مالِي ينازعني القرآن. وقال الأعشى:

نازعتهم قُضُبَ الرَّيحان مُتَّكِئاًوقهوةً مُزّةً رَاوُوقها خضل

الخضل النبات الناعم والخضِيلة الروضة {فِي شَيْءٍ} أي من أمر دينكم. {فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي رُدّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ هذا قول مجاهد والأعمش وقَتادة، وهو الصحيح. ومن لم يَرَ هذا ٱختَلّ إيمانه؛ لقوله تعالىٰ {إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. وقيل: المعنى قولوا الَّله ورسوله أعلم؛ فهذا هو الردّ. وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الرجوع إلى الحق خير من التّمادِي في الباطل. والقول الأوّل أصح؛ لقول عليّ رضي الله عنه: ما عندنا إلاَّ ما في كتاب الله وما في هذه الصحيفة، أو فَهْمٌ أُعطِيَه رجل مسلم. ولو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خُصّ به هذه الأُمة والاستنباطُ الذي أعطِيهَا، ولكن تُضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج الصواب. قال أبو العالية: وذلك قوله تعالىٰ: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. نعم، ما كان مِمّا استأثر الله بعلمه ولم يُطلِع عليه أحداً من خلقه فذلك الذي يُقال فيه: الله أعلم. وقد ٱستنبط عليّ رضي الله عنه مدّة أقلّ الْحَمْل ـ وهو ستة أشهر ـ من قوله تعالىٰ: { { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } } [الأحقاف: 15] وقولِه تعالىٰ: { وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ }[البقرة: 233] فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهراً بقيت ستة أشهر؛ ومثله كثير. وفي قوله تعالىٰ: {عَلَى ٱلرَّسُولِ} دليل على أن سُنّته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويُمتثل ما فيها. قال صلى الله عليه وسلم:ما نَهَيْتُكم عنه فٱجتنبوه وما أمرتكم به فٱفعلوا منه ما ٱستطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم وٱختلافُهم على أنبيائهمأخرجه مسلم. ورَوى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:لا أَلْفِينَّ أحدَكم متّكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نَهَيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله ٱتّبعناه. وعن العِرْبَاض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول:أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يَظُنّ أن الله لم يحرّم شيئاً إلاَّ ما في هذا القرآن ألاَ وإني والله قد أمَرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر. وأخرجه الترمذيّ من حديث المِقْدام بن مَعْدِي كَرب بمعناه وقال: حديث حسن غريب. والقاطع قولُه تعالىٰ: { { فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } } [النور: 63] الآية. وسيأتي.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي ردّكم ما ٱختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التّنازُع. {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي مَرجِعاً؛ من آل يؤول إلى كذا أي صار. وقيل: من ألْتُ الشيء إذا جمعته وأصلحته. فالتأويل جمع معاني ألفاظ أَشكَلت بلفظ لا إشكال فيه؛ يُقال: أوّل الله عليك أمْرَك أي جمعه. ويجوز أن يكون المعنى وأحسن من تأويلكم.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ