نص الآية 37:12
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ١٢
بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ١٢
الآية 12 من سورة الصافات (37:12)، وهي سورة مكية، تقع في الجزء 23، في الصفحة 446 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 73 قارئًا.
79 تلاوة بأصوات 73 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.
بل عجبتَ - يا محمد - من قدرة الله وتدبيره لشؤون خلقه، وعجبتَ من تكذيب المشركين بالبعث، وهؤلاء المشركون من شدة تكذيبهم بالبعث يسخرون مما تقول بشأنه.
بل عجبتَ -أيها الرسول- من تكذيبهم وإنكارهم البعث، وأعجب من إنكارهم وأبلغ أنهم يستهزئون بك، ويسخرون من قولك.
يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث: أيهما أشد خلقاً، هم أم السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: (أم من عددنا) فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقاً منهم، وإذا كان الأمر كذلك، فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا؛ كما قال عز وجل: { لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }[غافر: 57] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} قال مجاهد وسعيد ابن جبير والضحاك: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض، وقال ابن عباس رضي … تابع القراءة
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فـاستفت يا مـحمد هؤلا الـمشركين الذي يُنكرون البعث بعد الـمـمات والنشور بعد البلاء: يقول: فسَلْهم: أهم أشدّ خـلقاً؟ يقول: أخـلقُهم أشدّ؟ أم يخـلق من عددنا خـلقه من الـملائكة والشياطين والسموات والأرض؟ وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله بن مسعود: «أهُمْ أشَدُّ خَـلْقاً أمْ مَنْ عَدَدْنا»؟. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك: حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أهُمْ أشَدُّ خَـلْقاً أمْ مَنْ خَـلَقْنا}؟ قال: السموات … تابع القراءة
قوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أي سلهم يعني أهل مكة؛ مأخوذ من ٱستفتاء المفتى. {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} قال مجاهد: أي من خلقنا من السموات والأرض والجبال والبحار. وقيل: يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية. يدلّ على ذلك أنه أخبر عنهم «بمَن» قال سعيد بن جبير: الملائكة. وقال غيره: «مَنْ» الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشدّ خلقاً منهم. نزلت في أبي الأشد بن كَلَدَة، وسمي بأبي الأشد لشدّة بطشه وقوّته. وسيأتي في «البلد» ذكره. ونظير هذه: { لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ }[غافر: 57] وقوله: { أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ }[النازعات … تابع القراءة
{ بَلْ عَجِبْتَ } يا أيها الرسول وأيها الإنسان، من تكذيب من كذب بالبعث، بعد أن أريتهم من الآيات العظيمة والأدلة المستقيمة، وهو حقيقة محل عجب واستغراب، لأنه مما لا يقبل الإنكار، { و } أعجب من إنكارهم وأبلغ منه، أنهم { يَسْخَرُونَ } ممن جاء بالخبر عن البعث، فلم يكفهم مجرد الإنكار، حتى زادوا السخرية بالقول الحق. { و } من العجب أيضا أنهم { إِذَا ذُكِّرُوا } ما يعرفون في فطرهم وعقولهم، وفطنوا له، وألفت نظرهم إليه { لا يَذْكُرُونَ } ذلك، فإن كان جهلا فهو من أدل الدلائل على شدة بلادتهم العظيمة، حيث ذكروا ما هو مستقر في الفطر، معلوم بالعقل، لا يقبل الإشكال، وإن كان تجاهلا وعنادا، فهو أعجب وأغرب. ومن … تابع القراءة
{ بل } للانتقال من غرض إلى آخر وهو الإخبار بحاله وحالهم { عجبتَ } بفتح التاء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي من تكذيبهم إياك { و } هم { يسخرون } من تعجبك .
{بَلْ عَجِبْتَ}، قرأ حمزة والكسائي: بضم التاء، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس. والعجب من الله عزّ وجلّ ليس كالتعجب من الآدميين، كما قال: { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللهُ مِنْهُمْ } [التوبة: 79]، وقال عزّ وجلّ: { نَسُواْ ٱللهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة: 67]، فالعجب من الآدميين: إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا, كما جاء في الحديث:عجب ربكم من شاب ليست له صبوة». وجاء في الحديث: "عجب ربكم من سؤالكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم». وسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن الله وافق رسوله لما عجب رسوله فقال: { وَإِن … تابع القراءة
{بَلْ} للإِضراب الانتقالي من التقرير التوبيخي إلى أن حالهم عجب. وقرأ الجمهور {بَلْ عَجِبْتَ} بفتح التاء للخطاب. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم المخاطبِ بقوله: { فَاستَفْتِهِم }[الصافات:11]. وفعل المضيّ مستعمل في معنى الأمر وهو من استعمال الخبر في معنى الطلب للمبالغة كما يستعمل الخبر في إنشاء صيغ العقود نحو: بِعت. والمعنى: اعجَبْ لهم. ويجوز أن يكون العجب قد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى إعْراضهم وقلة إنصافهم فيكون الخبر مستعملاً في حقيقته. ويجوز أن يكون الكلام على تقدير همزة الاستفهام، أي بل أعجبت.والمعنى على الجميع: أن حالهم حرية بالتعجب كقوله تعالى: { وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا … تابع القراءة
قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة والكسائي: عجبت بالتاء المفتوحة وهي تاء الخطاب، المخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم. وقرأ حمزة والكسائي: بل عجبت بضم تاء المتكلم، وهو الله جل وعلا. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن القراءتين المختلفتين يحكم لهما بحكم الآيتين. وبذلك تعلم أن هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله تعالى، فهي إذاً من آيات الصفات على هذه القراءة. وقد أوضحنا طريق الحق التي هي مذهب السلف في آيات الصفات، وأحاديثها في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }[الأعراف: 54] فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
قوله تعالى: {فاسْتَفْتِهِمْ} أي: فَسَْلهُمْ سؤالَ تقرير {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً} أي: أَحْكَمُ صَنْعةً {أَمْ مَنْ خَلَقْنَا} فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: أَمْ مَنْ عدَدْنا خَلْقه من الملائكة والشياطين والسموات والأرض، قاله ابن جرير. والثاني: أَمْ مَنْ خَلَقْنا قبلهم من الأمم السالفة، والمعنى: إنهم ليسوا بأقوى من أولئك وقد أهلكناهم بالتكذيب، فما الذي يؤمن هؤلاء؟!. ثم ذكر خَْلق الناس فقال: {إِنّا خَلَقْناهم مِنْ طينٍ لازِبٍ} قال الفراء، وابن قتيبة: أي: لاصقٍ لازمٍ، والباء تُبدَلُ من الميم لقُربِ مَخْرَجَْيهما. قال ابن عباس: هو الطيّن الحُرُّ الجيِّد اللَّزِقُ. وقال غيره: هو الطِّين الذي يَنْشَف … تابع القراءة
فوائد الآيات من 1 إلى 24 من سورة الصافات (الصفحة 446 من المصحف).
بل عجبت منهم يا محمد إذا لم يؤمنوا ويسخرون هم منك ومن ضم التاء فالمعنى عظم عندي تكذيبهم بتنزيلي واتخاذهم شريكا معي
يستسخرون: يسخرون..
كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.
هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم، وقرأ الكوفيون إلّا عاصما بَلْ عَجِبْتَ بضم التاء وإليها يذهب أبو عبيد، واحتجّ بقول الله جلّ وعزّ وَإِنْ تَعْجَبْ
فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: ٥] ولا حجة فيه. ومعناه على ما قاله أبو حاتم: وإن تعجب فلك في قولهم عجب ولمن سمعه وفيه عجب. والقراءة بضم التاء مروية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن ابن مسعود رحمه الله رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ بَلْ عَجِبْتَ بضم التاء ويروى عن ابن عباس قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: معنى القراءتين واحد، والتقدير: قل: يا محمد بل عجبت لأن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مخاطب بالقرآن، وهذا قول حسن. وَيَسْخَرُونَ بالسين في السواد، ويجوز في غير القرآن عند الخليل رحمه الله أن يقال: «صخرت منه» بالصاد، ولغة شاذة «سخرت به» بالياء.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (بَلْ عَجِبْتَ) : بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، وَبِضَمِّهَا؛ قِيلَ: الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: هُوَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَالْمَعْنَى: عَجِبَ عِبَادُهُ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّهُ بَلَغَ حَدًّا يَقُولُ الْقَائِلُ فِي مِثْلِهِ: عَجِبْتُ.
قَالَ تَعَالَى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَزْوَاجَهُمْ) : الْجُمْهُورُ عَلَى النَّصْبِ؛ أَيْ وَاحْشَرُوا أَزْوَاجَهُمْ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى مَعَ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى أَقْوَى.
وَقُرِئَ شَاذًّا بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي ظَلَمُوا.
(لَا تَنَاصَرُونَ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ. وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فِي أَنْ لَا تَنَاصَرُونَ.
وَ (يَتَسَاءَلُونَ) : حَالٌ.
قَالَ تَعَالَى: (إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَذَائِقُو الْعَذَابِ) : الْوَجْهُ الْجَرُّ بِالْإِضَافَةِ. وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ؛ وَهُوَ سَهْوٌ مِنْ قَارِئِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ تُحْذَفُ مِنْهُ النُّونُ، وَيُنْصَبُ إِذَا كَانَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
قَالَ تَعَالَى: (أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَوَاكِهُ) : هُوَ بَدَلٌ مِنْ «رِزْقٌ» أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ هُوَ.
وَ (مُكَرَمُونَ) : بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ.
وَ (فِي جَنَّاتٍ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا، وَأَنْ يَكُونَ حَالًا، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا ثَانِيًا.
وَكَذَلِكَ «عَلَى سُرُرٍ» وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ عَلَى بِـ «مُتَقَابِلِينَ» وَيَكُونُ مُتَقَابِلِينَ حَالًا مِنْ «مُكْرَمُونَ» أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي الْجَارِّ.
وَ (يُطَافُ عَلَيْهِمْ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا، وَأَنْ يَكُونَ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ «مُكْرَمُونَ».
وَ (مِنْ مَعِينٍ) : نَعْتٌ لِكَأْسٍ، وَكَذَلِكَ «بَيْضَاءُ».
وَ (عَنْهَا) : يَتَعَلَّقُ بِـ «يُنْزَفُونَ».
قَالَ تَعَالَى: (قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مُطَّلِعُونَ) : يُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى مُفْتَعِلُونَ. وَيُقْرَأُ بِالتَّحْفِيفِ؛ أَيْ مُطْلِعُونَ أَصْحَابَكُمْ. وَيُقْرَأُ بِكَسْرِ النُّونِ؛ وَهُوَ بِعِيدٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ النُّونَ إِنْ كَانَتْ لِلْوِقَايَةِ فَلَا تَلْحَقُ الْأَسْمَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ نُونَ الْجَمْعِ فَلَا تَثْبُتُ فِي الْإِضَافَةِ.
قَالَ تَعَالَى: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلَّا مَوْتَتَنَا) : هُوَ مَصْدَرٌ مِنِ اسْمِ الْفَاعِلِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ.
وَ (نُزُلًا) : تَمْيِيزٌ.
وَ (شَوْبًا) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَشُوبٍ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلَى بَابِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ) : قَدْ ذُكِرَ فِي النَّمْلِ.
(فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) : الْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ نَحْنُ.
وَ «هُمْ» : فَصْلٌ.
وَ (سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَرَكْنَا. وَقِيلَ: هُوَ تَفْسِيرُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ تَرَكْنَا عَلَيْهِ ثَنَاءً هُوَ سَلَامٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَى «تَرَكْنَا» قُلْنَا. وَقِيلَ: الْقَوْلُ مُقَدَّرٌ.
وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ، وَهُوَ مَفْعُولُ «تَرَكْنَا» وَهَكَذَا مَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْآيِ.
وَ (كَذَلِكَ) : نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ جَزَاءً كَذَلِكَ.
قَالَ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ جَاءَ) : أَيِ اذْكُرْ إِذْ جَاءَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا الْعَامِلُ فِيهِ (مِنْ شِيعَتِهِ).
وَ (إِذْ قَالَ) : بَدَلٌ مِنْ إِذِ الْأُولَى؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِسَلِيمٍ، أَوْ لِجَاءَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَاذَا تَعْبُدُونَ) : هُوَ مِثْلُ «مَاذَا تُنْفِقُونَ». وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَقَرَةِ.
(أَئِفْكًا) : هُوَ مَنْصُوبٌ بِـ «تُرِيدُونَ» وَ «آلِهَةً» بَدَلٌ مِنْهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَعِبَادَةُ آلِهَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِفْكَ مَصْدَرٌ فَيُقَدَّرُ الْبَدَلُ مِنْهُ كَذَلِكَ، وَالْمَعْنَى: عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: «إِفْكًا» مَفْعُولٌ لَهُ، وَ «آلِهَةً» مَفْعُولُ تُرِيدُونَ.
قَالَ تَعَالَى: (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)).
(ضَرْبًا) : مَصْدَرٌ مِنْ «فَرَاغَ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ ضُرِبَ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
وَ (يَزِفُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ وَالْكَسْرِ مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ، وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا؛ وَهُمَا لُغَتَانِ.
وَيُقْرَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَالتَّخْفِيفِ، وَمَاضِيهِ وَزَفَ مِثْلُ وَعَدَ، وَمَعْنَى الْمُشَدَّدِ وَالْمُخَفَّفِ: الْإِسْرَاعُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَعْمَلُونَ) : هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى الَّذِي وَقِيلَ: نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ. وَقِيلَ: اسْتِفْهَامِيَّةٌ عَلَى التَّحْقِيرِ لِعَمَلِهِمْ.
وَ (مَا) : مَنْصُوبَةٌ بِتَعْمَلُونَ.
وَ (بُنْيَانًا) : مَفْعُولٌ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى (١٠٢)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَاذَا تَرَى) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «مَاذَا» اسْمًا وَاحِدًا يُنْصَبُ بِـ «تَرَى» أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ تَرَى.
وَ (تَرَى) مِنَ الرَّأْيِ، لَا مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَلَا الْمُتَعَدِّيَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ؛ بَلْ كَقَوْلِكَ: هُوَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ؛ فَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى وَاحِدٍ.
وَقُرِئَ: «تَرَى» بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ؛ وَهُوَ الرَّأْيُ أَيْضًا إِلَّا أَنَّهُ نُقِلَ بِالْهَمْزَةِ فَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ؛ فَـ «مَاذَا» أَحَدُهُمَا، وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ؛ أَيْ تُرِينِي.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» اسْتِفْهَامًا، وَ «ذَا» بِمَعْنَى الَّذِي؛ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُ أَيْ: أَيُّ شَيْءِ الَّذِي تَرَاهُ، أَوِ الَّذِي تُرِينِيهِ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلَمَّا) : جَوَابُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ ظَهَرَ فَضْلُهَا.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ؛ أَيْ تَلَّهُ، أَوْ نَادَيْنَاهُ.
قَالَ تَعَالَى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)).
وَ (نَبِيًّا) : حَالٌ مِنْ إِسْحَاقَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ) : هُوَ ظَرْفٌ لِـ «مُرْسَلِينَ».
وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ أَعْنِي.
قَالَ تَعَالَى: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ) : يُقْرَأُ الثَّلَاثَةُ بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِنْ «أَحْسَنَ» أَوْ عَلَى إِضْمَارِ أَعْنِي.
قَالَ تَعَالَى: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِلْ يَاسِينَ) : يُقْرَأُ: آلْ، بِالْمَدِّ؛ أَيْ أَهْلِهِ.
وَقُرِئَ بِالْقَصْرِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلْيَاسِينَ، وَاحِدُهُمْ إِلْيَاسِيٌّ، ثُمَّ خُفِّفَ الْجَمْعُ، كَمَا قَالُوا: الْأَشْعَرُونَ.
وَيُقْرَأُ شَاذًّا إِدْرَاسِينَ، مَنْسُوبُونَ إِلَى إِدْرِيسَ.
قَالَ تَعَالَى: (وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبِاللَّيْلِ) : الْوَقْفُ عَلَيْهِ تَامٌّ.
قَالَ تَعَالَى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِي بَطْنِهِ) : حَالٌ، أَوْ ظَرْفٌ.
(إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) : مُتَعَلِّقٌ بِلَبِثَ، أَوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ لُبْثًا إِلَى يَوْمِ.
قَالَ تَعَالَى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ يَزِيدُونَ) : أَيْ يَقُولُ الرَّائِي لَهُمْ هُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ.
وَقِيلَ: بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مِائَةُ أَلْفٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَكْثَرُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي قَوْلِهِ: (أَوْ كَصَيِّبٍ) [الْبَقَرَةِ: ١٩] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ (وُجُوهًا) [النِّسَاءِ: ٤٧].
قَالَ تَعَالَى: (أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَصْطَفَى) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ لِلِاسْتِفْهَامِ، وَحُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ.
وَيُقْرَأُ بِالْمَدِّ، وَهُوَ بِعِيدٌ جِدًّا.
وَقُرِئَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ، وَالِاسْتِفْهَامُ مُرَادٌ؛ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
ثُمَّ قَالُوا تُحِبُّهَا قُلْتُ بَهْرًا عَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ أَيْ أَتُحِبُّهَا؛ وَهُوَ شَاذٌّ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَالْقِيَاسِ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)).
(مَا لَكُمْ كَيْفَ) : اسْتِفْهَامٌ بَعْدَ اسْتِفْهَامٍ.
قَالَ تَعَالَى: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)).
(إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنَ الضَّمِيرِ فِي (جَعَلُوا) وَمِنْ (مُحْضَرُونَ). وَأَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا.
قَالَ تَعَالَى: (فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَعْبُدُونَ) : الْوَاوُ عَاطِفَةٌ، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ، إِذْ لَا فِعْلَ هُنَا وَ (مَا أَنْتُمْ) : نَفْيٌ.
وَ (مَنْ) : فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفَاتِنِينِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ.
وَ (صَالِ) : يُقْرَأُ شَاذًّا بِضَمِّ اللَّامِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا عَلَى مَعْنَى «مَنْ» وَأَنْ يَكُونَ قُلِبَ فَصَارَ صَائِلًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الْيَاءُ، فَبَقِيَ «صَالِ».
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْلُوبٍ عَلَى فَعْلٍ كَمَا قَالُوا: يَوْمَ رَاحٍ، وَكَبْشٌ صَافٍ؛ أَيْ رَوِحٌ وَصَوِفٌ. (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ) : أَيْ أَحَدٌ إِلَّا. وَقِيلَ: إِلَّا مَنْ لَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ.
سُورَةُ ص.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.