انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير البغويالآيات 1–123

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّا ۝١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا ۝٢

{وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّاً}، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة.

أخبرنا عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا عبد الله بن محمد النُّفَيْلي، حدثنا زهير قال: سألت سليمان الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة فحدثنا عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"ألاَ تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم"؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف".

وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله بما يريد.

وقيل: هي الطيور، دليله قوله تعالى:

{ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّـٰتٍ }[النور: 41]. قوله تعالى: {فَٱلزَٰجِرَٰتِ زَجْراً}، يعني: الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبائح.

فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْرًا ۝٣ إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ ۝٤ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَٰرِقِ ۝٥ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ۝٦

{فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً}، هم الملائكة يتلون ذكر الله عزّ وجلّ. وقيل: هم جماعة قراء القرآن، وهذا كله قسم أقسم الله تعالى به، وموضع القسم قوله:

{إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}، وقيل: فيه إضمار، أي: وربِّ الصافات والزاجرات والتاليات، وذلك أن كفار مكة قالوا: {أَجَعَلَ ٱلاَْلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً}؟ فأقسم الله بهؤلاء: {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}.

{رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَـٰرِقِ}، أي مطالع الشمس قيل: أراد به المشارق والمغارب، كما قال في موضع آخر

{ فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ }[المعارج: 40].

فإن قيل: قد قال في موضع:{برَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ} وقال في موضع:

{ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ }[الرحمن: 17] وقال في موضع: { رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ }[المزمل: 9]، فكيف وجه التوفيق بين هذه الآيات؟

قيل: أما قوله: {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}، أراد به الجهة، فالمشرق جهة والمغرب جهة.

وقوله: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} أراد: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، وأراد بالمغربين: مغرب الشتاء ومغرب الصيف.

وقوله: {بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ}، أراد الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وستين كوة في المشرق، وثلاثمائة وستين كوة في المغرب، على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها، وتغرب في كوة منها، لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل، فهي المشارق والمغارب، وقيل: كل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق، وكل موضع غربت عليه الشمس فهو مغرب، كأنه أراد ربَّ جميع ما أشرقت عليه الشمس وغربت.

{إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَٰكِبِ}، قرأ عاصم، برواية أبي بكر: "بزينة" منونة، "الكواكبَ" نصب، أي: بتزييننا الكواكب، وقرأ حمزة، وحفص: "بزينةٍ" منونة "الكواكبِ" خفضاً على البدل، أي بزينة بالكواكب، أي زيناها بالكواكب. وقرأ الآخرون: "بزينةِ الكواكب"، بلا تنوين على الإضافة.

قال ابن عباس: بضوء الكواكب.

وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَٰنٍ مَّارِدٍ ۝٧ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ۝٨ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ۝٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ۝١٠ فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَٰهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍۭ ۝١١

{وَحِفْظاً}, أي: حفظناها حفظاً {مِّن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ مَّارِدٍ}، متمرد يرمون بها.

{لاَّ يَسَّمَّعُونَ}، قرأ حمزة، والكسائي، وحفص: "يَسَّمَّعون" بتشديد السين والميم، أي: لا يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وقرأ الآخرون بسكون السين خفيف الميم، {إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ}، أي: إلى الكتبة من الملائكة.

و"الملأ الأعلى" هم الملائكة لأنهم في السماء، ومعناه: أنهم لا يستطيعون الاستماع إلى الملأ الأعلى، {وَيُقْذَفُونَ}، يرمون، {مِن كُلِّ جَانِبٍ}، من آفاق السماء بالشهب.

{دُحُوراً}، يبعدونهم عن مجالس الملائكة، يقال: دحره دحراً ودحوراً، إذا طرده وأبعده، {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ}، دائم، قال مقاتل: دائم إلى النفخة الأولى، لأنهم يحرقون ويتخبلون.

{إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ}، اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة، {فَأَتْبَعَهُ}، لحقه، {شِهَابٌ ثَاقِبٌ}، كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقتله، أو يحرقه أو يُخبله، وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعاً في السلامة ونيل المراد، كراكب البحر، قال عطاء: سمي النجم الذي يرمى به الشياطين ثاقباً لأنه يثقبهم.

{فَٱسْتَفْتِهِمْ}، يعني سلهم، يعني: أهل مكة، {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ}، يعني: من السموات والأرض والجبال، وهذا استفهام بمعنى التقرير، أي: هذه الأشياء أشد خلقاً كما قال:

{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } [غافر: 57]، وقال: { ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا }[النازعات: 27].

وقيل: {أَم مَّن خَلَقنَآ} يعني: من الأمم الخالية، لأن "من" يذكر فيمن يعقل، يقول: إن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقاً من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بذنوبهم، فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب؟ ثم ذكر خلق الإنسان، فقال: {إِنَّا خَلَقْنَـٰهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ}، يعني: جيد حُرٍّ لاصق يعلق باليد، ومعناه: اللازم، أبدل الميم باءً كأنه يلزم اليد. وقال مجاهد والضحاك: منتن.

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ۝١٢ وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ۝١٣ وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ ۝١٤ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١٥

{بَلْ عَجِبْتَ}، قرأ حمزة والكسائي: بضم التاء، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس. والعجب من الله عزّ وجلّ ليس كالتعجب من الآدميين، كما قال:

{ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ ٱللهُ مِنْهُمْ } [التوبة: 79]، وقال عزّ وجلّ: { نَسُواْ ٱللهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة: 67]، فالعجب من الآدميين: إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا, كما جاء في الحديث:عجب ربكم من شاب ليست له صبوة».

وجاء في الحديث:

"عجب ربكم من سؤالكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم».

وسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن الله وافق رسوله لما عجب رسوله فقال:

{ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ }[الرعد: 5] أي هو كما تقوله.

وقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: أي: عجبتَ من تكذيبهم إياك، {ويَسْخَرُونَ} من تعجبك.

قال قتادة: عجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به، فعجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ }.

{وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ}، أي: إذا وعِظوا بالقرآن لا يتعظون.

{وَإِذَا رَأَوْاْ ءَايَةً}، قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر، {يَسْتَسْخِرُونَ}، يسخرون ويستهزؤون، وقيل: يستدعي بعضهم عن بعض السخرية.

{وَقَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إلاَ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، [يعني سحر بيِّن].

أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝١٦ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ۝١٧ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ۝١٨ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ۝١٩ وَقَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ۝٢٠ هَٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ۝٢١ ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ۝٢٣ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ۝٢٤

{أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}.

{أَوَ ءَابَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ}، أي: وآباؤنا الأولون. {قُلْ نَعَمْ}، تبعثون، {وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ}، صاغرون، والدخور أشد الصّغار.

{فَإِنَّمَا هِىَ}, أي قصة البعث أو القيامة، {زَجْرَةٌ}، أي: صيحة، {وَٰحِدَةٌ}، يعني نفخة البعث، {فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ}، أحياءً.

{وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ}، أي: يوم الحساب ويوم الجزاء.

{هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ}، يوم القضاء، وقيل: يوم الفصل بين المحسن والمسيء، {ٱلَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}.

{ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي أَشرَكوا، اجمعوهم إلى الموقف للحساب والجزاء، {وَأَزْوَٰجَهُمْ}، أشباههم وأتباعهم وأمثالهم.

قال قتادة والكلبي: كل من عمل مثل عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا.

وقال الضحاك ومقاتل: قرناءهم من الشياطين، كل كافر مع شيطانه في سلسلة.

وقال الحسن: وأزواجهم المشركات.

{وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ}، في الدنيا، يعني: الأوثان والطواغيث. وقال مقاتل: يعني إبليس وجنوده، واحتج بقوله:

{ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ }[يس: 60].

{فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ}، قال ابن عباس: دلوهم إلى طريق النار. وقال ابن كيسان: قدّموهم. والعرب تسمى السابق هادياً.

{وَقِفُوهُمْ}، احبسوهم، يقال: وقفته وقفاً فوقف وقوفاً.

قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حُبِسُوا عند الصراط، لأن السؤال عند الصراط، فقيل: وقفوهم {إِنَّهُمْ مَّسْؤولُونَ}، قال ابن عباس: عن جميع أقوالهم وأفعالهم.

وروي عنه عن: لا إله إلا الله.

وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسأَل عن أربعة أشياء: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفِيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به».

مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ۝٢٥ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ۝٢٦ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٢٧ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ۝٢٨ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٢٩

{مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ}، أي: لا تتناصرون، يقال لهم توبيخاً: مالكم لا ينصر بعضكم بعضاً، يقول لهم خزنة النار، هذا جواب لأبي جهل حين قال يوم بدر:

{ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ } [القمر: 44].

فقال الله تعالى: {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}، قال ابن عباس: خاضعون. وقال الحسن: منقادون، يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع له، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم.

{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}, أي: الرؤساء والأتباع {يَتَسَآءَلُونَ}، يتخاصمون.

{قَالُوۤاْ}، أي: الأتباع للرؤساء، {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ}، أي: من قبل الدين فتضلوننا عنه [وتُروننا أن الدين ما تضلوننا به]، قاله الضحاك. وقال مجاهد: عن الصراط الحق، واليمين عبارة عن الدين والحق، كما أخبر الله تعالى عن إبليس:

{ ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ }[الأعراف: 17]، فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبَّس عليه الحق.

وقال بعضهم: كان الرؤساء يحلفون لهم أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فمعنى قوله: {تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها.

وقيل: "عن اليمين" أي: عن القوة والقدرة، كقوله:

{ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ }[الحاقة:45]، والمفسرون على القول الأول.

{قَالُواْ}، يعني: الرؤساء للأتباع، {بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}، لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، أي: إنما الكفر من قِبَلِكم.

وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَٰغِينَ ۝٣٠ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ۝٣١ فَأَغْوَيْنَٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ۝٣٢ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ۝٣٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ۝٣٤ إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ۝٣٥ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍۭ ۝٣٦ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٣٧ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ۝٣٨ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٣٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٤٠ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ۝٤١

{وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ}، من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا، {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَـٰغِينَ}، ضالين.

{فَحَقَّ}، وجب، {عَلَيْنَا}، جميعاً، {قَوْلُ رَبِّنَآ}، يعني: كلمة العذاب، وهي قوله:

{ لأََمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }[السجدة: 13]. {إِنَّا لَذَآئِقُونَ}، العذاب، أي أن الضَّال والمُضِل جميعاً في النار.

{فَأَغْوَيْنَـٰكُمْ}، فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه، {إِنَّا كُنَّا غَـٰوِينَ}، ضالين. قال اللهعز وجل: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} (أي) الرؤساء والأتباع.

{إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ}، قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء.

{إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لهم لا إله إلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}، يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها.

{وَيَقُولُونَ أَءِنَّا لَتَارِكُوۤ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ } يعنون النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الله عزّ وجلّ ردًّا عليهم: {بَلْ جَآءَ}، محمد، {بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ}، أي أنه أتى بما أتى به الرسول قبله.

{إِنَّكُمْ لَذَآئِقُواْ ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، في الدنيا من الشرك. {إِلاَّ عِبَادَ ٱللهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}، الموحدين.

{أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ}، يعني: بكرة وعشياً كما قال:

{ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } [مريم: 62].

فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ۝٤٢ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٤٣ عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ ۝٤٤ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍۭ ۝٤٥ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّٰرِبِينَ ۝٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ۝٤٧ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ ۝٤٨ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ۝٤٩

{فَوَٰكِهُ} جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وهي كل طعام يؤكل للتلذذِ لاَ للقوت، {وَهُم مُّكْرَمُونَ}، بثواب الله.

{فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ * عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ}, لا يرى بعضهم قَفَا بعضٍ.

{يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ}، إناء فيه شراب ولا يكون كأساً حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء، {مِّن مَّعِينٍ}، خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون.

{بَيْضَآءَ}، قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن، {لَذَّةٍ}، أي: لذيذة، {لِّلشَّـٰرِبِينَ}.

{لاَ فِيهَا غَوْلٌ}، قال الشعبي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. قال الكلبي: إثم. وقال قتادة: وَجَعُ البطن. وقال الحسن: صداع.

وقال أهل المعاني: "الغَوْل" فساد يلحق في خفاء، يقال: اغتاله اغتيالاً إذا أفسد عليه أمره في خفية، وخمرة الدنيا يحصل منها أنواع من الفساد، منها السُكْر وذهاب العقل، ووجع البطن، والصداع، والقيء، والبول، ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة.

{وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}، قرأ حمزة والكسائي: "ينزِفون" بكسر الزاي وافقهما عاصم في الواقعة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي فيهما، فمن فتح الزاي فمعناه: لا يغلبهم على عقولهم ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، إذا سكر، ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزوف، إذا فنيت خمره.

{وَعِندَهُمْ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ}، حابسات الأعين غاضات الجفون، قصرن أعينهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، {عِينٌ}، أي: حسان الأعين، يقال: رجل أعين وامرأة عيناء ونساء عِين.

{كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ}، جمع البيضة، {مَّكْنُونٌ}، مصون مستور، وإنما ذكَّر "المكنون والبيض" جمع لأنه رده إلى اللفظ.

قال الحسن: شبههنّ ببيض النعامة تكنها بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة. ويقال: هذا أحسن ألوان النساء أن تكون المرأة بيضاء مشرّبة صفرة، والعرب تشبهها ببيضة النعامة.

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٥٠ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ ۝٥١ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ۝٥٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ۝٥٣ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ۝٥٤ فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ۝٥٥ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ۝٥٦ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ۝٥٧ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ۝٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝٥٩ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٦٠ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَٰمِلُونَ ۝٦١ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ۝٦٢ إِنَّا جَعَلْنَٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّٰلِمِينَ ۝٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىٓ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ۝٦٤ طَلْعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ۝٦٥ فَإِنَّهُمْ لَـَٔاكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِـُٔونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ۝٦٦

{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ}, يعني: أهل الجنة في الجنة يسأل بعضُهم بعضاً عن حاله في الدنيا.

{قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ}، يعني من أهل الجنة: {إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ}، في الدنيا ينكر البعث.

قال مجاهد: كان شيطاناً. وقال الآخرون: كان من الإنس. وقال مقاتل: كانا أخوين. وقال الباقون: كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، وهما اللذان قصّ الله تعالى خبرهما في سورة الكهف في قوله تعالى:

{ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ }[الكهف: 32].

{يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ}، بالبعث.

{أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُراباً وعِظاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ}، مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكار.

{قَالَ}، الله تعالى لأهل الجنة: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ}، إلى النار. وقيل: يقول المؤمن لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف منزلة أخي، فيقول أهل الجنة: أنت أعرف به منا.

{فَٱطَّلَعَ}، قال ابن عباس: إن في الجنة كُوىً ينظر أهلها منها إلى النار، فاطلعَ هذا المؤمن، {فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ}، فرأى قرينه في وسط النار، وإنما سُمّي وسط الشيء سواءً لاستواء الجوانب منه.

{قَالَ}، له: {تَٱللهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} والله لقد كدت أن تهلكني، قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني، ومن أغوى إنساناً فقد أهلكه.

{وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّى}، رحمته وإنعامه عليَّ بالإسلام، {لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ}، معك في النار.

{أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلاُْولَىٰ}، في الدنيا، {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} قال بعضهم: يقول هذا أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت: أفما نحن بميتين؟ فتقول لهم الملائكة: لا.

فيقولون: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}، وقيل: إنما يقولونه على جهة الحديث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون. وقيل: يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره.

قال الله تعالى: {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ}، أي: لمثل هذا النعيم الذي ذكره من قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ}، إلى {فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَـٰمِلُونَ}.

{أَذَٰلِكَ} أي: ذلك الذي ذكر لأهل الجنة، {خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ}، التي هي نزل أهل النار، والزقوم: ثمرة شجرة خبيثة مُرّة كريهة الطعم، يُكره أهلُ النار على تناولها، فهم يتزقمونه على أشد كراهية، ومنه قولهم: تزقّم الطعامَ إذا تناوله على كره ومشقة.

{إِنَّا جَعَلْنَـٰهَا فِتْنَةً لِّلظَّـٰلِمِينَ}، الكافرين وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ وقال ابن الزبعري لصناديد قريش: إن محمداً يخوّفنا بالزقوم، والزقوم بلسان بربر: الزبد والتمر، فأدخلهم أبو جهل بيته، وقال: ياجارية زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر، فقال: تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد.

فقال الله تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِىۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ}، قعر النار، قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.

{طَلْعُهَا}، ثمرها سمي طلعاً لطلوعه، {كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَـٰطِينِ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الشياطين بأعيانهم شبه بها لقبحها، لأن الناس إذا وصفوا شيئاً بغاية القبح قالوا: كأنه شيطان، وإن كانت الشياطين لا ترى لأن قبح صورتها متصور في النفس، وهذا معنى قول ابن عباس والقرظي، وقال بعضهم: أراد بالشياطين الحيَّات، والعرب تُسمى الحية القبيحة المنظر شيطاناً. وقيل: هي شجرة قبيحة مرّة منتنة تكون في البادية، تسميها العرب رؤوس الشياطين.

{فَإِنَّهُمْ لأَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ}، والملء: حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه.

ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ ۝٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ ۝٦٨ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا۟ ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ ۝٦٩ فَهُمْ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ يُهْرَعُونَ ۝٧٠ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٧١ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ۝٧٢ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ ۝٧٣ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٧٤ وَلَقَدْ نَادَىٰنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ ۝٧٥ وَنَجَّيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ۝٧٦ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلْبَاقِينَ ۝٧٧

{ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً}، خلطاً ومزاجاً، {مِّنْ حَمِيمٍ}، من ماء حار شديد الحرارة، يقال: لهم إذا أكلوا الزقوم: اشربوا عليه الحميم، فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوباً لهم.

{ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ}، بعد شرب الحميم، {لإِلَى ٱلْجَحِيمِ}، وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج من الحميم كما تورد الإِبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم، دلَّ عليه قوله تعالى:

{ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ }[الرحمن: 44]، وقرأ ابن مسعود: (ثم إن مقيلهم لإِلى الجحيم).

{إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ} وجدوا، {ءَابَآءَهُمْ ضَآلِّينَ * فَهُمْ عَلَىٰ ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ}، يسرعون، قال الكلبي: يعملون مثل أعمالهم.

{وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ ٱلأَوَّلِينَ}، من الأمم الخالية.

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ * فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ}، الكافرين أي: كان عاقبتهم العذاب.

{إِلاَّ عِبَادَ ٱللهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}، الموحدين نجوا من العذاب.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ}، دعا ربه على قومه فقال:

{ أَنُّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } [القمر: 10] {فَلَنِعْمَ ٱلْمُجِيبُونَ} نحن، يعني: أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه.

{وَنَجَّيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ}، الغم العظيم الذي لحق قومه وهو الغرق.

{وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَـٰقِينَ}، وأراد أن الناس كلهم من نسل نوح. روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم.

قال سعيد بن المسيب، كان ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك.

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝٧٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٩ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٨٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٨١ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلْـَٔاخَرِينَ ۝٨٢ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبْرَٰهِيمَ ۝٨٣ إِذْ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ۝٨٤ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦ مَاذَا تَعْبُدُونَ ۝٨٥ أَئِفْكًا ءَالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ۝٨٦ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨٧ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ ۝٨٨ فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ ۝٨٩

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ}، أي: أبقينا له ثناء حسناً وذكراً جميلاً فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة.

{سَلَـٰمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِى ٱلْعَـٰلَمِينَ}، أي: سلام عليه منّا في العالمين. وقيل: أي تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة.

{إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ}، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين.

{إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ}، يعني الكفار.

قوله تعالى: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ}، أي من أهل دينه وسنته، {لإِبْرَٰهِيمَ * إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، مخلص من الشرك والشك.

{إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ}, استفهام توبيخ.

{أَءِفْكاً ءَالِهَةً دُونَ ٱللهِ تُرِيدُونَ}، يعني: أتأفكون إفكاً وهو أسوأ الكذب، وتعبدون آلهة سوى الله.

{فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} - إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره - أنه يصنع بكم.

{فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ}، قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم ويقربون لهم القرابين، ويصنعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم - زعموا - للتبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه، فقالوا لإِبراهيم: ألا تخرج غداً معنا إلى عيدنا؟ فنظر إلى النجوم فقال: إني سقيم، قال ابن عباس: مطعون، وكانوا يفرون من الطاعون فراراً عظيماً. قال الحسن: مريض. وقال مقاتل: وجع. وقال الضحاك: سأسقم.

فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ۝٩٠ فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ۝٩١ مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ ۝٩٢ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًۢا بِٱلْيَمِينِ ۝٩٣ فَأَقْبَلُوٓا۟ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ۝٩٤ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ۝٩٥ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ۝٩٦ قَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ لَهُۥ بُنْيَٰنًا فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ ۝٩٧ فَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًا فَجَعَلْنَٰهُمُ ٱلْأَسْفَلِينَ ۝٩٨

{فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ}، إلى عيدهم فدخل إبراهيم على الأصنام فكسرها. كما قال الله تعالى: {فَرَاغَ إِلَىٰ ءَالِهَتِهِمْ}، مال إليها ميلة في خفية، ولا يقال "راغ" حتى يكون صاحبه مخفياً لذهابه ومجيئه، {فَقَالَ} استهزاءً بها. {أَلاَ تَأْكُلُونَ}، يعني: الطعام الذي بين أيديكم.

{مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ}، مال عليهم، {ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ}، أي: كان يضربهم بيده اليمنى لأنها أقوى على العمل من الشمال. وقيل: باليمين أي: بالقوة. وقيل: أراد به القسم الذي سبق منه وهو قوله:

{ وَتَٱللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ }[الأنبياء: 57].

{فَأَقْبَلُوۤاْ إليهِ}، يعني إلى إبراهيم، {يَزِفُّونَ}، يسرعون، وذلك أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه.

قرأ الأعمش وحمزة: "يُزفون" بضم الياء وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان. وقيل: بضم الياء، أي: يحملون دوابهم على الجد والإسراع.

{قالَ}، لهم إبراهيم على وجه الحجاج، {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}، يعني: ما تنحتون بأيديكم.

{وَٱللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.

{قَالُواْ ٱبْنُواْ لَهُ بُنْيَـٰناً فَأَلْقُوهُ فِى ٱلْجَحِيمِ}، معظم النار، قال مقاتل: بنوا له حائطاً من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعاً، وعرضه عشرون ذراعاً، وملؤوه من الحطب وأوقدوا فيه النار وطرحوه فيها.

{فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً}، شراً وهو أن يحرقوه، {فَجَعَلْنَـٰهُمُ ٱلأَسْفَلِينَ}، أي المقهورين حيث سلّم الله تعالى إبراهيم وردّ كيدهم.

وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ ۝٩٩ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١٠٠ فَبَشَّرْنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٍ ۝١٠١ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٠٢

{وَقَالَ}، يعني إبراهيم، {إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى}، أي: مهاجر إلى ربي، والمعنى: أهجر دار الكفر وأذهب إلى مرضاة ربي، قاله بعد الخروج من النار، كما قال:

{ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّى }[العنكبوت: 26]، {سَيَهْدِينِ}، إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وهو الشام.

قال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال: {رَبِّ هَبْ لِى مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، يعني هب لي ولداً صالحاً من الصالحين.

{فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ}، قيل: بغلام في صغره، حليم في كبره، ففيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم.

{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ}، قال ابن عباس وقتادة: يعني المشي معه إلى الجبل. وقال مجاهد عن ابن عباس: لمّا شبّ حتى بلغ سعيُه سعي إبراهيم. والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله. قال الكلبي: يعني العمل لله تعالى، وهو قول الحسن ومقاتل بن حيان وابن زيد، قالوا: هو العبادة لله تعالى.

واختلفوا في سنه، قيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: كان ابن سبع سنين.

{قَالَ يٰبُنَىَّ إِنِّىۤ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ}. واختلف العلماء من المسلمين في هذا الغلام الذي أُمر إبراهيم بذبحه بعد اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق، فقال قوم: هو إسحاق وإليه ذهب من الصحابة: عمر، وعلي وابن مسعود، وابن عباس، ومن التابعين وأتباعهم: كعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي، وهي رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، وقالوا: كانت هذه القصة بالشام.

وروي عن سعيد بن جبير قال: أُريَ إبراهيم ذبح إسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما أمره الله تعالى بذبح الكبش، ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة وطويت له الأودية والجبال.

وقال آخرون: هو إسماعيل، وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وهو قول سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وهي رواية عطاء بن أبي رباح، ويوسف بن ماهك عن ابن عباس، قال: المفدى إسماعيل.

وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذهب إلى أن الذبيح إسحاق احتج من القرآن بقوله: {فَبَشَّرْنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ} [الصافات: 101] أمره بذبح من بَشّره به، وليس في القرآن أنه بُشِّر بولد سوى إسحاق، كما قال في سورة هود:

{ فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ }[ هود: 71].

ومن ذهب إلى أنه إسماعيل احتج بأن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال:

{ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ }[الصافات: 112]، دلّ على أن المذبوح غيره، وأيضاً قال الله تعالى في سورة هود: { فَبَشَّرْنَـٰهَا بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ }[هود: 71]، فكما بشره بإسحاق بشره بابنه يعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه.

قال القرظي: سأل عمر بن عبد العزيز رجلاً كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه: أيُّ ابني إبراهيم أُمِرَ بذبحهِ؟ فقال: إسماعيل، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله تعالى بذبحه، ويزعمون أنه إسحاق.

ومن الدليل عليه: أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج.

قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة.

وعن ابن عباس قال: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، قد وحش، يعني يبس.

قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال: يا صميع أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه.

وأما قصة الذبح قال السدي: لما دعا إبراهيم فقال: ربّ هبّ لي من الصالحين، وبُشر به، قال: هو إذاً لله ذبيح، فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له: أوف بنذرك، هذا هو السبب في أمر الله تعالى إيّاه بذبح ابنه، فقال عند ذلك، لإِسحاق: انطلق فقرب قرباناً لله تعالى فأخذ سكيناً وحبلاً وانطلق معه حتى ذهب به بين الجبال، فقال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: {يـٰبُنَىَّ إِنِّىۤ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ ما تُؤْمر}.

وقال محمد بن إسحاق: كان إبراهيم إذا زار هاجَر وإسماعيلَ حُمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته، أُمِر في المنام أن يذبحه، وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح رَوي في نفسه أي: فكر من الصباح إلى الرواح، أمِنَ الله هذا الحلم أمْ من الشيطان؟ فمن ثَمَّ سُمي يوم التروية، فلما أمسى رأى في المنام ثانياً، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله عزّ وجلّ، فمن ثَمَّ سُمي يوم عرفة.

قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متواليات، فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه، فقال: {يـٰبُنَىَّ إِنِّىۤ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}.

قرأ حمزة والكسائي: "تُرِى" بضم التاء وكسر الراء - ماذا تشير، وإنما أمره ليعلم صبره على أمر الله تعالى، وعزيمته على طاعته.

وقرأ العامة بفتح التاء والراء إلا أبا عمرو فإنه يُميلُ الراء.

قال له ابنه: {يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ ما تُؤْمر}, وقال ابن إسحاق وغيره: فلما أُمِرَ إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذِ الحبل والمدية ننطلق إلى هذا الشعب نحتطب، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثَبِيْر أخبره بما أُمِرَ، {قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِىۤ إِن شَآءَ ٱللهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}.

فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ ۝١٠٣

{فَلَمَّا أَسْلَمَا}، انقادا وخضعا لأمر الله تعالى، قال قتادة: أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه، {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}, أي: صرعه على الأرض. قال ابن عباس: أضجعه على جبينه على الأرض والجبهة بين الجبينين، قالوا: فقال له ابنه الذي أراد ذبحه يا أبت اشددْ رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك، وأسرِعْ مرَّ السكين على حلقي ليكون أهون عليّ فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني، فقال له إبراهيم عليه السلام: نِعْمَ العون أنت يا بني على أمر الله، ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه فقبَّله وقد ربطه وهو يبكي والابن أيضاً يبكي، ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تَحُك السكين.

ويروى: أنه كان يجر الشفرة في حلقه فلا تقطع، فشحذها مرتين أو ثلاثة بالحجر، كل ذلك لا تستطيع.

قال السدي: ضرب الله تعالى صفحة من نحاس على حلقه، قالوا: فقال الابن عند ذلك: يا أبت كبني لوجهي على جبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رقةٌ تحول بينك وبين أمر الله تعالى، وأنا لا أنظر إلى الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ثم وضع الشفرة على قفاه فانقلبت السكين ونُودي: أنْ يا إبراهيم قدْ صدّقت الرؤيا.

وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قال: لما رأى إبراهيم ذبح ابنه قال الشيطان: لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحداً أبداً فتمثل له الشيطان رجلاً وأتى أم الغلام، فقال لها: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب، قال: لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم به وأشد حباً له من ذلك، قال: إنه يزعم أن الله قد أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه، فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه، فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب، قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: ولِمَ؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه فسمعاً وطاعةً، فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم عليه السلام فقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ قال أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك هذا، فعرفه إبراهيم عليه السلام، فقال: إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي، فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئاً مما أراد، قد امتنعوا منه بعون الله تعالى.

وروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أن إبراهيم لما أُمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عَرَضَ له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله عزّ وجلّ.

قال الله عزّ وجّل: {فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}.

وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۝١٠٤ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلَٰٓؤُا۟ ٱلْمُبِينُ ۝١٠٦ وَفَدَيْنَٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ۝١٠٧

{وَنَـٰدَيْنَـٰهُ}، الواو في "وناديناه" مقحمة صلة، مجازه: ناديناه كقوله:

{ وَأَجْمَعُوۤاْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ }[يوسف: 15]، أي: أوحينا إليه، فنودي من الجبل، {أَن يٰإِبْرَٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ}، تمّ الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ}، والمعنى: إنا كما عفونا إبراهيم عن ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه.

{إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ}، الاختبار الظاهر حيث اختبره بذبح ابنه. وقال مقاتل: البلاء هاهنا النعمة، وهي أن فدي ابنه بالكبش.

فإن قيل: كيف قال: قد صدقت الرؤيا، وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟.

قيل: جعله مصدقاً لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب إسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعلا.

وقيل: كان قد رأى في النوم معاجلة الذبح ولم ير إراقة الدم، وقد فعل في اليقظة ما رأى في النوم، فلذلك قال له: "قد صدقت الرؤيا".

{وَفَدَيْنَـٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}، فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن، فقال: هذا فداء لابنك فاذبحه دونه، فكبّر جبريل، وكبّر الكبش، وكبّر ابنه، فأخذ إبراهيم الكبش فأتى به المنحر من منى فذبحه.

قال أكثر المفسرين: كان ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفاً.

وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي قربه ابن آدم هابيل.

قال سعيد بن جبير: حقَّ له أن يكون عظيماً. قال مجاهد: سماه عظيماً لأنه متقبل. وقال الحسين بن الفضل: لأنه كان من عند الله. وقيل: عظيم في الشخص. وقيل: في الثواب.

وقال الحسن: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى أُهبط عليه من ثبير.

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ۝١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١١٠ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١١١ وَبَشَّرْنَٰهُ بِإِسْحَٰقَ نَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١١٢ وَبَٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰٓ إِسْحَٰقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ مُبِينٌ ۝١١٣ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝١١٤ وَنَجَّيْنَٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ ۝١١٥ وَنَصَرْنَٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝١١٦ وَءَاتَيْنَٰهُمَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ ۝١١٧ وَهَدَيْنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ۝١١٨ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ۝١١٩ سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝١٢٠ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٢١ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٢٢

{وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلآخِرِينَ}، أي: تركنا له في الآخرين ثناء حسناً.

{سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَـٰهُ بِإِسْحَـٰقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}، فمن جعل الذبيح إسماعيل قال: بشره بعد هذه القصة بإسحاق نبياً جزاءً لطاعته، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بُشِّرَ إبراهيم بنبوة إسحاق. رواه عكرمة عن ابن عباس. قال: بشر به مرتين حين ولد وحين نبئ.

{وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ}، يعني: على إبراهيم في أولاده، {وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ}، بكون أكثر الأنبياء من نسله، {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ}، أي: مؤمن، {وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}، أي: كافر، {مُبِينٌ}،ظاهر.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ}، أنعمنا عليهما بالنبوة.

{وَنَجَّيْنَـٰهُمَا وَقَوْمَهُمَا}، بني إسرائيل، {مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ}، أي: الغم العظيم وهو الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إيّاهم. وقيل: من الغرق.

{وَنَصَرْنَـٰهُمْ}، يعني: موسى وهارون وقومهما، {فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُينَ}، على القبط.

{وَءَاتَيْنَـٰهُمَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلْمُسْتَبِينَ}, أي: المستنير وهو التوراة.

{وَهَدَيْنَـٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى ٱلأَخِرِينَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝١٢٣

قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}, روي عن عبد الله بن مسعود قال: إلياس هو إدريس. وفي مصحفه: وإن إدريس لمن المرسلين. وهذا قول عكرمة.

وقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل.

قال ابن عباس: هو ابن عم اليسع.

قال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن بشر بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران.

وقال أيضاً محمد بن إسحاق، والعلماء من أصحاب الأخبار: لما قبض الله عزّ وجلّ حزقيل النبي صلى الله عليه وسلم، عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك، ونصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله عزّ وجلّ إليهم إلياس نبياً وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى بتجديد ما نسوا من التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام، وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون لما فتح الشام بوأها بني إسرائيل وقسمها بينهم، فأحل سبطاً منهم ببعلبك ونواحيها، وهم السبط الذين كان منهم إلياس فبعثه الله تعالى إليهم نبياً، وعليهم يومئذ ملك يقال له: آجب قد أضل قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنماً يقال له: بعل، وكان طوله عشرين ذراعاً وله أربعة وجوه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عزّ وجلّ وهم لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من أمر الملك، فإنه صدقه وآمن به فكان إلياس يُقَوِّمُ أمره ويسدده ويرشده، وكان لآجب الملك هذا امرأة يقال لها: أزبيل وكان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، وكانت تَبرُزُ للناس وتقضي بين الناس، وكانت قتالة للأنبياء، يقال: هي التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام، وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم يكتم إيمانه، وكان قد خلّص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بعث سوى الذين قتلتهم، وكانت في نفسها غير محصنة، وكانت قد تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل، وقتلت كلهم بالاغتيال، وكانت معمرة يقال أنها ولدت سبعين ولداً. وكان لآجب هذا جار رجل صالح يقال له مزدكي، وكانت له جنينة يعيش منها، ويقبل على عمارتها ومرمتها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان آجب الملك يحسن جوار صاحبها مزدكي، ويحسن إليه، وامرأته أزبيل تحسده لأجل تلك الجنينة، وتحتال أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها، وتحتال أن تقتله والملك ينهاها عن ذلك ولا تجد عليه سبيلاً، ثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته أزبيل ذلك فجمعت جمعاً من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكي أنه سب زوجها آجب فأجابوها إليه، وكان في حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سبّ الملك إذا قامت عليه البينة، فأحضرت مزدكي وقالت له: بلغني أنك شتمت الملك فأنكر مزدكي، فأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور، فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فغضب الله عليهم للعبد الصالح. فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبتِ ولا أرانا نفلح بعده، فقد جاورنا منذ زمان فأحسنّا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا، فختمتِ أمره بأسوأ الجوار، فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك، فقال لها: أو ما كان يسعه حلمك فتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ما كان، فبعث الله تعالى إلياس إلى آجب الملك وقومه، وأمره أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب لوليّه حين قتلوه ظلماً، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردّا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني آجب وامرأته، في جوف الجنينة، ثم يدعهما جيفتين مُلقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما، ولا يتمتعان بها إلا قليلاً، قال: فجاء إلياس وأخبره بما أوحى الله تعالى إليه في أمره وأمر امرأته ورد والجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتدَّ غضبه عليه ثم قال له: يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلاً وما أرى فلاناً وفلاناً - سمى مُلوكاً منهم قد عبدوا الأوثان - إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويتمتعون مملكين ما ينقص من دنياهم أمرُهم الذي تزعم أنه باطل، وما ترى لنا عليهم من فضل، قال: وهمّ الملك بتعذيب إلياس وقتله، فلما أحس إلياس بالشر والمكر به رفضه وخرج عنه، فلحق بشواهق الجبال، وعاد الملك إلى عبادة بعل، وارتقى إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه.

ويقال: إنه بقي سبع سنين شريداً خائفاً يأوي إلى الشعاب والكهوف يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون والله يستره، فلما مضى سبع سنين أذن الله في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم، فأمرض الله عزّ وجلّ ابناً لآجب وكان أحب ولد إليه وأشبههم به، فأدنف حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلاً - وكانوا قد فتنوا ببعل وعظّموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن - فوكلوهم به وجعلوهم أنبياءه، وكان الشيطان يدخل في جوف الصنم فيتكلم، والأربعمائة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان ويوسوس إليهم الشيطان بشريعة من الضلال فيبثونها للناس، فيعملون بها ويسمونهم أنبياء.

فلما اشتد مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوا إلى بعل، ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله الشيطان فلم يمكنه الولوج في جوفه، وهم مجتهدون في التضرع إليه، فلما طال عليهم ذلك قالُوا لآجب: إن في ناحية الشام آلهة أخرى فابعث إليها أنبياءك فلعلَّها تشفع لك إلى إلهك بعل، فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لأجابك، قال آجب: ومن أجل ماذا غضب عليّ وأنا أطيعه؟ قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت فيه حتى نجا سليماً وهو كافر بإلهك، قال آجب: وكيف لي أن أقتل إلياس وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابني، وليس لإِلياس مطلب ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عُوفي ابني لفرغت لطلبه حتى أجده فأقتله فأرضي إلهي، ثم إنه بعث أنبياءه الأربعمائة إلى الآلهة التي بالشام يسألونها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفي ابنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس أوحى الله تعالى إلى إلياس عليه السلام أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويكلمهم. وقال له: لا تخف فإني سأصرف عنك شرهم وألقي الرعب في قلوبهم، فنزل إلياس من الجبل، فلما لقيهم استوقفهم، فلما وقفوا قال لهم: إن الله تعالى أرسلني إليكم وإلى من وراءكم فاسمعوا أيها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم فارجعوا إليه، وقولوا له: إنّ الله تعالى يقول لك: ألستَ تعلم يا آجب أَني أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم، ورزقهم وأحياهم وأماتهم، فجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي، وتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئاً إلا ما شئت، إني حلفت باسمي لأغيظنَّك في ابنك ولأميتنه في فوره هذا حتى تعلم أن أحداً لا يملك له شيئاً دوني.

فلما قال لهم هذا رجعوا وقد مُلِئوا منه رعباً، فلما صاروا إلى الملك أخبروه بأن إلياس قد انحط عليهم، وهو رجل نحيف طوال قد نحل وتمعط شعره وتقشر جلده، عليه جبة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال فاستوقفنا، فلما صار معنا قذف له في قلوبنا الهيبة والرعب، فانقطعت ألسنتنا ونحن في هذا العدد الكثير فلم نقدر على أن نكلمه ونراجعه حتى رجعنا إليك، وقصوا عليه كلام إلياس، فقال آجب: لا ننتفع بالحياة ما كان إلياس حياً وما يطاق إلا بالمكر والخديعة، فقيض له خمسين رجلاً من قومه ذوي القوة والبأس، وعهد إليهم عهده، وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به وأن يطمعوه في أنهم قد آمنوا به، هم ومن وراءهم ليستنهم إليهم ويغتر بهم فيمكنهم من نفسه فيأتون به ملكهم، فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس، ثم تفرقوا فيه ينادونه بأعلى أصواتهم، ويقولون: يا نبي الله ابرز إلينا وامنن علينا بنفسك، فإنا قد آمنَّا بك وصدقناك، وملكنا آجب وجميع قومنا، وأنت آمن على نفسك وجميع بني إسرائيل، يقرؤون عليك السلام ويقولون: قد بَلَغَتنا رسالتك وعرفنا ما قلت، فآمنّا بك وأجبناك إلى ما دعوتنا فهلمَّ إلينا وأقم بين أظهرنا وأحكم فينا فإنا ننقاد لما أمرتنا، وننتهي عما نهيتنا وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا، فارجعْ إلينا. وكل هذا منهم مُمَاكَرةٌ وخديعة.

فلما سمع إلياس مقالتهم وقعت في قلبه وطمع في إيمانهم، وخاف الله إنْ هو لم يظهر لهم، فألهمه الله التوقف والدعاء، فقال: اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأْذن لي في البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم، فما استتم قوله حتى حُصبوا بالنار من فوقهم، فاحترقوا أجمعين، قال: وبلغ آجب الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء، واحتال ثانياً في أمر إلياس، وقيض له فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وأمكن من الحيلة والرأي، فأقبلوا، أي: حتى توقَّلوا، أي: صعدوا قلل تلك الجبال متفرقين، وجعلوا ينادون يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته، إنا لسنا كالذين أتوك قبلنا وإن أولئك فرقة نافقوا فصاروا إليك ليكيدوا بك في غير رأينا، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم، فالآن قد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم وانتقم لنا ولك منهم، فلما سمع إلياس مقالتهم دعا الله بدعوته الأولى فأمطر عليهم النار، فاحترقوا عن آخرهم، وفي كل ذلك ابن الملك في البلاء الشديد من وجعه, فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانياً ازداد غضباً على غضب، وأراد أن يخرج في طلب إلياس بنفسه، إلا أنه شغله عن ذلك مرض ابنه، فلم يمكنه فوجه نحو إلياس المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل معه، وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءاً، وإنما أظهر له لما اطلع عليه من إيمانه، وكان الملك مع اطلاعه على إيمانه مغضياً عنه لما هو عليه من الكفاية والأمانة وسداد الرأي. فلما وجهه نحوه أرسل معه فئة من أصحابه، وأوعز إلى الفئة - دون الكاتب - أن يوثقوا إلياس ويأتوا به إن أراد التخلف عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقاً به لم يروعوه، ثم أظهر مع الكاتب الإنابة وقال له: قد آن لي أن أتوب وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني، وقد عرفت أن ذلك بدعوة إلياس، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته، فانطلق إليه وأخبره أنا قد تبنا وأنبنا، وأنه لا يصلحنا في توبتنا، وما نريد من رضاء ربنا وخلع أصنامنا إلا أن يكون إلياس بين أظهرنا، يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما يرضي ربنا، وأمر قومه فاعتزلوا الأصنام، وقال له: أخبر إلياس أنا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد، وأرجينا أمرها حتى ينزل إلياس فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها، وكان ذلك مكراً من الملك.

فانطلق الكاتب والفئة حتى علا الجبل الذي فيه إلياس ثم ناداه، فعرف إلياس صوته. فتاقت نفسه إليه وكان مشتاقاً إلى لقائه فأوحى الله تعالى إليه أن أبرز إلى أخيك الصالح فالقه، وجدد العهد به فبرز إليه وسلم عليه وصافحه، وقال له: ما الخبر؟ فقال المؤمن: إنه قد بعثني إليك هذا الجبار الطاغية وقومه، ثم قص عليه ما قالوا ثم قال له: وإني لخائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني فمرني بما شئت أفعله، إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته، وإن شئتَ جاهدته معك وإن شئت ترسلني إليه بما تحب فأبلغه رسالتك، وإن شئتَ دعوت ربك يجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً، فأوحى الله تعالى إلى إلياس أن كل شيء جاءك منهم مكر وكذب ليظفروا بك، وإن آجب إن أخبرته رسلُهُ أنك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك اتهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك، فلم يأمن أن يقتله، فانطلق معه فإني سأشغل عنكما آجب فأضاعف على ابنه البلاء، حتى لا يكون له همّ غيره، ثم أميته على شرِّ حال، فإذا مات فارجع عنه، قال: فانطلق معهم حتى قدموا على آجب، فلما قدموا شدّد الله تعالى الوجع على ابنه وأخذ الموت يكظمه، فشغل الله تعالى بذلك آجب وأصحابه عن إلياس، فرجع إلياس سالماً إلى مكانه، فلما مات ابن آجب وفرغوا من أمره وقلّ جزعه انتبه لإلياس، وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ليس لي به علم شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه، ولم أكن أحسبك إلا قد استوثقت منه، فانصرف عنه آجب وتركه لما فيه من الحزن على ابنه.

فلما طال الأمر على إلياس ملَّ السكون في الجبال واشتاق إلى الناس نزل من الجبل فانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل، وهي أم يونس بن متى ذي النون استخفى عندها ستة أشهر ويونُس بن متى يومئذ مولود يرضع، فكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتواسيه بذات يدها، ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت بعد تعوده فسحة الجبال، فأحب اللحوق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه، فجزعت أم يونس لفراقه فأوحشها فقده، ثم لم تلبث إلا يسيراً حتى مات ابنها يونس حين فطمته، فعظمت مصيبتها فخرجت في طلب إلياس، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى عثرت عليه، فوجدته وقالت له: إني قد فجعت بعدك لموت ابني فعظمت فيه مصيبتي واشتد لفقده بلائي، وليس لي ولد غيره، فارحمني وادع لي ربك جل جلاله ليحيي لي ابني وإني قد تركته مسجَّى لم أدفنه، وقد أخفيت مكانه، فقال لها إلياس: ليس هذا مما أُمرتُ به، وإنما أنا عبد مأمور أعمل بما يأمرني ربي، فجزعت المرأة وتضرعت فأعطف الله تعالى قلب إلياس لها. فقال لها: متى مات ابنك؟ قالت: منذ سبعة أيام فانطلق إلياس معها وسار سبعة أيام أخرى حتى انتهى إلى منزلها، فوجد ابنها ميتاً له أربعة عشر يوماً، فتوضأ وصلى ودعا، فأحيا الله تعالى يونس بن متى. فلما عاش وجلس وثب إلياس وتركه وعاد إلى موضعه.

فلما طال عصيان قومه ضاق بذلك إلياس ذرعاً فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه؟ ألستَ أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي؟ فسلني أعطك، فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: تميتني وتلحقني بآبائي فإني مللتُ بني إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه: يا إلياس ما هذا باليوم الذي أُعري عنك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وبأشباهك، وإن كنتم قليلاً ولكن سلني فأعطك، فقال إلياس: إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني إسرائيل. قال الله تعالى: فأيّ شيء تريد أن أعطيك؟ قال تمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشر عليهم سحابة إلا بدعوتي، ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي، فإنه لا يذلهم إلا ذلك، قال الله تعالى: يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك، وإن كانوا ظالمين، قال: فست سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك، قال: فخمس سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك ولكني أعطيك ثأرك ثلاث سنين، أجعل خزائن المطر بيدك، قال إلياس فبأي شيء أعيش؟ قال: أسخر لك جيشاً من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تقحط، قال إلياس: قد رضيت، قال: فأمسك الله تعالى عنهم المطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهداً شديداً، وإلياس على حالته مستخفٍ من قومه، يوضع له الرزق حيث ما كان، وقد عرف ذلك قومه وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، وطلبوه ولقي من أهل ذلك المنزل شراً.

قال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمرّ إلياس بعجوز فقال لها: هل عندك طعام؟ قالت: نعم شيء من دقيق وزيت قليل. قال: فدعا ربه ودعا فيه بالبركة ومسّه حتى ملأ جرابها دقيقاً، وملأ خوابيها زيتاً، فلما رأوا ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مرّ بي رجل حاله كذا وكذا فوصفته بوصفه فعرفوه، فقالوا ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم، ثم إنه أوى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب، به ضَرٌّ فآوته وأخفت أمره، فدعا لولدها فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع اليسعُ إلياس فآمن به وصدقه ولزمه. وكان يذهب حيث ما ذهب، وكان إلياس قد أسنَّ فكبر واليسع شابٌ، ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس: أنك قد أهلكت كثيراً من الخلق ممن لم يعص من البهائم والدواب والطير والهوام بحبس المطر، فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس قال: يا رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء، لعلّهم أن يرجعوا وينزعوا عمّا هم عليه من عبادة غيرك، فقيل له: نعم، جاء إلياس إلى بني إسرائيل، فقال: إنكم قد هلكتم جوعاً وجهداً، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل، فنزعتم ودعوت الله تعالى ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها، فلم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، ثم قالوا لإِلياس: إنا قد هلكنا فادع الله تعالى لنا، فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبّقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر فأغاثهم، وأحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم الضر نقضوا العهد، ولم ينزعوا عن كفرهم، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه عزّ وجلّ أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كانا بالموضع الذي أُمر أقبل فرس من نار، وقيل: لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه إلياس، فانطلق به الفرس فناداه اليسع: يا إلياس، ما تأمرني؟ فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به، فرفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً، وسلّط الله تعالى على آجب الملك وقومه عدواً لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى رهقهم، فقتل آجب وامرأته أزبيل في بستان مزدكي، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما، ونبّأ الله تعالى اليسع وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، وأوحى الله تعالى إليه وأيده، فآمنت به بنو إسرائيل فكانوا يعظّمونه، وحُكْمُ الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع.

وروى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي روّاد، قال: الخضر وإلياس يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام.

وقيل: إن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار، فذلك قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ