انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

التحرير والتنويرالآيات 1–32

تفسير سورة الصافات آية آية، من التحرير والتنوير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّا ۝١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا ۝٢ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْرًا ۝٣ إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ ۝٤

القسم لتأكيد الخبر مَزيدَ تأكيد لأنه مقتضى إنكارهم الوحدانية، وهو قسم واحد والمقسم به نوع واحد مختَلف الأصناف، وهو طوائف من الملائكة كما يقتضيه قوله: {فالتَّالِيَاتِ ذِكْراً}.

وعطف «الصِّفات» بالفاء يقتضي أن تلك الصفات ثابتة لموصوف واحد باعتبار جهة ترجع إليها وحدته، وهذا الموصوف هو هذه الطوائف من الملائكة فإن الشأن في عطف الأوصاف أن تكون جارية على موصوف واحد لأن الأصل في العطف بالفاء اتصال المتعاطفات بها لما في الفاء من معنى التعقيب ولذلك يعطفون بها أسماء الأماكن المتصلِ بعضها ببعض كقول امرىء القيس:

بِسِقط اللِّوَى بين الدَّخول فَحَوْمَلفتُوضِحَ فالمقرةِ... البيت

وكقول لبيد:

بمشارق الجبليين أو بمحجرفتضمنتها فَردَه فمرخاهافصدائق إن أيْمَنت فمظنة............ البيت

ويعطفون بها صفاتِ موصوف واحد كقول ابن زيَّابة:

يا لهف زيَّابة للحارث الــــــــصابح فالغَانم فالآيب

يريد صفات للحارث، ووصفه بها تهكماً به.

فعن جماعة من السلف: أن هذه الصفات للملائكة. وعن قتادة أن «التاليات ذكراً» الجماعة الذين يتلون كتاب الله من المسلمين. وقسَمُ الله بمخلوقاته يُومىء إلى التنويه بشأن المقسم به من حيث هو دَالّ على عظيم قدرة الخالق أو كونه مشرّفاً عند الله تعالى

وتأنيث هذه الصفات باعتبار إجرَائها على معنى الطائفة والجماعة ليدل على أن المراد أصناف من الملائكة لا آحادٌ منهم.

و {الصافات} جمع: صافة، وهي الطائفة المصطفّ بعضها مع بعض. يقال: صف الأمير الجيش، متعدياً إذا جعله صفاً واحداً أو صفوفاً، فاصطفوا. ويقال: فَصَفُّوا، أي صاروا مصطفِّين، فهو قاصر. وهذا من المطاوع الذي جاء على وزن فعله مثل قول العجاج:

قد جَبر الدينَ الإِله فجَبَر

وتقدم قوله: { فاذكروا اسم اللَّه عليها صَوافّ } في سورة [الحج: 36]، وقوله: { والطير صافات } [النور: 41].

ووصف الملائكة بهذا الوصف يجوز أن يكون على حقيقته فتكون الملائكة في العالم العلوي مصطفّة صفوفاً، وهي صفوف متقدم بعضها على بعض باعتبار مراتب الملائكة في الفضل والقرب. ويجوز أن يكون كناية عن الاستعداد لامتثال ما يلقى إليهم من أمر الله تعالى قال تعالى، حكاية عنهم في هذه السورة

{ وإنَّا لنحن الصَّافونَ وإنَّا لنحنُ المُسَبِحُونَ } [الصافات: 166،165].

والزجرُ: الحث في نهي أو أمر بحيث لا يُترك للمأمور تباطؤ في الإِتيان بالمطلوب، والمراد به: تسخير الملائكة المخلوقاتِ التي أمرهم الله بتسخيرها خلقاً أو فعلاً، كتكوين العناصر، وتصريف الرياح، وإزجاء السحاب إلى الآفاق.

و «التاليات ذكراً» المترددون لكلام الله تعالى الذي يتلقونه من جانب القدس لتبليغ بعضهم بعضاً أو لتبليغه إلى الرسل كما أشار إليه قوله تعالى:

{ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير }[سبأ:23]. وبيّنه قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا قضى الله الأمر في السماء ضَربت الملائكةُ بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنَّه سلسلة على صفوان فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الذي قال الحق. والمراد بــــ«التاليات» ما يتلونه من تسبيح وتقديس لله تعالى لأن ذلك التسبيح لما كان ملقناً من لدن الله تعالى كان كلامهم بها تلاوة. والتلاوة: القراءة، وتقدمت في قوله تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان } في [البقرة: 102]، وقوله: { وإذا تليت عليهم آياته }[الأنفال:2].

والذكر ما يتذكر به مِن القرآن ونحوه، وتقدم في قوله:

{ وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر } في سورة [الحجر: 6].

وما تفيده الفاء من ترتيب معطوفها يجوز أن يكون ترتيباً في الفضل بأن يراد أن الزجر وتلاوة الذكر أفضل من الصَّف لأن الاصطفاف مقدمة لها ووسيلة والوسيلة دون المتوسَّل إليه، وأن تلاوة الذكر أفضل من الزجر باعتبار ما فيها من إصلاح المخلوقات المزجورة بتبليغ الشرائع إن كانت التلاوة تلاوة الوحي الموحَى به للرسل، أو بما تشتمل عليه التلاوة من تمجيد الله تعالى فإن الأعمال تتفاضل تارة بتفاضل متعلقاتها.

وقد جعل الله الملائكة قِسْماً وسَطاً من أقسام الموجودات الثلاثة باعتبار التأثير والتأثر. فأعظم الأقسام المؤثر الذي لا يتأثر وهو واجب الوجود سبحانه، وأدناها المتأثر الذي لا يُؤثر وهو سائر الأجسام، والمتوسط الذي يؤثر ويتأثر وهذا هو قسم المجرَّدات من الملائكة والأرواح فهي قابلة للأثر عن عالم الكبرياء الإِلهية وهي تباشر التأثير في عالم الأجسام. وجِهةُ قابليتها الأثر من عالم الكبرياء مغايِرةٌ لجهة تأثيرها في عالم الأجسام وتصرفها فيها، فقوله: {فالزاجِراتِ زَجْراً} إشارة إلى تأثيرها، وقوله: {فالتالِياتِ ذِكراً}إشارة إلى تأثرها بما يلقى إليها من أمر الله فتتلوه وتتعبّد بالعمل به.

وجملة {إنَّ إلٰهَكُم لَواحِدٌ}جواب القسم ومناط التأكيد صفة «واحد» لأن المخاطبين كانوا قد علموا أن لهم إلٰهاً ولكنهم جعلوه عدة آلهة فأبطل اعتقادهم بإثبات أنه واحد غير متعدد، وهذا إنما يقتضي نفي الإِلٰهية عن المتعددين وأما اقتضاؤه تعيين الإِلٰهية لله تعالى فذلك حاصل بأنهم لا ينكرون أن الله تعالى هو الربّ العظيم ولكنهم جعلوا له شركاء فحصل التعدد في مفهوم الإِلٰه فإذا بطل التعدد تعيّن انحصار الإِلٰهية في ربّ واحد هو الله تعالى

رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَٰرِقِ ۝٥

أتبع تأكيد الإِخبار عن وحدانية الله تعالى بالاستدلال على تحقيق ذلك الإِخبار لأن القسم لتأكيده لا يُقنع المخاطبين لأنهم مكذِّبون مَن بلّغ إليهم القَسَم، فالجملة استئناف بياني لبيان الإِلٰه الواحد مع إدماج الاستدلال على تعيينه بذكر ما هو من خصائصه المقتضي تفرده بالإِلٰهية.

فقوله: {رَبُّ السمٰواتِ والأرض} خبر لمبتدأ محذوف. والتقدير: هو ربّ السماوات، أي إلٰهكم الواحد هو الذي تعرفونه بأنه ربّ السماوات والأرض إلى آخره.

فقوله: {رَبُّ السَّماواتِ والأرضِ} خبر لمبتدأ محذوف جرَى حذفه على طريقة الاستعمال في حذف المسند إليه من الكلام الوارد بعد تقدم حديث عنه كما نبّه عليه صاحب «المفتاح».

فإن المشركين مع غلوّهم في الشرك لم يتجرَّأوا على ادعاء الخالقية لأصنامهم ولا التصرف في العوالم العلوية، وكيف يبلغون إليها وهم لَقىً على وجه الأرض فكان تفرد الله بالخالقية أفحمَ حجةٍ عليهم في بطلان إلهية الأصنام. وشمل {السَّماواتِ والأرضِ وما بينهُمَا} جميع العوالم المشهودة للناس بأجرامها وسكّانها والموجودات فيها.

وتخصيص {المَشارِقِ} بالذكر من بين ما بين السماوات والأرض لأنها أحوال مشهودة كل يوم.

وجمعْ {المَشارِقِ} باعتبار اختلاف مطلع الشمس في أيام نصف سنة دورتها وهي السنة الشمسية وهي مائة وثمانون شرقاً باعتبار أطولِ نهار في السنة الشمسية وأقصرَه مكررة مرتين في السنة ابتداء من الرجوع الشّتوي إلى الرجوع الخَريفي، وهي مطالع متقاربة ليست متّحدة، فإن المشرق اسم لمكان شروق الشمس وهو ظهورها فإذا راعَوا الجهة دون الفصْل قالوا: المشرق، بالإِفراد، وإذا روعي الفصلان الشتاء والصيف قيل: رب المشرقين، على أن جمع المشارق قد يكون بمراعاة اختلاف المطالع في مبادىء الفصول الأربعة. والآية صالحة للاعتبارين ليعتبر كل فريق من الناس بها على حسب مبالغ علمهم.

إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ۝٦ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَٰنٍ مَّارِدٍ ۝٧

هذه الجملة تتنزل من جملة

{ رَبُّ السمٰوٰتِ والأرض وما بينهما }[الصافات: 5] منزلة الدليل على أنه رب السماوات. واقتصر على ربوبية السماوات لأن ثبوتها يقتضي ربوبية الأرض بطريق الأوْلى. وأدمج فيها منة على الناس بأن جعل لهم في السماء زينة الكواكب تروق أنظارهم فإن محاسن المناظر لذّة للناظرين قال تعالى: { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون }[النحل:6]، ومنة على المسلمين بأن جعل في تلك الكواكب حفظاً من تلقّي الشياطين للسمع فيما قضى الله أمره في العالم العلوي لقطع سبيل اطلاع الكهان على بعض ما سيحدث في الأرض فلا يفتنوا الناس في الإِسلام كما فتنوهم في الجاهلية، وليكون ذلك تشريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم بأن قطعت الكهانة عند إرساله وللإِشارة إلى أن فيها منفعة عظيمة دينية وهي قطع دابر الشك في الوحي، كما أن فيها منفعة دنيوية وهي للزينة والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر.

و {الكواكب}: الكريات السماوية التي تلمع في الليل عَدا الشمس والقمر. وتسمى النجوم، وهي أقسام: منها العظيم، ومنها دونه، فمنها الكواكب السيارة، ومنها الثوابت، ومنها قِطع تدور حول الشمس. وفي الكواكب حِكم منها أن تكون زينة للسماء في الليل فالكواكب هي التي بها زينت السماء. فإضافة {زينة} إلى {الكواكِبِ} إن جعلتَ {زينة} مصدراً بوزن فِعلة مثل نِسبة كانت من إضافة المصدر إلى فاعله، أي زانتها الكواكب أو إلى المفعول، أي بزينة الله الكواكب، أي جعلها زَيْناً. وإن جعلتَ {زينة} اسماً لما يتزين به مثل قولنا: لِيقة لما تُلاق به الدَّواة، فالإِضافة حقيقية على معنى «من» الابتدائية، أي زينة حاصلة من الكواكب. وأَيًّا مَّا كان فإقحام لفظ {زينة} تأكيد، والباء للسببية، أي زيَّنا السماء بسبب زينة الكواكب فكأنه قيل: إنا زينا السماء الدنيا بالكواكب تزييناً فكان {بزِينةٍ الكواكب} في قوّة: بالكواكب تزيينا، فقوله: {بِزينَةٍ}مصدر مؤكد لفعل {زَيَّنَّا} في المعنى ولكنْ حُوّل التعليق فجعل {زينة} هو المتعلق بــــ {زَيَّنَّا} ليفيد معنى التعليل ومعنى الإِضافة في تركيب واحد على طريقة الإِيجاز، لأنه قد علم أن الكواكب زينة من تعليقه بفعل {زيَّنَّا} من غير حاجة إلى إعادة {زينة} لولا ما قصد من معنى التعليل والتوكيد.

و {الدنيا}: أصله وصف هو مؤنث الأدنى، أي القربى. والمراد: قربها من الأرض، أي السماء الأولى من السماوات السبع.

ووصفها بالدنيا: إمَّا لأنها أدنى إلى الأرض من بقية السماوات، والسماء الدنيا على هذا هي الكرة التي تحيط بكرة الهواء الأرضية وهي ذات أبعاد عظيمة. ومعنى تزيينها بالكواكب والشهب على هذا أن الله جعل الكواكب والشهب سابحة في مقعّر تلك الكرة على أبعاد مختلفة ووراء تلك الكرة السماوات السبع محيط بعضها ببعض في أبعاد لا يعلم مقدار سعتها إلا الله تعالى. ونظام الكواكب المعبر عنه بالنظام الشمسي على هذا من أحوال السماء الدنيا، ولا مانع من هذا لأن هذه اصطلاحات، والقرآن صالح لها، ولم يأت لتدقيقها ولكنه لا ينافيها. والسماء الدنيا على هذا هي التي وصفت في حديث الإِسراء بالأولى. وإمّا لأن المراد بالسماء الدنيا الكرة الهوائية المحيطة بالأرض وليس فيها شيء من الكواكب ولا من الشهب وأن الكواكب والشهب في أفلاكها وهي السماوات الست والعرش، فعلى هذا يكون النظام الشمسي كله ليس من أحوال السماء الدنيا. ومعنى تزيين السماء الدنيا بالكواكب والشهب على هذا الاحتمال أن الله تعالى جعل أديم السماء الدنيا قابلاً لاختراق أنوار الكواكب في نصف الكرة السماوية الذي يغشاه الظلام من تباعد نور الشمس عنه فتلوح أنوار الكواكب متلألئة في الليل فتكون تلك الأضواء زينة للسماء الدنيا تزدان بها.

والآية صالحة للاحتمالين لأنها لم يثبت فيها إلا أن السماء الدنيا تزدان بزينة الكواكب، وذلك لا يقتضي كون الكواكب سابحة في السماء الدنيا. فالزينة متعلقة بالناس، والأشياء التي يزدان بها الناس مغايرة لهم منفصلة عنهم ومثله قولنا: ازدان البحر بأضواء القمر.

وقرأ الجمهور {بِزينَةِ الكواكِبِ} بإضافة {زينة} إلى {الكَواكِبِ}. وقرأ حمزة {بزينةٍ الكواكب} بتنوين {زينة} وجر {الكَواكِبِ} على أن {الكواكب} بدل من {زينة}. وقرأه أبو بكر عن عاصم بتنوين {زينةٍ} ونصب {الكَواكِبَ} على الاختصاص بتقدير: أعني.

وقد تقدم الكلام على زينة السماء بالكواكب وكونها حفظاً من الشياطين عند قوله تعالى:

{ ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم } في سورة [الحجر: 17،16]. وتقدم ذكر الكواكب في قوله: { رأى كوكباً } في سورة [الأنعام: 76].

وانتصب {حفظاً} بالعطف على {بِزِينَةٍ الكواكِبِ} عطفاً على المعنى كما ذهب إليه في «الكشاف» وبَيَّنه ما بيَّناه آنفاً من أن قوله: {بِزِينَةٍ الكواكِبِ} في قوة أن يقال: بالكواكب زينةً، وعامله {زَيَّنَّا}.

والحفظ من الشياطين حكمة من حكم خلق الكواكب في علم الله تعالى لأن الكواكب خُلقت قبل استحقاق الشياطين الرجم فإن ذلك لم يحصل إلا بعد أن أُطرد إبليس من عالم الملائكة فلم يحصل شرط اتحاد المفعول لأجْله مع عامله في الوقت، وأبو علي الفارسي لا يرى اشتراط ذلك. ولعل الزمخشري يتابعه على ذلك حيث جعله مفعولاً لأجله وهو الحق لأنه قد يكون على اعتباره علّة مقدرة كما جوز في الحال أن تكون مقدرة. ولك أن تجعل {حفظاً} منصوباً على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله فيكون في تقدير: وحَفِظنا، عطفاً على {زَيَّنَّا}. أي حفظنا بالكواكب من كل شيطان مارد. وهذا قول المبرد. والمحفوظ هو السماء، أي وحفظناها بالكواكب من كل شيطان.

وليس الذي به الحفظ هو جميع الذي به التزيين بل العلة موزعة فالذي هو زينة مشاهَد بالأبصار، والذي هو حفظ هو المبين بقوله:

{ فأتْبعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ }[الصافات:10].

ومعنى كون الكواكب حفظاً من الشياطين أن من جملة الكواكب الشهبَ التي تُرجم بها الشياطين عند محاولتها استراق السمع فتفرّ الشياطين خشية أن تصيبها لأنها إذا أصابت أشكالها اخترقتها فتفككت فلعلها تزول أشكالها بذلك التفكك فتنعدم بذلك قوام ماهيتها أو تتفرق لحظة لم تلتئم بعد فتتألَّم من ذلك الخرق والالتئام فإن تلك الشهب التي تلوح للناظر قطعاً لامعة مثل النجوم جارية في السماء إنما هي أجسام معدنية تدور حول الشمس وعندما تقرب إلى الأرض تتغلب عليها جاذبية الأرض فتنزعها من جاذبية الشمس فتنقضّ بسرعة نحو مرْكز الأرض ولشدة سرعة انقضاضها تولد في الجو الكروي حرارة كافية لإِحراق الصغار منها وتَحمَى الكبار منها إلى درجة من الحرارة توجب لمعانها وتسقط حتى تقع على الأرض في البحر غالباً وربما وقعت على البَر، وقد يعثر عليها بعض الناس إذ يجدونها واقعة على الأرض قطعاً معدنية متفاوتة وربما أحرقت ما تصيبه من شجر أو منازل. وقد أرخ نزول بعضها سنة (616) قبل ميلاد المسيح ببلاد الصين فكسر عدة مركبات وقتل رجالاً، وقد ذكرها العرب في شعرهم قبل الإِسلام قال دَوس بن حَجر يصف ثوراً وحشياً:

فانقضّ كالدَّريّ يتبعهنقع يثور تخالُه طُنبا

وقال بشر بن خازم أبي خازم أنشده الجاحظ في «الحيوان»:

والعَيْرُ يُرهقها الخَبَارَ وَجَحْشُهاينقض خلفهما انقاضا الكواكب

وفي سنة (944) سجل مرور كريات نارية في الجو أحرقت بيوتاً عدة. وسقطت بالقطر التونسي مرتين أو ثلاث مرات، منها قطعة سقطت في أوائل هذا القرن وسط المملكة أحسب أنها بجهات تالة ورأيت شظيّة منها تشبه الحديد، والعامة يحسبونها صاعقة ويسمّون ذلك حجر الصاعقة، وتساقطها يقع في الليل والنهار ولكنا لا نشاهد مرورها في النهار لأن شعاع الشمس يحجبها عن الأنظار.

ومما علمت من تدحرج هذه الشهب من فلك الشمس إلى فلك الأرض تبين لك سبب كونها من السماء الدنيا وسبب اتصالها بالأجرام الشيطانية الصاعدة من الأرض تتطلب الاتصال بالسماوات. وقد سُميت شهباً على التشبيه بقبس النار وهو الجمر، وقد تقدم في قوله تعالى:

{ أو آتيكم بشهاب قبس } في سورة [النمل: 7].

والمارد: الخارج عن الطاعة الذي لا يلابس الطاعة ساعة قال تعالى:

{ ومن أهل المدينة مردوا على النفاق }[التوبة: 101]. وفي وصفه بالمارد إشارة إلى أن ما يصيب إخوانه من الضرّ بالشهب لا يعظه عن تجديد محاولة الاستراق لما جبل عليه طبعه الشيطاني من المداومة على تلك السجايا الخبيثة كما لا ينزجر الفراش عن التهافت حول المصباح بما يصيب أطراف أجنحته من مسّ النار.

لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ۝٨ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ۝٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ۝١٠

اعتراض بين جملة

{ إنَّا زيَّنا السماء الدُّنيا }[الصافات:6] وجملة { فاستفتِهِم أهُم أشدُّ خلقاً }[الصافات:11] قصد منه وصف قصة طرد الشياطين.

وعلى تقدير قوله:

{ وَحِفْظاً }[ الصافات:7] مصدراً نائباً مناب فعله يجوز جعل جملة {لاَ يَسمعُونَ}بياناً لكيفية الحفظ فتكون الجملة في موقع عطف البيان من جملة {وحِفْظَاً}على حد قوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك }[طه:120] الآية، أي انتفى بذلك الحفظ سَمع الشياطين للملأ الأعلى.

وحرف {إلى} يشير إلى تضمين فعل {يَسَّمَّعُونَ} معنى ينتهون فيسمعون، أي لا يتركهم الرمي بالشهب منتهين إلى الملأ الأعلى انتهاء الطالب المكان المطلوب بل تدحرهم قبل وصولهم فلا يتلقفون من عِلم ما يجري في الملأ الأعلى الأشياء مخطوفة غير متبينة، وذلك أبعد لهم من أن يسمعوا لأنهم لا ينتهون فلا يسمعون. وفي «الكشاف»: أن سمعت المعدّى بنفسه يفيد الإِدراك، وسمعت المعدّى بــــ {إلى} يفيد الإصغاء مع الإدراك.

وقرأ الجمهور: {لاَ يَسْمَعُونَ} بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف {لا يسَّمَّعون} بتشديد السين وتشديد الميم مفتوحتين على أن أصله: لا يَتسمعون فقلبت التاء سيناً توصلاً إلى الإِدغام، والتسمع: تطلب السمع وتكلفه، فالمراد التسمع المباشر، وهو الذي يتهيأ له إذا بلغ المكان الذي تصل إليه أصوات الملأ الأعلى، أي أنهم يدحرون قبل وصولهم المكان المطلوب، والقراءتان في معنى واحد. وما نقل عن أبي عبيد من التفرقة بينهما في المعنى والاستعمال لا يصح.

وحاصل معنى القراءتين أن الشهب تحول بين الشياطين وبين أن يسمعوا شيئاً من الملأ الأعلى وقد كانوا قبل البعثة المحمدية ربما اختطفوا الخطفة فألقوها إلى الكهان فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم قدر زيادة حراسة السماء بإرداف الكواكب بعضها ببعض حتى لا يرجع من خطف الخطفة سالماً كما دلّ عليه قوله: {إلاَّ مَنْ خَطِفَ الخَطْفَةَ}، فالشهب كانت موجودة من قبل وكانت لا تحول بين الشياطين وبين تلقف أخبار مقطعة من الملأ الأعلى فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حرمت الشياطين من ذلك.

و {الملأ}: الجماعة أهل الشأن والقدر. والمراد بهم هنا الملائكة. ووصف {المَلإِ} بــــ {الأَعْلَىٰ} لتشريف الموصوف.

والقذف: الرجم، والجانب: الجهة، والدُّحور: الطرد. وانتصب على أنه مفعول مطلق لــــ {يقذفون}. وإسناد فعل {يُقذفون} للمجهول لأن القاذف معلوم وهم الملائكة الموكّلون بالحفظ المشار إليه في قوله تعالى:

{ وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشُهُباً }[الجن:8].

والعذاب الواصب: الدائم يقال: وصب يصب وصوباً، إذا دام. والمعنى: أنهم يطردون في الدنيا ويحقرون ولهم عذاب دائم في الآخرة فإن الشياطين للنار

{ فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثياً } في سورة [مريم: 68]، ويجوز أن يكون المراد عذاب القذف وأنه واصب، أي لا ينفكّ عنهم كلما حاولوا الاستراق لأنهم مجبولون على محاولته.

وجملة {ولهم عذابٌ واصِبٌ} معترضة بين الجملة المشتملة على المستثنى منه وهي جملة {لا يسمعون إلى الملإ الأعلى} وبين الاستثناء.

و {من خطف الخطفة} مستثنى من ضمير {لا يسمعونَ} فهو في محل رفع على البدلية منه.

والخطف: ابتدار تناول شيء بسرعة، و {الخطفة} المرة منه. فهو مفعول مطلق لــــ {خَطِفَ} لبيان عدد مرات المصدر، أي خطفة واحدة، وهو هنا مستعار للإِسراع بسمع ما يستطيعون سمعه من كلام غير تام كقوله تعالى:

{ يكاد البرق يخطف أبصارهم } في سورة [البقرة:20].

وأتبعه بمعنى تبعه فهمزته لا تفيده تعدية، وهي كهمزة أبان بمعنى بان.

والشهاب: القبس والجمر من النار. والمراد به هنا ما يُسمّى بالنيزك في اصطلاح علم الهيئة، وتقدم في قوله:

{ فأتبعه شهاب مبين } في سورة [الحجر: 18].

والثاقب: الخارق، أي الذي يترك ثَقباً في الجسم الذي يصيبه، أي ثاقب له. وعن ابن عباس: الشهاب لا يقتل الشيطان الذي يصيبه ولكنه يحترق ويَخْبِل، أي يفسُد قِوامه فتزول خصائصه، فإن لم يضمحل فإنه يصبح غير قادر على محاولة اسْتراق السمع مرة أخرى، أي إلا من تمكّن من الدنوّ إلى محل يسمع فيه كلمات من كلمات الملأ الأعلى فيُردف بشهاب يثقبه فلا يرجع إلى حيث صدر، وهذا من خصائص ما بعد البعثة المحمدية.

وقد تقدم الكلام على استراق السمع عند قوله تعالى:

{ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم } في سورة [الشعراء:210، 211].

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَٰهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍۭ ۝١١

الفاء تفريع على قوله:

{ إنَّا زيَّنا السَّماء الدنيا بزينةٍ الكواكب }[الصافات:6] باعتبار ما يقتضيه من عظيم القدرة على الإِنشاء، أي فسَلْهُم عن إنكارهم البعث وإحالتِهم إعادةَ خلقهم بعد أن يصيروا عظاماً ورفاتاً، أخَلْقُهم حينئذٍ أشدّ علينا أم خلق تلك المخلوقات العظيمة؟

وضمير الغيبة في قوله: {فَاستفتِهِم} عائد إلى غير مذكور للعلم به من دلالة المقام وهم الذين أحالوا إعادة الخلق بعد الممات. وكذلك ضمائر الغيبة الآتية بعده وضمير الخطاب منه موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي فسَلْهم، وهو سؤال محاجة وتغليط.

والاستفتاء: طلب الفَتوى بفتح الفاء وبالواو، ويقال: الفُتْيَا بضم الفاء وبالياء. وهي إخبار عن أمر يخفَى عن غير الخواصّ في غرض مَّا. وهي:

إمّا إخبار عن علم مختص به المخبِر قال تعالى:

{ يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات }[يوسف:46] الآية، وقال: { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة }[النساء:176]، وتقدم في قوله: { الذي فيه تستفتيان }في سورة [يوسف: 41].

وإمَّا إخبار عن رأي يطلب من ذي رأي موثوق به ومنه قوله تعالى:

{ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري } في سورة [النمل: 32].

والمعنى: فاسألهم عن رأيهم فلما كان المسؤول عنه أمراً محتاجاً إلى إعمال نظر أطلق على الاستفهام عنه فعل الاستفتاء.

وهمزة: {أهُم أشدُّ خَلْقاً}للاستفهام المستعمل للتقرير بضعف خلق البشر بالنسبة للمخلوقات السماوية لأن الاستفهام يؤول إلى الإقرار حيث إنه يُلجىء المستفهم إلى الإِقرار بالمقصود من طرفي الاستفهام، فالاستفتاء في معنى الاستفهام فهو يستعمل في كل ما يستعمل فيه الاستفهام. و {أشدّ} بمعنى: أصعب وأعسر.

و {خَلْقاً} تمييز، أي أخلقهم أشدّ أم خَلْق من خلقنا الذي سمعتم وصفه.

والمراد بــــ {مَن خَلَقْنا} ما خَلَقَه الله من السماوات والأرض وما بينهما الشامل للملائكة والشياطين والكواكب المذكورة آنفاً بقرينة إيراد فاء التعقيب بعد ذكر ذلك، وهذا كقوله تعالى:

{ أأنتم أشد خلقاً أم السماء }[النازعات:27] ونحوه.

وجيء باسم العاقل وهو {مَن} الموصولة تغليباً للعاقلين من المخلوقات.

وجملة {إنا خلقناهم من طين لازب} في موضع العلة لما يتولد من معنى الاستفهام في قوله: {أهم أشد خلقاً أم من خلقنا} من الإِقرار بأنهم أضعف خلقاً من خلق السماوات وعوالمها احتجاجاً عليهم بأن تأتِّي خلقهم بعد الفناء أهون من تَأتي المخلوقات العظيمة المذكورة آنفاً ولم تكن مخلوقة قبلُ فإنهم خلقوا من طين لأن أصلهم وهو آدم خلق من طين كما هو مقرر لدى جميع البشر فكيف يحيلون البعث بمقالاتهم التي منها قولُهم:

{ أإذَا مِتنا وكنا تُراباً وعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثونَ } [الصافات:16].

والطينُ: التراب المخلوط بالماء.

واللازب: اللاصق بغيره ومنه أطلق على الأمر الواجب «لازب» في قول النابغة:

ولا يحسبون الشر ضَربةَ لازب

وقد قيل: إن باء لازب بدل من ميم لازم، والمعنى: أنه طين عتيق صار حَمْأة. وضمير {إنَّا خلقناهُم}عائد إلى المشركين وهو على حذف مضاف، أي خلقنا أصلهم وهو آدم فإنه الذي خلق من طين لازب، فإذا كان أصلهم قد أنشىء من تراب فكيف ينكرون إمكان إعادة كل آدمي من تراب.

بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ۝١٢ وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ۝١٣ وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ ۝١٤

{بَلْ} للإِضراب الانتقالي من التقرير التوبيخي إلى أن حالهم عجب.

وقرأ الجمهور {بَلْ عَجِبْتَ} بفتح التاء للخطاب. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم المخاطبِ بقوله:

{ فَاستَفْتِهِم }[الصافات:11]. وفعل المضيّ مستعمل في معنى الأمر وهو من استعمال الخبر في معنى الطلب للمبالغة كما يستعمل الخبر في إنشاء صيغ العقود نحو: بِعت. والمعنى: اعجَبْ لهم. ويجوز أن يكون العجب قد حصل من النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى إعْراضهم وقلة إنصافهم فيكون الخبر مستعملاً في حقيقته. ويجوز أن يكون الكلام على تقدير همزة الاستفهام، أي بل أعجبت.

والمعنى على الجميع: أن حالهم حرية بالتعجب كقوله تعالى:

{ وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا تراباً أإنا لفي خلق جديد } في سورة [الرعد: 5].

وقرأ حمزة والكسائي وخلف {بَلْ عَجِبْتُ} بضم التاء للمتكلم فيجوز أن يكون المراد: أن الله أسند العجب إلى نفسه. ويُعرَف أنه ليس المراد حقيقةَ العجب المستلزمة الروعة والمفاجأة بأمر غير مترقب بل المراد التعجيب أو الكناية عن لازمه، وهو استعظام الأمر المتعجب منه. وليس لهذا الاستعمال نظير في القرآن ولكنه تكرر في كلام النبوءة منه قوله صلى الله عليه وسلم

إن الله ليعجب من رجلين يَقتُل أحدهُما الآخرَ يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد رواه النسائي بهذا اللفظ. يعني ثم يسلم القاتل الذي كان كافراً فيقاتل فيستشهد في سبيل الله.

وقولُه في حديث الأنصاري وزوجه إذ أضافا رجلاً فأطعماه عشاءهما وتركا صبيانهما «عجِب الله من فعالكما».

ونزل فيه

{ ويؤثرون على أنفسهم }[الحشر: 9]. وقوله: «عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل». وإنما عدل عن الصريح وهو الاستعظام لأن الكناية أبلغ من التصريح، والصارف عن معنى اللفظ الصريح في قوله: {عَجِبْتُ} ما هو معلوم من مخالفته تعالى للحوادث. ويجوز أن يكون أطلق {عجبت} على معنى المجازاة على عَجبهم لأن قوله: { فاستفتهم أهم أشدُّ خلقاً }[الصافات:11] دلّ على أنهم عجبوا من إعادة الخلق فتوعدهم الله بعقاب على عَجبهم. وأطلق على ذلك العقاب فعل {عجبت} كما أطلق على عقاب مكرهم المكرُ في قوله: { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين }[آل عمران: 54].

والواو في {ويَسْخَرُونَ} واو الحال، والجملة في موضع الحال من ضمير {عَجِبْتَ} أي كان أمرهم عجباً في حال استسخارهم بك في استفتائهم. وجيء بالمضارع في {يسخرون} لإِفادة تجدد السخرية، وأنهم لا يرعوُون عنها.

والسخرية: الاستهزاء، وتقدمت في قوله تعالى:

{ فحاق بالذين سخروا منهم } في سورة [الأنعام: 10].

والتذكير بأن يذكروا ما يغفلون عنه من قدرة الله تعالى عليهم، ومن تنظير حالهم بحال الأمم التي استأصلها الله تعالى فلا يتعظوا بذلك عناداً فأطلق {لاَ يَذْكُرُونَ} على أثر الفعل، أي لا يحصل فيهم أَثَر تذكُّر ما يذكَّرون به وإن كانوا قد ذَكروا ذلك. ويجوز أن يراد لا يذكرون ما ذكروا به، أي لشدة إعْراضهم عن التأمل فيما ذكِّروا به لاستقرار ما ذُكّروا به في عقولهم فلا يذكرون ما هم غافلون عنه، على حد قوله تعالى:

{ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام }[الفرقان:44].

و {وإذَا رَأوْا ءَايَةً} أي خارق عادة أظهره الرسول صلى الله عليه وسلم دالاً على صدقه لأن الله تعالى لا يغير نظام خلقته في هذا العالم إلا إذا أراد تصديق الرسول لأن خرق العادة من خالق العادات وناظم سنن الأكوان قائم مقام قوله: صدق هذا الرسول فيما أخبر به عني. وقد رأوا انشقاق القمر، فقالوا: هذا سحر، قال تعالى:

{ اقتربت الساعة وانشقّ القمر وإن يروا آية يُعرِضوا ويقولوا سحر مستمر }[القمر: 1، 2].

و {يَسْتَسْخِرُونَ} مبالغة في السخرية فالسين والتاء للمبالغة كقوله:

{ فاستجاب لهم ربهم }[آل عمران: 195] وقوله: { فاستمسِك بالذي أوحي إليك }[الزخرف: 43].

فالسخرية المذكورة في قوله: {ويسخرون} سخرية من محاجّة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بالأدلة. والسخرية المذكورة هنا سخرية من ظهور الآيات المعجزات، أي يزيدون في السخرية بمن ظنّ منهم أن ظهور المعجزات يحول بهم عن كفرهم، ألا ترى أنهم قالوا:

{ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها }[الفرقان: 42].

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١٥ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝١٦ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ۝١٧ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ۝١٨ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ۝١٩

عطف على جملة

{ فاستفتهم أهم أشد خلقاً }[الصافات:11] الآية. والإِشارة في قوله: {إنْ هٰذَا إلاَّ سِحْرٌ مبينٌ} إلى مضمون قوله: {فاستفتهم أهم أشد خلقاً} وهو إعادة الخلق عند البعث، ويبينه قوله: {أءِذَا مِتْنا وكنا تراباً وعِظاماً إنا لمبْعُوثون}، أي وقالوا في رد الدليل الذي تضمنه قوله: { أهُم أشد خلقاً أم مَّنْ خلقنا }[الصافات: 11] أي أجابوا بأن ادعاء إعادة الحياة بعد البِلَى كلام سحر مبين، أي كلام لا يفهم قصد به سحر السامع. هذا وجه تفسير هذه الآية تفسيراً يلتئم به نظمها خلافاً لما درج عليه المفسرون.

وقرأ نافع وحده {إنَّا لَمَبْعُوثُونَ} بهمزة واحدة هي همزة {إنْ} باعتبار أنه جواب {إذا} الواقعة في حيّز الاستفهام فهو من حيز الاستفهام. وقرأ غير نافع {أَإِنا} بهمزتين: إحداهما همزة الاستفهام مؤكدة للهمزة الداخلة على {إذا}.

وقوله: {أوْ ءَاباؤُنَا} قرأه قالون عن نافع وابن عامر وأبو جعفر بسكون واو {أوْ} على أن الهمزة مع الواو حرف واحد هو {أو} العاطفة المفيدة للتقسيم هنا. ووجه العطف بــــ {أو} هو جعلهم الآباء الأولين قسماً آخر فكان عطفه ارتقاء في إظهار استحالة إعادة هذا القسم لأن آباءهم طالت عصور فنائهم فكانت إعادة حياتهم أوغل في الاستحالة. وقرأ الباقون بفتح الواو على أن الواو واو العطف والهمزة همزة استفهام فهما حرفان. وقدمت همزة الاستفهام على حرف العطف حسب الاستعمال الكثير. والتقدير: وأآباؤنا الأولون مثلنا.

وعلى كلتا القراءتين فرفعه بالعطف على محل اسم {إنّ} الذي كان مبتدأ قبل دخول {إنّ}، والغالب في العطف على اسم {إن} يرفع المعطوف اعتباراً بالمحل كما في قوله تعالى:

{ أن اللَّه بريء من المشركين ورسولُه }[التوبة: 3] أو يجعل معطوفاً على الضمير المستتر في خبر {إن} وهو هنا مرفوع بالنيابة عن الفاعل ولا يضر الفصل بين المعطوف عليه الذي هو ضمير متصل وبين حرف العطف، أو بين المعطوف عليه والمعطوف بالهمزة المفضِي إلى إعمال ما قبل الهمزة فيما بعدها وذلك ينافي صدارة الاستفهام لأن صدارة الاستفهام بالنسبة إلى جملته فلا ينافيها عمل عامل من جملة قبله لأن الإِعمال اعتبار يعتبره المتكلم ويفهمه السامع فلا ينافي الترتيب اللفظي.

والاستفهام في قوله: {أإذا متنا} إنكاري كما تقدم فلذلك كان قوله تعالى: (قُلْ نَعَمْ) جواباً لقولهم {أءِذَا مِتْنَا} على طريقة الأسلوب الحكيم بصرف قصدهم من الاستفهام إلى ظاهر الاستفهام فجعلوا كالسائلين: أيبعثون؟ فقيل لهم: نعم، تقريراً للبعث المستفهم عنه، أي نعم تبعثون. وجيء بــــ {قل} غير معطوف لأنه جار على طريقة الاستعمال في حكاية المحاورات كما تقدم عند قوله تعالى:

{ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } في سورة [البقرة: 30].

و {أنتم داخرون}جملة في موضع الحال. والداخر: الصاغر الذليل، أي تبعثون بعث إهانة مؤذنة بترقب العقاب لا بعث كرامة.

وفُرّع على إثبات البعث الحاصل بقوله: {نَعَمْ}، أن بعثهم وشيك الحصول لا يقتضي معالجة ولا زمناً إن هي إلا إعادة تنتظر زجرة واحدة.

والزجرة: الصيحة، وقد تقدم آنفاً قوله تعالى:

{ فالزاجرات زجراً }[الصافات: 2].

و {واحِدةٌ} تأكيد لما تفيده صيغة الفعلة من معنى المرة لدفع توهم أن يكون المراد من الصيحة الجنس دون الوجود لأن وزن الفعلة يجيء لمعنى المصدر دون المرة. وضمير {هِيَ} ضمير القصة والشأن وهو لا معادَ لهُ إنما تفسره الجملة التي بعده. وفُرّع عليه {فإذا هم ينظرون} ودل فاء التفريع على تعقيب المفاجأة، ودل حرف المفاجأة على سرعة حصول ذلك. وقد تقدم ذلك في قوله تعالى:

{ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } في سورة [يس: 53].

وكُني عن الحياة الكاملة التي لا دهش يخالطها بالنظر في قوله: {يَنْظُرُونَ} لأن النظر لا يكون إلا مع تمام الحياة. وأوثر النظر من بين بقية الحواس لمزيد اختصاصه بالمقام وهو التعريض بما اعْتراهم من البهت لمشاهدة الحشر.

وَقَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ۝٢٠

يجوز أن تكون الواو للحال، أي قائلين {يٰوَيْلَنَا} أي يقول جميعهم: يا ويلنا يقوله كل أحد عنه وعن أصحابه. ويجوز أن يكون عطفاً على جملة

{ يَنْظُرُونَ }[الصافات: 19]. والمعنى: ونظروا وقالوا.

والويل: سوء الحال. وحرف النداء للاهتمام. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى:

{ يا حسرة على العباد } في سورة [يس: 30].

والإِشارة إلى اليوم المشاهد. و {الدّين}: الجزاء، وتقدم في سورة الفاتحة.

هَٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ۝٢١

يجوز أن يكون هذا كلاماً موجهاً إليهم من جانب الله تعالى جواباً عن قولهم:

{ ياوَيْلنا هذا يومُ الدينِ }[الصافات:20]، والخبر مستعمل في التعريض بالوعيد، ويجوز أن يكون من تمام قولهم، أي يقول بعضهم لبعض {هذا يومُ الفَصْلِ}.

و {الفصل}: تمييز الحق من الباطل، والمراد به الحكم والقضاء، أي هذا يوم يفضي عليكم بما استحققتموه من العقاب.

ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ۝٢٣ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ۝٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ۝٢٥ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ۝٢٦

تخلُّص من الإِنذار بحصول البعث إلى الإِخبار عما يحلّ بهم عقبه إذا ثبتوا على شركهم وإنكارهم البعث والجزاء.

و {احْشُرُوا} أمر، وهو يقتضي آمراً، أي ناطقاً به، فهذا مقول لقول محذوف لظهور أنه لا يصلح للتعلق بشيء مما سبقه، وحَذْفُ القول من حديث البحر، وظاهر أنه أمر من قبل الله تعالى للملائكة الموكّلين بالناس يوم الحساب.

والحشر: جمع المتفرقين إلى مكان واحد.

و {الذين ظلموا}: المشركون

{ إن الشرك لظلم عظيم }[لقمان: 13].

والأزواج ظاهره أن المراد به حلائلهم وهو تفسير مجاهد والحسن. وروي عن النعمان بن بشير يرويه عن عمر ابن الخطاب وتأويله: أنهن الأزواج الموافقات لهم في الإِشراك، أما من آمن فهن ناجيات من تبعات أزواجهن وهذا كذكر أزواج المؤمنين في قوله تعالى:

{ هم وأزواجهم في ظلال }[يس: 56] فإن المراد أزواجهم المؤمنات فأطلق حملاً على المقيّد في قوله: { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم }[الرعد: 23]

وذكر الأزواج إبلاغ في الوعيد والإِنذار لئلا يحسبوا أن النساء المشركات لا تبعة عليهن. وذلك مثل تخصيصهن بالذكر في قوله تعالى:

{ الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } في سورة [البقرة: 178].

وقيل: الأزواج: الأصناف، أي أشياعهم في الشرك وفروعه. قاله قتادة وهو رواية عن عمر بن الخطاب وابن عباس.

وعن الضحاك: الأزواج المقارنون لهم من الشياطين.

وضمير {يَعْبُدُونَ} عائد إلى {الذين ظلموا وأزواجَهُم}. ومَا صدَقُ {ما} غير العقلاء، فأما العقلاء فلا تزِرُ وازرة وزر أخرى.

والضمير المنصوب في {فَاهْدُوهُم} عائد إلى {الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله،} أي الأصنام. وعطف {فَاهدُوهُم} بفاء التعقيب إشارة إلى سرعة الأمر بهم إلى النار عقب ذلك الحشر فالأمر بالأصالة في القرآن.

والهداية والهَدي: الدلالة على الطريق لمن لا يعرفه، فهي إرشاد إلى مرغوب وقد غلبت في ذلك، لأن كون المهديّ راغباً في معرفة الطريق من لوازم فعل الهداية ولذلك تقابل بالضلالة وهي الحيرة في الطريق، فذكر {اهدوهم}هنا تهكّم بالمشركين، كقول عمرو بن كلثوم:

قريناكم فعجلنا قراكمقُبيل الصبح مِرادة طَحونا

والصراط: الطريق، أي طريق جهنم.

ومعنى: {وَقِفُوهُم} أمر بإيقافهم في ابتداء السير بهم لما أفاده الأمر من الفور بقرينة فاء التعقيب التي عطفته، أي احبسوهم عن السير قَليلاً ليُسألوا سؤال تأييس وتحقير وتغليظ، فيقال لهم: {ما لكم لا تناصرون}، أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً فيدفع عنه الشقاء الذي هو فيه، وأين تناصركم الذي كنتم تتناصرون في الدنيا وتتألبون على الرسول وعلى المؤمنين.

فالاستفهام في {ما لكم لا تناصرونَ} مستعمل في التعجيز مع التنبيه على الخطأ الذي كانوا فيه في الحياة الدنيا.

وجملة {ما لكم لا تناصرون}مبيّنة لإبهام {مَسْؤُولُونَ} وهو استفهام مستعمل في التعجيب للتذكير بما يسوءهم، فظهر أن السؤال ليس على حقيقته وإنما أريد به لازمه وهو التعجيب، والمعنى: أيّ شيء اختص بكم، فــــ {ما} الاستفهامية مبتدأ و {لكم} خبر عنه.

وجملة {لا تَنَاصَرُونَ} حال من ضمير {لكم} وهي مناط الاستفهام، أي أن هذه الحالة تستوجب التعجب من عدم تناصركم. وقرأ الجمهور {لاَ تَنَاصَرُونَ} بتخفيف المثناة الفوقية على أنه من حذف إحدى التاءين. وقرأه البَزِّي عن ابن كثير وأبو جعفر بتشديد المثناة على إدغام إحدى التاءين في الأخرى.

والإِضراب المستفاد من {بَل} إضراب لإِبطال إمكان التناصر بينهم وليس ذلك مما يتوهمه السمع، فلذلك كان الإِضراب تأكيداً لما دل عليه الاستفهام من التعجيز.

والاستسلام: الإِسلام القوي، أي إسلام النفس وترك المدافعة فهو مبالغة في أسلم.

وذكر {اليَوْمَ} لإِظهار النكاية بهم، أي زال عنهم ما كان لهم من تناصر وتطاول على المسلمين قبل اليوم، أي في الدنيا إذ كانوا يقولون:

{ نحن جميع منتصر }[القمر: 44] وقد قالها أبو جهل يوم بدر، أي نحن جماعة لا تغلب فكان لذكر اليوم وقع بديع في هذا المقام.

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٢٧ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ۝٢٨ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٢٩ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَٰغِينَ ۝٣٠ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ۝٣١ فَأَغْوَيْنَٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ۝٣٢

عطف على

{ مستسلمون }[الصافات: 26] أي استسلموا وعاد بعضهم على بعض باللائمة والمتسائلون: المتقاولون وهم زعماء أهل الشرك ودهماؤهم كما تبينه حكاية تحاورهم من قوله: {وما كان لنا عليكم من سُلطانٍ} وقوله: {فأغْوَيْناكُم} الخ.

وعبر عن إقبالهم بصيغة المضي وهو مما سيقع في القيامة، تنبيهاً على تحقيق وقوعه لأن لذلك مزيد تأثير في تحذير زعمائهم من التغرير بهم، وتحذيرِ دهمائهم من الاغترار بتغريرهم، مع أن قرينة الاستقبال ظاهرة من السياق من قوله:

{ فإذا هم يَنظُرُون }[الصافات: 19] الآية.

والإِقبال: المجيء من جهة قُبُل الشيء، أي من جهة وجهه وهو مجيء المتجاهر بمجيئه غير المتختّل الخائف. واستعير هنا للقصد بالكلام والاهتمام به كأنه جاءه من مكان آخر.

فحاصل المعنى حكاية عتاب ولوم توجه به الذين اتبعوا على قادتهم وزعمائهم، ودلالةُ التركيب عليه أن يكون الإِتيان أطلق على الدعاية والخطابة فيهم لأن الإِتيان يتضمن القصد دون إرادة مجيء، كقول النابغة:

آتاك امرؤ مسْتبطن لي بِغضَة

وقد تقدم استعماله واستعمال مرادفه وهو المجيء معاً في قوله تعالى: { قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتَيْناكَ بالحَقّ } الآية في سورة [الحجر: 63 - 64]. أو أن يكون اليمين مراداً به جهة الخير لأن العرب تضيف الخير إلى جهة اليمين. وقد اشتقت من اليُمن وهو البركة، وهي مؤذنة بالفوز بالمطلوب عندهم. وعلى ذلك جرت عقائدهم في زجر الطير والوحش من التيمّن بالسانح، وهو الوارد من جهة يمين السائر، والتشاؤم، أي ترقب ورود الشر من جهة الشِمال.

وكان حقّ فعل {تأتُوننا} أن يعدّى إلى جهة اليمين بحرف «مِن» فلما عُدّي بحرف {عن} الذي هو للمجاوزة تعين تضمين {تأتُونَنا} معنى «تصدوننا» ليُلائم معنى المجاوزة، أي تأتوننا صادِّيننا عن اليمين، أي عن الخير. فهذا وجه تفسير الآية الذي اعتمده ابن عطية والزمخشري وقد اضطرب كثير في تفسيرها. قال ابن عطية ما خلاصته: اضطرب المتأولون في معنى قولهم: {عَنِ اليمين} فعبر عنه ابن زيد وغيره بطريق الجنة ونحو هذا من العبارات التي هي تفسير بالمعنى ولا تختص بنفس اللفظة، وبعضهم أيضاً نحا في تفسيره إلى ما يخص اللفظة فتحصل من ذلك معان منها: أن يريد باليمين القوة والشدة (قلتُ وهو عن ابن عباس والفرّاء) فكأنهم قالوا إنكم كنتم تُغْروننا بقوة منكم، ومن المعاني التي تحتملها الآية أن يريدوا: تأتوننا من الجهة التي يحسنها تمويهكم وإغواؤكم وتُظهرون فيها أنها جهة الرشد (وهو عن الزجاج والجبّائي) ومما تحتمله الآية أن يريدوا: إنكم كنتم تأتوننا، أي تقطعون بنا عن أخبار الخير واليُمْن، فعبروا عنها باليمين، ومن المعاني أن يريدوا: أنكم تجيئون من جهة الشهوات وعدم النظر لأن جهة يمين الإِنسان فيها كبده وجهة شماله فيها قلبه وأن نظر الإِنسان في قلبه وقيل: تحلفون لنا ا.هــــ.

وجواب الزعماء بقولهم: {بَل لَمْ تَكُونوا مؤمِنينَ} إضراب إبطال لزعم الأتباع أنهم الذين صدّوهم عن طريق الخير أي بل هم لم يكونوا ممن يقبل الإِيمان لأن تسليط النفي على فعل الكون دون أن يقال: بل لم تؤمنوا، مشعر بأن الإِيمان لم يكن من شأنهم، أي بل كنتم أنتم الآبين قبول الإِيمان. و {ما كان لنا عليكم من سلطان} أي من قهر وغلبة حتى نُكرهكم على رفض الإِيمان، ولذلك أكدوا هذا المعنى بقولهم: {بل كنتم قوماً طاغِينَ}، أي كان الطغيان وهو التكبر عن قبول دعوة رجل منكم شأنَكم وسجيتكم، فلذلك أقحموا لفظ {قوماً} بين «كان» وخبرها لأن استحضارهم بعنوان القومية في الطغيان يؤذن بأن الطغيان من مقومات قوميتهم كما قدمنا عند قوله تعالى:

{ لآيات لقوم يعقلون } في سورة [البقرة: 164].

وفرّعوا على كلامهم اعترافهم بأنهم جميعاً استحقُّوا العذاب فقولهم: {فحَقَّ علينا قولُ ربنا إنَّا لذائِقُونَ}، تفريعَ الاعتراض، أي كان أمر ربنا بإذاقتنا عذاب جهنم حقّاً. وفعل «حقّ» بمعنى ثبت.

وجملة {إنَّا لذائقون} بيان لــــ {قَوْلُ رَبِّنا}. وحكي القول بالمعنى على طريقة الالتفات ولولا الالتفات لقال: إنكم لذائقون أو إنهم لَذَائِقُونَ. ونكتة الالتفات زيادة التنصيص على المعنيّ بذوق العذاب.

وحذف مفعول «ذائقون» لدلالة المقام عليه وهو الأمر بقوله تعالى:

{ فاهدوهم إلى صرٰطِ الجحيم }[الصافات:23].

وفرعوا على مضمون ردهم عليهم من قولهم: {بل لم تكونوا مؤمنين} إلى {قوماً طاغِينَ} قولهم: {فأغْوَيْناكُمْ}، أي ما أكرهناكم على الشرك ولكنّا وجدناكم متمسكين به وراغبين فيه فأغويناكم، أي فأيدناكم في غوايتكم لأنّا كنّا غاوين فسوّلنا لكم ما اخترناه لأنفسنا فموقع جملة {إنَّا كُنَّا غاوِينَ} موقع العلة.

و«إن» مغنية غناء لام التعليل وفاء التفريع كما ذكرناه غير مرة.

وزيادة {كنّا} للدلالة على تمكين الغواية من نفوسهم، وقد استبان لهم أن ما كانوا عليه غواية فأقرّوا بها، وقد قدمنا عند قوله تعالى في سورة [المؤمنين: 101]:

{ فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون } أن تساؤلهم المنفي هنالك هو طلب بعضهم مِن بعض النجدة والنصرة وأن تساؤلهم هنا تساؤل عن أسباب ورطتهم فلا تعارض بين الآيتين.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ