انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير الطبريالآيات 1–30

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الصافات

الخلاصة من تفسير الطبري · 4 مقاطع · 46:38

  1. 1 الآيات 1–21في هذه الصفحة 5:34
  2. 2 الآيات 22–82في هذه الصفحة 15:56
  3. 3 الآيات 83–144 15:38
  4. 4 الآيات 145–182 9:30

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّا ۝١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا ۝٢ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْرًا ۝٣

قال أبو جعفر: أقسم الله تعالـى ذكره بـالصَّافـات، والزاجرات، والتالـيات ذكراً فأما الصَّافـات: فإنها الـملائكة الصافـات لربها فـي السماء وهي جمع صافَّة، فـالصافـات: جَمْعُ جَمْعٍ، وبذلك جاء تأويـل أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي سلْـم بن جنادة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلـم، قال: كان مسروق يقول فـي الصَّافَّـات: هي الـملائكة.

حدثنا إسحاق بن أبـي إسرائيـل، قال: أخبرنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا شُعْبة، عن سلـيـمان، قال: سمعت أبـا الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، بـمثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {والصَّافَّـات صَفًّـا} قال: قسم أقسم الله بخـلق، ثم خـلق، ثم خـلق، والصَّافـات: الـملائكة صُفوفـاً فـي السماء.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {والصَّافَّـاتِ} قال: هم الـملائكة.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {والصَّافَّـاتِ صَفًّـا} قال: هذا قسم أقسم الله به.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {فـالزَّاجِرَاتِ زَجْراً} فقال بعضهم: هي الـملائكة تزجُر السحاب تسوقه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فـالزَّاجِرَاتِ زَجْراً}: قال: الـملائكة.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {فـالزَّاجِرَاتِ زَجْراً} قال: هم الـملائكة.

وقال آخرون: بل ذلك آي القرآن التـي زجر الله بها عما زَجر بها عنه فـي القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فـالزَّاجِرَاتِ زَجْراً} قال: ما زَجَر الله عنه فـي القرآن.

والذي هو أولـى بتأويـل الآية عندنا ما قال مـجاهد، ومن قال هم الـملائكة، لأن الله تعالـى ذكره، ابتدأ القسم بنوع من الـملائكة، وهم الصافون بإجماع من أهل التأويـل، فلأن يكون الذي بعد قسماً بسائر أصنافهم أشبه.

وقوله: {فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً} يقول: فـالقارئات كتابـاً.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيِّ بذلك، فقال بعضهم: هم الـملائكة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً} قال: الـملائكة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فـالتَّالِـياتِ ذِكْراً} قال: هم الـملائكة.

وقال آخرون: هو ما يُتلـى فـي القرآن من أخبـار الأمـم قبلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فـالتَّالـيات ذِكْراً} قال: ما يُتلـى علـيكم فـي القرآن من أخبـار الناس والأمـم قبلكم.

إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ ۝٤ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَٰرِقِ ۝٥ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ۝٦ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَٰنٍ مَّارِدٍ ۝٧ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ۝٨ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ۝٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ۝١٠

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} والصافـات صفـاً إن معبودكم الذي يستوجب علـيكم أيها الناس العبـادة، وإخلاص الطاعة منكم له لواحد لا ثانـي له ولا شريك. يقول: فأخـلصوا العبـادة وإياه فأفردوا بـالطاعة، ولا تـجعلوا له فـي عبـادتكم إياه شريكاً. وقوله: {رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَـيْنَهُما} يقول: هو واحد خالق السموات السبع وما بـينهما من الـخـلق، ومالك ذلك كله، والقـيِّـمِ علـى جميع ذلك، يقول: فـالعبادة لا تصلـح إلا لـمن هذه صفته، فلا تعبدوا غيره، ولا تشركوا معه فـي عبـادتكم إياه من لا يضرّ ولا ينفع، ولا يخـلق شيئاً ولا يُفْنـيه.

واختلف أهل العربـية فـي وجه رفع ربّ السموات، فقال بعض نـحويـيّ البصرة: رُفع علـى معنى: إن إلهكم لربّ. وقال غيره: هو رَدّ علـى {إن إلهكم لواحد} ثم فَسَّر الواحد، فقال: ربّ السموات، وهو ردّ علـى واحد. وهذا القول عندي أشبه بـالصواب فـي ذلك، لأن الـخبر هو قوله: {لَوَاحِدٌ}، وقوله: {رَبُّ السَّمَوَاتِ} ترجمة عنه، وبـيان مردود علـى إعرابه.

وقوله: {وَرَبُّ الـمَشارِقِ} يقول: ومدبر مشارق الشمس فـي الشتاء والصيف ومغاربها، والقـيِّـم علـى ذلك ومصلـحه وترك ذكر الـمغارب لدلالة الكلام علـيه، واستغنـي بذكر الـمشارق من ذكرها، إذ كان معلوماً أن معها الـمغارب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {إنَّ إلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} وقع القسم علـى هذا إن إلهكم لواحد {رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَـيْنَهُما وَرَبُّ الـمَشارِقِ} قال: مشارق الشمس فـي الشتاء والصيف.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قلا: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {رَبّ الـمَشارِقِ} قال: الـمشارق ستون وثلاثُ مئة مَشْرِق، والـمغارب مثلها، عدد أيام السنة.

وقوله: {إنَّا زَيَّنا السَّماءَ الدُّنـيْا بزِينَةٍ الكَوَاكِبِ} اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ} فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة: «بزينةِ الكواكبِ» بإضافة الزينة إلـى الكواكب، وخفض الكواكب {إنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنـيْا} التـي تلـيكم أيها الناس وهي الدنـيا إلـيكم بتزيـيها الكواكب: أي بأنّ زينتها الكواكب. وقرأ ذلك جماعة من قرّاء الكوفة: {بِزِينَةٍ الكَوَاكبِ} بتنوين زينة، وخفض الكواكبَ ردّاً لها علـى الزينة، بـمعنى: إنا زينا السماء الدنـيا بزينة هي الكواكب، كأنه قال: زيناها بـالكواكب. ورُوِي عن بعض قرّاء الكوفة أنه كان ينوّن الزِّينة وينصب الكواكبَ، بـمعنى: إنا زيَّنا السماء الدنـيا بتزيـيننا الكواكبَ. ولو كانت القراءة فـي الكواكب جاءت رفعاً إذا نونّت الزينة، لـم يكن لـحناً، وكان صوابـاً فـي العربـية، وكان معناه: إنا زينا السماء الدنـيا بتزيـينها الكواكب: أي بأن زينتها الكواكب وذلك أن الزينة مصدر، فجائز توجيهها إلـى أيِّ هذه الوجوه التـي وُصِفت فـي العربـية.

وأما القراءة فأعجبها إلـيّ بإضافة الزينة إلـى الكواكب وخفض الكواكب لصحة معنى ذلك فـي التأويـل والعربـية، وأنها قراءة أكثر قرّاء الأمصار، وإن كان التنوين فـي الزينة وخفض الكواكب عندي صحيحاً أيضاً. فأما النصب فـي الكواكب والرفع، فلا أستـجيز القراءة بهما، لإجماع الـحجة من القرّاء علـى خلافهما، وإن كان لهما فـي الإعراب والـمعنى وجه صحيح.

وقد اختلف أهل العربـية فـي تأويـل ذلك إذا أضيفت الزينة إلـى الكواكب، فكان بعض نـحويِّـي البصرة يقول: إذا قرىء ذلك كذلك، فلـيس يعنـي بعضَها، ولكن زينتها حسنها وكان غيره يقول: معنى ذلك إذا قرىء كذلك: إنا زينا السماء الدنـيا بأن زينتها الكواكب. وقد بـيَّـينا الصواب فـي ذلك عندنا.

وقوله: {وَحِفْظاً} يقول تعالـى ذكره: {وَحِفْظاً} للسماء الدنـيا زيناها بزينة الكواكب.

وقد اختلف أهل العربـية فـي وجه نصب قوله: {وَحِفْظاً} فقال بعض نـحويـي البصرة: قال وحفظاً، لأنه بدل من اللفظ بـالفعل، كأنه قال، وحفظناها حفظاً. وقال بعض نـحويـي الكوفة: إنـما هو من صلة التزيـين أنا زينا السماء الدنـيا حفظاً لها، فأدخـل الواو علـى التكرير: أي وزيناها حفظاً لها، فجعله من التزيـين وقد بـيَّنا القول فـيه عندنا. وتأويـل الكلام: وحفظاً لها من كل شيطان عات خبـيث زيناها، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَحِفْظاً} يقول: جعلتها حفظاً من كلّ شيطان مارد.

وقوله: {لا يَسَّمَّعُونَ إلـى الـمَلإِ الأعْلَـى} اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {لا يَسَّمَّعُونَ}، فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة، وبعض الكوفـيـين: «لا يَسْمَعُونَ» بتـخفـيف السين من يسمعون، بـمعنى أنهم يتسمَّعون ولا يسمعون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين بعد {لا يسَّمَّعون} بـمعنى: لا يتسمعون، ثم أدغموا التاء فـي السين فشدّدوها.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه بـالتـخفـيف، لأن الأخبـار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، أن الشياطين قد تتسمع الوحي، ولكنها تُرمَى بـالشهب لئلا تسمع. ذكر رواية بعض ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: كانت للشياطين مَقاعد فـي السماء، قال: فكانوا يسمعون الوحي، قال: وكانت النـجوم لا تـجري، وكانت الشياطين لا تُرمَى، قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلـى الأرض، فزادوا فـي الكلـمة تسعاً قال: فلـما بُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الشيطانُ إذا قعد مقعده جاء شهاب، فلـم يُخْطه حتـى يحرقه، قال: فشكوا ذلك إلـى إبلـيس، فقال: ما هو إلا لأمر حدث قال: فبعث جنوده، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلـي بـين جبلـي نـخـلة قال أبو كُرَيب، قال وكيع: يعنـي بطن نـخـلة، قال: فرجعوا إلـى إبلـيس فأخبروه، قال: فقال هذا الذي حدث.

حدثنا ابن وكيع وأحمد بن يحيى الصوفـي قالا: ثنا عبـيد الله، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: كانت الـجنّ يصعدون إلـى السماء الدنـيا يستـمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلـمة زادوا فـيها تسعاً، فأما الكلـمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فـيكون بـاطلاً فلـما بُعث النبـيّ صلى الله عليه وسلم مُنِعوا مقاعدَهم، فذكروا ذلك لإبلـيس، ولـم تكن النـجوم يُرْمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبلـيس: ما هذا إلا لأمر حدث فـي الأرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلـي، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الـحدث الذي حدث.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: كانت الـجنّ لهم مقاعد، ثم ذكر نـحوه.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي الزهريّ، عن علـيّ بن الـحسين، عن أبـي إسحاق، عن ابن عبـاس، قال: حدثنـي رهط من الأنصار، قالوا: بـينا نـحن جلوس ذات لـيـلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ رأى كوكبـاً رُمي به، فقال:

ما تقولون فـي هذا الكوكب الذي يُرمَى به؟فقلنا: يُولد مولود، أو يهلك هالك، ويـموت ملك ويـملك ملك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لَـيْسَ كَذَلكَ، ولكِنَّ اللّهَ كانَ إذَا قَضَى أمْراً فِـي السَّماءِ سَبَّحَ لِذَلِكَ حَمَلَةُ العَرْشِ، فَـيُسَبِّحُ لِتَسْبِـيحِهِمْ مَنْ يَـلِـيهِمْ مِنْ تَـحْتِهِمْ مِنَ الـمَلائِكَةِ، فَمَا يَزَالُونَ كذلكَ حتـى يَنْتَهِيَ التَّسْبِـيحُ إلـى السَّماءِ الدُّنـيْا، فَـيَقُولُ أهْلُ السَّماءِ الدّنـيْا لِـمَنْ يَـلِـيهِمْ مِنَ الـمَلائِكَةِ مِـمَّ سَبَّحْتُـمْ؟ فَـيَقُولُونَ: ما نَدْرِي: سَمِعْنا مَنْ فَوْقَنا مِنَ الـمَلائِكَةِ سَبَّحُوا فَسَبَّحْنا اللّهَ لتَسْبِـيحِهِمْ ولكِنَّا سَنَسأَلُ، فَـيَسأَلُونَ مَنْ فَوْقَهُمْ، فَمَا يَزَالُونَ كَذلكَ حتـى يَنْتَهِيَ إلـى حَمَلَةٍ العَرْشِ، فَـيَقُولُونَ: قَضَى اللّهُ كَذَا وكَذَا، فَـيُخْبِرُونَ بِهِ مَنْ يَـلِـيهِمْ حتـى يَنْتَهُوا إلـى السَّماءِ الدُّنـيْا، فَتَسْتَرِقُ الـجِنُّ ما يَقُولُونَ، فَـيَنْزِلُونَ إلـى أَوْلِـيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ فَـيَـلْقُونَهُ علـى ألْسِنَتِهِمْ بِتَوَهُّمِ مِنْهُمْ، فَـيُخْبِرُونَهُمْ بِهِ، فَـيَكُونَ بَعْضُهُ حَقًّا وَبَعْضُهُ كَذِبـاً، فَلَـمْ تَزَلِ الـجِنّ كذلك حتـى رُمُوا بِهِذِهِ الشُّهُبِ».

حدثنا ابن وكيع وابن الـمثنى، قالا: ثنا عبد الأعلـى، عن معمر، عن الزهريّ، عن علـي بن حسين، عن ابن عبـاس، قال بـينـما النَّبِـيُّ صلى الله عليه وسلم فـي نفر من الأنصار، إذ رُمي بنـجم فـاستنار، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

ما كُنْتُـمْ تَقُولُونَ لِـمِثْلِ هَذَا فـي الـجاهِلِـيَّةِ إذَا رأيْتُـمُوهُ؟قالوا: كنا نقول: يـموت عظيـم أو يولد عظيـم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنَّهُ لا يُرْمَى بِهِ لـمَوْتِ أحَدٍ وَلا لَـحَياتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنا تَبـارَكَ اسمُهُ إذَا قَضَى أمْراً سَبَّحَ حَمَلَهُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السمَّاءِ الَّذِينَ يَـلُوَنهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَـلُوَنهُمْ حتـى يَبْلُغَ التَّسْبِـيحُ أهْلَ هَذِهِ السَّماءِ ثُمَّ يَسأَلُ أهْلُ السَّماءِ السابعة حملَة العرش: مَاذا قال ربنا؟ فـيخبرونهم، ثم يستـخبر أهل كل سماء، حتـى يبلغ الـخبر أهل السَّماءِ الدُّنـيْا، وتَـخْطِفُ الشَّياطِينُ السَّمْعَ، فَـيرْمُونَ، فَـيَقْذِفُونَهُ إلـى أوْلِـيائِهِم، فَمَا جاءُوا بِهِ علـى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقّ، وَلَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ».

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: أخبرنا معمر، قال: ثنا ابن شهاب، عن علـيّ بن حسين، عن ابن عبـاس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً فـي نَّفَرٍ من أصحابه، قال: فرُمي بنـجم، ثم ذكر نـحوه، إلا أنه زاد فـيه: قلت للزهري: أكان يُرْمى بها فـي الـجاهلـية؟ قال: نعم، ولكنها غلظت حين بُعث النبـيُّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عاصم بن علـيّ، قال: ثنا أبـي علـيّ بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَـير، عن ابن عبـاس، قال: كان للـجنّ مقاعد فـي السَماء يسمعون الوحي، وكان الوحي إذا أُوحِي سمعت الـملائكة كهيئة الـحديدة يُرْمى بها علـى الصَّفْوان، فإذا سمعت الـملائكة صلصلة الوحي خرّ لـجبـاههم مَنْ فـي السماء من الـملائكة، فإذا نزل علـيهم أصحاب الوحي

{ قالُوا ماذَا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الـحَقَّ وَهُوَ العَلِـيُّ الكَبِـيرُ }قال: فـيتنادون، قال: ربكم الـحقّ وهو العلـيّ الكبـير قال: فإذا أنزل إلـى السماء الدنـيا، قالوا: يكون فـي الأرض كذا وكذا موتاً، وكذا وكذا حياة، وكذا وكذا جدوبة، وكذا وكذا خِصْبـاً، وما يريد أن يصنع، وما يريد أن يبتدىء تبـارك وتعالـى، فنزلت الـجنّ، فأوحوا إلـى أولـيائهم من الإنس، مـما يكون فـي الأرض، فبـيناهم كذلك، إذ بعث الله النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فزجرت الشياطين عن السماء ورَمَوهم بكواكب، فجعل لا يصعُد أحد منهم إلا احترق، وفزع أهل الأرض لِـمَا رأوا فـي الكواكب، ولـم يكن قبل ذلك، وقالوا: هلك مَنْ فـي السماء، وكان أهل الطائف أوّل من فزع، فـينطلق الرجل إلـى إبله، فـينـحَر كلّ يوم بعيراً لآلهتهم، وينطلق صاحب الغنـم، فـيذبح كلّ يوم شاة، وينطلق صاحب البقر، فـيذبح كلّ يوم بقَرة، فقال لهم رجل: ويْـلَكم لا تُهْلكوا أموالكم، فإن معالـمكم من الكواكب التـي تهتدون بها لـم يسقط منها شيء، فأقلعوا وقد أسرعوا فـي أموالهم. وقال إبلـيس: حدث فـي الأرض حدث، فأتـي من كلّ أرض بتربة، فجعل لا يؤتـي بتربة أرض إلا شمها، فلـما أتـي بتربة تهامة قال: ههنا حدث الـحدث، وصرف الله إلـيه نفراً من الـجنّ وهو يقرأ القرآن، فقالوا: { إنَّا سَمِعْنا قُرآناً عَجَبـاً }حتـى ختـم الآية، { فولَّوا إلـى قومهم منذرين }}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي ابن لهيعة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن عُروة، عن عائشة أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ الـمَلائِكَةَ تَنْزِلُ فِـي العَنان وَهُوَ السَّحابُ فَتَذْكُرُ ما قُضِيَ فِـي السَّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّياطِينُ السَّمْعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلـى الكُهَّانِ، فَـيَكْذِبُونَ مَعَها مِئَةَ كِذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أنْفُسهِمْ».

فهذه الأخبـار تُنبىء عن أن الشياطين تسمع، ولكنها تُرْمى بـالشهب لئلا تسمع. فإن ظنّ ظانّ أنه لـما كان فـي الكلام «إلـى»، كان التسمع أولـى بـالكلام من السمع، فإن الأمر فـي ذلك بخلاف ما ظنّ، وذلك أن العرب تقول: سمعت فلاناً يقول كذا، وسمعت إلـى فلان يقول كذا، وسمعت من فلان.

وتأويـل الكلام: إنا زينا السماء الدنـيا بزينة الكواكب. وحفظاً من كلّ شيطان مارد أن لا يسَّمَّع إلـى الـملإ الأعلـى، فحذفت «إن» اكتفـاء بدلالة الكلام علـيها، كما قـيـل: كذلك سلكناه فـي قلوب الـمـجرمين لا يؤمنون به بـمعنى: أن لا يؤمنوا به ولو كان مكان «لا» أن، لكان فصيحاً، كما قـيـل:

{ يُبَـيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلُّوا }بـمعنى: أن لا تضلوا، وكما قال: { وألْقَـى فِـي الأرْضِ رَوَاسيَ أنْ تَـمِيدَ بِكُمْ }بـمعنى: أن لا تـميد بكم. والعرب قد تـجزم مع «لا» فـي مثل هذا الـموضع من الكلام، فتقول: ربطت الفرس لا يَنْفَلِتْ، كما قال بعض بنـي عُقَـيـل:

وَحتـى رأَيْنا أحْسَنَ الوُدّ بَـيْنَنامُساكَنَةً لا يَقْرِفِ الشَّرَّ قارِفُ

ويُروي: لا يقرف رفعاً، والرفع لغة أهل الـحجاز فـيـما قـيـل: وقال قتادة فـي ذلك ما:

حدثنـي بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لا يَسَّمَّعُونَ إلـى الـمَلإِ الأَعْلَـى} قال: منعوها. ويعنـي بقوله: {إلـى الـمَلإِ}: إلـى جماعة الـملائكة التـي هم أعلـى مـمن هم دونهم.

وقوله: {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً} ويُرْمَوْن من كلّ جانب من جوانب السماء دُحُوراً والدحور: مصدر من قولك: دَحَرْته أدحَرُه دَحْراً ودُحوراً، والدَّحْر: الدفع والإبعاد، يقال منه: ادْحَرْ عنك الشيطان: أي ادفعه عنك وأبعده. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جانِبٍ دُحُوراً} قذفـاً بـالشهب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَيُقْذَفُونَ} يُرمَوْن {مِنْ كُلّ جانِبٍ} قال: من كلّ مكان. وقوله: {دُحُوراً} قال: مطرودين.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جانبٍ دُحُوراً} قال: الشياطين يدحرون بها عن الاستـماع، وقرأ وقال:

{ إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ }}.

وقوله: {ولَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} يقول تعالـى ذكره: ولهذه الشياطين الـمسترِقة السمع عذاب من الله واصب.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الواصب، فقال بعضهم: معناه: الـموجع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} قال: موجع.

وحدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {عَذَابٌ وَاصِبٌ} قال: الـموجع.

وقال آخرون: بل معناه: الدائم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ}: أي دائم.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {عَذَابٌ وَاصِبٌ} قال: دائم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} يقول: لهم عذاب دائم.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عمن ذكره، عن عكرمة {ولَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} قال: دائم.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} قال: الواصب: الدائب.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: معناه: دائم خالص، وذلك أن الله قال

{ وَلَهُ الدّين وَاصِبـاً } فمعلوم أنه لـم يصفه بـالإيلام والإيجاع، وإنـما وصفه بـالثبـات والـخـلوص ومنه قول أبـي الأسود الدؤلـي:

لا أشْتَرِي الـحَمْدَ القَلِـيـلَ بَقاؤُهُيَوْماً بِذَمّ الدَّهْر أجمَعَ وَاصِبـا

أي دائماً.

وقوله: {إلاَّ مَنْ خَطِفَ الـخَطْفَةَ} يقول: إلا من استرق السمع منهم {فأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ} يعنـي: مضيء متوقد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فأَتَبْعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ} من نار وثقوبه: ضوؤه.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {شِهابٌ ثاقِبٌ} قال: شهاب مضيء يحرقه حين يُرْمى به.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فأَتْبَعَهُ شِهابٌ} قال: كان ابن عبـاس يقول: لا يقتلون الشهاب، ولا يـموتون، ولكنها تـحرقهم من غير قتل، وتُـخَبِّل وتُـخْدِج من غير قتل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ} قال: والثاقب: الـمستوقد قال: والرجل يقول: أَثْقِب نارك، ويقول: استثقِب نارك، استوقد نارك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد الله، قال: سُئل الضحاك، هل للشياطين أجنـحة؟ فقال: كيف يطيرون إلـى السماء إلا ولهم أجنـحة.

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَٰهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍۭ ۝١١ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فـاستفت يا مـحمد هؤلا الـمشركين الذي يُنكرون البعث بعد الـمـمات والنشور بعد البلاء: يقول: فسَلْهم: أهم أشدّ خـلقاً؟ يقول: أخـلقُهم أشدّ؟ أم يخـلق من عددنا خـلقه من الـملائكة والشياطين والسموات والأرض؟

وذُكر أن ذلك فـي قراءة عبد الله بن مسعود: «أهُمْ أشَدُّ خَـلْقاً أمْ مَنْ عَدَدْنا»؟. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {أهُمْ أشَدُّ خَـلْقاً أمْ مَنْ خَـلَقْنا}؟ قال: السموات والأرض والـجبـال.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك أنه قرأ: «أهُمْ أشَدُّ خَـلْقاً أمْ مَنْ عَدَدْنا»؟. وفـي قراءة عبد الله بن مسعود «عَدَدْنا» يقول:

{ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وَما بَـيْنَهُما وَرَبُّ الـمَشارِقِ }يقول: أهم أشدّ خـلقاً، أم السموات والأرض؟ يقول: السموات والأرض أشدّ خـلقاً منهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة «فـاسْتَفْتِهِمْ أهُمْ أشَدُّ خَـلْقاً أمْ مَنْ عَدَدْنا» من خَـلْق السموات والأرض، قال الله:

{ لَـخَـلَقُ السَّمَواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِنْ خَـلْقِ النَّاسِ }}... الآية.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ {فـاسْتَفْتِهِمْ أهُمْ أشَدُّ خَـلْقاً} قال يعنـي الـمشركين، سلهم أهم أشدّ خـلقاً {أمْ مَنْ خَـلَقْنا}.

وقوله: {إنَّا خَـلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} يقول: إنا خـلقناهم من طين لاصق. وإنـما وصفه جلّ ثناؤه بـاللٌّزوب، لأنه تراب مخـلوط بـماء، وكذلك خَـلْق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء والتراب إذا خُـلط بـماء صار طيناً لازبـاً، والعرب تُبدل أحياناً هذه البـاء ميـماً، فتقول: طين لازم ومنه قول النـجاشي الـحارثـي:

بَنَى اللُّؤْمُ بَـيْتاً فـاسْتَقَرَّتْ عِمادُهُعلـيكُمْ بَنِـي النَّـجَّارِ ضَرْبَةَ لازِمِ

ومن اللازب قول نابغة بنـي ذُبـيان:

وَلا يَحْسِبُونَ الـخَيْرَ لا شَرَّ بَعْدهُوَلا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ

وربـما أبدلوا الزاي التـي فـي اللازب تاء، فـيقولون: طين لاتب، وذُكر أن ذلك فـي قَـيس زعم الفراء أن أبـا الـجرّاح أنشده:

صُدَاعٌ وَتَوْصِيـمُ العِظامِ وَفَتْرَةٌوَغَثْـيٌ معَ الإشْراقِ فـي الـجوْفِ لاتِبَ

بـمعنى: لازم، والفعل من لازب: لَزِبَ يَـلْزُب، لزْبـاً ولُزوبـاً، وكذلك من لاتب: لَتَبَ يَـلْتُب لُتُوبـاً. وبنـحو الذي قلنا فـي معنى {لازِبِ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـيد الله بن يوسف الـجُبَـيري، قال: ثنا مـحمد بن كثـير، قال: ثنا مسلـم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {مِنْ طِينٍ لازِبٍ} قال: هو الطين الـحرّ الـجيد اللزج.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مسلـم البطين، عن سعيد، عن ابن عبـاس، قال: اللازب: الـجيد.

حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس قال: اللازب: اللَّزج، الطيب.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {مِنْ طِينٍ لازِبٍ} يقول: ملتصق.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّا خَـلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} قال: من التراب والـماء فـيصير طيناً يَـلْزَق.

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، فـي قوله: {إنَّا خَـلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} قال: اللازب: اللَّزِج.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك {إنَّا خَـلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} واللازب: الطين الـجيد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {إنَّا خَـلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} واللازب: الذي يَـلْزَق بـالـيد.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مِنْ طِينٍ لازِبٍ} قال: لازم.

حدثنا عمرو بن عبد الـحميد الآمُلـي، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا جُوَيبر، عن الضحاك، فـي قوله: {مِن طِينٍ لازِبٍ} قال: هو اللازق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّا خَـلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} قال: اللازب: الذي يـلتصق كأنه غِراء، ذلك اللازب.

قوله: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة: «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» بضم التاء من عجبت، بـمعنى: بل عظم عندي وكبر اتـخاذهم لـي شريكاً، وتكذيبهم تنزيـلـي وهم يسخرون. وقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة {بَلْ عَجِبْتَ} بفتـح التاء بـمعنى: بل عجبت أنت يا مـحمد ويسخرون من هذا القرآن.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان فـي قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

فإن قال قائل: وكيف يكون مصيبـاً القارىء بهما مع اختلاف معنـيـيهما؟ قـيـل: إنهما وإن اختلف معنـياهما فكلّ واحد من معنـيـيه صحيح، قد عجب مـحمد مـما أعطاه الله من الفضل، وسحْر منه أهل الشرك بـالله، وقد عجب ربنا من عظيـم ما قاله الـمشركون فـي الله، وَسخِر الـمشركون بـما قالوه.

فإن قال: أكان التنزيـل بإحداهما أو بكلتـيهما؟ قـيـل: التنزيـل بكلتـيهما، فإن قال: وكيف يكون تنزيـل حرف مرّتـين؟ قـيـل: إنه لـم ينزل مرّتـين، إنـما أنزل مرّة، ولكنه أمر صلى الله عليه وسلم أن يقرأ بـالقراءتـين كلتـيهما، ولهذا مَوضع سنستقصي إن شاء الله فـيه البـيان عنه بـما فـيه الكفـاية. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} قال: عجب مـحمد علـيه الصلاة والسلام من هذا القرآن حين أُعطيه، وسخر منه أهل الضلالة.

وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ۝١٣ وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: وإذا ذُكِّر هؤلاء الـمشركون حُجَجَ الله علـيهم لـيعتبروا ويتفكروا، فـينـيبوا إلـى طاعة الله {لا يذكرون}: يقول: لا ينتفعون بـالتذكير فـيتذكروا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإذَا اذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ}: أي لا ينتفعون ولا يُبْصرون.

وقوله: {وَإذَا رأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} يقول: وإذا رأوا حُجَّة من حجج الله علـيهم، ودلالة علـى نبوّة نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم يستسخرون: يقول: يسخرون ويستهزئون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَإذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ}: يسخرون منها ويستهزئون.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وَإذَا رَأَوْا آيَةٍ يَسْتَسْخِرُونَ} قال: يستهزِئون، يَسْخَرون.

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١٥ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝١٦ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ۝١٧ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ۝١٨ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: وقال هؤلاء الـمشركون من قُرَيش بـالله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي جئتنا به إلاَّ سحرٌ مبـين. يقول: يبـين لـمن تأمله ورآه أنه سحر {أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَابـاً وَعِظاماً أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ} يقولون، منكرين بعث الله إياهم بعد بلائهم: أئنا لـمبعوثون أحياء من قبورنا بعد مـماتنا، ومصيرنا ترابـاً وعظاماً، قد ذهب عنها اللـحوم {أوَ آبـاؤُنا الاوَّلُونَ} الذين مضوا من قبلنا، فبـادوا وهلكوا؟ يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء: نعم أنتـم مبعوثون بعد مصيركم ترابـاً وعظاماً أحياء كما كنتـم قبل مـماتكم، وأنتـم داخرون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أئِذَا مِتْنا وكُنَّا تُرَابـاً وَعِظاماً أئِنَّا لَـمَبْعُوثُونَ أو آبـاؤُنا الأوَّلُونَ} تكذيبـاً بـالبعث {قُلْ نَعَمْ وأنْتُـمْ داخِرُونَ}.

وقوله: {وأنْتُـم داخِرُونَ} يقول تعالـى ذكره: وأنتـم صاغرون أشدّ الصَّغَر من قولهم: صاغر داخر. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وأنْتُـمْ داخِرُونَ}: أي صاغرون.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وأنْتُـم دَاخِرُونَ} قال: صاغرون.

وقوله: {فإنَّـما هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فإذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} يقول تعالـى ذكره: فإنـما هي صيحة واحدة، وذلك هو النفخ فـي الصور {فإذَا هُمْ يَنْظُرُونَ} يقول: فإذا هم شاخصة أبصارهم ينظرون إلـى ما كانوا يوعدونه من قـيام الساعة ويعاينونه، كما:

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} قال: هي النفخة.

وَقَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ۝٢٠ هَٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: وقال هؤلاء الـمشركون الـمكذّبون إذا زجرت زجرة واحدة، ونُفخ فـي الصور نفخة واحدة: {يَا وَيْـلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ} يقولون: هذا يوم الـجزاء والـمـحاسبة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {هَذَا يَوْمَ الدّينِ} قال: يدين الله فـيه العبـاد بأعمالهم.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {هَذَا يَوْمُ الدّينِ} قال: يوم الـحساب.

وقوله: {هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُـمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} يقول تعالـى ذكره: هذا يوم فصل الله بـين خـلقه بـالعدل من قضائه الذي كنتـم به تكذّبون فـي الدنـيا فتنكرونه. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُـمْ بِهِ تُكَذّبُونَ} يعنـي: يوم القـيامة.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {هَذَا يَوْمُ الفَصْلِ} قال: يوم يُقضى بـين أهل الـجنة وأهل النار.

ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ۝٢٣

وفـي هذا الكلام متروك استغنـي بدلالة ما ذُكر عما ترك، وهو: فـيقال: احشروا الذين ظلـموا، ومعنى ذلك اجمعوا الذين كفروا بـالله فـي الدنـيا وعصوه وأزواجهم وأشياعهم علـى ما كانوا علـيه من الكفر بـالله وما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير عن عمر بن الـخطاب {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ} قال: ضُرَبـاءهم.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ} يقول: نظراءهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {احْشَرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ} يعنـي: أتبـاعهم، ومن أشبههم من الظلـمة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن داود، قال: سألت أبـا العالـية، عن قول الله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ} قال: الذين ظلـموا وأشياعهم.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن أبـي العالـية، أنه قال فـي هذه الآية {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ} قال: وأشياعهم.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا داود، عن أبـي العالـية مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ}: أي وأشياعهم الكفـار مع الكفـار.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السدّيِّ، فـي قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ} قال: وأشبـاههم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ} قال: أزواجهم فـي الأعمال، وقرأ:

{ وكُنْتُـمْ أزْوَاجاً ثَلاثَةً فَأصحَابُ الـمَيْـمَنَةِ ما أصحَابُ الـمَيْـمَنَةِ وأصحَابُ الـمَشأَمَةِ ما أصحَابُ الـمَشْأمةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ }فـالسابقون زوج وأصحاب الـميـمنة زوج، وأصحاب الشمال زوج، قال: كلّ من كان من هذا حشره الله معه. وقرأ: { وَإذَا النُّفُوسُ زُوّجَتْ }قال: زوّجت علـى الأعمال، لكل واحد من هؤلاء زوج، زوّج الله بعض هؤلاء بعضاً زوّج أصحاب الـيـمين أصحاب الـيـمين، وأصحاب الْـمشأمة أصحابَ الـمشأمة، والسابقـين السابقـين، قال: فهذا قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَـمُوا وأزْوَاجَهُمْ} قال: أزواج الأعمال التـي زوّجهن الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وأزْوَاجَهُم}ْ قال: أمثالهم.

وقوله: {وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فـاهْدُوهُمْ إلـى صِراطِ الـجَحِيـمِ} يقول تعالـى ذكره: احشروا هؤلاء الـمشركين وآلهتهم التـي كانوا يعبدونها من دون الله، فوجِّهوهم إلـى طريق الـجحيـم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ} الأصنام.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فـاهدوهمْ إلـى صِراطِ الـجَحِيـمِ} يقول: وجِّهوهم، وقـيـل: إن الـجحيـم البـاب الرابع من أبواب النار.

وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ۝٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ۝٢٥ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ۝٢٦ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: {وَقِـفُوهُمْ}: احبسوهم: أي احبسوا أيها الـملائكة هؤلاء الـمشركين الذين ظلـموا أنفسهم وأزواجهم، وما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة {إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} فـاختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي يأمر الله تعالـى ذكره بوقـفهم لـمسألتهم عنه، فقال بعضهم: يسألهم هل يعجبهم ورود النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن سلـمة بن كهيـل، قال: ثنا أبو الزعراء، قال: كنا عند عبد الله، فذكر قصة، ثم قال: يتـمثل الله للـخـلق فـيـلقاهم، فلـيس أحد من الـخـلق كان يعبد مِن دون الله شيئاً إلا وهو مرفوع له يتبعه قال: فـيـلقـى الـيهود فـيقول: من تعبدون؟ فـيقولون: نعبد عُزَيراً، قال: فـيقول: هل يسرّكم الـماء؟ فـيقولون: نعم، فـيريهم جهنـم وهي كهيئة السَّراب، ثم قرأ:

{ وَعَرَضْنا جَهَنَّـمَ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً }قال: ثم يـلقـى النصارَى فـيقول: من تعبدون؟ فـيقولون: الـمسيح، فـيقول: هل يسرّكم الـماء؟ فـيقولون: نعم، فـيريهم جهنـم، وهي كهيئة السراب، ثم كذلك لـمن كان بعبد من دون الله شيئاً، ثم قرأ عبد الله {وَقـفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}.

وقال آخرون: بل ذلك للسؤال عن أعمالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا معتـمر، عن لـيث، عن رجل، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

أيُّـمَا رَجُلٍ دَعا رَجُلاً إلـى شَيْءٍ كانَ مَوْقُوفـاً لازِماً بِهِ، لا يُغادِرُهُ، وَلا يُفـارقُهُثُمَّ قَرأ هَذِهِ الآيَةَ: {وَقِـفُوهُمْ إنَّهُم مَسْئُولُونَ}.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقـفوا هؤلاء الذين ظلـموا أنفسهم وأزواجهم إنهم مسئلون عما كانوا يعبدون من دون الله.

وقوله: {مالَكُمْ لا تَناصَرُونَ} يقول: مالكم أيها الـمشركون بـالله لا ينصر بعضكم بعضاً {بَلْ هُمُ الـيوْمَ مُسْتَسْلِـمُونَ} يقول: بل هم الـيوم مستسلـمون لأمر الله فـيهم وقضائه، موقنون بعذابه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ} لا والله لا يتناصرون، ولا يدفع بعضهم عن بعض {بَلْ هُمُ الـيَوْمَ مُسْتَسْلِـمُونَ} فـي عذاب الله.

وقوله: {وأقْبَلَ بَعْضُهُمْ علـى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ} قـيـل: معنى ذلك: وأقبل الإنس علـى الـجنّ يتساءلون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأقْبَلَ بَعْضُهُمْ علـى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ} الإنسُ علـى الـجنّ.

قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ۝٢٨ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٢٩ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَٰغِينَ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: قالت الإنس للـجنّ: إنكم أيها الـجنّ كنتـم تأتوننا من قِبَل الدين والـحقّ فتـخدعوننا بأقوى الوجوه والـيـمين: القوّة والقدرة فـي كلام العرب ومنه قول الشاعر:

إذَا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِـمَـجْدٍتَلَقَّاها عَرَابَةُ بـالْـيَـمِينَ

يعنـي: بـالقوّة والقدرة. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {تَأْتُونَنَا عَنِ الـيَـمِينِ} قال: عن الـحقّ، الكفـار تقوله للشياطين.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالُوا إنَّكُمْ كُنْتُـمْ تَأْتُونَنا عَنِ الـيَـمِينِ} قال: قالت الإنس للـجنّ: إنكم كنتـم تأتوننا عن الـيـمين، قال: من قبل الـخير، فتنهوننا عنه، وتبطِّئوننا عنه.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {إنَّكُمْ كُنْتُـمْ تَأْتُونَنا عَنِ الـيَـمِينِ} قال: تأتوننا من قبل الـحقّ تزينون لنا البـاطل، وتصدّوننا عن الـحقّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {إنَّكُمْ كُنْتُـمْ تَأْتُونَنا عَنِ الـيَـمِينِ} قال: قال بنو آدم للشياطين الذين كفروا: إنكم كنتـم تأتوننا عن الـيـمين، قال: تـحولون بـيننا وبـين الـخير، ورددتـمونا عن الإسلام والإيـمان، والعمل بـالـخير الذي أمر الله به.

وقوله: {قالُوا بَلْ لَـمْ تكُونُوا مُؤْمِنِـينَ وَما كانَ لَنا عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ} يقول تعالـى ذكره: قالت الـجنّ للإنس مـجيبة لهم: بل لـم تكونوا بتوحيد الله مُقِرّين، وكنتـم للأصنام عابدين {وَما كانَ لنَا عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ} يقول: قالوا: وما كان لنا علـيكم من حُجَّة، فنصدَّكم بها عن الإيـمان، ونـحول بـينكم من أجلها وبـين اتبـاع الـحقّ {بَلْ كُنْتُـمْ قَوْماً طاغِينَ} يقول: قالوا لهم: بل كنتـم أيها الـمشركون قوماً طاغين علـى الله، متعدّين إلـى ما لـيس لكم التعدّي إلـيه من معصية الله وخلاف أمره. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قالت لهم الـجنّ: {بَلْ لَـمْ تَكونُوا مُؤْمِنِـينَ} حتـى بلغ {قَوْماً طاغِينَ}.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي قوله: {وَما كانَ لنَا عَلَـيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ} قال: الـحجة... وفـي قوله: {بَلْ كُنْتُـمْ قَوْماً طاغِينَ} قال: كفَّـار ضُلاَّل.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ