انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الصافات

تفسير القرطبيالآيات 1–61

تفسير سورة الصافات آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّا ۝١ فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا ۝٢ فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكْرًا ۝٣ إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَٰحِدٌ ۝٤ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَٰرِقِ ۝٥

قوله تعالى: {وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا * فَٱلزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } هذه قراءة أكثر القرّاء. وقرأ حمزة بالإدغام فيهنّ. وهذه القراءة التي نفر منها أحمد بن حنبل لما سمعها. النحاس: وهي بعيدة في العربية من ثلاث جهات: إحداهن أن التاء ليست من مخرج الصاد، ولا من مخرج الزاي، ولا من مخرج الذال، ولا من أخواتهن، وإنما أختاها الطاء والدال، وأخت الزاي الصاد والسين، وأخت الذال الظاء والثاء. والجهة الثانية أن التاء في كلمة وما بعدها في كلمة أخرى. والجهة الثالثة أنك إذا أدغمت جمعت بين ساكنين من كلمتين، وإنما يجوز الجمع بين ساكنين في مثل هذا إذا كانا في كلمة واحدة؛ نحو دابة وشابة. ومجاز قراءة حمزة أن التاء قريبة المخرج من هذه الحروف. «وَالصَّافَّاتِ» قسم؛ الواو بدل من الباء. والمعنى برب الصَّافَّات و «الزَّاجِرَاتِ» عطف عليه. {إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ } جواب القسم. وأجاز الكسائي فتح إن في القسم. والمراد بـ «ـالصَّافَّاتِ» وما بعدها إلى قوله: {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } الملائكة في قول ٱبن عباس وٱبن مسعود وعِكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. تُصَفّ في السماء كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة. وقيل: تصفّ أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها الله بما يريد. وهذا كما تقوم العبيد بين أيدي ملوكهم صفوفاً. وقال الحسن: «صَفًّا» لصفوفهم عند ربهم في صلاتهم. وقيل: هي الطير؛ دليله قوله تعالى:

{ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ }[الملك: 19]. والصف ترتيب الجمع على خط كالصفّ في الصلاة. «وَالصَّافَّاتِ» جمع الجمع؛ يقال: جماعة صافة ثم يجمع صافّات. وقيل: الصّافات جماعة الناس المؤمنين إذا قاموا صفًّا في الصلاة أو في الجهاد؛ ذكره القشيري. «فَالزَّاجِرَاتِ» الملائكة في قول ٱبن عباس وٱبن مسعود ومسروق وغيرهم على ما ذكرناه. إما لأنها تزجر السحاب وتسوقه في قول السدّي. وإما لأنها تزجر عن المعاصي بالمواعظ والنصائح. وقال قتادة: هي زواجر القرآن. {فَٱلتَّالِيَاتِ ذِكْراً } الملائكة تقرأ كتاب الله تعالى؛ قاله ٱبن مسعود وٱبن عباس والحسن ومجاهد وٱبن جُبير والسّدي. وقيل: المراد جبريل وحده فذكر بلفظ الجمع؛ لأنه كبير الملائكة فلا يخلو من جنود وأتباع. وقال قتادة: المراد كل من تلا ذكر الله تعالى وكتبه. وقيل: هي آيات القرآن وصفها بالتلاوة كما قال تعالى: { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ }[النمل: 76]. ويجوز أن يقال لآيات القرآن تاليات؛ لأن بعض الحروف يتبع بعضاً؛ ذكره القشيري. وذكر الماوردي: أن المراد بالتَّاليات الأنبياء يتلون الذكر على أممهم. فإن قيل: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قيل له: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود؛ كقوله:

يَالَهْفَ زَيَّابَةَ للحارثِ الصــابِح فالغَانِم فالآيِبِ

كأنه قال: الذي صَبَّحَ فغَنِم فآب. وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل، وٱعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك كقوله: رحم الله المحلِّقين فالمقصِّرين. فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات؛ قاله الزمخشري. «إِنَّ إِلَهٰـَكُمْ لَوَاحِدٌ» جواب القسم. قال مقاتل: وذلك أن الكفار بمكة قالوا ٱجعل الآلهة إلٰهاً واحداً، وكيف يسع هذا الخلق فرد إلٰه! فأقسم الله بهؤلاء تشريفاً. ونزلت الآية. قال ٱبن الأنباري: وهو وقف حسن، ثم تبتدىء {رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} على معنى هو رب السموات. النحاس: ويجوز أن يكون «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» خبراً بعد خبرٍ، ويجوز أن يكون بدلاً من «وَاحِدٌ».

قلت: وعلى هذين الوجهين لا يوقف على «لَوَاحدٌ». وحكى الأخفش: «رَبَّ السَّمَوَاتِ ـ وَرَبَّ الْمَشَارِقِ» بالنصب على النعت لاسم إن. بيّن سبحانه معنى وحدانيّته وألوهيته وكمال قدرته بأنه «رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» أي خالقهما ومالكهما {وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ} أي مالك مطالع الشمس. ٱبن عباس: للشمس كل يوم مشرق ومغرب؛ وذلك أن الله تعالى خلق للشمس ثلثمائة وخمس وستين كوّة في مطلعها، ومثلها في مغربها على عدد أيام السنة الشمسية، تطلع في كل يوم في كوّة منها، وتغيب في كوّة، لا تطلع في تلك الكوّة إلا في ذلك اليوم من العام المقبل. ولا تطلع إلا وهي كارهة فتقول: ربّ لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك. ذكره أبو عمر في كتاب التمهيد، وٱبن الأنباري في كتاب الرد عن عكرمة؛ قال: قلت لابن عباس أرأيت ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصَّلْت

آمن شعرهُ وكفر قلبُه قال: هو حق فما أنكرتم من ذلك؟ قلت: أنكرنا قوله:

والشمسُ تطلُعُ كلَّ آخِرِ ليلةٍحمراءَ يُصبحُ لوْنُها يتَورَّدُ ليست بطالعةٍ لَهُم في رِسْلِهَاإلاَّ مُعَذَّبةً وَإلاَّ تُجْلَدُ

ما بالُ الشمس تُجْلَد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف مَلَك، فيقولون لها ٱطلعي ٱطلعي، فتقول لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك فيستقلّ لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدّها عن الطلوع فتطلعُ بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها، فذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما طلعت إلا بين قرني شيطان ولا غربت إلا بين قرني شيطان وما غربت قط إلا خَرّت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدّها عن السجود فتغرُب بين قرنيه فيحرقه الله تعالى تحتها لفظ ٱبن الأنباري. وذكر عن عكرمة عن ٱبن عباس قال: صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم أميّة بن أبي الصَّلْت في هذا الشعر:

زُحَلٌ وثَوْرٌ تحتَ رِجلِ يَمينِهِوالنّسر للأخرى وليثٌ مُرْصِدُ والشمسُ تَطلعُ كلّ آخرِ ليلةٍحمراء يصبِحُ لونُها يَتَورَّدُ ليست بطالعة لهم في رِسْلِهاإلاّ مُعذَّبةً وإلاّ تُجْلَدُ

قال عكرمة: فقلت لابن عباس: يا مولاي أتجلد الشمس؟ فقال: إنما ٱضطره الرويّ إلى الجلد لكنها تخاف العقاب. ودلّ بذكر المطالع على المغارب؛ فلهذا لم يذكر المغارب، وهو كقوله: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }[النحل: 81]. وخصّ المشارق بالذكر؛ لأن الشروق قبل الغروب. وقال في سورة «الرحمن»: { رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ }[الرحمن: 17] أراد بالمشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال، وأقصر يوم في الأيام القصار على ما تقدّم في «يس» والله أعلم.

إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ ۝٦ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَٰنٍ مَّارِدٍ ۝٧ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلْمَلَإِ ٱلْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ۝٨ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ۝٩ إِلَّا مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ۝١٠

قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ } قال قتادة: خلقت النجوم ثلاثاً؛ رجوماً للشياطين، ونوراً يهتدى بها، وزينة لسماء الدنيا. وقرأ مسروق والأعمش والنخعي وعاصم وحمزة: «بِزِينةٍ» مخفوض منوّن «الْكَوَاكِبِ» خفض على البدل من «زينة» لأنها هي. وقرأ أبو بكر كذلك إلا أنه نصب «الْكَوَاكب» بالمصدر الذي هو زينة. والمعنى بأن زينا الكواكب فيها. ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني؛ كأنه قال: إنا زيناها «بِزينة» أعني «الكواكِبَ». وقيل: هي بدل من زينة على الموضع. ويجوز «بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبُ» بمعنى بأن زينتها الكواكبُ. أو بمعنى هي الكواكب. الباقون «بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ» على الإضافة. والمعنى زينا السماء الدنيا بتزيين الكواكِب؛ أي بحسن الكواكب. ويجوز أن يكون كقراءة من نوّن إلا أنه حذف التنوين ٱستخفافاً. {وَحِفْظاً} مصدر؛ أي حفظناها حفظاً. {مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ} لما أخبر أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بيّن أنه حرس السماء عن ٱستراق السمع بعد أن زيّنها بالكواكب. والمارد: العاتي من الجن والإنس، والعرب تسميه شيطاناً.

قوله تعالى: {لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ} قال أبو حاتم: أي لئلا يسمعوا ثم حذف «أن» فرفع الفعل. الملأ الأعلى: أهل السماء الدنيا فما فوقها، وسمّي الكل منهم أعلى بالإضافة إلى ملإ الأرض. الضمير في «يَسَّمَّعُون» للشياطين. وقرأ جمهور الناس «يَسْمَعُونَ» بسكون السين وتخفيف الميم. وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص «لاَ يَسَّمَّعُونَ» بتشديد السين والميم من التسميع. فينتفي على القراءة الأولى سماعهم وإن كانوا يستمعون، وهو المعنى الصحيح، ويعضده قوله تعالى:

{ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } [الشعراء: 212]. وينتفي على القراءة الأخيرة أن يقع منهم ٱستماع أو سماع. قال مجاهد: كانوا يتسمَّعون ولكن لا يسمعون. وروي عن ٱبن عباس «لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإَ» قال: هم لا يسمَّعون ولا يتسمعون. وأصل «يَسَّمَّعُونَ» يتسمعون فأدغمت التاء في السين لقربها منها. وٱختارها أبو عبيد؛ لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه وتقول تسمّعت إليه. {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} أي يُرمَون من كل جانب؛ أي بالشُّهب. {دُحُوراً} مصدر؛ لأن معنى «يُقْذَفُونَ» يُدحَرون. دحرته دَحْراً ودُحُورا أي طردته. وقرأ السُّلَمي ويعقوب الحضرمي «دَحُوراً» بفتح الدال يكون مصدراً على فعول. وأما الفرّاء فإنه قدّره على أنه ٱسم الفاعل. أي ويقذفون بما يدحرهم أي بدحور ثم حذف الباء؛ والكوفيون يستعملون هذا كثيراً كما أنشدوا:

تَمُّرونَ الديارَ ولَمْ تَعوجُوا

وٱختُلف هل كان هذا القذف قبل المبعث، أو بعده لأجل المبعث؛ على قولين. وجاءت الأحاديث بذلك على ما يأتي من ذكرها في سورة «الجن» عن ٱبن عباس. وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا لم تكن الشياطين تُرْمى بالنجوم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم رميت؛ أي لم تكن تُرمَى رمياً يقطعها عن السمع، ولكنها كانت تُرمَى وقتاً ولا تُرمَى وقتاً، وتُرمى من جانب ولا تُرمَى من جانب. ولعل الإشارة بقوله تعالى: {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ } إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يرمون واصباً. وإنما كانوا من قبل كالمتجسسة من الإنس، يبلغ الواحد منهم حاجته ولا يبلغها غيره، ويَسلَم واحد ولا يَسلَم غيره، بل يقبض عليه ويعاقب وينكِّل. فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم زِيد في حفظ السماء، وأعدّت لهم شُهُب لم تكن من قبل؛ ليُدْحَروا عن جميع جوانب السماء، ولا يُقَرُّوا في مقعد من المقاعد التي كانت لهم منها؛ فصاروا لا يقدرون على سماع شيء مما يجري فيها، إلا أن يختطف أحد منهم بخفّة حركته خطفة، فيتبعه شهاب ثاقب قبل أن ينزل إلى الأرض فيلقيها إلى إخوانه فيحرقه؛ فبطلت من ذلك الكهانة وحصلت الرسالة والنبوّة. فإن قيل: إن هذا القذف إن كان لأجل النبوّة فَلِمَ دام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب ـ أنه دام بدوام النبوّة، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر ببطلان الكهانة فقال:ليس منا من تكهّنفلو لم تحرس بعد موته لعادت الجنّ إلى تسمّعها؛ وعادت الكهانة. ولا يجوز ذلك بعد أن بطل، ولأنّ قطع الحراسة عن السماء إذا وقع لأجل النبوّة فعادت الكهانة دخلت الشبهة على ضعفاء المسلمين، ولم يُؤمَن أن يظنوا أن الكهانة إنما عادت لتناهي النبوّة، فصحّ أن الحكمة تقضي دوام الحراسة في حياة النبي عليه السلام، وبعد أن توفاه الله إلى كرامته صلى الله عليه وعلى آله {وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ} أي دائم؛ عن مجاهد وقتادة. وقال ٱبن عباس: شديد. الكلبي والسدّي وأبو صالح: موجع؛ أي الذي يصل وجعه إلى القلب؛ مأخوذ من الوصب وهو المرض {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ} ٱستثناء من قوله: {وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ} وقيل: الاستثناء يرجع إلى غير الوحي؛ لقوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } فيسترق الواحد منهم شيئاً مما يتفاوض فيه الملائكة، مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض؛ وهذا لخفة أجسام الشياطين فيُرجمون بالشُّهب حينئذ. وروي في هذا الباب أحاديث صحاح، مضمّنها: أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، فتقعد للسمع واحداً فوق واحد، فيتقدّم الأجسر نحو السماء ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فيقضي الله تعالى الأمر من أمر الأرض، فيتحدّث به أهل السماء فيسمعه منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه على ما بيّناه. فتنزل تلك الكلمة إلى الكهّان، فيكذبون معها مائة كذبة، وتصدق تلك الكلمة فيصدّق الجاهلون الجميع كما بيّناه في «الأنعام». فلما جاء الله بالإسلام حُرست السماء بشدة، فلا يفلت شيطان سمع بَتّةً. والكواكب الراجمة هي التي يراها الناس تنقضّ. قال النقاش ومكي: وليست بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا ترى حركتها، وهذه الراجمة ترى حركتها؛ لأنها قريبة منا. وقد مضى في هذا الباب في سورة «الحجر» من البيان ما فيه كفاية. وذكرنا في «سبإ» حديث أبي هريرة. وفيه. والشياطين بعضهم فوق بعضوقال فيه الترمذي حديث حسن صحيح. وفيه عن ٱبن عباس:ويختطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائه فما جاءوا به على وجهه فهو حقّ ولكنهم يحرّفونه ويزيدون. قال هذا حديث حسن صحيح. والخطف: أخذ الشيء بسرعة؛ يقال: خَطَفَ وخَطِفَ وخَطَّفَ وخِطَّفَ وخِطِّفَ. والأصل في المشدّدات ٱختطف فأدغم التاء في الطاء لأنها أختها، وفتحت الخاء؛ لأن حركة التاء ألقيت عليها. ومن كسرها فلالتقاء الساكنين. ومن كسر الطاء أتبع الكسر الكسر. {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي مضيء؛ قاله الضحاك والحسن وغيرهما. وقيل: المراد كواكب النار تتبعهم حتى تسقطهم في البحر. وقال ٱبن عباس في الشهب: تحرقهم من غير موت. وليست الشُّهُب التي يرجم الناس بها من الكواكب الثوابت. يدلّ على ذلك رؤية حركاتها، والثابتة تجري ولا ترى حركاتها لبعدها. وقد مضى هذا. وجمع شهاب شهب، والقياس في القليل أشهِبة وإن لم يُسمع من العرب. و «ثَاقِبٌ» معناه مضيء؛ قاله الحسن ومجاهد وأبو مِجْلَز. ومنه قوله:

وَزَنْدُكَ أَثْقَبُ أزنادِها

أي أضوأ. وحكى الأخفش في الجمع: شُهُبٌ ثُقُبٌ وثواقب وثقاب. وحكى الكسائي: ثَقَبتِ النارُ تَثقُب ثَقابةً وثقوباً إذا ٱتقدت، وأثقبتها أنا. وقال زيد بن أسلم في الثاقب: إنه المستوقد؛ من قولهم: أَثْقِب زِنْدَك أي ٱستوقد نارك؛ وقاله الأخفش. وأنشد قول الشاعر:

بينما المرءُ شِهابٌ ثاقبٌضربَ الدهرُ سَناهُ فَخَمدْ

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَٰهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍۭ ۝١١ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ۝١٢ وَإِذَا ذُكِّرُوا۟ لَا يَذْكُرُونَ ۝١٣ وَإِذَا رَأَوْا۟ ءَايَةً يَسْتَسْخِرُونَ ۝١٤ وَقَالُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝١٥ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝١٦ أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ ۝١٧

قوله تعالى: {فَٱسْتَفْتِهِمْ} أي سلهم يعني أهل مكة؛ مأخوذ من ٱستفتاء المفتى. {أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ} قال مجاهد: أي من خلقنا من السموات والأرض والجبال والبحار. وقيل: يدخل فيه الملائكة ومن سلف من الأمم الماضية. يدلّ على ذلك أنه أخبر عنهم «بمَن» قال سعيد بن جبير: الملائكة. وقال غيره: «مَنْ» الأمم الماضية وقد هلكوا وهم أشدّ خلقاً منهم. نزلت في أبي الأشد بن كَلَدَة، وسمي بأبي الأشد لشدّة بطشه وقوّته. وسيأتي في «البلد» ذكره. ونظير هذه:

{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ }[غافر: 57] وقوله: { أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ }[النازعات: 27]. {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} أي لاصق؛ قاله ٱبن عباس. ومنه قول عليّ رضي الله عنه:

تَعَلَّمْ فَإنّ الله زادكَ بَسطةًوأخلاقَ خيرٍ كلُّها لكَ لاَزِبُ

وقال قتادة وٱبن زيد: معنى «لاَزِبٍ» لازق. الماوردي: والفرق بين الّلاصق والّلازق أن الّلاصق: هو الذي قد لُصق بعضه ببعض، واللاّزق: هو الذي يلتزق بما أصابه. وقال عِكرمة: «لاَزِبٍ» لزج. سعيد بن جبير: أي جيد حرّ يلصق باليد. مجاهد: «لاَزِب» لازم. والعرب تقول: طينٌ لازِب ولازِم، تبدل الباء من الميم. ومثله قولهم: لاتب ولازِم. على إبدال الباء بالميم. واللازب الثابت؛ تقول: صار الشيء ضَرْبةَ لازبٍ، وهو أفصح من لازم. قال النابغة:

ولا تَحْسَبُونَ الخيَر لا شَرَّ بعدَهُولا تَحْسَبُونَ الشرَّ ضربةَ لاَزِبِ

وحكى الفرّاء عن العرب: طين لاتب بمعنى لازِم. واللاتِب الثابت؛ تقول منه: لَتَب يَلْتُب لَتْباً ولُتُوباً، مثل لَزَب يَلْزُب بالضم لزوباً؛ وأنشد أبو الجرّاح في اللاتب:

فإن يَكُ هذا من نَبيذٍ شِربْتُهُفإنِّي من شربِ النَّبيذِ لَتَائِبُ صُدَاعٌ وَتَوْصيمُ العِظَامِ وفَتْرَةٌوغَمٌّ مع الإشْرَاقِ في الْجَوفِ لاَتِبُ

والّلاتب أيضاً: الّلاصق مثل الّلازب، عن الأصمعي حكاه الجوهري. وقال السدي والكلبي في الّلازب: إنه الخالص. مجاهد والضحاك: إنه المنتن.

قوله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم بفتح التاء خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي بل عجبت مما نزل عليك من القرآن وهم يسخرون به. وهي قراءة شُرَيح وأنكر قراءة الضم وقال: إن الله لا يعجب من شيء، وإنما يعجب من لا يعلم. وقيل: المعنى بل عجبت من إنكارهم للبعث. وقرأ الكوفيون إلا عاصماً بضم التاء. وٱختارها أبو عبيد والفرّاء، وهي مروية عن عليّ وٱبن مسعود؛ رواها شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: «بَلْ عجِبْتُ» بضم التاء. ويروى عن ٱبن عباس. قال الفرّاء في قوله سبحانه: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ } قرأها الناس بنصب التاء ورفعها، والرفع أحبّ إليّ؛ لأنها عن علي وعبد الله وٱبن عباس. وقال أبو زكريا الفراء: العجب إن أسند إلى الله عز وجل فليس معناه من الله كمعناه من العباد؛ وكذلك قوله:

{ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } [البقرة: 15] ليس ذلك من الله كمعناه من العباد. وفي هذا بيان الكسر لقول شُرَيْح حيث أنكر القراءة بها. روى جرير والأعمش عن أبي وائل شَقِيق بن سَلَمة قال: قرأها عبد الله يعني ٱبن مسعود «بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ» قال شريح: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب مَن لا يعلم. قال الأعمش: فذكرته لإبراهيم فقال: إن شريحاً كان يعجبه رأيه، إن عبد الله كان أعلم من شُرَيح وكان يقرؤها عبد الله «بَلْ عَجِبْتُ». قال الهرويّ: وقال بعض الأئمة: معنى قوله {بَلْ عَجِبْتَ} بل جازيتهم على عجبهم؛ لأن الله تعالى أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق؛ فقال: { وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ }[صۤ: 4]، وقال: { إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ }[صۤ: 5]، { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ } [يونس: 2] فقال تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ} بل جازيتهم على التعجُّب.

قلت: وهذا تمام معنى قول الفرّاء وٱختاره البيهقي. وقال عليّ بن سليمان: معنى القراءتين واحد، التقدير: قل يا محمد بل عجبت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بالقرآن. النحاس: وهذا قول حسن وإضمار القول كثير. البيهقي: والأول أصح. المهدوي: ويجوز أن يكون إخبار اللَّهِ عن نفسه بالعجب محمولاً على أنه أظهر من أمره وسخطه على من كفر به ما يقوم مقام العجب من المخلوقين؛ كما يُحْمَل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن يرضى عنه ـ على ما جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ـ على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازاً وٱتساعاً. قال الهرويّ: ويقال معنى «عَجبَ رَبُّكُم» أي رضي وأثاب؛ فسّماه عجباً وليس بعجب في الحقيقة؛ كما قال تعالى:

{ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ } [الأنفال: 30] معناه ويجازيهم الله على مكرهم، ومثله في الحديث:عَجبَ رَبُّكُمْ مِنْ إِلِّكُمْ وقُنوطكم. وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيماً. فيكون معنى قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} أي بل عَظُم فعلهم عندي. قال البيهقي: ويشبه أن يكون هذا معنى حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:عَجَب ربك من شاب ليست له صَبْوة وكذلك ما خرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل قال البيهقي: وقد يكون هذا الحديث وما ورد من أمثاله أنه يُعجِّب ملائكته من كرمه ورأفتِه بعباده، حين حملهم على الإيمان به بالقتال والأسر في السلاسل، حتى إذا آمنوا أدخلهم الجنة. وقيل: معنى «بَلْ عَجِبْتُ» بل أنكرت. حكاه النقاش. وقال الحسين بن الفضل: التعجب من الله إنكار الشيء وتعظيمه، وهو لغة العرب. وقد جاء في الخبرعجب ربكم من إِلّكم وقُنوطكم. {وَيَسْخُرُونَ} قيل: الواو واو الحال؛ أي عجبت منهم في حال سخريتهم. وقيل: تم الكلام عند قوله: {بَلْ عَجِبْتَ} ثم ٱستأنف فقال: {وَيَسْخُرُونَ} أي مما جئت به إذا تلوتَه عليهم. وقيل: يسخرون منك إذا دعوتَهم.

قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُواْ} أي وُعظوا بالقرآن في قول قتادة. {لاَ يَذْكُرُونَ} لا ينتفعون به. وقال سعيد بن جبير: أي إذا ذُكر لهم ما حل بالمكذبين من قبلهم أعرضوا عنه ولم يتدبروا. {وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً} أي معجزة {يَسْتَسْخِرُونَ} أي يسخرون في قول قتادة. ويقولون إنها سحر. وٱستسخر وسخر بمعنًى مثل ٱستقر وقرّ، وٱستعجب وعجب. وقيل: {يَسْتَسْخِرُونَ} أي يستدعون السخرى من غيرهم. وقال مجاهد: يستهزئون. وقيل: أي يظنون أن تلك الآية سخرية. {وَقَالُوۤاْ إِن هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي إذا عجزوا عن مقابلة المعجزات بشيء قالوا هذا سحر وتخييل وخداع. {أَإِذَا مِتْنَا} أي أنبعث إذا متنا؟. فهو ٱستفهام إنكار منهم وسخرية {أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } أي أوَ تبعث آباؤنا. دخلت ألف الاستفهام على حرف العطف. وقرأ نافع: «أَوْ آبَاؤُنَا» بسكون الواو. وقد مضى هذا في سورة «الأعراف». في قوله تعالى:

{ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ } [الأعراف: 98].

قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَٰخِرُونَ ۝١٨ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ ۝١٩ وَقَالُوا۟ يَٰوَيْلَنَا هَٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ۝٢٠ هَٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ۝٢١

قوله تعالى: {قُلْ نَعَمْ} أي نعم تبعثون. {وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ} أي صاغرون أذلاء؛ لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون. وقيل: أي ستقوم القيامة وإن كرهتم، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم. {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ} أي صيحة واحدة؛ قاله الحسن. وهي النفخة الثانية. وسمّيت الصيحة زجرة؛ لأن مقصودها الزجر؛ أي يزجر بها كزجر الإبل والخيل عند السَّوق. {فَإِذَا هُمْ} قِيَامٌ {يَنظُرُونَ} أي ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل: المعنى ينتظرون ما يفعل بهم. وقيل: هي مثل قوله:

{ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }[الأنبياء: 97]. وقيل: أي ينظرون إلى البعث الذي أنكروه.

قوله تعالى: {وَقَالُواْ يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } نادوا على أنفسهم بالويل؛ لأنهم يومئذ يعلمون ما حلّ بهم. وهو منصوب على أنه مصدر عند البصريين. وزعم الفرّاء أن تقديره: ياوَيْ لَنَا، ووَيْ بمعنى حُزْن. النحاس: ولو كان كما قال لكان منفصلاً وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحداً يكتبه إلا متصلاً. و «يَوْمُ الدِّينِ» يوم الحساب. وقيل: يوم الجزاء. {هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } قيل: هو من قول بعضهم لبعض؛ أي هذا اليوم الذي كذبنا به. وقيل: هو من قول الله تعالى لهم. وقيل: من قول الملائكة؛ أي هذا يوم الحكم بين الناس فيبين المحق من المبطل. فـ

{ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ }[الشورى: 7].

ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ ۝٢٢ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْجَحِيمِ ۝٢٣ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ ۝٢٤ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ۝٢٥ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ۝٢٦ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٢٧ قَالُوٓا۟ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ ۝٢٨ قَالُوا۟ بَل لَّمْ تَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٢٩ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَٰغِينَ ۝٣٠ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ۝٣١ فَأَغْوَيْنَٰكُمْ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ۝٣٢ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ۝٣٣ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ۝٣٤ إِنَّهُمْ كَانُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ۝٣٥

قوله تعالى: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} هو من قول الله تعالى للملائكة: {ٱحْشُرُواْ} المشركين {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي أشياعهم في الشرك، والشرك الظلم؛ قال الله تعالى:

{ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13] فيحشر الكافر مع الكافر؛ قاله قتادة وأبو العالية. وقال عمر بن الخطاب في قول الله عز وجل: {ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ} قال: الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة. وقال ابن عباس: «وَأَزْوَاجَهُمْ» أي أشباههم. وهذا يرجع إلى قول عمر. وقيل: «وَأَزْوَاجَهُمْ» نساؤهم الموافقات على الكفر؛ قاله مجاهد والحسن، ورواه النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب. وقال الضحاك: «وَأَزْوَاجَهُمْ» قرناءهم من الشياطين. وهذا قول مقاتل أيضاً: يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة. {وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي من الأصنام والشياطين وإبليس. {فَٱهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْجَحِيمِ} أي سوقوهم إلى النار. وقيل: «فَٱهْدُوهُمْ» أي دُلّوهم. يقال: هديته إلى الطريق، وهديته الطريق؛ أي دللته عليه. وأهديتُ الهديّةَ وهَديتُ العروسَ، ويقال أهديتها؛ أي جعلتها بمنزلة الهديّة.

قوله تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ} وحكى عيسى بن عمر «أَنَّهُمْ» بفتح الهمزة. قال الكسائي: أي لأنهم وبأنهم، يقال: وَقفتُ الدابَة أقفها وَقْفاً فوقفت هي وقوفاً، يتعدى ولا يتعدى؛ أي ٱحبسوهم. وهذا يكون قبل السَّوق إلى الجحيم؛ وفيه تقديم وتأخير، أي قفوهم للحساب ثم سوقوهم إلى النار. وقيل: يساقون إلى النار أولاً ثم يحشرون للسؤال إذا قربوا من النار. «إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» عن أعمالهم وأقوالهم وأفعالهم؛ قاله القرظي والكلبي. الضحاك: عن خطاياهم. ٱبن عباس: عن لا إلٰه إلا الله. وعنه أيضاً: عن ظلم الخلق. وفي هذا كله دليل على أن الكافر يحاسب. وقد مضى في «الحجر» الكلام فيه. وقيل: سؤالهم أن يقال لهم:

{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ }[الأنعام: 130] إقامة للحجة. ويقال لهم: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ } على جهة التقريع والتوبيخ؛ أي ينصر بعضكم بعضاً فيمنعه من عذاب الله. وقيل: هو إشارة إلى قول أبي جهل يوم بدر: { نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ }[القمر: 44]. وأصله تتناصرون فطُرحت إحدى التاءين تخفيفاً. وشدّد الْبَزِّي التاء في الوصل.

قوله تعالى: {بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } قال قتادة: مستسلمون في عذاب الله عز وجل. ٱبن عباس: خاضعون ذليلون. الحسن: منقادون. الأخفش: ملقون بأيديهم. والمعنى متقارب. {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} يعني الرؤساء والأتباع {يَتَسَآءَلُونَ} يتخاصمون. ويقال لا يتساءلون فسقطت لا. النحاس: وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهّم أن هذا من قوله:

{ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ } [المؤمنون: 101] إنما هو لا يتساءلون بالأرحام، فيقول أحدهم: أسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني، أو أسقطت لي حقاً لك عليّ، أو وهبت لي حسنة. وهذا بيّن؛ لأن قبله «فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ». أي ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم؛ كما جاء في الحديث:إن الرجل لَيُسَرّ بأن يصح له على أبيه أو على ٱبنه حق فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات، وفي حديث آخر: رحم الله ٱمرءاً كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فٱستحلّه قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته فإن لم تكن له حسنات زِيد عليه من سيئات المطالب. و «يَتَسَاءَلُونَ» هاهنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضاً ويوبخه في أنه أضلّه أو فتح له باباً من المعصية؛ يبيّن ذلك أن بعده {إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ} قال مجاهد: هو قول الكفار للشياطين. قتادة: هو قول الإنس للجن. وقيل: هو من قول الأتباع للمتبوعين؛ دليله قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } [سبأ: 31] الآية. قال سعيد عن قتادة: أي تأتوننا عن طريق الخير وتصدوننا عنها. وعن ٱبن عباس نحو منه. وقيل: تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك من جهة النصح. والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح. وقيل: «تَأَتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ» تأتوننا مجيء من إذا حلف لنا صدّقناه. وقيل: تأتوننا من قِبل الدِّين فتهوِّنون علينا أمر الشريعة وتنفِّروننا عنها.

قلت: وهذا القول حسن جداً؛ لأن من جهة الدِّين يكون الخير والشر، واليمين بمعنى الدِّين؛ أي كنتم تزينون لنا الضلالة. وقيل: اليمين بمعنى القوّة؛ أي تمنعوننا بقوّة وغلبة وقهر؛ قال الله تعالى:

{ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } [الصافات: 93] أي بالقوّة وقوّة الرجل في يمينه؛ وقال الشاعر:

إذا مَا رَايةٌ رُفِعتْ لمجدٍتَلّقاها عَرابَةُ باليمين

أي بالقوّة والقدرة. وهذا قول ٱبن عباس. وقال مجاهد: «تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ» أي من قبل الحق أنه معكم؛ وكله متقارب المعنى. {قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } قال قتادة: هذا قول الشياطين لهم. وقيل: من قول الرؤساء؛ أي لم تكونوا مؤمنين قط حتى ننقلكم منه إلى الكفر، بل كنتم على الكفر فأقمتم عليه للإلف والعادة. {وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي من حجة في ترك الحق. {بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} أي ضالين متجاوزين الحد. {فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ} هو أيضاً من قول المتبوعين؛ أي وجب علينا وعليكم قول ربنا، فكلنا ذائقو العذاب، كما كتب الله وأخبر على ألسنة الرسل { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ }[السجدة: 13]. وهذا موافق للحديث:إن الله جل وعز كتب للنار أهلا وللجنة أهلا لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم. {فَأَغْوَيْنَاكُمْ} أي زيّنا لكم ما كنتم عليه من الكفر {إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ} بالوسوسة والاستدعاء. ثم قال خبراً عنهم: {فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } الضال والمضل. {إِنَّا كَذَلِكَ} أي مثل هذا الفعل {نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ} أي المشركين. {إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } أي إذا قيل لهم قولوا فأضمر القول. و «يَسْتَكْبِرُونَ» في موضع نصب على خبر كان. ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر إنّ، وكان ملغاة. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب عند موته وٱجتماع قريش:قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجمأبَوْا وأنِفُوا من ذلك. وقال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قوماً ٱستكبروا فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ }وقال تعالى: { إِذْ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ ٱلتَّقْوَىٰ وَكَانُوۤاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا } [الفتح: 26] وهي (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ٱستكبر عنها المشركون يوم الْحُدَيْبِيَة يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية المدّة؛ ذكر هذا الخبر البيهقي، والذي قبله القشيري.

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓا۟ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍۭ ۝٣٦ بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٣٧ إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا۟ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَلِيمِ ۝٣٨ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٣٩ إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٤٠

قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوۤ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ } أي لقول شاعر مجنون؛ فردّ الله جل وعز عليهم فقال: {بَلْ جَآءَ بِٱلْحَقِّ} يعني القرآن والتوحيد {وَصَدَّقَ ٱلْمُرْسَلِينَ} فيما جاءوا به من التوحيد. إِنَّكُمْ لَذَآئِقُوا ٱلْعَذَابِ ٱلأَلِيمِ} الأصل لذائقون فحذفت النون ٱستخفافاً وخفضت للإضافة. ويجوز النصب كما أنشد سيبويه:

فألْفيتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍوَلاَ ذَاكرِ الله إلاَّ قليلا

وأجاز سيبويه «وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةَ» على هذا. {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي إلا بما عملتم من الشرك {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ } ٱستثناء ممن يذوق العذاب. وقراءة أهل المدينة والكوفة «الْمُخْلَصِينَ» بفتح اللام؛ يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته. الباقون بكسر اللام؛ أي الذين أخلصوا لله العبادة. وقيل: هو ٱستثناء منقطع؛ أي إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب.

أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ ۝٤١ فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ ۝٤٢ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ۝٤٣ عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ ۝٤٤ يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍۭ ۝٤٥ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّٰرِبِينَ ۝٤٦ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ۝٤٧ وَعِندَهُمْ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ ۝٤٨ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ ۝٤٩

قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } يعني المخلصين؛ أي لهم عطية معلومة لا تنقطع. قال قتادة: يعني الجنة. وقال غيره: يعني رزق الجنة. وقيل: هي الفواكه التي ذكر. قال مقاتل: حين يشتهونه. وقال ٱبن السائب: إنه بمقدار الغداة والعشي؛ قال الله تعالى:

{ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً }[مريم: 62]. {فَوَاكِهُ} جمع فاكهة؛ قال الله تعالى: { وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ }[الطور: 22] وهي الثمار كلها رطبها ويابسها؛ قاله ٱبن عباس. {وَهُم مُّكْرَمُونَ} أي ولهم إكرام من الله جل وعز برفع الدرجات وسماع كلامه ولقائه. {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ } أي في بساتين يتنعمون فيها. وقد تقدّم أن الجنان سبع في سورة «يونس» منها النعيم.

قوله تعالى: {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } قال عكرمة ومجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض تواصلاً وتحابباً. وقيل: الأسِرَّة تدور كيف شاءوا فلا يرى أحد قفا أحد. وقال ٱبن عباس: على سرر مكلّلة بالدرّ والياقوت والزبرجد؛ السرير ما بين صنعاء إلى الجابية، وما بين عدن إلى أيلة. وقيل: تدور بأهل المنزل الواحد. والله أعلم.

قوله تعالى: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ } لما ذكر مطاعمهم ذكر شرابهم. والكأس عند أهل اللغة ٱسم شامل لكل إناء مع شرابه؛ فإن كان فارغاً فليس بكأس. قال الضحاك والسدي: كل كأس في القرآن فهي الخمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناء وقدح. النحاس: وحكى من يوثق به من أهل اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس؛ فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح؛ كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام: مائدة؛ فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل له مائدة. قال أبو الحسن بن كيسان: ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة. وقال الزجاج: «بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ» أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض. والمعين: الماء الجاري الظاهر. {بَيْضَآءَ} صفة للكأس. وقيل: للخمر. {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ} قال الحسن: خمر الجنة أشدّ بياضاً من اللبن. «لَذَّةٍ» قال الزجاج: أي ذات لذة فحذف المضاف. وقيل: هو مصدر جعل ٱسماً أي بيضاء لذيذة؛ يقال شراب لذٌّ ولذيذ، مثل نبات غَضٌّ وغضيض. فأما قول القائل:

ولذٍ كطَعْمِ الصَّرْخَدِيِّ تركتُهُبأرض العِدَا مِنْ خَشيةِ الحَدَثَانِ

فإنه يريد النوم. وقيل: «بَيْضَاءَ» أي لم يعتصرها الرجال بأقدامهم. {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} أي لاتغتال عقولهم، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع. {وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} أي لا تذهب عقولهم بشربها؛ يقال: الخمر غَوْل للحِلْم، والحرب غول للنفوس؛ أي تذهب بها. ويقال: نُزِف الرجلُ يُنْزَف فهو منزوفٌ ونزيفٌ إذا سكر. قال ٱمرؤ القيس:

وإذ هي تمشِي كمشي النَّزيــفِ يَصْرَعُه بالكثيب البَهَرْ

وقال أيضاً:

نَزيفٌ إذا قامتْ لِوجهٍ تمايلتتُراشِي الفؤادَ الرَّخْصَ أَلاَّ تَختَّرَا

وقال آخر:

فلثمتُ فاهَا آخِذاً بقرونهاشُرْبَ النَّزِيفِ ببرد ماءِ الحَشْرَجِ

وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي؛ من أنزف القومُ إذا حان منهم النَّزْف وهو السّكر. يقال: أحصدَ الزرعُ إذا حان حَصادُه، وأَقطفَ الكرمُ إذا حان قِطافُه، وأَركبَ المهرُ إذا حان ركوبه. وقيل: المعنى لا ينفدون شرابهم؛ لأنه دأبهم؛ يقال: أَنزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. قال الحطيئة:

لَعَمْرِي لئن أَنزفتمُ أو صَحَوْتُمُلبئس النَّدامَى كنتمُ آلَ أَبْجَرَا

النحاس: والقراءة الأولى أبين وأصح في المعنى؛ لأن معنى «يُنْزَفُونَ» عند جِلة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم؛ فنفى الله عز وجل عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. ومعنى «يُنْزِفُونَ» الصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهو يبعد أن يوصف به شراب الجنة؛ ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفد أبداً. وقيل: «لاَ يُنْزِفُونَ» بكسر الزاي لا يسكرون؛ ذكره الزجاج وأبو علي على ما ذكره القُشَيري. المهدوي: ولا يكون معناه يسكَرون؛ لأن قبله «لاَ فِيهَا غَوْلٌ». أي لا تغتال عقولهم فيكون تكراراً؛ ويسوغ ذلك في «الواقعة». ويجوز أن يكون معنى «لاَ فِيهَا غَوْلٌ» لا يمرضون؛ فيكون معنى «وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ» لا يسكَرون أو لا ينفد شرابهم. قال قتادة: الغول وجع البطن. وكذا روى ٱبن أبي نجيح عن مجاهد «لاَ فِيهَا غَوْلٌ» قال لا فيها وجع بطن. الحسن: صداع. وهو قول ٱبن عباس «لاَ فِيهَا غَوْلٌ» لا فيها صداع. وحكى الضحاك عنه أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول؛ فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. مجاهد: داء. ٱبن كيسان: مغص. وهذه الأقوال متقاربة. وقال الكلبي: «لاَ فِيهَا غَوْلٌ» أي إثم؛ نظيره: { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } [الطور: 23]. وقال الشعبي والسدي وأبو عبيدة: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. ومنه قول الشاعر:

وما زالتِ الكأَسُ تغتالُناوتَذهبُ بالأولِ الأولِ

أي تصرع واحداً واحداً. وإنما صرف الله تعالى السكر عن أهل الجنة لئلا ينقطع الالتذاذ عنهم بنعيمهم. وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في خفاء. يقال: ٱغتاله ٱغتيالاً إذا أفسد عليه أمره في خفية. ومنه الغَوْل والغِيلة: وهو القتل خفية.

قوله تعالى: {وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ} أي نساء قد قصَرْن طرفهنّ على أزواجهنّ فلا ينظرن إلى غيرهم؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغيرهم. عكرمة:

{ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ } [الرحمن: 56] أي محبوسات على أزواجهنّ. والتفسير الأوّل أبين؛ لأنه ليس في الآية مقصورات ولكن في موضع آخر {مَّقْصُورَاتٌ} يأتي بيانه. و «قاصرات» مأخوذ من قولهم: قد ٱقتصر على كذا إذا ٱقتنع به وعدل عن غيره؛ قال ٱمرؤ القيس:

من القاصراتِ الطَّرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌمن الذَّرِّ فَوْقَ الإتْب منها لأَثَّرا

ويروى: فوق الخد. والأوّل أبلغ. والإتب القميص، والمحول الصغير من الذر. وقال مجاهد أيضاً: معناه لا يَغَرْنَ. {عِينٌ} عظام العيون الواحدة عيناء؛ وقاله السّدي. مجاهد: «عِينٌ» حسان العيون. الحسن: الشديدات بياض العين، الشديدات سوادها. والأوّل أشهر في اللغة. يقال: رجل أعين واسع العين بيِّن العَيَن، والجمع عِين. وأصله فعل بالضم فكسرت العين؛ لئلا تنقلب الواو ياء. ومنه قيل لبقر الوحش عِين، والثور أعين، والبقرة عيناء. {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} أي مصون. قال الحسن وٱبن زيد: شُبِّهن ببيض النعام، تكنها النعامة بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء. وقال ٱبن عباس وٱبن جبير والسدي: شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي. وقال عطاء: شبهن بالسِّحاء الذي يكون بين القشرة العليا ولباب البيض. وسَحَاةُ كل شيء: قشره والجمع سَحاً؛ قاله الجوهري. ونحوه قول الطبري، قال: هو القشر الرقيق، الذي على البيضة بين ذلك. وروي نحوه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. والعرب تشبه المرأة بالبيضة لصفائها وبياضها؛ قال ٱمرؤ القيس:

وبيضةِ خِدْرٍ لا يرامُ خِباؤهاتَمتعت من لَهْوٍ بها غيرَ مُعْجَلِ

وتقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة: كأنه بيض النعام المغطَّى بالريش. وقيل: المكنون المصون عن الكسر؛ أي إنهن عذارى. وقيل: المراد بالبيض اللؤلؤ؛ كقوله تعالى: { وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } [الواقعة: 22 ـ 23] أي في أصدافه؛ قاله ٱبن عباس أيضاً. ومنه قول الشاعر:

وهي بيضاءُ مِثلُ لُؤْلُؤة الغــوّاصِ مِيزَتْ مِن جَوْهَرٍ مَكْنونِ

وإنما ذكر المكنون والبيض جمع؛ لأنه ردّ النعت إلى اللفظ.

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ ۝٥٠ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌ ۝٥١ يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ ۝٥٢ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ۝٥٣ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ۝٥٤ فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِى سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ۝٥٥ قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ۝٥٦ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّى لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ ۝٥٧ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ۝٥٨ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝٥٩ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝٦٠ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَٰمِلُونَ ۝٦١

قوله تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } أي يتفاوضون فيما بينهم أحاديثهم في الدنيا. وهو من تمام الأُنس في الجنة. وهو معطوف على معنى «يُطَاف عَلَيْهِم» المعنى يشربون فيتحادثون على الشراب كعادة الشُّراب. قال بعضهم:

وما بَقيتْ من اللّذاتِ إلاأحاديثُ الكِرامِ على المُدامِ

فيقبل بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم وعليهم في الدنيا؛ إلا أنه جيء به ماضياً على عادة الله تعالى في إخباره.

قوله تعالى: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ} أي من أهل الجنة {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} أي صديق ملازم {يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُصَدِّقِينَ } أي بالمبعث والجزاء. وقال سعيد بن جبير: قرينه شريكه. وقد مضى في «الكهف» ذكرهما وقصتهما والاختلاف في ٱسميهما مستوفًى عند قوله تعالى:

{ وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ } [الكهف: 32] وفيهما أنزل الله جل وعز: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} إلى {مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ} وقيل: أراد بالقرين قرينه من الشيطان كان يوسوس إليه بإنكار البعث. وقرىء: «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» بتشديد الصاد. رواه عليّ بن كيسة عن سليم عن حمزة. قال النحاس: ولا يجوز «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» لأنه لا معنى للصدقة هاهنا. وقال القشيري: وفي قراءة عن حمزة «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» بتشديد الصاد. وٱعترض عليه بأن هذا من التصديق لا من التصدّق. والاعتراض باطل؛ لأن القراءة إذا ثبتت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فلا مجال للطعن فيها. فالمعنى «أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» بالمال طلباً في ثواب الآخرة. {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ } أي مجزيون محاسبون بعد الموت فـ {قَالَ} الله تعالى لأهل الجنة: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ}. وقيل: هو من قول المؤمن لإخوانه في الجنة هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف حال ذلك القرين. وقيل: هو من قول الملائكة. وليس «هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ» بٱستفهام، إنما هو بمعنى الأمر، أي ٱطّلِعوا؛ قاله ٱبن الأعرابي وغيره. ومنه لما نزلت آية الخمر، قام عمر قائماً بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم رفع رأسه إلى السماء، ثم قال: يا رب بياناً أشفى من هذا في الخمر. فنزلت: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } [المائدة: 91] قال: فنادي عمر ٱنتهينا يا ربَّنا. وقرأ ٱبن عباس: «هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونَ» بإسكان الطاء خفيفة «فَأُطْلِعَ» بقطع الألف مخفَّفة على معنى هل أنتم مقبلون فأقبل. قال النحاس: «فَأُطْلِعَ فَرَآهُ» فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلاً مستقبلاً معناه فأطلع أنا، ويكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام. والقول الثاني أن يكون فعلاً ماضياً ويكون ٱطَّلَع وأُطْلِعَ واحداً. قال الزجاج: يقال طَلَع وأَطْلعَ وَٱطَّلعَ بمعنًى واحد. وقد حكي «هَلْ أَنتُم مُّطْلِعُونِ» بكسر النون وأنكره أبو حاتم وغيره. النحاس: وهو لحن لا يجوز؛ لأنه جمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافاً لكان هل أنتم مُطْلِعيّ، وإن كان سيبويه والفرّاء قد حكيا مثله، وأنشدا:

هُمُ القائلونَ الخيرَ والآمِرونَهُإذا ما خَشَوا مِن مُحْدَثِ الأمرِ مُعْظَما

وأنشد الفراء: والفاعلونه. وأنشد سيبويه وحده:

ولم يَرْتفِق والناس محتضِرونه

وهذا شاذٌ خارج عن كلام العرب، وما كان مثل هذا لم يحتجّ به في كتاب الله عز وجل، ولا يدخل في الفصيح. وقد قيل في توجيهه: إنه أجرى ٱسم الفاعل مجرى المضارع لقربه منه، فجرى «مُطْلِعُون» مجرى يطلعون. ذكره أبو الفتح عثمان بن جني وأنشد:

أرأيتَ إن جئتُ به أمْلُودَامُرَجَّلاً ويَلْبَسُ الْبُرُودَا أقائِلُـنَّ أحضِـروا الشُّهُـودَا

فأجرى أقائلُنّ مجرى أتَقولُن. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ} إنّ في الجنة كُوًى ينظر أهلها منها إلى النار وأهلِها. وكذلك قال كعب فيما ذكر ٱبن المبارك، قال: إن بين الجنة والنار كُوًى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ كان له في الدنيا ٱطلع من بعض الكوى؛ قال الله تعالى: {فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } أي في وسط النار والحسَكُ حواليه؛ قاله ٱبن مسعود. ويقال: تعبت حتى ٱنقطع سَوَائي: أي وسطي. وعن أبي عبيدة: قال لي عيسى بن عمر: كنت أكتب يا أبا عبيدة حتى ينقطع سَوَائي. وعن قتادة قال قال بعض العلماء: لولا أن الله جل وعز عرَّفه إياه لما عرفه، لقد تغيرّ حِبْرُهُ وسِبْرُهُ. فعند ذلك يقول: {تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ} «إِن» مخففة من الثقيلة دخلت على كاد كما تدخل على كان. ونحوه «إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا» واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. {وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلْمُحْضَرِينَ } في النار. وقال الكسائي: «لَتُرْدِينِ» أي لتهلكني، والردى الهلاك. وقال المبرد: لو قيل «لتردِينِ» لتوقعني في النار لكان جائزاً. «وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبيِّ» أي عصمته وتوفيقه بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة من القرين السوء. وما بعد لولا مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف. «لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ» قال الفراء: أي لكنت معك في النار محضراً. وأحضر لا يستعمل مطلقاً إلا في الشر؛ قاله الماوردي.

قوله تعالى: {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ } وقرىء «بِمائِتِين» والهمزة في «أَفَمَا» للاستفهام دخلت على فاء العطف، والمعطوف محذوف معناه أنحن مخلَّدون منعَّمون فما نحن بميتين ولا معذبين. {إِلاَّ مَوْتَتَنَا ٱلأُولَىٰ} يكون ٱستثناء ليس من الأول ويكون مصدراً؛ لأنه منعوت. وهو من قول أهل الجنة للملائكة حين يُذبَح الموت، ويقال: يأهل الجنة خلود ولا موت، ويأهل النار خلود ولا موت. وقيل: هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله في أنهم لا يموتون ولا يعذّبون؛ أي هذه حالنا وصفتنا. وقيل: هو من قول المؤمن توبيخاً للكافر لما كان ينكره من البعث، وأنه ليس إلا الموت في الدنيا. ثم قال المؤمن مشيراً إلى ما هو فيه، {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } يكون «هو» مبتدأ وما بعده خبر عنه والجملة خبر إنّ. ويجوز أن يكون «هو» فاصلاً. {لِمِثْلِ هَـٰذَا فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ } يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعدّ الله له في الجنة وما أعطاه قال: {لِمِثْلِ هَـٰذَا} العطاء والفضل «فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ». نظير ما قال له الكافر:

{ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } [الكهف: 34]. ويحتمل أن يكون من قول الملائكة. وقيل: هو من قول الله عز وجل لأهل الدنيا؛ أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء، و «لِمِثِلْ هَذَا» الجزاء {فَلْيَعْمَلِ ٱلْعَامِلُونَ}. النحاس: وتقدير الكلام ـ والله أعلم ـ فليعمل العاملون لمثل هذا. فإن قال قائل: الفاء في العربية تدل على أن الثاني بعد الأول، فكيف صار ما بعدها ينوى به التقديم؟ فالجواب أن التقديم كمثل التأخير؛ لأن حق حروف الخفض وما بعدها أن تكون متأخرة.
الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ