انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فصلت

التحرير والتنويرالآيات 1–12

تفسير سورة فصلت آية آية، من التحرير والتنوير.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١

القول في الحروف الواقعة فاتحةَ هذه السورة كالقول في {أَلٰمّ}.

تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ۝٢ كِتَٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٣ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝٤

افتتح الكلام باسم نكرة لما في التنكير من التعظيم. والوجه أن يكون {تَنزِيلٌ} مبتدأ سَوَّغ الابتداء به ما في التنكير من معنى التعظيم فكانت بذلك كالموصوفة وقوله: {مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم} خبر عنه. وقوله: {كتاب} بَدل من {تنزيل} فحصل من المعنى: أن التنزيل من الله كتاب، وأن صفته فُصّلت آياته، موسوماً بكونه قرآناً عربياً، فحصل من هذا الأسلوب أن القرآن منزَّل من الرحمان الرحيم مفصلاً عربياً. ولك أن تجعل قوله: {مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم} في موضع الصفة للمبتدأ وتجعل قوله: {كتاب} خبرَ المبتدأ، وعلى كلا التقديرين هو أسلوب فخم وقد مَضى مثله في قوله تعالى:

{ { آلمص كتاب أنزل إليك } } [الأعراف: 1،2].

والمراد: أنه منزَّل، فالمصدر بمعنى المفعول كقوله:

{ { وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين } } [الشعراء: 192،193] وهو مبالغة في كونه فَعَل الله تنزيله، تحقيقاً لكونه موحى به وليس منقولاً من صحف الأولين. وتنكير {تنزيل} و{كتاب} لإِفادة التعظيم.

والكتاب: اسم لمجموع حروف دالة على ألفاظ مفيدة وسمي القرآن كتاباً لأن الله أوحى بألفاظه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يكتب ما أُوحي إليه، ولذلك اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم كتَّاباً يكتبون له كل ما ينزل عليه من القرآن. وإيثار الصفتين {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ} على غيرهما من الصفات العلية للإِيماء إلى أن هذا التنزيل رحمة من الله بعباده ليخرجهم من الظلمات إلى النور كقوله تعالى:

{ { فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة } } [الأنعام: 157] وقولِه تعالى: { { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } } [الأنبياء: 107] وقوله: { { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } } [العنكبوت: 51].

والجمع بين صفتي {الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم} للإيماء إلى أن الرحمة صفة ذاتيَّة لله تعالى، وأن متعلقها منتشر في المخلوقات كما تقدم في أول سورة الفاتحة والبسملة. وفي ذلك إيماء إلى استحماق الذين أعرضوا عن الاهتداء بهذا الكتاب بأنهم أعرضوا عن رحمة، وأن الذين اهتدوا به هم أهل المرحمة لقوله بعد ذلك:

{ { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى } } [فصلت: 44].

ومعنى: {فُصِّلَتْ ءَايٰتُه} بُينت، والتفصيل: التبيين والإخلاء من الالتباس. والمراد: أن آيات القرآن واضحة الأغراض لا تلتبس إلا على مكابر في دلالة كل آية على المقصود منها، وفي مواقعها وتمييز بعضها عن بعض في المعنى باختلاف فنون المعاني التي تشتمل عليها، وقد تقدم في طالعة سورة هود.

ومن كمال تفصيله أنه كان بلغة كثيرة المعاني، واسعة الأفنان، فصيحة الألفاظ، فكانت سالمة من التباس الدلالة، وانغلاق الألفاظ، مع وفرة المعاني غير المتنافية في قلة التراكيب، فكان وصفه بأنه عربي من مكملات الإِخبار عنه بالتفصيل. وقد تكرر التنويه بالقرآن من هذه الجهة كقوله:

{ { بلسان عربي مبين } } [الشعراء: 195] ولهذا فرع عليه ذم الذين أعرضوا عنه بقوله هنا {فَأعْرَضَ أكْثَرُهُم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُون} وقوله هنالك: { { كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } } [الشعراء: 200،201].

والقرآن: الكلام المقروء المتلوّ. وكونه قُرآناً من صفات كماله، وهو أنه سهْل الحفظ، سهْل التلاوة، كما قال تعالى:

{ { ولقد يسرنا القرآن للذكر } } [القمر: 22] ولذلك كان شأن الرسول صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن عن ظهر قلب، وكان شأن المسلمين الاقتداء به في ذلك على حسب الهمم والمَكْنَات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى تفضيل المؤمنين بما عندهم من القرآن. وكان يوم أحد يقدم في لحد شهدائه مَن كان أكثرهم أخذاً للقرآن تنبيهاً على فضل حفظ القرآن زيادة على فضل تلك الشهادة.

وانتصب {قرآناً} على النعت المقطوع للاختصاص بالمدح وإلا لكان مرفوعاً على أنه خبر ثالث أو صفة للخبر الثاني، فقوله: {قرآناً} مقصود بالذكر للإشارة إلى هذه الخصوصية التي اختص بها من بين سائر الكتب الدينية، ولولا ذلك لقال: كتاب فصّلت آياته عربي كما قال في سورة الشعراء (195)

{ { بلسان عربي مبين } }. ولك أن تجعله منصوباً على الحال.

وقوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} صفة لــــ{قرآناً} ظرفٌ مستقر، أي كائناً لقوم يعلمون باعتبار ما أفاده قوله: {قُرءَاناً عَرِبيَّاً} من معنى وضوح الدلالة وسطوع الحجة، أو يتعلق {لِقَوْمٍ يَعْلَمُون} بقوله: {تنزيل} أو بقوله: {فُصِّلَتْ ءَايٰتُهُ} على معنى أن فوائد تنزيله وتفصيله لقوم يعلمون دون غيرهم فكأنه لم يُنزل إلا لهم، أي فلا بدع إذا أعرض عن فهمه المعاندون فإنهم قوم لا يعلمون، وهذا كقوله تعالى:

{ { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } } [يونس: 101] وقوله: { { وما يعقلها إلا العالمون } } [العنكبوت: 43] وقوله: { { إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون } } [يوسف: 2] وقوله: { { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } } [العنكبوت: 49].

والبشير: اسم للمبشر وهو المخبر بخبر يسر المخبَر. والنذير: المخبر بأمر مَخُوف، شبه القرآن بالبشير فيما اشتمل عليه من الآيات المبشرة للمؤمنين الصالحين، وبالنذير فيما فيه من الوعيد للكافرين وأهل المعاصي، فالكلام تشبيه بليغ. وليس: {بشيراً} أو {نذيراً} اسمي فاعل لأنه لو أريد ذلك لقيل: مُبشراً ومُنذراً.

والجمع بين: {بشيراً} و{نَذِيراً} من قبيل محسن الطِّبَاق. وانتصب {بشيراً} على أنه حال ثانية من {كتاب} أو صفة لــــ {قرآناً،} وصفة الحال في معنى الحال، فالأوْلى كونه حالاً ثانية.

وجيء بقوله: {نذيراً} معطوفاً بالواو للتنبيه على اختلاف موقع كل من الحالين فهو بشير لقوم وهم الذين اتبعوه ونذير لآخرين، وهم المعرضون عنه، وليس هو جامعاً بين البشارة والنذارة لطائفة واحدة فالواو هنا كالواو في قوله:

{ { ثيبات وأبكارا } } [التحريم: 5] بعد قوله: { { مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات } } [التحريم: 5].

وتفريع {فأعْرَضَ أكْثَرُهُم} على ما ذكر من صفات القرآن. وضمير {أكثرهم} عائد إلى معلوم من المقام وهم المشركون كما هي عادة القرآن في غير موضع. والمعنى: فأعرض أكثر هؤلاء عما في القرآن من الهدى فلم يهتدوا، ومن البشارة فلم يُعنوا بها، ومن النذارة فلم يحذروها، فكانوا في أشد الحماقة، إذ لم يعنوا بخَير، ولا حَذِرُوا الشر، فلم يأخذوا بالحيطة لأنفسهم وليس عائداً لــــ{قوم يعلمون} لأن الذين يعلمون لا يُعرض أحد منهم.

والفاء في قوله: {فَهُمْ لا يَسْمَعُون} للتفريع على الإِعراض، أي فهم لا يُلقون أسماعهم للقرآن فضلاً عن تدبره، وهذا إجمال لإِعراضهم. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في {فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} دون أن يقول: فلا يسمعون لإِفادة تقوّي الحكم وتأكيده.

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ۝٥

عطف {وقالوا} على

{ { فأعرض } } [فصلت: 4] أو حالٌ من { { أكثرهم } } [فصلت: 4] أو عطف على { { لا يَسْمَعُونَ } } [فصلت: 4]، أو حال من ضميره، والمعنى: أنهم أعرضوا مصرحين بقلة الاكتراث وبالانتصاب للجفاء والعداء. وهذا تفصيل للإعراض عما وُصف به القرآن من الصفات التي شأنها أن تقربهم إلى تلقيه لا أن يَبعدوا ويعرضوا وقد جاء بالتفصيل بأقوالهم التي حرمتهم من الانتفاع بالقرآن واحداً واحداً كما ستعلمه.

والمراد بالقلوب: العقول، حكي بمصطلح كلامهم قولهم إذ يطلقون القلب على العقل.

والأكنة: جمع كنان مثل: غطاء وأغطية وزناً ومعنى، أثبتت لقلوبهم أغطية على طريقة التخييل، وشُبهت القلوب بالأشياء المغطّاة على طريقة الاستعارة المكنية. ووجه الشبه حيلولة وصول الدعوة إلى عقولهم كما يحول الغطاء والغلاف دون تناول ما تحته. ومَا يدعوهم إليه يعم كل ما دعاهم إليه من المدلولات وأدلتها، ومنها دلالة معجزة القرآن وما تتضمنه من دلالة أمية الرسول صلى الله عليه وسلم من نحو قوله تعالى:

{ { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } } [العنكبوت: 48].

وجعلت القلوب في أكنة لإِفادة حرف {في} معنى إحاطة الظرف بالمظروف. وكذلك جعل الوَقر في القلوب لإِفادة تغلغله في إدراكهم.

و (مِن) في قوله: {مِمَّا تَدْعُونَا إلَيْهِ} بمعنى (عن) مثل قوله تعالى:

{ { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللَّه } } [الزمر: 22] وقوله: { { قد كنا في غفلة من هذا } } [الأنبياء: 97]، والمعنى: قلوبنا في أكنة فهي بعيدة عما تدعونا إليه لا ينفذ إليها.

والوَقر بفتح الواو: ثقل السمع وهو الصمم، وكأنَّ اللغة أخذته من الوِقر بكسر الواو، وهو الحِمل لأنه يثقل الدَّابة عن التحرك، فأطلقوه على عدم تحرك السمع عند قرع الصوت المسموع، وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة ففتحوا له الواو تفرقة بين الحقيقة والمجاز، كما فرقوا بين العَضّ الحقيقي وعظِّ الدهر بأن صيروا ضادهُ ظاء. وقد تقدم ذكر الأكنة والوقر في قوله:

{ { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } } في الأنعام (25) وفي سورة الإِسراء (46).

والحجاب: الساتر للمرئيّ من حائط أو ثوب. أطلقوا اسم الحجاب على ما يمنع نفوسهم أن يأخذوا بالدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من كراهية دينه وتجافي تقلده بجامعِ أن الحجاب يحول بين الرائي والمَرْئِيّ فلا ينظر أحدهما الآخر ولا يصل إليه، ومرادهم البراءة منه. مثل نبوّ قلوبهم عن تقبُّل الإسلام واعتقاده بحال ما هو في أكنّة، وعدمَ تأثر أسماعهم بدعوته بصَم الآذان، وعدمَ التقارب بين ما هم عليه وما هو عليه بالحجاب الممدود بينه وبينهم فلا تلاقيَ ولا ترائيَ.

وقد جمعوا بين الحالات الثلاث في التمثيل للمبالغة في أنهم لا يقبلون ما يدعوهم إليه. واجتلابُ حرف {مِن} في قوله: {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ} لتقوية معنى الحجاب بين الطرفين وتمكن لازمه الذي هو بُعد المسافة التي بين الطرفين لأن {مِن} هذه زائدة لتأكيد مضمون الجملة. وضمير {بيننا} عائد إلى ما عاد إليه ضمير

{ { أكثرهم } } [فصلت: 4].

وعطف {وبينك} تأكيد لأن واو العطف مغنية عنه وأكثر استعمال (بين) أن يكون معطوفاً عليه مثله كقوله تعالى:

{ { قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين } } [الزخرف: 38].

وقد جعل ابن مالك (من) الداخلة على (قبل) و (بعد) زائدة فيكون (بَين) مقيساً على (قبل) و (بعد) لأن الجميع ظروف. وهذا القول المحكي عنهم في القرآن بــــ {قالوا} يحتمل أن يكون القرآن حكاه عنهم بالمعنى، فجمع القرآن بإيجازه وبلاغته ما أطالوا به الجدال وأطنبوا في اللجاج، ويحتمل أنه حكاه بلفظهم فيكون مما قاله أحد بلغائهم في مجامعهم التي جمعت بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر ما في سيرة ابن إسحاق، وزعم أنهم قالوه استهزاء وأن الله حكاه في سورة الكهف.

ويحتمل أن يكونوا تلقفوه ممّا سمعوه في القرآن من وصف قلوبهم وسمعهم وتباعدهم كقوله:

{ { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } } في سورة الإسراء (46)، فإن سورة الإسراء معدودة في النزول قبل سورة فصلت. وكذلك قوله تعالى: { { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً } } في سورة الإِسراء (45) أيضاً، فجمعوا ذلك وجادلوا به الرسول. فيكون ما في هذه الآية من البلاغة قد اقتبسوه من آيات أخرى. قيل: إن قائله أبو جهل في مجمع من قريش فلذلك أسند القول إليهم جميعاً لأنهم مشائعون له.

وقد جاء في حكاية أقوالهم ما فيه تفصيل ما يقابل ما ذُكر قبله من صفات القرآن وهي

{ { تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ كِتٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايٰتُهُ قُرْءَاناً عَرَبِياً } } [فصلت: 2،3]، فإن كونَه تنزيلاً من الرحمان الرحيم يستدعي تفهمه والانتفاع بما فيه، فقوبل بقولهم: {قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إليهِ} وكونَهُ فُصلت آياته يستدعي تلقّيها والاستماعَ إليها فقوبل بقولهم: {في آذاننا وقر}، أي فلا نسمع تفصيله، وكونَه قرآناً عربياً أشد إلزاماً لهم بفهمه فقوبل ذلك بما يقطع هذه الحجة وهو {من بيننا وبينك حجاب} أي فلا يصل كلامه إليهم ولا يتطرق جانبهم، فهذه تفاصيل إعراضهم عن صفات القرآن.

وقولهم: {فاعْمَل إنَّنَا عٰمِلُونَ} تفريع على تأييسهم الرسول من قبولهم دعوته وجعل قولهم هذا مقابِل وصف القرآن بأنه بَشير ونذير لظهور أنه تعين كونه نذيراً لهم بعذاب عظيم لأنهم أعرضوا فحكي ما فيه تصريحهم بأنهم لا يعبأُون بنذارته فإن كان له أذى فليؤذهم به وهذا كقول فرعون: «ذَرَوني أَقتُل موسى ولْيَدْعُ ربه».

وحذف مفعولا (اعمل) و{عاملون} ليعُمّ كل ما يمكن عمله كل مع الآخر ما يناسبه. والأمر في قوله: {فاعمل} مستعمل في التسوية كقول عنترة بن الأخرس المعْنِي:

أَطِلْ حملَ الشَّناءة لِي وبُغضيوعِشْ ما شئتَ فانظر من تضيرُ

وكقوله تعالى: { { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } } [فصلت: 40].

والخَبر في قولهم: {إنَّنَا عٰمِلُونَ} مستعمل في التهديد.

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ۝٦ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝٧

{قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ}.

استئناف ابتدائي هو تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجيب قولهم:

{ { فاعْمَل إنَّنَا عٰمِلُونَ } } [فصلت: 5] المفرّعَ على قولهم: { { قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إليهِ } } [فصلت: 5] إلى آخره جوابَ المُتبرىء من أن يكون له حول وقوة ليعمل في إلجائهم إلى الإِيمان لمَّا أبوْه إذ ما هو إلا بشر مثلهم في البشرية لا حول له على تقليب القلوب الضالة، إلى الهدى، وما عليه إلا أن يبلغهم ما أوحَى الله إليه. وهذا الخبر يفيد كناية عن تفويض الأمر في العمل بجزائهم إلى الله تعالى كأنه يقول: وماذا أستطيع أن أعمل معكم فإني رسول من الله فحسابكم على الله.

فصيغة القصر في {إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم} تفيد قصراً إضافياً، أي أنَا مقصور على البشرية دون التصرف في قلوب الناس. وبيَّن مما تميَّز به عنهم على وجه الاحتراس من أن يتلقفوا قوله: {إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم} تلقفَ من حصَّل على اعتراف خصمه بنهوض حجته بما يُثبت الفارق بينه وبينهم في البشرية، وهو مضمون جملة {يُوحَىٰ إلَيَّ} وذلك للتسجيل عليهم إبطال زعمهم المشهور المكرر أن كونه بشراً مانع من إرساله عن الله تعالى لقولهم:

{ { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً } } [الفرقان: 7]، ونحوه مما تكرر في القرآن. ومثل هذا الاحتراس ما حكاه الله عن قول الكفار لرسلهم: { { إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن اللَّه يمن على من يشاء من عباده } } [إبراهيم: 10،11].

وحرصاً على إبلاغ الإرشاد إليهم بيَّن له ما يوحى إليه بقوله: {إنَّمَا إلٰهُكُم إلٰهٌ وٰحِدٌ} إعادة لِمَا أبلغهم إياه غيرَ مرة، شأنَ القائم بهدي الناس أن لا يغادر فرصة لإِبلاغهم الحق إلا انتهزها. ونظيره ما جاء في محاورة موسى وفرعون

{ { قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } } [الشعراء: 23 ــــ 28].

و{أنما} مفتوحة الهمزة، وهي أخت {إنما} المكسورة وإنما تفتح همزتها إذا وقعت معمولة لما قبلها ولم تكن في الابتداء كما تفتح همزة (أنَّ) وتكسر همزة (إن) لأن إنَّمَا أو (أنَّما) مركبان من (إنَّ) أو (أَنَّ) مع (ما) الكافة الزائدة للدلالة على معنى (مَا) وَ (إلا) حتى ذهب وَهَلُ بعضهم أن (ما) التي معها هي النافية اغتراراً بأن معنى القصر إثبات الحكم للمذكور ونفيُه عما عداه مثلَ (ما) و (إلاَّ) ولا ينبغي التردد في كون أَنما المفتوحةِ الهمزة مفيدة القصرَ مثلُ أختها المكسورة الهمزة وبذلك جزم الزمخشري في تفسير سورة الأنبياء، وما رده أبو حيان عليه إنما هو مجازفة، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى:

{ { قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون } } في سورة الأنبياء (108).

فقوله: {أنَّمَا إلٰهُكُمْ إلٰهٌ وَاحِدٌ} إدماج للدعوة إلى الحق في خلال الجواب حرصاً على الهدْي.

وكذلك التفريع بقوله: {فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ} فإنه إتمام لذلك الإِدماج بتفريع فائدته عليه لأن إثبات أن الله إله واحد إنما يقصد منه إفراده بالعبادة ونبذُ الشرك. هذا هو الوجه في توجيه ارتباط {قُلْ إنَّمَا أنَا بَشَرٌ} بقولهم:

{ { قُلُوبُنَا فِي أكِنَّةٍ } } [فصلت: 5] الخ.

وموقع {أنَّمَا إلٰهُكُم إلٰهٌ واحِدٌ} أنه نائب فاعل {يُوحَىٰ إلَيَّ}، أيْ يوحَى إِليَّ معنى المصدر المنسبك من {أنَّمَا إلٰهُكُم إلٰهٌ واحِدٌ} وهو حصر صفة الله تعالى في أنه واحد، أي دون شريك.

ومماثلته لهم: المماثلة في البشرية فتفيد تأكيدَ كونه بشراً.

والاستقامة: كون الشيء قويماً، أي غير ذي عوج وتطلق مجازاً على كون الشيء حقاً خالصاً ليست فيه شائبة تمويه ولا باطل. وعلى كون الشخص صادقاً في معاملته أو عهده غير خالط به شيئاً من الحيلة أو الخيانة، فيقال: فلان رجل مستقيم، أي صادق الخُلُق، وإن أريد صدقه مع غيره يقال: استقام له، أي استقام لأجله، أي لأجل معاملته منه. ومنه قوله تعالى:

{ { فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم } } [التوبة: 7] والاستقامة هنا بهذا المعنى، وإنما عُدّي بحرف (إلى) لأنها كثيراً ما تعاقب اللام، يقال: ذهبتُ له وذهبت إليه، والأحسن أن إيثار (إلى) هنا لتضمين (استقيموا) معنى: توجهوا، لأن التوحيد توجه، أي صرف الوجه إلى الله دون غيره، كما حكَى عن إبراهيم: { { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين } } [الأنعام: 79]، أو ضمّن (استقيموا) معنى: أنيبوا، أي توبوا من الشرك كما دل عليه عطف {واستغفروه}.

والاستغفار: طلب العفو عما فرط من ذنب أو عصيان وهو مشتق من الغَفْر وهو الستر.

والمعنى: فأخلصوا إلى الله في عبادته ولا تشركوا به غيره واسألوا منه الصفح عما فرط منكم من الشرك والعناد.

{وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ }

وعيد للمشركين بسوء الحال والشقاء في الآخرة يجوز أن يكون من جملة القول الذي أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله فهو معطوف على جملة {إنَمَّا أنَا بَشَرٌ}. ويجوز أن يكون كلاماً معترضاً من جانب الله تعالى فتكون الواو اعتراضية بين جملة {قُلْ إنَّمَا أنَا بَشَرٌ} وجملة

{ { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ } } [فصلت: 9] أي أجبهم بقولك: أنا بشر مثلك يوحى إليّ ونحن أعتدنا لهم الويل والشقاء إن لم يقبلوا ما تدعوهم إليه، فيكون هذا إخباراً من الله تعالى

وذكر المشركين إظهار في مقام الإِضمار ويستفاد تعليق الوعيد على استمرارهم على الكفر من الإِخبار عن الويل بكونه ثابتاً للمشركين والموصوفين بالذين لا يؤتون الزكاة وبأنهم كافرون بالبعث لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعليَّة ما منه الاشتقاق، ولأن الموصول يؤذن بالإِيماء إلى وجه بناء الخبر. فأما كون الشرك وإنكارِ البعث موجِبَيْن للويل فظاهر، وأما كون عدم إيتاء الزكاة موجباً للويل فذلك لأنه حَمَّل عليهم ما قارن الإشراك وإنكار البعث من عدم الانتفاع بالأعمال التي جاء بها الإسلام، فذِكرُ ذلك هنا لتشويه كفرهم وتفظيع شركهم وكفرانهم بالبعث بأنهما يدعوانهم إلى منع الزكاة، أي إلى القسوة على الفقراء الضعفاء وإلى الشحّ بالمال وكفى بذلك تشويهاً في حكم الأخلاق وحكم العُرف فيهم لأنهم يتعيرون باللؤم، ولكنهم يبذلون المالَ في غير وجهه ويحرمون منه مستحقيه.

ويعلم من هذا أن مانع الزكاة من المسلمين له حظ من الويل الذي استحقه المشركون لمنعهم الزكاة في ضمن شركهم، ولذلك رأى أبو بكر قتال مانعي الزكاة ممن لم يرتدوا عن الإسلام ومنَعوا الزكاة مع المرتدين، ووافقه جميع أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم. فــــ{الزكاة} في الآية هي الصدقة لوقوعها مفعول {يؤتون}، ولم تكن يومئذٍ زكاة مفروضة في الإسلام غير الصدقة دون تعيين نُصُبٍ ولا أصنافِ الأرزاق المزكّاةِ، وكانت الصدقة مفروضة على الجملة، ولبعض الصدقة ميقات وهي الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى:

{ { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } } [المجادلة: 12].

وجملة {وهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ كٰفِرُونَ} إما حال من ضمير {يؤتون} وإما معطوفة على الصلة. وضمير {هُمْ كٰفِرُونَ} ضمير فصل لا يفيد هنا إلا توكيد الحكم ويشبه أن يكون هنا توكيداً لفظياً لا ضميرَ فصل ومثله قوله:

{ { وهم بالآخرة هم كافرون } } في سورة يوسف (37)، وقوله: { { إنني أنا اللَّه } } في سورة طه (14).

وتقديم {بِالآخِرَة} على متعلقه وهو {كافرون} لإِفادة الاهتمام.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ۝٨

استئناف بياني نشأ عن الوعيد الذي تُوُعّد به المشركون بعد أن أُمروا بالاستقامة إلى الله واستغفارِه عما فرط منهم، كأنَّ سائلاً يقول: فإن اتعظوا وارتدعوا فماذا يكون جزاؤهم، فأفيد ذلك وهو أنهم حينئذٍ يكونون من زمرة {الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون}، وفي هذا تنويه بشأن المؤمنين.

وتقديم {لهم} للاهتمام بهم.

والأجر: الجزاء النافع، عن العمل الصالح، أو هو ما يُعطُوْنه من نعيم الجنة.

والممنون: مفعول من المَنّ، وهو ذِكر النعمة للمنعَم عليه بها، والتقدير غير ممنون به عليهم، وذلك كناية عن كونهم أُعطُوه شكراً لهم على ما أسلفوه من عمل صالح فإن الله غفور شكور، يعني: أن الإِنعام عليهم في الجنة ترافقه الكرامة والثناء فلا يُحسون بخجل العطاء، وهو من قبيل قوله تعالى :

{ { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } } [البقرة: 264]، فأجرهم بمنزلة الشيء المملوك لهم الذي لم يعطه إياهم أحد وذلك تفضل من الله، وقريب منه قول لبيد:

غُضْفٌ كواسبُ لا يُمَنُّ طعامها

أي تأخذ طعامها بأنفسها فلا منّة لأحد عليها.

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٩

بعد أن أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب المشركين بأنه بشَر يُوحَى إليه فما يملك إلجاءَهم إلى الإِيمان أمره عقب ذلك بمعاودة إرشادهم إلى الحق على طريقة الاستفهام عن كفرهم بالله، مدمِجاً في ذلك تذكيرهم بالأدلة الدالة على أن الله واحد، بطريقة التوبيخ على إشراكهم به في حين وضوح الدلائل على انفراده بالخلق واتصافه بتمام القدرة والعلم.

فجملة {قُلْ أئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ} إلى آخرها استئناف ابتدائي ثان هو جواب ثان عن مضمون قولهم:

{ { إننا عاملون } } [فصلت: 5].

وهمزة الاستفهام المفتتح بها الكلام مستعملة في التوبيخ فقوله:

{ { أئِنَّكُم لَتَكْفُرُونَ } } كقوله في سورة البقرة (28) {كيف تكفرون باللَّه}.

وفي الافتتاح بالاستفهام وحرفي التوكيد تشويق لتلقي ما بعد ذلك لدلالة ذلك على أن أمراً مُهمّاً سيُلقى إليهم، وتوكيد الخبر بــــ (إنَّ) ولام الابتداء بعد الاستفهام التوبيخي أو التعجيبي استعمال وارد كثيراً في الكلام الفصيح، ليكون الإِنكار لأمر محقق، وهو هنا مبني على أنهم يحسبون أنهم مهتدون وعلى تجاهلهم الملازمةَ بين الانفراد بالخلق وبين استحقاق الإِفراد بالعبادة فأُعلموا بتوكيد أنهم يكفرون، وبتوبيخهم على ذلك، فالتوبيخ المفاد من الاستفهام مسلط على تحقيق كفرهم بالله، وذلك من البلاغة بالمكانة العليا، واحتمالُ أن يكون التوكيد مسلطاً على التوبيخ والإِنكار قلب لنظام الكلام.

ومجيء فعل «تكفرون» بصيغة المضارع لإِفادة أن تجدد كفرهم يوماً فيوماً مع سطوع الأدلة التي تقتضي الإِقلاع عنه أمر أحق بالتوبيخ. ومعنى الكفر به الكفر بانفراده بالإِلهية، فلما أشركوا معه آلهة كانوا واقعين في إبطال إلهيته لأن التعدد ينافي حقيقة الإِلهية فكأنهم أنكروا وجوده لأنهم لمّا أنكروا صفات ذاته فقد تصوروه على غير كنهه.

وأدمج في هذا الاستدلال بيان ابتداء خلق هذه العوالم، فمحل الاستدلال هو صلة الموصول، وأما ما تعلق بها فهو إدماج.

و{الأرض}: هي الكرة الأرضية بما فيها من يابس وبحار، أي خلق جِرمها. واليومان: تثنية يوم، وهو الحصة التي بين طلوع الشمس من المشرق وطلوعها ثانية. والمراد: في مدة تساوي يَومين مما عرفَه الناس بعد خَلق الأرض لأن النور والظلمة اللذان يُقدَّر اليوم بظهورهما على الأرض لم يظهرا إلا بعد خلق الأرض، وقد تقدم ذلك في سورة الأعراف.

وإنما ابتُدىء بذكر خلق الأرض لأن آثاره أظهرُ للعيان وهي في متناول الإِنسان، فلا جرم أن كانت الحجة عليهم بخلق الأرض أسبقَ نهوضاً. ولأن النعمة بما تحتوي عليه الأرض أقوى وأعمّ فيظهر قبح الكفران بخالقها أوضح وأشنع.

وعطْفُ {وَتَجْعَلُون لَهُ أندَاداً} على {لتكفرون} تفسيرٌ لكفرهم بالله. وكان مقتضى الظاهر أن في التفسير لا يعطف فعدل إلى عطفه ليكون مضمونه مستقلاً بذاته.

والأنداد: جمع نِدّ بكسر النون وهو المثل. والمراد: أنداد في الإِلهية.

والتعبير عن الجلالة بالموصول دون الاسم العلم لما تؤذن به الصلة من تعليل التوبيخ، لأن الذي خلق الأرض هو المستحق للعبادة.

والإشارة بــــ {ذٰلِكَ رَبُّ العٰلَمِينَ} إلى «الذي خلق الأرض في يومين» وفي الإشارة نداء على بلادة رأيهم إذ لم يتفطنوا إلى أن الذي خلق الأرض هو رب العالمين لأنه خالق الأرض وما فيها، ولا إلى أن ربوبيته تقتضي انتفاء الند والشريك، وإذا كان هو رب العالمين فهو رب ما دون العالمين من الأجناس التي هي أحط من العقلاء كالحجارة والأخشاب التي منها صُنعِ أصنامهم. وجملة {ذٰلِكَ رَبُّ العٰلَمِين} معترضة بين المعطوفات على الصلة.

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ۝١٠

عطف على فعل الصلة لا على معمول الفعل، فجملة {وَجَعَلَ فِيهَا رَوٰسِيَ} الخ صلة ثانية في المعنى، ولذلك جيء بفعل آخر غير فعل (خلق) لأن هذا الجعل تكوين آخر حصل بعد خلق الأرض وهو خلق أجزاء تتصل بها إما من جنسها كالجبال وإما من غير جنسها كالأقوات ولذلك أعقب بقوله: {فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ} بعد قوله:

{ { فِي يَوْمَيْنِ } } [فصلت: 9].

والرواسي: الثوابت، وهو صفة للجبال لأن الجبال حجارة لا تنتقل بخلاف الرمال والكثبان، وهي كثيرة في بلاد العرب. وحذف الموصوف لدلالة الصفة عليه كقوله تعالى:

{ { ومن آياته الجواري في البحر } } [الشورى: 32] أي السفن الجواري. وقد تقدم تفسيره عند قوله تعالى: { { وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم } } في سورة الأنبياء (31).

ووصفُ الرواسي بــــ {مِن فَوْقِهَا} لاستحضار الصورة الرائعة لمناظر الجبال، فمنها الجميل المنظر المجلّل بالخضرة أو المكسوّ بالثلوج، ومنها الرهيب المرأى مثل جبال النار (البراكين)، والجبال المعدنية السود.

و {بارك فيها} جعل فيها البَرَكة. والبَرَكة: الخير النافع، وفي الأرض خيرات كثيرة فيها رزق الإنسان وماشيتِه، وفيها التراب والحجارة والمعادن، وكلها بركات. و{قدَّر} جعل قَدْراً، أي مقداراً، قال تعالى:

{ { قد جعل اللَّه لكل شيء قدراً } } [الطلاق: 3]. والمقدار: النصاب المحدود بالنوع أو بالكمية، فمعنى {قدر فيها أقواتها} أنه خلق في الأرض القُوى التي تنشأ منها الأقوات وخلق أصول أجناس الأقوات وأنواعها من الحَبّ للحبوب، والكَلأ والكمْأة، والنَّوى للثمار، والحرارةِ التي يَتأثر بها تولد الحيوان من الدواب والطير، وما يتولد منه الحيتان ودَوابّ البحار والأنهار.

ومن التقدير: تقدير كل نوع بما يصلح له من الأوقات من حر أو برد أو اعتدال. وأشار إلى ذلك قوله:

{ { واللَّه أنبتكم من الأرض نباتاً } } [نوح: 17] ويأتي القول فيه، وقوله: { { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } } [النحل: 81] وقوله: { { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً } } [النحل: 80] الآية.

وجمع الأقوات مضافاً إلى ضمير الأرض يفيد العموم، أي جميع أقواتها وعمومُه باعتبار تعدد المقتاتين، فللدواب أقوات، وللطير أقوات، وللوحوش أقوات، وللزواحف أقوات، وللحشرات أقوات، وجُعل للإنسان جميع تلك الأقوات مما استطاب منها كما أفاده قوله تعالى:

{ { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً } } ومضى الكلام عليه في سورة البقرة (29).

وقوله: {فِي أرْبَعَةِ أيَّامٍ} فذلكة لمجموع مدة خلق الأرض جِرمِها، وما عليها من رواسي، وما فيها من القوى، فدخل في هذه الأربعة الأيام اليومانِ اللذان في قوله:

{ { فِي يَوْمَيْنِ } } [فصلت: 9] فكأنه قيل: في يَومين آخرين فتلك أربعة أيام، فقوله في {أرْبَعَة أيام} فذلكة، وعدل عن ذلك إلى ما في نسج الآية لقصد الإِيجاز واعتماداً على ما يأتي بعدُه من قوله: { { فقضاهن سبع سماوات في يومين } } [فصلت: 12]، فلو كان اليومان اللذان قضى فيهما خلق السماوات زائدين على ستة أيام انقضت في خلق الأرض وما عليها لصار مجموع الأيام ثمانية، وذلك ينافي الإِشارة إلى عِدّة أيام الأسبوع، فإن اليوم السابع يوم فراغ من التكوين. وحكمة التمديد للخلق أن يقع على صفة كاملة متناسبة.

و {سواء} قرأه الجمهور بالنصب على الحال من {أيام} أي كاملة لا نقص فيها ولا زيادة. وقرأه أبو جعفر مرفوعاً على الابتداء بتقدير: هي سواء. وقرأه يعقوب مجروراً على الوصف لــــ {أيام}.

و{للسائلين} يتنازعه كل من أفعال {جعل} و{بَارك} و{قَدر} فيكون {للسائلين}جمع سائل بمعنى الطالب للمعرفة، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، أي بيّنا ذلك للسائلين ويجوز أن يكون لــــ {السائلين} متعلقاً بفعل {قدر فيها أقواتها} فيكون المراد بالسائلين الطالبين للقوت.

ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ۝١١

{ثم} للترتيب الرتبي، وهي تدل على أن مضمون الجملة المعطوفة أهم مرتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها، فإن خلق السماوات أعظم من خلق الأرض، وعوالمها أكثر وأعظم، فجيء بحرف الترتيب الرتبي بعد أن قُضِي حق الاهتمام بذكر خلق الأرض حتى يوفَّى المقتضيان حقَّهما. وليس هذا بمقتض أن الإِرادة تعلقت بخلق السماء بعد تمام خلق الأرض ولا مقتضياً أن خلق السماء وقع بعد خلق الأرض كما سيأتي.

والاستواء: القصد إلى الشيء تَوًّا لا يعترضه شيء آخر. وهو تمثيل لتعلق إرادة الله تعالى بإيجاد السماوات، وقد تقدم في قوله تعالى:

{ { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء } } في سورة البقرة (29). وربما كان في قوله: {فَقَال لَهَا وللأرْضِ ائتِيَا طَوْعاً أوْ كَرْهاً} إشارة إلى أنه تعالى توجهت إرادته لخلق السماوات والأرض توجهاً واحداً ثم اختلف زَمن الإِرادة التنجيزي بتحقيق ذلك فتعلقت إرادته تنجيزاً بخلق السماء ثم بخلق الأرض، فعبر عن تعلق الإِرادة تنجيزاً لخلق السماء بتوجه الإرادة إلى السماء، وذلك التوجه عبر عنه بالاستواء. ويدل لذلك قوله: {فَقَالَ لَهَا ولِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أوْ كَرْهاً قَالَتَا أتَيْنَا طآئِعِينَ} ففعل {ائتيا} أمر للتكوين.

والدخان: ما يتصاعد من الوَقود عند التهاب النار فيه. وقوله: {وَهِيَ دُخَانٌ} تشبيه بليغ، أي وهي مثل الدخان، وقد ورد في الحديث: «أنها كانت عَماء».

وقيل: أراد بالدخان هنا شيئاً مظلماً، وهو الموافق لما في «سفر التكوين» من قولها: «وعلى وجه الغمر ظلمة» وهو بعيد عن قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن في الوجود من الحوداث إلا العَماءَ، والعماء: سحابٌ رقيق، أي رطوبة دقيقة وهو تقريب للعنصر الأصلي الذي خَلق الله منه الموجودات، وهو الذي يناسب كوْنَ السماء مخلوقة قبل الأرض. ومعنى: {وَهِيَ دُخَانٌ} أن أصل السماء هو ذلك الكائن المشبه بالدخان، أي أن السماء كونت من ذلك الدخان كما تقول: عمَدْتُ إلى هاته النخلة، وهي نواة، فاخترت لها أخصب تربة، فتكون مادة السماء موجودة قبل وجود الأرض.

وقوله: {فَقَالَ لَهَا وللأرْضِ} تفريع على فعل {اسْتَوَىٰ إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} فيكون القول موجهاً إلى السماء والأرض حينئذٍ، أي قبل خلق السماء لا محالة وقبل خلق الأرض، لأنه جعل القولَ لها مقارناً القول للسماء، وهو قول تكوين. أي تعلّقِ القدرة بالسماء والأرض، أي بمادة تكوينهما وهي الدخان لأن السماء تكونت من العماء بجمود شيء منه سمي جلداً فكانت منه السماء وتكوّن مع السماء الماء وتكونت الأرض بيُبْس ظهر في ذلك الماء كما جاء الإِصحاح الأول من «سفر التكوين» من التوراة.

والإِتيان في قوله: {ائتيا} أصله: المجيء والإِقبال ولما كان معناه الحقيقي غير مراد لأن السماء والأرض لا يتصور أن يأتيا، ولا يتصور منهما طواعية أو كراهية إذ ليستا من أهل العقول والإدراكات، ولا يتصور أن الله يكرههما على ذلك لأنه يقتضي خروجهما عن قدرته بادىء ذي بدء تعينّ الصرف عن المعنى الحقيقي وذلك بأحد وجهين لهما من البلاغة المكانة العليا:

الوجه الأول: أن يكون الإِتيان مستعاراً لقبول التكوين كما استعير للعصيان الإِدبارُ في قوله تعالى:

{ { ثم أدبر يسعى } } [النازعات: 22]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمسيلمة حين امتنع من الإِيمان والطاعة في وفد قومه بني حنيفةلئن أدبرت ليعقرنك اللَّه، وكما يستعار النفور والفرار للعصيان. فمعنى {ائتيا} امتثلا أمر التكوين. وهذا الامتثال مستعار للقبول وهو من بناء المجاز على المجاز وله مكانة في البلاغة، والقول على هذا الوجه مستعار لتعلق القدرة بالمقدور كما في قوله: { { أن يقول له كن فيكون } } [يس:82].

وقوله: {طَوْعاً أوْ كَرْهاً} كناية عن عدم البدّ من قبول الأمر وهو تمثيل لتمكن القدرة من إيجادهما على وفق إرادة الله تعالى فكلمة {طَوْعاً أو كَرْهاً} جارية مجرى الامثال. و{طَوْعاً أوْ كَرْهاً} مصدران وقعا حالين من ضمير {ائتنا} أي طائعين أو كارهيْن.

والوجه الثاني: أن تكون جملة {فَقَالَ لَهَا ولِلأرْضِ ائتنا طَوْعاً أوْ كَرْهاً} مستعملة تمثيلاً لهيئة تعلق قدرة الله تعالى لتكوين السماء والأرض لعظَمة خلْقهما بهيئة صدور الأمر من آمر مُطاع للعبد المأذون بالحضور لعمل شاق أن يقول له: ائت لهذا العمل طوعاً أو كرهاً، لتوقع إبائهِ من الإِقدام على ذلك العمل، وهذا من دون مراعاة مشابهة أجزاء الهيئة المركبة المشبَّهة لأجزاء الهيئة المشبه بها، فلا قول ولا مقول، وإنما هو تمثيل، ويكون {طَوْعاً أوْ كَرْهاً}على هذا من تمام الهيئة المشبه بها وليس له مقابل في الهيئة المشبهة. والمقصود على كلا الاعتبارين تصوير عظمة القدرة الإِلهية ونفوذها في المقدورات دَقَّت أو جلَّت.

وأما قوله: {قالتا أتينا طائعين} فيجوز أن يكون قول السماء والأرض مستعاراً لدلالة سرعة تكونهما لشبههما بسرعة امتثال المأمور المطيع عن طواعية فإنه لا يتردد ولا يتلكَّأ على طريقة المكنية والتخييل من باب قول الراجز الذي لا يعرف تعيينه:

امتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِي

وهو كثير، ويجوز أن يكون تمثيلاً لهيئة تكوّن السماء والأرض عند تعلق قدرة الله تعالى بتكوينهما بهيئة المأمور بعمل تقَبله سريعاً عن طواعية. وهما اعتباران متقاربان، إلا أن القول، والإِتيان، والطوع، على الاعتبار الأول تكون مجازات، وعلى الاعتبار الثاني تكون حقائق وإنما المجاز في التركيب على ما هو معلوم من الفرق بين المجاز المفرد والمجاز المركب في فن البيان.

وإنما جاء قوله: {طَآئِعِينَ} بصيغة الجمع لأن لفظ السماء يشتمل على سبع سماوات كما قال تعالى إثر هذا

{ { فَقَضٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوٰتٍ } } [فصلت: 12] فالامتثالُ صادر عن جَمع، وأما كونه بصيغة جمع المذكر فلأنَّ السماء والأرضَ ليس لهما تأنيث حقيقي.

وأما كونه بصيغة جمع العقلاء فذلك ترشيح للمكنية المتقدمة مثل قوله تعالى:

{ { إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } } [يوسف: 4].

فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝١٢

{فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ فِى يَوْمَيْنِ}.

تفريع على قوله:

{ { فَقَالَ لَهَا وللأرْضِ ائْتِيَا } } [فصلت: 11].

والقضاء: الإِيجاد الإِبداعي لأن فيه معنى الإِتمام والحكم، فهو يقتضي الابتكار والإِسراع، كقول أبي ذؤيب الهذلي:

وعليهما مسرودتان قَضاهمادَاود أو صَنَعُ السوابغِ تُبَّعُ

وضَمير {فقضاهن} عائد إلى السماوات على اعتبار تأنيث لفظها، وهذا تفنن. وانتصب {سَبْعَ سَمَٰوٰتٍ} على أنه حال من ضمير «قضاهن» أو عطف بيان له، وجُوّز أن يكون مفعولاً ثانياً لــــ «قضاهن» لتضمين «قضاهن» معنى صيرهن، وهذا كقوله في سورة البقرة (29) {فسواهن سبع سماوات}.

وكان خلق السماوات في يومين قبل أربعة الأيام التي خُلقت فيها الأرض وما فيها. وقد بيَّنَّا في سورة البقرة أن الأظهر أن خلق السماء كان قبل خلق الأرض وهو المناسب لقواعد علم الهيئة. وليس في هذه الآية ما يقتضي ذلك. وإنما كانت مدة خلق السماوات السبع أقصر من مدة خلق الأرض مع أن عوالم السماوات أعظم وأكثر لأن الله خلق السماوات بكيفية أسرع فلعل خلق السماوات كان بانفصال بعضها عن بعض وتفرقع أحجامها بعضها عن خروج بعض آخر منه، وهو الذي قَرَّبه حكماء اليونان الأقدمون بما سَمَّوه صدور العقول العشرة بعضها عن بعض، وكانت سرعة انبثاق بعضها عن بعض مَعلولة لأحوال مناسبة لما تركبت به من الجواهر. وأما خلق الأرض فالأشبه أنه بطريقة التولُّد المبطىء لأنها تكونت من العناصر الطبيعية فكان تولد بعضها عن بعض أيضاً

{ { وما يعلم جنود ربك إلا هو } } [المدثر: 31].

وهذه الأيام كانت هي مبدأ الاصطلاح على ترتيب أيام الأسبوع وقد خاض المفسرون في تعيين مبدأ هذه الأيام، فأما كتب اليهود ففيها أن مبدأ هذه الأيام هو الأحد وأن سادسها هو يوم الجمعة وأن يوم السبت جعله الله خِلواً من الخلْق ليوافق طقوس دينهم الجاعلة يومَ السبت يوم راحة للناس ودوابّهم اقتداء بإنْهَاءِ خلق العالَمين. وعلى هذا الاعتبار جرى العرب في تسمية الأيام ابتداء من الأحد الذي هو بمعنى أول أو واحد، واسمه في العربية القديمة (أَول) وذلك سرى إليهم من تعاليم اليهود أو من تعاليم أسبق كانت هي الأصل الأصيل لاصطلاح الأمتين. والذي تشهد له الأخبار من السنة أن الله خلق آدم يوم الجمعة وأنه آخر أيام الأسبوع، وأنه خير أيام الأسبوع وأفضلها، وأن اليهود والنصارى اختلفوا في تعيين اليوم الأفضل من الأسبوع، وأن الله هدى إليه المسلمين. قال النبي صلى الله عليه وسلم "فهذا اليوم (أي الجمعة) هو اليوم الذي اختلفوا فيه فَهدانا الله إليه فالناسُ لنا فيه تبع اليهودُ غداً والنصارى بعد غدٍ". ولا خلاف في أن الله خلق آدم بعد تمام خلق السماء والأرض فتعين أن يكون يومُ خلقه هو اليوم السابع. وقد رَوى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

أن الله ابتدأ الخلق يوم السبت. وقد ضعّفه البخاري وابن المديني بأنه من كلام كَعب الأحبار حدّث به أبَا هريرة وإنما اشتبه على بعض رواةِ سنده فظنه مرفوعاً.

ولهذه تفصيلات ليس وراءها طائل وإنما ألمْمنَا بها هنا لئلا يعروَ التفسير عنها فيقع من يراها في غيرِهِ في حَيْرةٍ وإنما مقصد القرآن العِبرة.

{وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ وَحِفْظاً}.

{وأوحى} عطف على {فقضاهن}.

والوحي: الكلام الخفي، ويطلق الوحي على حصول المعرفة في نفس من يراد حصولها عنده دون قولٍ، ومنه قوله تعالى حكاية عن زكرياء

{ { فأوحى إليهم } } [مريم: 11] أي أومأ إليهم بما يدل على معنى: سَبحوا بُكرة وعشياً. وقول أبي دُؤاد:

يَرمُون بالخُطب الطِّوالِ وتارةًوَحْيَ الملاَحظ خيفةَ الرُّقَباء

ثم يتوسع فيه فيطلق على إلهام الله تعالى المخلوقات لما تتطلبه مما فيه صلاحها كقوله: { { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً } } [النحل: 68] أي جَبَلها على إدراك ذلك وتطلّبه، ويطلق على تسخير الله تعالى بعض مخلوقاته لقبول أثر قدرته كقوله: { { إذا زلزلت الأرض زلزالها } } [الزلزلة: 1] إلى قوله: { { بأن ربك أوحى لها } } [الزلزلة: 5].

والوحي في السماء يقع على جميع هذه المعاني من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازاته، فهو أوحى في السماوات بتقادير نُظُم جاذبيتها، وتقادير سير كواكبها، وأوحى فيها بخلق الملائكة فيها، وأوحى إلى الملائكة بما يتلقونه من الأمر بما يعملون، قال تعالى:

{ { وهم بأمره يعملون } } [الأنبياء: 27] وقال: { { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } } [الأنبياء: 20].

و{أمرها} بمعنى شأنها، وهو يصدق بكل ما هو من ملابساتها من سكانها وكواكبها وتماسك جرمها والجاذبية بينها وبين ما يجاورها. وذلك مقابل قوله في خلق الأرض

{ { وجعَلَ فِيهَا رَوٰسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبٰرَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أقْوٰتَهَا } } [فصلت:10]. وانتصب أمرها}على نزع الخافض، أي بأمرها أو على تضمين أَوحَى معنى قدَّر أو أودَع.

ووقع الالتفات من طريق الغيبة إلى طريق التكلم في قوله: {وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصٰبِيحَ} تجديداً لنشاط السامعين لطول استعمال طريق الغيبة ابتداءً من قوله:

{ { بالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَينِ } } [فصلت: 9] مع إظهار العناية بتخصيص هذا الصنع الذي ينفع الناس ديناً ودُنيا وهو خلق النجوم الدقيقة والشهب بتخصيصه بالذكر من بين عموم {وأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أمْرَهَا}، فما السماء الدنيا إلا من جملة السماوات، وما النجوم والشُّهُب إلا من جملة أمرها.

والمصابيح: جمع مصباح، وهو ما يوقد بالنار في الزيت للإضاءة وهو مشتق من الصباح لأنهم يحاولون أن يجعلوه خلفاً عن الصباح. والمراد بالمصابيح: النجوم، استعير لها المصابيح لما يبدو من نورها.

وانتصب {حفظاً} على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف دل عليه فعل {زيَّنَّا}. والتقدير: وجعلنَاها حفظاً. والمراد: حفظاً للسماء من الشياطين المسترقة للسمع. وتقدم الكلام على نظيره في سورة الصّافات.

{ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلعَلِيمِ}

الإِشارة إلى المذكور من قوله:

{ { وَجَعَلَ فِيهَا رَوٰسِيَ مِن فَوْقِهَا } } [فصلت: 10] إلى قوله: {وَزَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصٰبِيحَ وَحِفْظاً}. والتقدير: وضْع الشيء على مقدار معيَّن، وتقدم نظيره في سورة يَس. وتقدم وجهُ إيثار وصفي {العَزِيزِ العَلِيمِ} بالذكر.
الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ