انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة فصلت

تفسير القرطبيالآيات 1–32

تفسير سورة فصلت آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

حمٓ ۝١ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ۝٢ كِتَٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٣ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝٤ وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ۝٥

قوله تعالى: {حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ } قال الزجاج: «تَنْزِيلٌ» رفع بالابتداء وخبره {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} وهذا قول البصريين. وقال الفراء: يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال: «كِتَابٌ» بدل من قوله: {تَنزِيلٌ}. وقيل: نعت لقوله: «تَنْزِيلٌ». وقيل: «حمۤ» أي هذه «حمۤ» كما تقول باب كذا، أي هو باب كذا فـ«ـحمۤ» خبر ابتداء مضمر أي هو «حمۤ»، وقوله «تَنْزِيلٌ» مبتدأ آخر، وقوله: «كِتَابٌ» خبره. «فُصِّلَتْ آيَاتُهُ» أي بُيِّنت وفسرت. قال قتادة: ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن: بالوعد والوعيد. سفيان: بالثواب والعقاب. وقرىء «فَصَلَتْ» أي فرّقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها؛ من قولك فصل أي تباعد من البلد. {قُرْآناً عَرَبِيّاً} في نصبه وجوه؛ قال الأخفش: هو نصب على المدح. وقيل: على إضمار فعل؛ أي اذكر «قُرْآناً عَرَبِيًّا». وقيل: على إعادة الفعل؛ أي فصلنا «قُرْآناً عَرَبِيًّا». وقيل: على الحال أي «فُصِّلَتْ آيَاتُهُ» في حال كونه «قُرْآناً عَرَبِيًّا». وقيل: لما شغل «فُصِّلَتْ» بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل انتصب «قُرآناً» لوقوع البيان عليه. وقيل: على القطع. {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قال الضحاك: أي إن القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد: أي يعلمون أنه إلٰه واحد في التوراة والإنجيل. وقيل: يعلمون العربية فيعجزون عن مثله. ولو كان غير عربيّ لما علموه.

قلت: هذا أصح، والسورة نزلت تقريعاً وتوبيخاً لقريش في إعجاز القرآن. {بَشِيراً وَنَذِيراً} حالان من الآيات والعامل فيه «فُصِّلَتْ». وقيل: هما نعتان للقرآن «بَشِيراً» لأولياء الله «نَذِيراً» لأعدائه. وقرىء «بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ» صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف. {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} يعني أهل مكة {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} سماعاً ينتفعون به. وروي أن الريان بن حرملة قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره؛ فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علماً لا يخفى عليّ إن كان كذلك. فقالوا: إيته فحدّثه. فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: يا محمد! أنت خير أم قصيّ بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفِّه أحلامنا، وتذم ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِياً من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال: «قد فرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. (قال فاسمع مني) فقال: «يا ابن أخي اسمع» قال: {بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ حـمۤ * تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } إلى قوله: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحمَ ليسْكُتَّنّ، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل فقال: أصبوتَ إلى محمد؟ أم أعجبكَ طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمداً أبداً، ثم قال: والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالاً، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر؛ ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: {مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} وأمسكت بفيه وناشدته بالرَّحِم أن يكفّ، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب؛ يعني الصاعقة. وقد روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الردّ له عن محمد بن كعب القرظي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «حمۤ. فُصِّلَتْ» حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة قال له:

يا أبا الوليد قد. سمعتَ الذي قرأتُ عليك فأنت وذاك فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا: والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم قالوا: ما وراءك أبا الوليد؟ قال: والله لقد سمعت كلاماً من محمد ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي؛ خلُّوا محمداً وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فإن أصابته العرب كُفِيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكاً أو نبياً كنتم أسعد الناس به؛ لأن مُلْكَه مُلْككُم وَشَرَفه شرفُكم. فقالوا: هيهات! سحرك محمد يا أبا الوليد. وقال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم.

قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} الأكِنة جمع كِنانٍ وهو الغطاء. وقد مضى في «البقرة». قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل. {وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ} أي صَمَم؛ فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة عن فهمه. {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} أي خلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل: ستر مانع عن الإجابة. وقيل: إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوباً وقال: يا محمد بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. فالحجابُ هنا الثوب. {فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل: اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل: اعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل رابعاً: فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا؛ ذكره الماوردي.

قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ۝٦ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ۝٨

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} أي لست بمَلَك بل أنا من بني آدم. قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع. {يُوحَىٰ إِلَيَّ} أي من السماء على أيدي الملائكة {أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} {فـ} ـآمنوا به و{فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ} أي وجهوا وجوهكم بالدعاء له والمسألة إليه، كما يقول الرجل: استقم إلى منزلك؛ أي لا تعرج على شيء غير القصد إلى منزلك. {وَٱسْتَغْفِرُوهُ} أي من شرككم. {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ} قال ابن عباس: لا يشهدون «أن لا إلٰه إلا الله» وهي زكاة الأنفس. وقال قتادة: لا يقرون بالزكاة أنها واجبة. وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة. قرَّعهم بالشح الذي يأنف منه الفضلاء، وفيه دلالة على أن الكافر يعذب بكفره مع منع وجوب الزكاة عليه. وقال الفراء وغيره: كان المشركون ينفقون النفقات، ويسقون الحجيج ويطعمونهم، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فنزلت فيهم هذه الآية. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} فلهذا لا ينفقون في الطاعة ولا يستقيمون ولا يستغفرون. الزمخشري: فإن قلت لم خص من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة؟ قلت: لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته(واستقامته وصدق نيته ونصوع طويته) ألا ترى إلى قوله عز وجل:

{ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } [البقرة: 265] أي يثبتون أنفسهم، ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا، فقويت عصبتهم ولانت شكيمتهم؛ وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة، فنصبت لهم الحروب وجوهدوا. وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين، وقرِن بالكفر بالآخرة.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال ابن عباس: غير مقطوع؛ مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته؛ ومنه قول ذي الإصبع:

إِنِّي لَعَمْرُك ما بابي بِذِي غَلَقٍعلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِممنونِ

وقال آخر:

فَتَرَى خَلْفَها مِنَ الرَّجْعِ والْوَقْــعِ مَنِينا كأَنَّهُ أَهْبَاء

يعني بالمَنِين الغبَار المنقطع الضعيف. وعن ابن عباس أيضاً ومقاتل: غير منقوص. ومنه المَنُون؛ لأنها تنقص منَّة الإنسانِ أي قوّته؛ وقاله قطرب؛ وأنشد قول زهير:

فَضْل الجِيادِ على الخيلِ البِطاءِ فَلاَيُعْطِي بِذلِك مَمْنُوناً ولا نَزِقَا

قال الجوهري: والمنّ القطع، ويقال النقص؛ ومنه قوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}. وقال لبِيد:

غـبْـسٌ كَـوَاسِـبُ لاَ يُـمَـنُّ طَـعَـامُـهـا

وقال مجاهد: «غَيْرُ مَمْنُونٍ» غير محسوب. وقيل: «غَيْرُ مَمْنُونٍ» عليهم به. قال السدي: نزلت في الزَّمْنى والمَرْضَى والْهَرْمَى إذا ضعفوا عن الطاعة كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه.

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٩ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ۝١٠ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ۝١١ فَقَضَىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفْظًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝١٢

قوله تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} «أَئِنَّكُمْ» بهمزتين الثانية بين بين و«أَائِنَّكُمْ» بألف بين همزتين وهو استفهام معناه التوبيخ. أمره بتوبيخهم والتعجب من فعلهم، أي لِمَ تكفرون بالله وهو خالق السموات والأرض؟ٰ «فِي يَوْمَيْنِ» الأحد والاثنين. {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} أي أضداداً وشركاء {ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا} أي في الأرض {رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا} يعني الجبال. وقال وهب: لما خلق الله الأرض مادت على وجه الماء؛ فقال لجبريل: ثَبِّتها يا جبريل. فنزل فأمسكها فغلبته الرياح، قال: يا رب أنت أعلم لقد غُلِبت فيها فثبَّتَها بالجبال وأرساها {وَبَارَكَ فِيهَا} بما خلق فيها من المنافع. قال السدي: أنبت فيها شجرها. {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} قال السدي والحسن: أرزاق أهلها ومصالحهم. وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها في يوم الثلاثاء والأربعاء. وقال عكرمة والضحاك: معنى «قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد. قال عكرمة: حتى إنه في بعض البلاد ليتبايعون الذهب بالملح مِثلاً بمثل. وقال مجاهد والضحاك: السابريّ من سابور، والطيالسة من الرّي، والحبر اليمانية من اليمن. {فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} يعني في تتمة أربعة أيام. ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً؛ أي في تتمة خمسة عشر يوماً. قال معناه ابن الأنباري وغيره. {سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة. الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين. واختاره الطبري. وقرأ الحسن البصري ويعقوب الحضرمي «سَوَاءٍ لِلسَّائِلِينَ» بالجر. وعن ابن القعقاع «سَواءٌ» بالرفع؛ فالنصب على المصدر و«سَوَاءً» بمعنى استواء أي استوت استواء. وقيل: على الحال والقطع؛ والجر على النعت لأيام أو لأربعة أي «فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ» مستوية تامة. والرفع على الابتداء والخبر «لِلسَّائِلِينَ» أو على تقدير هذه «سَوَاءٌ لِلسَّائِلِينَ». وقال أهل المعاني: معنى «سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ» ولغير السائلين؛ أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لا يسأل.

قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} أي عَمَد إلى خلقها وقصد لتسويتها. والاستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال؛ يدل عليه قوله تعالى:

{ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ }[البقرة: 29] وقد مضى القول هناك. وروى أبو صالح عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} يعني صعد أمره إلى السماء؛ وقاله الحسن. ومن قال: إنه صفة ذاتية زائدة قال: استوى في الأزل بصفاته. و«ثُمَّ» ترجع إلى نقل السماء من صفة الدخان إلى حالة الكثافة، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس؛ على ما مضى في «البقرة» عن ابن مسعود وغيره. {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسماء: أطلعي شمسك وقمرك وكواكبك، وأجري رياحك وسحابك، وقال للأرض: شُقِّي أنهارك وأخرجي شجرك وثمارك طائعتين أو كارهتين «قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ». وفي الكلام حذف أي أتينا أمرك «طَائِعِينَ». وقيل: معنى هذا الأمر التسخير؛ أي كونا فكانتا كما قال تعالى: { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [النحل: 40] فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما. وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما. وهو قول الجمهور. وفي قوله تعالى لهما وجهان: أحدهما أنه قول تكلم به. الثاني أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد؛ ذكره الماوردي. «قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» فيه أيضاً وجهان: أحدهما أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه قول الراجز:

امْتَلأَ الْحَوْضُ وقال قَطْنيمَهْلاً رُوَيْداً قَدْ مَلأَتُ بَطْنِي

يعني ظهر ذلك فيه. وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى؛ قال أبو نصر السكسكي: فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء ما بحِيالها، فوضع الله تعالى فيه حَرَمه. وقال: «طَائِعِينَ» ولم يقل طائعتين على اللفظ ولا طائعات على المعنى؛ لأنهما سموات وأرضون؛ لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما. وقيل: لما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل، ومثله { رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف: 4] وقد تقدّم. وفي حديث: إن موسى عليه الصلاة والسلام قال: يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما «ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً» عصياك ما كنت صانعاً بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مَرْج من مُرُوجي. قال: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال: عِلْم من علمي. ذكره الثعلبي. وقرأ ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة «آتَيَا» بالمدّ والفتح. وكذلك قوله: {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} على معنى أعطيا الطاعة من أنفسكما «قَالَتَا» أعطينا «طَائِعِينَ» فحذف المفعولين جميعاً. ويجوز وهو أحسن أن يكون «آتَيْنَا» فاعلنا فحذف مفعول واحد. ومن قرأ «آتَيْنَا» فالمعنى جئنا بما فينا؛ على ما تقدّم بيانه في غير ما موضع والحمد لله.

قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} أي أكملهنّ وفرغ منهنّ. وقيل: أحكمهنّ كما قال:

وعَلَيْهِما مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَادَاودُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ

{فِي يَوْمَيْنِ} سوى الأربعة الأيام التي خلق فيها الأرض، فوقع خلق السموات والأرض في ستة أيام؛ كما قال تعالى: { خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }[الأعراف: 54] على ما تقدّم في «الأعراف» بيانه. قال مجاهد: ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدون. وعن عبد الله بن سَلام قال: خلق الله الأرض في يومين، وقدّر فيها أقواتها في يومين، وخلق السموات في يومين؛ خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين، وقدّر فيها أقواتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، وخلق السموات في يوم الخميس ويوم الجمعة، وآخر ساعة في يوم الجمعة خلق الله آدم في عَجَل، وهي التي تقوم فيها الساعة، وما خلق الله من دابة إلا وهي تفزع من يوم الجمعة إلا الإنس والجن. على هذا أهل التفسير؛ إلا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: خلق الله التربة يوم السبت الحديث، وقد تكلمنا على إسناده في أوّل سورة «الأنعام». {وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} قال قتادة والسّدي: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وخلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد والثلوج. وهو قول ابن عباس؛ قال: ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور. وقيل: أوحى الله في كل سماء؛ أي أوحى فيها ما أراده وما أمر به فيها. والإيحاء قد يكون أمراً؛ لقوله: { بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } [الزلزلة: 5] وقوله: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ } [المائدة: 111] أي أمرتهم وهو أمر تكوين. {وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} أي بكواكب تضيء. وقيل: إن في كل سماء كواكب تضيء. وقيل: بل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا. {وَحِفْظاً} أي وحفظناها حفظاً؛ أي من الشياطين الذين يسترقون السمع. وهذا الحفظ بالكواكب التي تُرجم بها الشياطين على ما تقدّم في «الحجر» بيانه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء. وقال في آية أخرى: { أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا }[النازعات: 27] ثم قال: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } وهذا يدل على خلق السماء أوّلاً. وقال قوم: خلقت الأرض قبل السماء؛ فأما قوله: { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }[النازعات: 30] فالدَّحْوُ غير الخلق، فالله خلق الأرض ثم خلق السموات، ثم دحا الأرض أي مدّها وبسطها؛ قاله ابن عباس. وقد مضى هذا المعنى مجوَّداً في «البقرة» والحمد لله. {ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}.

فَإِنْ أَعْرَضُوا۟ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَٰعِقَةً مِّثْلَ صَٰعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ۝١٣ إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ قَالُوا۟ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝١٤ فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ ۝١٥ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىٓ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ ۝١٦

قوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ} يعني كفار قريش عما تدعوهم إليه يا محمد من الإيمان. {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} أي خوفتكم هلاكاً مثل هلاك عاد وثمود. {إِذْ جَآءَتْهُمُ ٱلرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} يعني من أرسل إليهم وإلى من قبلهم {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} موضع «أَنْ» نصب بإسقاط الخافض أي بـ«ـأَلاَّ تَعْبُدُوا» و{قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً} بدل الرسل {فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} من الإنذار والتبشير. قيل: هذا استهزاء منهم. وقيل: إقرار منهم بإرسالهم ثم بعده جحود وعناد.

قوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} على عباد الله هود ومن آمن معه {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} اغتروا بأجسامهم حين تهدّدهم بالعذاب، وقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب عن أنفسنا بفضل قوّتنا. وذلك أنهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم. وقد مضى في «الأعراف» عن ابن عباس: أن أطولهم كان مائة ذراع وأقصرهم كان ستين ذراعاً. فقال الله تعالى ردًّا عليهم: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} وقدرة، وإنما يقدر العبد بإقدار الله، فالله أقدر إذاً. {وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } أي بمعجزاتنا يكفرون.

قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} هذا تفسير الصاعقة التي أرسلها عليهم، أي ريحاً باردة شديدة البرد وشديدة الصوت والهبوب. ويقال: أصلها صَرَّرَ من الصِّر (وهو البرد) فأبدلوا مكان الراء الوسطى فاء الفعل؛ كقولهم كَبْكَبوا أصله كبَبَّوا، وتَجَفْجَفَ الثوبُ أصله تجفَّف. أبو عبيدة: معنى صَرْصَر: شديدة عاصفة. عكرمة وسعيد بن جبير: شديدة البرد. وأنشد قُطْرُب قول الحطيئة:

المُطْعِمون إذا هَبّتْ بصَرْصَرةٍوالحامِلون إذا اسْتُودُوا على النَّاسِ

استودوا: إذا سئلوا الدية. مجاهد: الشديدة السموم. وروى معمر عن قتادة قال: باردة. وقاله عطاء؛ لأن «صَرْصَراً» مأخوذ من صرّ والصرّ في كلام العرب البرد كما قال:

لها عُذَرٌ كقُرون النِّساءِ رُكِّبْنَ في يومِ ريح وصِرْ

وقال السدي: الشديدة الصّوت. ومنه صَرّ القلمُ والباب يصِرّ صرِيراً أي صَوَّت. ويقال: درهم صَرِّيٌّ وصِرِّيٌّ للذي له صوت إذا نُقِد. قال ابن السِّكيّت: صَرْصَرْ يجوز أن يكون من الصِّر وهو البرد، ويجوز أن يكون من صرِير الباب، ومن الصَّرة وهي الصيحة. ومنه { فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ }[الذاريات: 29]. وصَرْصَرْ اسم نهر بالعراق. {فِيۤ أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} أي مشؤومات؛ قاله مجاهد وقتادة. كنّ آخر شوّال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء وذلك { سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً } [الحاقة: 7] قال ابن عباس: ما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. وقيل؛ «نَحِسَاتٍ» باردات؛ حكاه النقاش. وقيل: متتابعات؛ عن ابن عباس وعطية. الضحاك: شِداد. وقيل: ذات غبار؛ حكاه ابن عيسى. ومنه قول الراجز:

قدِ اغْتَدى قبلَ طُلوعِ الشَّمسِلِلصَّيْدِ في يَوْمٍ قَليلِ النَّحْسِ

قال الضحاك وغيره: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودرّت الرياح عليهم في غير مطر، وخرج منهم قوم إلى مكة يستسقون بها للعباد، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه، وكانت طلبتهم ذلك من الله تعالى عن بيته الحرام مكة مسلمهم وكافرهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم، وكلهم مُعظِّم لمكة، عارف حرمتها ومكانها من الله تعالى. وقال جابر بن عبد الله التيمي: إذا أراد الله بقوم خيراً أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شراً حبس عنهم المطر وسلط عليهم كثرة الرياح. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «نَحْسَاتٍ» بإسكان الحاء على أنه جمع نحس الذي هو مصدر وصف به. الباقون: «نَحِسَاتٍ» بكسر الحاء أي ذوات نحس. ومما يدل على أن النحس مصدر قوله: { فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ } [القمر: 19] ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه؛ وبهذا كان يحتج أبو عمرو على قراءته؛ واختاره أبو حاتم. واختار أبو عبيد القراءة الثانية وقال: لا تصح حجة أبي عمرو؛ لأنه أضاف اليوم إلى النحس فأسكن، وإنما كان يكون حجة لو نوّن اليوم ونعت وأسكن؛ فقال: «فِي يَوْمٍ نَحْسٍ» وهذا لم يقرأ به أحد نعلمه. وقال المهدوي: ولم يسمع في «نَحْسٍ» إلا الإسكان. قال الجوهري: وقرىء في قوله: «فِي يَوْمِ نَحْسٍ» على الصفة، والإضافة أكثر وأجود. وقد نحِس الشيء بالكسر فهو نحس أيضاً؛ قال الشاعر:

أبلِغ جذاما ولَخْما أنّ إخوتهمطَيًّا وبَهْراء قوم نصرهم نحِس

ومنه قيل: أيام نَحِسَاتٍ. {لِّنُذِيقَهُمْ} أي لكي نذيقهم {عَذَابَ ٱلْخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} بالريح العقيم. {وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَخْزَىٰ} أي أعظم وأشدّ {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ}.

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَٰعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝١٧ وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝١٨

قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أي بينا لهم الهدى والضلال؛ عن ابن عباس وغيره. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وغيرهما «وَأَمَّا ثَمُودَ» بالنصب وقد مضى الكلام فيه في «الأعراف». {فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} أي اختاروا الكفر على الإيمان. وقال أبو العالية: اختاروا العمى على البيان. السدي: اختاروا المعصية على الطاعة. {فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ ٱلْعَذَابِ ٱلْهُونِ} «الْهُونِ» بالضم الهوان. وهون بن خُزَيْمة بن مدركة بن إلياس بن مُضَر أخو كنانة وأسد. وأهانه: استخف به. والاسم الهوان والمهانة. وأضيف الصاعقة إلى العذاب، لأن الصاعقة اسم للمبيد المهلك، فكأنه قال مهلك العذاب؛ أي العذاب المهلك. والهون وإن كان مصدراً فمعناه الإهانة والإهانة عذاب، فجاز أن يجعل أحدهما وصفاً للآخر؛ فكأنه قال: صاعقة الهون. وهو كقولك: عندي علم اليقين، وعندي العلم اليقين. ويجوز أن يكون الهون اسماً مثل الدون؛ يقال؛ عذاب هون أي مُهين؛ كما قال:

{ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } [سبأ: 14]. وقيل: أي صاعقة العذاب ذي الهون. {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من تكذيبهم صالحاً وعقرهم الناقة، على ما تقدّم. {وَنَجَّيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني صالحاً ومن آمن به؛ أي ميزناهم عن الكفار، فلم يحلّ بهم ما حلّ بالكفار، وهكذا يا محمد نفعل بمؤمني قومك وكفارهم.

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ۝١٩ حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٢٠ وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٢١

قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } قرأ نافع «نَحْشُرُ» بالنون «أَعْدَاءَ» بالنصب. الباقون «يُحْشَرُ» بياء مضمومة «أَعْدَاءُ» بالرفع ومعناهما بيّن. وأعداء الله: الذين كذّبوا رسله وخالفوا أمره. «فَهُمْ يُوزَعُونَ» يساقون ويدفعون إلى جهنم. قال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا؛ قال أبو الأحوص: فإذا تكاملت العدة بدىء بالأكابر فالأكابر جرماً. وقد مضى في «النمل» الكلام في «يُوزَعُونَ» مستوفى.

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا مَا جَآءُوهَا} «مَا» زائدة {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الجلود يعني بها الجلود بأعيانها في قول أكثر المفسرين. وقال السدي وعبيد الله بن أبي جعفر والفراء: أراد بالجلود الفروج؛ وأنشد بعض الأدباء لعامر بن جُوَيّة:

المرءُ يسعى لِلسلامةِ والسلامةُ حسبه أو سالم من قد تثــنَّى جلدُه وابيضَّ رأسه

وقال: جلده كناية عن فرجه. {وَقَالُواْ} يعني الكفار {لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} وإنما كنا نجادل عنكم {قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} لما خاطبتْ وخوطِبَتْ أُجريتْ مُجرى من يعقل. {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي ركب الحياة فيكم بعد أن كنتم نطفاً، فمن قدر عليه قدر على أن يُنطق الجلود وغيرها من الأعضاء. وقيل: «وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ابتداء كلام من الله. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: «هل تدرون مِمَّ أضحك» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تُجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني قال يقول كفى بِنفسِك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكتابيين شهوداً قال فيُخْتَم على فيه فيقال لأركانه انطقي فتَنْطِق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام قال فيقول بُعْداً لكنّ وسُحْقاً فعنكنّ كنت أناضِل» وفي حديث أبي هريرة ثم قال: الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليّ فيُختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليُعْذِر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سَخِط الله عليه خرجه أيضاً مسلم.

وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ۝٢٢ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٢٣ فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ ۝٢٤ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُوا۟ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝٢٥

قوله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم: ويجوز أن يكون من قول الله عز وجل أو الملائكة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر؛ قرشيان وثَقَفيّ أو ثَقَفِيّان وقرشيّ؛ قليلٌ فِقْهُ قلوبهم، كثيرٌ شحمُ بطونهم: فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا؛ وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا؛ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} الآية؛ خرجه الترمذي فقال: اختصم عند البيت ثلاثة نفرٍ. ثم ذكره بلفظه حرفاً حرفاً وقال: حديث حسن صحيح؛ حدّثنا هَنّاد قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عِمارة بن عُمَير عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفرٍ كثيرٌ شحمُ بطونهم قليلٌ فِقهُ قلوبِهم، قرشيّ وخَتَناه ثَقَفِيّان، أو ثَقفيّ وخَتَناه قرشيان، فتكلموا بكلام لم أفهمه؛ فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا، فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذ لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كله! فقال عبد الله: فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} إلى قوله: {فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الثعلبي: والثقفيّ عبدُ يَا لِيل، وخَتَناه ربيعة وصفوان بن أمية. ومعنى «تَسْتَتِرُونَ» تستخفون في قول أكثر العلماء؛ أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذراً من شهادة الجوارح عليكم؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عملَه، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. وقيل: الاستتار بمعنى الاتقاء؛ أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفاً من هذه الشهادة. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: «وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ» أي تظنون «أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ» بأن يقول سمعت الحقّ وما وعيت وسمعت ما لا يجوز من المعاصي «وَلاَ أَبْصَارُكُمْ» فتقول رأيت آيات الله وما اعتبرت ونظرت فيما لا يجوز «وَلاَ جُلُودُكُمْ» تقدّم. {وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ} من أعمالكم فجادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. روى بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:

{أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} قال:

إنكم تُدْعون يوم القيامة مُفَدَّمة أفواهُكم بفِدام فأول ما يبين عن الإنسان فخذه وكفه قال عبد الله بن عبد الأعلى الشامي فأحسن:

الْعُمْرُ يَنْقُصُ والذُّنُوبُ تَزيدُوتُقالُ عَثْراتُ الفتى فيعودُ هل يستطِيعُ جُحُودَ ذنبٍ واحِدٍرجلٌ جوارِحُه عليهِ شُهودُ والمرءُ يسأل عن سِنيهِ فيشتهِيتقلِيلَها وعنِ المماتِ يحِيدُ

وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غداً عليك شهيد فاعمل فيّ خيراً أشهد لك به غداً فإني لو قد مضيت لم ترني أبداً ويقول الليل مثل ذلكذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب «التذكرة» في باب شهادة الأرض والليالي والأيام والمال. وقال محمد بن بشير فأحسن:

مَضَى أمسُك الأدْنى شَهيداً معدَّلاويومُك هذا بِالفِعال شهيدُ فإنْ تكُ بِالأمسِ اقترفت إِساءةًفثَنِّ بِإحسانٍ وأنتَ حميدُ ولا تُرْجِ فِعلَ الخير مِنك إِلى غدٍلعلّ غداً يأتِي وأنت فَقِيدُ

قوله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} أي أهلككم فأوردكم النار. قال قتادة: الظنّ هنا بمعنى العلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوماً أساؤوا الظن بربهم فأهلكهم فذلك قوله: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ}. وقال الحسن البصري: إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم:إني أحسن الظن بربي وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ }. وقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظن بربه فليفعل، فإن الظن اثنان ظنّ ينجي وظنّ يردي. وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية: هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصي ولا يتوبون منها ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ }.

قوله تعالى: {فَإِن يَصْبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} أي فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم. نظيره:

{ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ }[البقرة: 175] على ما تقدّم. {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم {فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ}. وقيل: المعنى «فَإِنْ يَصْبِرُوا» في النار أو يجزعوا «فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ» أي لا محيص لهم عنها، ودل على الجزع قوله: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ}؛ لأن المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه؛ قال النابغة:

فإنْ أَكُ مَظْلُوماً فَعَبْدٌ ظَلَمْتَهوإِنْ تَكُ ذَا عُتْبَى فَمِثْلكَ يُعْتِبُ

أي مثلك من قَبِل الصلح والمراجعة إذا سُئِل. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجِدة. تقول: عاتبته معاتبة، وبينهم أُعْتوبة يتعاتبون بها. يقال: إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مَسرَّتي راجعاً عن الإِساءة، والاسم منه الْعُتْبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضاً طلب أن يُعْتَب؛ تقول: استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. فمعنى «وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا» أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار. وفي التفاسير: وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين. وقرأ عبيد بن عمير وأبو العالية «وَإِنْ يُسْتَعْتَبُوا» بفتح التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول «فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتِبِينَ» بكسر التاء أي إن أقالهم الله وردّهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته لِما سبق لهم في علم الله من الشقاء، قال الله تعالى: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ }[الأنعام: 28] ذكره الهروي. وقال ثعلب: يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي.

قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} قال النقاش: أي هيأنا لهم شياطين. وقيل: سلطنا عليهم قرناء يزيِّنون عندهم المعاصي، وهؤلاء القرناء من الجن والشياطين ومن الإنس أيضاً؛ أي سبَّبْنا لهم قرناء؛ يقال: قيَّض الله فلاناً لفلان أي جاءه به وأتاحه له، ومنه قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ}. القشيري: ويقال قيّض الله لي رزقاً أي أتاحه كما كنت أطلبه، والتقييض الإبدال ومنه المقايضة، قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيِّضان كما تقول بيّعان. {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الدنيا فحسّنوه لهم حتى آثروه على الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} حسنّوا لهم ما بعد مماتهم ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة؛ عن مجاهد. وقيل: المعنى «قَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ» في النار «فَزيَّنُوا لَهُمْ» أعمالهم في الدنيا؛ والمعنى قدّرنا عليهم أن ذلك سيكون وحكمنا به عليهم. وقيل: المعنى أحوجناهم إلى الأقران؛ أي أحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، والغني إلى الفقير ليستعين به فزيَّن بعضهم لبعض المعاصي. وليس قوله: {وَمَا خَلْفَهُمْ} عطفاً على {مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} بل المعنى وأنسوهم ما خلفهم ففيه هذا الإضمار. قال ابن عباس: «مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» تكذيبهم بأمور الآخرة «وَمَا خَلْفَهُمْ» التسويف والترغيب في الدنيا. الزجاج: «مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» ما عملوه «وَمَا خَلْفَهُمْ» ما عزموا على أن يعملوه. وقد تقدم قول مجاهد. وقيل: المعنى لهم مثل ما تقدّم من المعاصي «وما خلفهم» ما يعمل بعدهم. {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِيۤ أُمَمٍ} أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم. وقيل: «في» بمعنى مع؛ فالمعنى هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل: «فِي أُمَمٍ» في جملة أمم، ومثله قول الشاعر:

إِنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُوكاً فَفِي آخَرِين قد أَفكوا

يريد فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل «فِي أُمَمٍ» النصب على الحال من الضمير في ««عَلَيْهِمْ» أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ۝٢٦ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٢٧ ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ ۝٢٨ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ ۝٢٩

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} لما أخبر تعالى عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن فقالوا: «لاَ تَسْمَعُوا». وقيل: معنى «لاَ تَسْمَعُوا» لا تطيعوا؛ يقال: سمعت لك أي أطعتك. «وَالْغَوْا فِيهِ» قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول. وقيل: إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن. وقال مجاهد: المعنى «وَالْغَوْا فِيهِ» بالمُكاء والتَّصفيق والتخليط في المنطق حتى يصير لَغْواً. وقال الضحاك: أكثِروا الكلام ليختلط عليه ما يقول. وقال أبو العالية وابن عباس أيضاً: قِعُوا فيه وعيِّبوه {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} محمداً على قراءته فلا يظهر ولا يستميل القلوب. وقرأ عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو حَيْوة وبكر بن حبيب السهمي «وَالْغُوا» بضم الغين وهي لغة من لغا يلغو. وقراءة الجماعة من لَغِيَ يَلْغَى. قال الهروي: وقوله: {وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} قيل: عارِضوه بكلام لا يفهم. يقال: لغوت ألغُو وأَلْغَى، ولغِي يَلْغى ثلاث لغات. وقد مضى معنى اللغو في «البقرة» وهو ما لا يعلم له حقيقة ولا تحصيل.

قوله تعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً} قد تقدّم أن الذوق يكون محسوساً، ومعنى العذاب الشديد: ما يتوالى فلا ينقطع. وقيل: هو العذاب في جميع أجزائهم. {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. وأسوأ الأعمال الشرك.

قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ} أي ذلك العذاب الشديد، ثم بينه بقوله «النَّارُ». وقرأ ابن عباس «ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ دَارُ الْخُلْدِ» فترجم بالدار عن النار وهو مجاز الآية. و«ذَلِكَ» ابتداء و«جَزَاءُ» الخبر و«النَّارُ» بدل من «جَزَاءُ» أو خبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع بيان للجملة الأولى.

قوله تعالى: {وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني في النار فذكره بلفظ الماضي والمراد المستقبل {رَبَّنَآ أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ} يعني إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما؛ ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع:

ما من مسلم يُقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من ذنبه لأنه أوّل من سنّ القتلخرّجه الترمذي، وقيل: هو بمعنى الجنس وبُني على التثنية لاختلاف الجنسين. {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم {لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ} في النار وهو الدرك الأسفل. سألوا أن يُضعِّف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس. وقرأ ابن محيصن والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر وأبو بكر والمفضل «أَرْنَا» بإسكان الراء، وعن أبي عمرو أيضاً باختلاسها. وأشبع الباقون كسرتها وقد تقدّم في «الأعراف».

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ ۝٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىٓ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۝٣١ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ۝٣٢

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال عطاء عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه؛ وذلك أن المشركين قالوا ربُّنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله؛ فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربُّنا الله وحده لا شريك له ومحمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله؛ فاستقام. وفي الترمذي عن أنس بن مالك:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} قال: «قد قال الناس ثم كفر أكثرهم فمن مات عليها فهو ممن استقام» قال: حديث غريب. ويروى في هذه الآية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ معنى {ٱسْتَقَامُواْ}؛ ففي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفيّ قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك ـ وفي رواية ـ غيرك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم زاد الترمذي قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه وقال: «هذا». وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه قال: {ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} لم يشركوا بالله شيئاً. وروى عنه الأسود بن هلال أنه قال لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} و { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ }[الأنعام: 82] فقالوا: استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة؛ فقال أبو بكر: لقد حملتموها على غير المحمل {قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} فلم يلتفتوا إلى إلٰه غيره {وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ} بشرك {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ}. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر وهو يخطب: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} فقال: استقاموا والله على الطريقة لطاعته ثم لم يَرغُوا روغان الثعالب. وقال عثمان رضي الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله. وقال عليّ رضي الله عنه: ثم أدوا الفرائض. وأقوال التابعين بمعناها. قال ابن زيد وقتادة: استقاموا على الطاعة لله. الحسن: استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته. وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إلٰه إلا الله حتى ماتوا. وقال سفيان الثوري: عملوا على وِفاق ما قالوا. وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية. وقيل: استقاموا إسراراً كما استقاموا إقراراً. وقيل: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً. وقال أنس: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: هم أمتي وربِّ الكعبة. وقال الإمام ابن فُورك: السين سين الطلب مثل استسقى أي سألوا من الله أن يثبتهم على الدين. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.

قلت: وهذه الأقوال وإن تداخلت فتلخيصها: اعتدلوا على طاعة الله عقداً وقولاً وفعلاً، وداموا على ذلك. {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} قال ابن زيد ومجاهد: عند الموت. وقال مقاتل وقتادة: إذا قاموا من قبورهم للبعث. وقال ابن عباس: هي بشرى تكون لهم من الملائكة في الآخرة. وقال وكيع وابن زيد: البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث. {أَلاَّ تَخَافُواْ} أي بـ«ـأَلاَّ تَخَافُوا» فحذف الجار. وقال مجاهد: لا تخافوا الموت {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على أولادكم فإن الله خليفتكم عليهم. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم. وقال عكرمة: ولا تخافوا أمامكم، ولا تحزنوا على ذنوبكم. {وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.

قوله تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} أي تقول لهم الملائكة الذين تتنزل عليهم بالبشارة «نَحْنُ أَوْلِيَاءُكُمْ» قال مجاهد: أي نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وقال السدي: أي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأولياؤكم في الآخرة. ويجوز أن يكون هذا من قول الله تعالى؛ والله ولِي المؤمِنِينَ ومولاهم. {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ} أي من الملاذّ. {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} تسألون وتتمنون. {نُزُلاً} أي رزقاً وضيافة. وقد تقدّم في «آل عمران» وهو منصوب على المصدر أي أنزلناه نزلاً. وقيل: على الحال. وقيل: هو جمع نازل، أي لكم ما تدعون نازلين، فيكون حالاً من الضمير المرفوع في «تَدَّعُونَ» أو من المجرور في «لَكُمْ».

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ