وإجماع المسلمين أولاً على أن لا فرضَ غيرُ الزكاة يَرُدُّ هذا القول، وأيضاً فإن الفروضَ محدودةٌ وهذا غير محدود، ولا معلوم قدرُه عند أحد، فلا يجوز أن يكون فرضاً ما لا يُعْرَفُ قَدْرُه.
فإن حَمَلْتَه على الزكاة حَسُنَ لأن النبي - عليه السلام - قَدْ بَيَّن قَدْرَ ما تجب فيه الزكاة، وقَدْرَ ما يلزمُ من الزكاة، فهو محكم إن حَمَلْتَه على الزكاة.
وقد اعترض قومٌ في أن يُرادَ به الزكاةُ، وقالوا:
الزكاة لا تجب وقت الحصاد، وإنما تجب بعد الكيل.
وقالوا: الزكاة معلومةٌ محدودة، وهذا غيرُ محدود ولا معلوم.
وقالوا: وقد قال: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا إنَّه لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِين﴾ [الأنعام: ١٤١]، والزكاة لا إسرافَ فيها.
وقالوا: ظاهرُ الآية يَدُلُّ على أن الزكاةَ واجبةٌ في كل ما أخرجت الأرض، وعلى إخراجِ الزكاةِ مِن قليلهِ وكثيرِه.
قال أبو محمد: وجميعُ هذا لا يلزم لأن النبيَّ - عليه السلام - قد بيَّن ذلك كله وحَدَّهُ، فالقرآن يأتي مجملاً، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم -يُبَيِّنُه، لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّل إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وهذا أبلغك تبيينه للصلاة والحج وغير ذلك.
ومعنى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١]: ولا تَتَخَلَّفوا عن إخراج ما يجب عليكم، ومنعُ حَقِّ الله مِن أَعظم الإِسراف، وقد قيل: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا﴾: مخاطبةٌ للسُّعاةِ في أن لا يأخذوا أكثرَ مما يَجِبُ لهم. فهذا كُلُّه يُبَيِّنُ أنها محكمة نزلت في فرض الزكاة مُجْمَلَةً، وبيّنها النبي عليه السلام، ويعارض كونها في الزكاة قولُ أكثر الناس إِنَّ الزكاةَ فُرِضت بالمدينة - والأنعام: مكية -فيصيرُ فرضُ الزكاةِ نزل بمكة، والله أعلم بذلك.