انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأنعام

المختصر في التفسيرالآيات 1–136

تفسير سورة الأنعام آية آية، من المختصر في التفسير.

استمع إلى تفسير سورة الأنعام الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:32:41

من مقاصد السورة

تقرير عقيدة التوحيد والرد على ضلالات المشركين.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ۝١

الوصف بالكمال المطلق، والثناء بالمحاسن العليا مع المحبة، ثابت لله الذي خلق السماوات وخلق الأرض من غير مثال سابق، وخلق الليل والنهار يَتَعاقبان، فأظلم الليل، وأنار النهار، ومع هذا فالذين كفروا يُسوُّون به غيره، ويجعلونه شريكًا له.

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ۝٢

هو سبحانه الذي خلقكم - أيها الناس - من طين حين خلق أباكم آدم عليه السلام منه، ثم ضرب سبحانه مدة لإقامتكم في الحياة الدنيا، وضرب أجلًا آخر لا يعلمه إلا هو لبَعْثكم يوم القيامة، ثم أنتم تشكّون في قدرته سبحانه على البعث.

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ۝٣

وهو سبحانه المعبود بحق في السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم ما تخفون من النيات والأقوال والأعمال، ويعلم ما تعلنون من ذلك، وسيجازيكم عليها.

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٤

وما تأتي المشركين من حجة من عند ربهم إلا تركوها غير مبالين بها، فقد جاءتهم الحجج الواضحة والبراهين الجلية الدالة على توحيد الله، وجاءتهم الآيات الدالة على صدق رسله، ومع ذلك أعرضوا عنها غير عابئين بها.

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٥

وهم إن أعرضوا عن تلك الحجج الواضحة والبراهين الجلية فقد أعرضوا عما هو أوضح، فقد كَذَّبُوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، وسيعرفون أن ما كانوا يستهزئون به مما جاءهم به هو الحق حين يرون العذاب يوم القيامة.

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ ۝٦

ألم يعلم هؤلاء الكافرون سُنَّة الله في إهلاك الأمم الظالمة؟! فقد أهلك الله من قبلهم أممًا كثيرة أعطاهم من أسباب القوة والبقاء في الأرض ما لم يعط هؤلاء الكافرين، وأنزل عليهم الأمطار المتتابعة، وأجرى لهم الأنهار تجري من تحت مساكنهم، فعصوا الله، فأهلكهم بما ارتكبوه من المعاصي، وخلق من بعدهم أممًا أخرى.

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧

ولو نزَّلنا عليك - أيها الرسول - كتابًا مكتوبًا في أوراق، وشاهدوه بأعينهم، وتأكدوا منه بتحسُّسِهم الكتاب بأيديهم؛ لَمَا آمنوا به جحودًا منهم وتَعَنُّتًا، ولقالوا: لا يعدو ما جئت به أن يكون سحرًا واضحًا، فلن نؤمن به.

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ۝٨

وقال هؤلاء الكافرون: لو أنزل الله مع محمد ملكًا يكلمنا ويشهد أنه رسول لآمنَّا. ولو أنزلنا ملكًا على الوصف الذي أرادوا لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا، ولا يُمْهَلُونَ للتوبة إذا نَزَلَ.

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ۝٩

ولو جعلنا المرسل إليهم ملكًا لجعلناه في صورة رجل ليتمكنوا من سماعه والتلقي عنه؛ إذ لا يستطيعون ذلك مع الملك على هيئته التي خلقه الله عليها، ولو جعلناه في صورة رجل لاشتبه عليهم أمره.

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝١٠

فإنْ يستهزئ هؤلاء بطلبهم إنزال ملك معك فقد استهزأت أمم من قبلك برسلها، فأحاط بهم العذاب الذي كانوا ينكرونه ويستهزئون به عند تخويفهم منه.

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝١١

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المكذبين المستهزئين: سيروا في الأرض، ثم تأملوا كيف كانت نهاية المكذبين لرسل الله، فقد حل بهم عقاب الله بعدما كانوا فيه من القوة والمنعة.

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٢

قل لهم - أيها الرسول -: لمن مُلْكُ السماوات ومُلْكُ الأرض ومُلْكُ ما بينهما؟ قل: مُلْكُهَا كلها لله، كتب على نفسه الرحمة تفضُّلًا منه على عباده، فلا يعاجلهم بالعقوبة، حتى إذا لم يتوبوا جمعهم جميعًا يوم القيامة، هذا اليوم الذي لا شك فيه. الذين خسروا أنفسهم بالكفر بالله لا يؤمنون فينقذوا أنفسهم من الخسران.

وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝١٣

ولله وحده ملك كل شيء، مما استقر في الليل والنهار، وهو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها.

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٤

قل - أيها الرسول - للمشركين الذين يعبدون مع الله غيره من الأصنام وغيرها: أَيُعْقل أن أتخذ غير الله ناصرًا أُوالِيه وأستنصره؟! وهو الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، فلم يُسْبَقْ إلى خلقهما، وهو الذي يرزق من يشاء من عباده، ولا أحد من عباده يرزقه، فهو الغني عن عباده، وعباده مفتقرون إليه، قل - أيها الرسول -: إني أمرني ربي سبحانه أن أكون أول من انقاد لله وخضع له من هذه الأمة، ونهاني أن أكون من الذين يشركون معه غيره.

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝١٥

قل - أيها الرسول -: إني أخاف إن عصيت الله بارتكاب ما حَرَّمَ علي من الشرك وغيره، أو تَرْكِ ما أمرني به من الإيمان وغيره من الطاعات، أن يعذبني عذابًا عظيمًا يوم القيامة.

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُۥ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ ۝١٦

مَن يُبْعِد الله عنه ذلك العذاب يوم القيامة، فقد فاز برحمة الله له، وتلك النجاة عن العذاب هي الفوز الواضح الذي لا يُدَانيه فوز.

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٧

وإن يَنَلْكَ - يا ابن آدم - من الله بلاء فلا دافع للبلاء عنك إلا الله، وإن يَنَلْكَ منه خير فلا مانع له من ذلك، ولا رَادَّ لفضله، فهو القادر على كل شيء، لا يعجزه شيء.

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ۝١٨

وهو الغالب على عباده المذلِّل لهم، العالي عليهم من كل وجه الذي لا يعجزه شيء، ولا يغلبه أحد، الجميع له خاضعون، فوق عباده كما يليق به سبحانه، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه، الخبير فلا يخفى عليه شيء.

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لَّآ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ۝١٩

قل - أيها الرسول - للمشركين المكذبين بك: أي شيء أجلّ وأعظم شهادة على صدقي؟ قل: الله أَجَلُّ شيء وأعظم شهادة على صدقي، هو شهيد بيني وبينكم، يعلم ما جئتكم به، وما ستردون به، وقد أوحى الله إليّ هذا القرآن لأُخَوِّفَكُم به، وأُخَوِّفَ به من بلغه من الإنس والجن، إنكم - أيها المشركون- تؤمنون أن مع الله معبودات أخرى، قل - أيها الرسول -: لا أشهد على ما أقررتم به لبطلانه، إنما الله إله واحد لا شريك له، وإني بريء من كل ما تشركونه معه.

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٢٠

اليهود الذين أعطيناهم التوراة والنصارى الذين أعطيناهم الإنجيل يعرفون النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، كما يعرفون أبناءهم من أبناء غيرهم، فأولئك الذين خسروا أنفسهم بإدخالها النار، فهم لا يؤمنون.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٢١

لا أحد أعظم ظلمًا ممن نسب لله شريكًا، فعبده معه، أو كَذَّبَ بآياته التي أنزلها على رسوله، إن الظالمين بنسبة الشريك إلى الله وتكذيب آياته لا يفوزون أبدًا إن لم يتوبوا.

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ۝٢٢

واذكر يوم القيامة حين نجمعهم جميعًا، لا نغادر منهم أحدًا، ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره توبيخًا لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تَدَّعُون كاذبين أنهم شركاء لله؟!

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ۝٢٣

ثم لم يكن اعتذارهم بعد هذا الاختبار إلا أن تبرّؤوا من معبوداتهم، وقالوا كذبًا: والله ربنا ما كنا في الدنيا مشركين بك، بل كنا مؤمنين بك، موحدين لك.

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢٤

انظر - يا محمد - كيف كَذَبَ هؤلاء على أنفسهم بنفيهم الشرك عن أنفسهم، وغاب عنهم وخذلهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء مع الله في حياتهم الدنيا؟!

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٢٥

ومن المشركين من يستمع إليك - أيها الرسول - إذا قرأت القرآن، لكنهم لا ينتفعون بما يستمعون إليه؛ لأنا جعلنا على قلوبهم أغطية حتى لا يفقهوا القرآن، بسبب عنادهم وإعراضهم، وجعلنا في آذانهم صَمَمًا عن السماع النافع، ومهما يروا من الدلالات الواضحة والحجج الجلية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاؤوك يخاصمونك في الحق بالباطل يقولون: ليس الذي جئت به إلا مأخوذًا عن كتب الأوائل.

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝٢٦

وهم ينهون الناس عن الإيمان بالرسول، ويبتعدون عنه، فلا يتركون من ينتفع به، ولا ينتفعون هم به، وما يُهلكون بصنيعهم هذا إلا أنفسهم، وما علموا أن ما يقومون به إهلاك لها.

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٢٧

ولو ترى - أيها الرسول - حين يُعْرَضون يوم القيامة على النار، فيقولون تحسُّرًا: يا ليتنا نُرَدُّ إلى الحياة الدنيا، ولا نُكَذِّبَ بآيات الله، ونَكُونَ من المؤمنين بالله - لرأيت عَجَبًا من سوء حالهم.

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝٢٨

ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو رُدُّوا لآمنوا، بل ظهر لهم ما كانوا يسترون من قولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين)، حين شهدت عليهم جوارحهم، ولو قُدِّرَ أنهم رجعوا إلى الدنيا لرجعوا إلى ما نهوا عنه من الكفر والشرك، وإنهم لكاذبون في وعدهم بالإيمان إذا رجعوا.

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ۝٢٩

وقال هؤلاء المشركون: لا حياة إلا الحياة التي نحن فيها، ولسنا مبعوثين للحساب.

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝٣٠

ولو ترى - أيها الرسول - حين أُوقِفَ منكرو البعث بين يدي ربهم لرأيت العجب من سوء حالهم حين يقول لهم الله: أليس هذا البعث الذي كنتم تكذبون به حقًّا ثابتًا لا مرية فيه ولا شك؟! قالوا: أقسمنا بربنا الذي خلقنا إنه لحق ثابت لا شك فيه، فيقول لهم الله عند ذلك: فذوقوا العذاب بسبب كفركم بهذا اليوم؛ فكنتم به تكذبون في الحياة الدنيا.

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا۟ يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ۝٣١

قد خسر الذين كَذَّبُوا بالبعث يوم القيامة واستبعدوا الوقوف بين يدي الله، حتى إذا جاءتهم الساعة فجأة من غير سابق علم قالوا من شدة الندم: يا لحسرتنا وخيبة أملنا لِمَا قَصَّرْنَا في جنب الله من الكفر به وعدم الاستعداد ليوم القيامة، وهم يحملون سيئاتهم فوق ظهورهم، ألا قَبُحَ ما يحملون من تلك السيئات.

وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٣٢

وليست الحياة الدنيا التي تركنون إليها إلا لعبًا وغرورًا لمن لا يعمل فيها بما يرضي الله، وأما الدار الآخرة فهي خير للذين يتقون الله بفعل ما أمر به من الإيمان والطاعة، وتَرْكِ ما نهى عنه من الشرك والمعصية، أفلا تعقلون - أيها المشركون - ذلك؟! فتؤمنوا وتعملوا الصالحات.

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ۝٣٣

نحن نعلم أنك - أيها الرسول - يحزنك تكذيبهم لك في الظاهر، فاعلم أنهم لا يكذبونك في أنفسهم؛ لعلمهم بصدقك وأمانتك، ولكنهم قوم ظالمون ينكرون أمرك ظاهرًا وهم يوقنون به في أنفسهم.

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٣٤

ولا تحسب أن هذا التكذيب خاص بما جئت به، فقد كُذِّبَتْ رسل من قبلك، وآذاهم أقوامهم، فواجهوا ذلك بالصبر على الدعوة والجهاد في سبيل الله حتى جاءهم النصر من الله، ولا مُبدِّل لما كتبه الله من النصر، ووعد به رسله، ولقد جاءك - أيها الرسول - من أخبار من قبلك من الرسل وما لاقوه من أقوامهم وما حباهم الله من النصر على أعدائهم بإهلاكهم.

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٣٥

وإن كان شق عليك - أيها الرسول - ما تلاقيه من تكذيبهم وإعراضهم عما جئتهم به من الحق، فإن استطعت أن تطلب نفقًا في الأرض أو مِصْعَدًا إلى السماء فتأتيهم بحجة وبرهان غير الذي أيدناك به فافعل، ولو شاء الله جمْعَهم على الهدى الذي جئت به لَجَمَعَهُم، لكنه لم يشأ ذلك لحكمة بالغة، فلا تكوننَّ من الجاهلين بذلك، فتذهب نفسك حسرات على أنهم لم يؤمنوا.

إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ۝٣٦

إنما يجيبك قابلًا ما جئت به من يسمعون الكلام ويفهمونه، والكفار موتى لا شأن لهم، فقد ماتت قلوبهم، والموتى يبعثهم الله يوم القيامة، ثم إليه وحده يرجعون ليجازيهم على ما قدموا.

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٧

وقال المشركون مُتَعَنِّتينَ ومُماطِلين بالإيمان: هلَّا أُنزِل على محمد آية خارقة تكون برهانًا من ربه على صدقه فيما جاء به؟ قل - أيها الرسول -: إن الله قادر على تنزيل آية حسبما يريدون، ولكن أكثر هؤلاء المشركين المطالبين بإنزال آية لا يعلمون أن إنزال الآيات يكون وفق حكمته تعالى، وليس وفق ما يطالبون به، فلو أنزلها ثم لم يؤمنوا لأهلكهم.

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَٰبِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ۝٣٨

وما من حيوان يتحرك فوق الأرض، ولا طائر يطير في السماء إلا أجناس مثلكم - يا بني آدم - في الخلق والرزق، ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، والجميع علمهم عند الله، ثم إلى ربهم وحده يوم القيامة يجمعون لفصل القضاء، فيجازي كلًّا بما يستحقه.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٣٩

والذين كذبوا بآياتنا مِثْلُ الصم الذين لا يسمعون، والبكم الذين لا يتكلمون، وهم مع ذلك في الظلمات لا يبصرون، فأنى لمن هذه حاله أن يهتدي؟! من يشأ الله إضلاله من الناس يضلله، ومن يشأ هدايته يَهْدِهِ بأن يجعله على طريق مستقيم لا اعوجاج فيه.

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٤٠

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: أخبروني إن جاءكم عذاب من الله أو جاءتكم الساعة التي وُعِدتُّم أنها آتية؛ أتطلبون إذ ذاك غير الله ليكشف ما ينزل بكم من البلاء والشدة، إن كنتم صادقين في ادعاء أن معبوداتكم تجلب نفعًا أو تدفع ضرًّا؟!

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ۝٤١

الحق أنكم لا تدعون إذ ذاك غير الله الذي خلقكم، فيصرف عنكم البلاء، ويرفع عنكم الضر إن شاء، فهو ولي ذلك والقادر عليه، وأما معبوداتكم التي أشركتموها مع الله فتتركونها؛ لعلمكم أنها لا تنفع ولا تضر.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ۝٤٢

ولقد بعثنا إلى أمم من قبلك - أيها الرسول - رسلًا فكذبوهم، وأعرضوا عما جاؤوهم به، فعاقبناهم بالشدائد كالفقر وبما يضرّ أبدانهم كالمرض من أجل أن يخضعوا لربهم، ويتذللوا له.

فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٤٣

لو أنهم حين جاءهم بلاؤنا تذللوا لله، وخضعوا له ليكشف عنهم البلاء، لرحمناهم لكنهم لم يفعلوا ذلك، بل قست قلوبهم، فلم يعتبروا، ولم يتعظوا، وحَسَّنَ لهم الشيطان ما كانوا يرتكبون من الكفر والمعاصي، فاستمروا على ما كانوا عليه.

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ۝٤٤

فلما تركوا ما وُعِظُوا به من شدة الفقر والمرض، ولم يعملوا بأوامر الله، استدرجناهم بفتح أبواب الرزق عليهم، وإغنائهم بعد الفقر، وصَحَّحْنَا أجسامهم بعد المرض، حتى إذا أصابهم البَطَرُ، واستولى عليهم الإعجاب بما مُتِّعُوا به جاءهم عذابنا فجأة، فإذا هم متحيرون يائسون مما يأملون.

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٥

فَقُطِع آخر أهل الكفر باستئصالهم جميعًا بالإهلاك، ونَصْرِ رسل الله، والشكرُ والثناءُ لله وحده رب العالمين على إهلاكه أعداءه ونصره أولياءه.

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ۝٤٦

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: أخبروني إن أَصَمَّكم الله بسَلْب أسماعكم، وأعماكم بأخذ أبصاركم، وطبع على قلوبكم، فلم تفقهوا شيئًا؛ مَن معبود بحق يأتيكم بما فقدتموه من ذلك؟ تأمل - أيها الرسول - كيف نبين لهم الحجج، وننوع البراهين، ثم هم يعرضون عنها!

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٤٧

قل لهم - أيها الرسول -: أخبروني إن جاءكم عذاب الله فجأة من غير شعور منكم به، أو جاءكم ظاهرًا عيانًا، فإنه لا يُؤْخَذ بذلك العذاب إلا الظالمون بكفرهم بالله وتكذيب رسله.

وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٤٨

وما نرسل من نرسله من رسلنا إلا لإخبار أهل الإيمان والطاعة بما يسرهم من النعيم المقيم الذي لا ينفد ولا ينقطع، وتخويف أهل الكفر والعصيان من عذابنا الشديد، فمن آمن بالرسل، وأصلح عمله، فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه في آخرتهم، ولا هم يحزنون ويتحسرون على ما فاتهم من الحظوظ الدنيوية.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝٤٩

والذين كَذَّبُوا بآياتنا يصيبهم العذاب بسبب خروجهم عن طاعة الله.

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ۝٥٠

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: لا أقول لكم: إن عندي خزائن الله من الرزق فأتصرف فيها بما شئت، ولا أقول لكم: إني أعلم من الغيب إلا ما أطلعني الله عليه من الوحي، ولا أقول لكم: إني ملك من الملائكة، فأنا رسول من الله، لا أتبع إلا ما يُوحِي إلي، ولا أدّعي ما ليس لي، قل - أيها الرسول - لهم: هل يستوي الكافر الذي عَمِيَتْ بصيرته عن الحق، والمؤمن الذي أبصر الحق وآمن به؟ أفلا تتأملون بعقولكم - أيها المشركون - فيما حولكم من الآيات.

وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۝٥١

وخوِّف - أيها الرسول - بهذا القرآن الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم يوم القيامة، ليس لهم ولي غير الله يجلب لهم النفع، ولا شفيع يكشف عنهم الضر، لعلهم يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهؤلاء هم الذين ينتفعون بالقرآن.

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٢

ولا تُبْعِدْ - أيها الرسول - عن مجلسك فقراء المسلمين الذين هم في عبادة دائمة لله في أول النهار وآخره مخلصين له العبادة، لا تبعدهم لتستميل أكابر المشركين، ليس عليك من حساب هؤلاء الفقراء شيء، إنما حسابهم عند ربهم، وما عليهم من حسابك شيء، إنك إن أبعدتهم عن مجلسك فإنك تكون من المتجاوزين لحدود الله.

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ۝٥٣

وكذلك ابتلينا بعضهم ببعض، فجعلناهم متفاوتين في حظوظهم الدنيوية، ابتليناهم بذلك ليقول الكافرون الأغنياء لفقراء المؤمنين: أهؤلاء الفقراء تفضَّل الله عليهم بالهداية من بيننا؟! لو كان الإيمان خيرًا ما سبقونا إليه، فنحن أهل السَّبْق. أليس الله بأعلم بالشاكرين لنعمه، فَيُوَفِّقَهُم للإيمان، وأعلم بالكافرين لها فَيَخْذُلَهُم فلا يؤمنون؟! بلى إن الله أعلم بهم.

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٥٤

وإذا جاءك - أيها الرسول - الذين يؤمنون بآياتنا الشاهدة على صدق ما جئت به، فَرُدَّ عليهم السلام إكرامًا لهم، وبشّرهم بسعة رحمة الله، فقد أوجب الله على نفسه الرحمة إيجاب تَفَضُّل، فمن ارتكب منكم معصية في حال جهلٍ وسفهٍ، ثم تاب من بعد ارتكابه لها، وأصلح عمله، فإن الله يغفر له ما ارتكبه، فالله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٥٥

وكما بينَّا لك ما ذُكِرَ نُبَيِّنُ أدلتنا وحجتنا على أهل الباطل، ولإيضاح طريق المجرمين ومنهجهم؛ لاجتنابه والحذر منه.

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ ۝٥٦

قل - أيها الرسول -: إني نهاني الله عن عبادة الذين تعبدونهم من دون الله، قل - أيها الرسول -: لا أتبع أهواءكم في عبادة غير الله، فأنا إن اتبعت أهواءكم في ذلك أكون ضالًّا عن طريق الحق، لا أهتدي إليه، وهذا شأن كل من اتبع الهوى دون برهان من الله.

قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ ۝٥٧

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: إني على برهان واضح من ربي، لا على هوى، وأنتم كذبتم بهذا البرهان، ليس عندي ما تستعجلون به من العذاب والآيات الخارقة التي طلبتموها، إنما ذلك بيد الله، فليس الحكم - ومن جملته ما طلبتم - إلا لله وحده، يقول الحق ويحكم به، وهو سبحانه خير من بيّن وميّز المُحِقَّ من المُبطِل.

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٨

قل - أيها الرسول - لهم: لو كان عندي وفي قبضتي ما تستعجلون به من العذاب لأنزلته بكم، وعند ذلك يُقْضَى الأمر الذي بيني وبينكم، والله أعلم بالظالمين كم يُمْهلهم ومتى يعاقبهم.

وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٥٩

وعند الله وحده خزائن الغيب، لا يعلمها غيره، ويعلم كل ما في البر من مخلوقات من حيوان ونبات وجماد، ويعلم ما في البحر من حيوان ونبات وجماد، وما تسقط من ورقة في أي مكان، ولا توجد حبة مخبوءة في الأرض، ولا يوجد رطب، ولا يوجد يابس، إلا كان مثبتًا في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ.

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٦٠

والله هو الذي يقبض أرواحكم عند النوم قبضًا مؤقتًا، وهو الذي يعلم ما كسبتم من الأعمال في النهار وقت نشاطكم، ثم يبعثكم في النهار بعد قبض أرواحكم بالنوم لتقوموا بأعمالكم، حتى تنتهي آجال حياتكم المقدرة عند الله، ثم إليه وحده رجوعكم بالبعث يوم القيامة، ثم يخبركم بما كنتم تعملونه في حياتكم الدنيا، ويجازيكم عليه.

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ۝٦١

والله هو الغالب على عباده؛ المذلِّل لهم، العالي عليهم من كل وجه، الذي خضع له كل شيء، فوق عباده فوقية تليق بجلاله سبحانه وتعالى، ويرسل عليكم - أيها الناس - ملائكة كرامًا تُحصي أعمالكم حتى ينتهي أجل أحدكم بقبض ملك الموت وأعوانه روحه، وهم لا يُقَصِّرون فيما أُمِرُوا به.

ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَٰسِبِينَ ۝٦٢

ثم رُدَّ جميع من قُبِضَتْ أرواحهم إلى الله مالكهم الحق ليجازيهم على أعمالهم، الذي له القضاء النافذ والحكم العدل فيهم، وهو أسرع من عدّكم وأحصى أعمالكم.

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝٦٣

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: من ينقذكم ويُسَلِّمُكُم من المهالك التي تَلقَونها في ظلمات البر والبحر؟ تدعونه وحده متذللين مُسْتكينين في السر والعلن: لئن سلَّمَنا ربنا من هذه المهالك لنكونن من الشاكرين لنعمه علينا بألا نعبد غيره.

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ۝٦٤

قل لهم - أيها الرسول -: الله هو الذي ينقذكم منها، ويُسَلِّمُكُم من كل كرب، ثم أنتم بعد ذلك تشركون معه غيره في حالة السرّاء، فأي ظلم فوق ما تقومون به؟!

قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ۝٦٥

قل لهم - أيها الرسول -: الله هو القادر على أن يرسل عليكم عذابًا يأتيكم من فوقكم مثل الحجارة والصواعق والطوفان، أو يأتيكم من تحتكم مثل الزلازل والخسف، أو يخالف بين قلوبكم، فيتبع كل منكم هواه، فيقاتل بعضكم بعضًا، تأمل - أيها الرسول - كيف نُنوِّع لهم الأدلة والبراهين ونبيِّنُها لعلهم يفهمون أن ما جِئْتَ به حق، وأن ما عندهم باطل.

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ ۝٦٦

وكذّب بهذا القرآن قومك، وهو الحق الذي لا مرية في أنه من عند الله، قل لهم - أيها الرسول -: لست موكلًا بالرقابة عليكم، فما أنا إلا منذر لكم بين يدي عذاب شديد.

لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٦٧

لكل خبر وقت يستقر فيه، ونهاية ينتهي إليها، ومن ذلك خبر مآلكم وعاقبتكم، فسوف تعلمون ذلك عندما تبعثون يوم القيامة.

وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٦٨

وإذا رأيت - أيها الرسول - المشركين يتكلمون في آياتنا بالسخرية والاستهزاء، فابتعد عنهم حتى يدخلوا في حديث خال من السخرية والاستهزاء بآياتنا، وإذا أنساك الشيطان وجلست معهم، ثم تذكرت فغادر مجلسهم ولا تجلس مع هؤلاء المعتدين.

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۝٦٩

وليس على الذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من حساب هؤلاء الظالمين من شيء، وإنما عليهم أن يَنْهَوْهُم عما يرتكبونه من منكر، لعلهم يتقون الله، فيمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه.

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ۝٧٠

ودع - أيها الرسول - هؤلاء المشركين الذين صَيَّرُوا دينهم لعبًا وَلَهْوًا يسخرون منه ويستهزئون به، وخدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من متع زائلة، وَعِظْ - أيها النبي - الناس بالقرآن حتى لا تُسْلَمَ نفس إلى الهلاك بسبب ما كسبته من سيئات، ليس لها من دون الله حليف تستنصر به، ولا شافع يمنع عنها عذاب الله يوم القيامة، وإذا افتدت من عذاب الله بأي فداء لا يقبل منها، أولئك الذين أُسْلِمُوا إلى هلاك أنفسهم بسبب ما ارتكبوه من المعاصي، لهم يوم القيامة شراب متناهي الحرارة، وعذاب موجع بسبب كفرهم.

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧١

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: أنعبد من دون الله أوثانًا لا تملك نفعًا فتنفعنا ولا ضرًّا فتضرنا، ونرتد عن الإيمان بعد أن وفقنا الله له، فنكون مثل الذي أضلَّته الشياطين، فتركته حيران لا يهتدي سبيلًا، وله أصحاب على الطريق المستقيم يدعونه إلى الحق، وهو يمتنع عن إجابتهم إلى ما يدعونه إليه؟ قل لهم - أيها الرسول-: إنَّ هدى الله هو الهدى الحق، وقد أمرنا الله أن ننقاد له سبحانه وتعالى بالتزام توحيده وعبادته وحده، فهو رب العالمين.

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝٧٢

وقد أَمَرنا بإقامة الصلاة على الوجه الأكمل، وأَمَرنا بتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو وحده الذي يُجْمَع العباد إليه يوم القيامة ليجازيهم على أعمالهم.

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ ۝٧٣

وهو سبحانه وتعالى الذي خلق السماوات والأرض بالحق، يوم يقول الله للشيء: كن فيكون، حين يقول يوم القيامة: قوموا فيقومون، قوله الصدق الذي سيقع لا محالة، وله سبحانه وتعالى وحده الملك يوم القيامة حين يَنْفُخُ إسرافيل في القَرْن النفخة الثانية، عالم ما غاب وعالم ما شوهد، وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير الذي لا يخفى عليه شيء، فبواطن الأمور عنده كظواهرها.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٧٤

واذكر - أيها الرسول - حين قال إبراهيم عليه السلام لأبيه المشرك آزر: يا أبتِ، أتجعل الأصنام آلهة تعبدها من دون الله؟! إني أراك وقومك الذين يعبدون الأوثان في ضلال بَيِّنٍ، وحيرة عن طريق الحق بسبب عبادتكم غير الله، فهو سبحانه المعبود بحق، وغيره معبود بالباطل.

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ ۝٧٥

وكما أريناه ضلال أبيه وقومه نريه ملك السماوات والأرض الواسع؛ ليستدل بذلك الملك الواسع على وحدانية الله واستحقاقه العبادة وحده؛ ليكون من الموقنين بأن الله واحد لا شريك له، وأنه قادر على كل شيء.

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا قَالَ هَٰذَا رَبِّى فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ۝٧٦

فحين أظلم عليه الليل، رأى كوكبًا، فقال: هذا ربي، فلما غاب الكوكب قال: لا أحب من يغيب؛ لأن الإله الحق حاضر لا يغيب.

فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّى فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ ۝٧٧

وحين رأى القمر طالعًا قال: هذا ربي، فلما غاب قال: لئن لم يوفقني الله لتوحيده وعبادته وحده لأكونن من القوم البعيدين عن دينه الحق.

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ۝٧٨

وحين رأى الشمس طالعة قال: هذا الطالع ربي، هذا الطالع أكبر من الكوكب ومن القمر، فلما غابت قال: يا قوم، إني بريء مما تشركون مع الله.

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٧٩

إني أخلصت ديني للذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد الخالص، ولست من المشركين الذين يعبدون معه غيره.

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ۝٨٠

وخاصمه قومه المشركون في توحيد الله سبحانه، وخَوَّفُوهُ من أصنامهم، فقال لهم: أتخاصمونني في توحيد الله وإفراده بالعبادة، وقد وفقني ربي إليه، ولست أخاف من أصنامكم، فإنها لا تملك ضُرًّا فَتَضُرَّنِي ولا نفعًا فَتَنْفَعَنِي إلا أن يشاء الله، فما شاء الله كائن، ومع عِلْم الله كلَّ شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، أفلا تتذكرون - يا قوم - ما أنتم عليه من الكفر بالله والشرك به فتؤمنوا بالله وحده؟!

وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًا فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٨١

وكيف يقع مني خوف لما تعبدون من دون الله من أوثان، ولا يقع منكم أنتم خوف لشرككم بالله حين أشركتم معه ما خلقه دون برهان لكم على ذلك؟! فأيّ الْجَمْعَيْنِ -جَمْعِ الموحِّدين وجَمْعِ المشركين- أولى بالأمن والسلامة؟ إن كنتم تعلمون أَوْلاهما فاتبعوه، وأَوْلاهما - دون ريب - هو جمع المؤمنين الموحدين.

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ۝٨٢

الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، لهم الأمن والسلامة وحدهم دون غيرهم، وهم موفقون، وفقهم ربهم لطريق الهداية.

وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ۝٨٣

وتلك الحجة وهي قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ...﴾ التي غلب إبراهيم بها قومه حتى انقطعت حجتهم، هي حجتنا وفَّقْناه لمُحاجَّة قومه بها، وأعطيناه إياها، نرفع من نشاء من عبادنا مراتب في الدنيا والآخرة، إن ربك - أيها الرسول - حكيم في خلقه وتدبيره، عليم بعباده.

وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٨٤

ورزقنا إبراهيم ابنه إسحاق وحفيده يعقوب، ووفقنا كلًّا منهما للصراط المستقيم، ووفقنا نوحًا من قبلهم، ووفقنا لطريق الحق من ذرية نوح كلًّا من داود وابنه سليمان وأيوب ويوسف وموسى وأخيه هارون عليهم السلام، ومثل هذا الجزاء الذي جازينا به الأنبياء على إحسانهم نجازي به المحسنين من غيرهم على إحسانهم.

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٨٥

ووفقنا كذلك كلًّا من زكريا ويحيى وعيسى بن مريم وإلياس عليهم السلام، وكل هؤلاء الأنبياء من الصالحين اختارهم الله رسلًا.

وَإِسْمَٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨٦

ووفقنا كذلك إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا عليهم السلام، وكل هؤلاء الأنبياء وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم فضلناهم على العالمين.

وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَٰهُمْ وَهَدَيْنَٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٨٧

ووفقنا بعض آبائهم وبعض أبنائهم وبعض إخوانهم ممن شئنا توفيقه، واخترناهم، ووفقناهم لسلوك الطريق المستقيم الذي هو طريق توحيد الله وطاعته.

ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٨٨

ذلك الذي حصل لهم من التوفيق هو توفيق الله يوفق له من شاء من عباده، ولو أشركوا مع الله غيره لبطل عملهم؛ لأن الشرك مبطل للعمل الصالح.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَٰفِرِينَ ۝٨٩

أولئك الأنبياء المذكورون هم الذين أعطيناهم الكتب، وأعطيناهم الحكمة، وأعطيناهم النبوة، فإن يكفر قومك بما أعطيناهم من هذه الثلاثة فقد هيأنا لها وأرصدنا قومًا ليسوا بكافرين بها، بل هم مؤمنون مستمسكون بها، وهم المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَٰلَمِينَ ۝٩٠

أولئك الأنبياء، ومن ذُكِرَ معهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، هم أهل الهداية حقًّا، فَاتَّبِعْهُم وتَأَسَّ بهم، وقل - أيها الرسول - لقومك: لا أطلب منكم على إبلاغ هذا القرآن جزاء، فالقرآن ليس إلا موعظة للعالمين من الإنس والجن ليسترشدوا به إلى الصراط المستقيم، والطريق الصحيح.

وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ۝٩١

وما عَظَّمَ المشركون الله حق تعظيمه حين قالوا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ما أنزل الله على بشر شيئًا من الوحي، قل لهم - أيها الرسول -: من الذي أنزل التوراة على موسى نورًا وهداية وإرشادًا لقومه؟ يجعلها اليهود في دفاتر يظهرون منها ما يوافق أهواءهم، ويكتمون ما يخالفها كصفة محمد صلى الله عليه وسلم، وعُلِّمْتُم أنتم - أيها العرب - من القرآن ما لم تعلموا أنتم ولا أسلافكم من قبل، قل لهم - أيها الرسول -: أنزلها الله، ثم اتركهم في جهلهم وضلالهم يستهزئون ويسخرون حتى يأتيهم اليقين.

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ۝٩٢

وهذا القرآن كتاب أنزلناه عليك - أيها النبي - وهو كتاب مبارك مصدق لما سبقه من الكتب السماوية، لتنذر به أهل مكة وسائر الناس في مشارق الأرض ومغاربها حتى يهتدوا، والذين يؤمنون بالحياة الآخرة يؤمنون بهذا القرآن، ويعملون بما فيه، ويحافظون على صلاتهم بإقامة أركانها وفروضها ومستحباتها في أوقاتها المحددة لها شرعًا.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ ۝٩٣

لا أحد أعظم ظلمًا ممن اختلق على الله كذبًا بأن قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، أو قال كذبًا: إن الله أوحَى إليه، والله لم يوحِ إليه شيئًا، أو قال: سأنزل مثل ما أنزل الله من القرآن، ولو ترى - أيها الرسول - حين تصيب هؤلاء الظالمين سكرات الموت، والملائكة باسطو أيديهم إليهم بالتعذيب والضرب، يقولون لهم على سبيل التعنيف: أَخرجوا أنفسكم، فنحن نقبضها، في هذا اليوم تجزون عذابًا يهينكم ويذلكم بسبب ما كنتم تقولون على الله من الكذب بادعاء النبوة والوحي وإنزال مثل ما أنزل الله، وبسبب تكبركم عن الإيمان بآياته، لو ترى ذلك لرأيت أمرًا فظيعًا.

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَٰٓؤُا۟ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ۝٩٤

ويقال لهم يوم البعث: ولقد أتيتمونا في هذا اليوم أفرادًا، لا مال معكم ولا رئاسة، كما أنشأناكم أول مرة حُفاة عراة غُرْلًا، وتركتم ما أعطيناكم من ذلك خلفكم في الدنيا رغمًا عنكم، وما نرى اليوم معكم آلهتكم الذين زعمتم أنهم وسطاء لكم، وزعمتم أنهم شركاء لله في استحقاق العبادة، لقد تقطع الوِصَال بينكم، وذهب عنكم ما كنتم تزعمون من شفاعتهم، وأنهم شركاء لله.

إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ۝٩٥

إن الله وحده هو الذي يشق الحب فيخرج منه الزروع، ويشق النوى فيخرج منه الشجر كالنخل والعنب وغيرهما، يخرج الحي من الميت؛ إذ يخرج الإنسان وسائر الحيوان من النطفة، ويخرج الميت من الحي؛ إذ يخرج النطفة من الإنسان والبيضة من الدجاج، ذلكم الذي يصنع هذا هو الله الذي خلقكم، فكيف تُصرفون - أيها المشركون - عن الحق مع ما تشاهدونه من بديع صنعه؟!

فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ۝٩٦

وهو سبحانه وتعالى الذي يشق ضوء الصباح من ظلمة الليل، وهو الذي جعل الليل سكنًا للناس يسكنون فيه عن الحركة لطلب المعاش؛ ليستريحوا من تعبهم في طلبه في النهار، وهو الذي جعل الشمس والقمر يجريان بحساب مُقَدَّر، ذلك المذكور من بديع الصُّنْع هو تقدير العزيز الذي لا يغالبه أحد، العليم بخلقه وما يصلح لهم.

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٩٧

وهو سبحانه وتعالى الذي خلق لكم - يا بني آدم - النجوم في السماء لتهتدوا بها في أسفاركم إذا اشتبهت عليكم الطرق في البر والبحر، قد بيَّنا الأدلة والبراهين الدالة على قدرتنا، لقوم يتدبرون تلك الأدلة والبراهين فيستفيدون منها.

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ۝٩٨

وهو سبحانه وتعالى الذي خلقكم من نفس واحدة هي نفس أبيكم آدم، فقد بدأ خلقكم بخلق أبيكم من طين، ثم خلقكم منه، وخلق لكم ما تستقرون فيه، كأرحام أمهاتكم، ومُسْتَودعًا تُسْتَوْدَعُونَ فيه، كأصلاب آبائكم، قد بيَّنا الآيات لقوم يفهمون كلام الله.

وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٩٩

وهو سبحانه وتعالى الذي أنزل من السماء ماء هو ماء المطر، فأنبتنا به كل صنف من أصناف النبات، فأخرجنا من النبات زرعًا وشجرًا أخضر، نخرج منه حبًّا يركب بعضه بعضًا كما يقع في السنابل، ومن طَلْع النخل تخرج عذوقه قريبة ينالها القائم والقاعد، وأخرجنا بساتين من العنب، وأخرجنا الزيتون والرمان متماثلًا ورقهما، مختلفًا ثمرهما، انظروا - أيها الناس - إلى ثمره أول ما يبدو، وإليه حين ينضج، إن في ذلكم - أيها الناس - لأدلة واضحة على قدرة الله لقوم يؤمنون بالله، فهم الذين يستفيدون من هذه الأدلة والبراهين.

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ۝١٠٠

وصَيَّرَ المشركون الجن شركاء لله في العبادة حين اعتقدوا أنها تنفع وتضر، وقد أوجدهم الله، ولم يخلقهم غيره، فهو أولى بأن يُعبَدَ، واختلقوا له بنين كما فعلت اليهود بعُزَير، والنصارى بعيسى، وبنات كما فعل المشركون بالملائكة، تنزَّهَ وتقدَّسَ عما يصفه به أهل الباطل.

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝١٠١

وهو سبحانه وتعالى خالق السماوات وخالق الأرض على غير مثال سابق، كيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة؟! وهو قد خلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ۝١٠٢

ذلكم - أيها الناس - المتصف بتلك الصفات هو ربكم، فلا رب لكم غيره، ولا معبود بحق غيره، وهو موجد كل شيء، فاعبدوه وحده، فهو المستحق للعبادة، وهو على كل شيء حفيظ.

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ۝١٠٣

لا تحيط به الأبصار، وهو سبحانه يدرك الأبصار، ويحيط بها، وهو اللطيف بعباده الصالحين، الخبير بهم.

قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ۝١٠٤

قد جاءكم - أيها الناس - حجج واضحة وبراهين جلية من ربكم، فمن تَعَقَّلَها وأذعن فَنَفْعُ ذلك يعود إليه، ومن عمي عنها، ولم يَتَعَقَّلْها، ولم يُذْعِن لها، فضرر ذلك مقصور عليه، ولست عليكم رقيبًا، أحصي أعمالكم، إنما أنا رسول من ربي، وهو الرقيب عليكم.

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝١٠٥

وكما نَوَّعنا الأدلة والبراهين على قدرة الله نُنَوِّع الآيات في الوعد والوعيد والوعظ، وسيقول المشركون: ليس هذا وحيًا، وإنما دَرَسْتَهُ عن أهل الكتاب من قبلك. ولنُبيِّن الحق للناس بتنويعنا لهذه الآيات للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فهم الذين يقبلون الحق، ويتبعونه.

ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝١٠٦

اتبع - أيها الرسول - ما يوحيه إليك ربك من الحق، فهو سبحانه لا معبود بحق غيره، ولا تشغل قلبك بالكافرين وعنادهم، فأمرهم إلى الله.

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ وَمَا جَعَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ۝١٠٧

ولو شاء الله ألا يشركوا به أحدًا ما أشركوا به أحدًا، وما جعلناك - أيها الرسول - رقيبًا تحصي عليهم أعمالهم، ولست عليهم بقيِّم، إنما أنت رسول، وما عليك إلا البلاغ.

وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٠٨

ولا تسبوا - أيها المؤمنون - الأصنام التي يعبدها المشركون مع الله، وإن كانت أحقر شيء وأولاه بالسب؛ حتى لا يسب المشركون الله تطاولًا عليه، وجهلًا بما يليق به سبحانه، وكما زُيِّن لهؤلاء ما هم عليه من الضلال زَيَّنا لكل أمة عملهم، خيرًا كان أو شرًّا، فَأَتَوْا ما زَيَّنا لهم منه، ثم إلى ربهم مرجعهم يوم القيامة، فيخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا، ويجازيهم عليه.

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٠٩

وأقسم المشركون بالله أشد أيمانهم التي يقدرون عليها: لئن جاءهم محمد بآية من الآيات التي اقترحوها ليؤمِنُنَّ بها، قل لهم - أيها الرسول -: الآيات ليست عندي فأُنزلها، إنما هي عند الله ينزلها متى شاء، وما يدريكم - أيها المؤمنون - أن هذه الآيات إذا جاءت وفق ما اقترحوه لا يؤمنون؟ بل يبقون على عنادهم وجحودهم؛ لأنهم لا يريدون الهداية.

وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝١١٠

ونُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم بالحيلولة بينها وبين الاهتداء للحق، كما حُلْنَا بينهم وبين الإيمان بالقرآن أول مرة بسبب عنادهم، ونتركهم في ضلالهم وتمردهم على ربهم حيارى يتخبطون.

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ۝١١١

ولو أننا أجبناهم بالإتيان بما اقترحوه، فنزلنا عليهم الملائكة وشاهدوهم، وكلمهم الموتى، وأخبروهم بصدقك فيما جئت به، وجمعنا لهم كل شيء مما اقترحوه يواجهونه معاينة؛ ما كانوا ليؤمنوا بما جئت به، إلا من شاء الله له الهداية منهم، ولكن أكثرهم يجهلون ذلك، فلا يلجؤون إلى الله ليوفّقهم للهداية.

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ۝١١٢

وكما ابتليناك بمعاداة هؤلاء المشركين لك ابتلينا كل نبي من قبلك، فجعلنا لكل واحد منهم أعداءً من مَرَدَة الإنس، وأعداءً من مَرَدَة الجن، يوسوس بعضهم لبعض فيزينون لهم الباطل ليخدعوهم، ولو شاء الله ألا يفعلوا ذلك ما فعلوه، ولكنه شاء لهم ذلك ابتلاء، فاتركهم وما يفترون من الكفر والباطل، ولا تعبأ بهم.

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ۝١١٣

ولِتَميل إلى ما يوسوس به بعضهم لبعض، قلوبُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليقبلوه لأنفسهم، ويرتضوه لها، وليكتسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي والآثام.

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًا وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ۝١١٤

قل - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره: هل يعقل أن أقبل غير الله حكمًا بيني وبينكم؟ فالله هو الذي أنزل عليكم القرآن مُبيِّنًا مُسْتوفِيًا لكل شيء، واليهود الذين أعطيناهم التوراة، والنصارى الذين أعطيناهم الإنجيل، يعلمون أن القرآن مُنزَّل عليك مشتملًا على الحق، لما وجدوه في كتابيهما من الدليل على ذلك، فلا تكونن من الشاكِّين فيما أوحينا إليك.

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝١١٥

وبَلَغَ القرآنُ غاية الصدق في الأقوال والأخبار، لا مُغيِّر لكلماته، وهو السميع لأقوال عباده، العليم بها، فلا يخفى عليه شيء منها، وسيجازي من يسعى لتبديل كلماته.

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ۝١١٦

ولو قُدِّر أنك أطعت - أيها الرسول - أكثر من في الأرض من الناس يضلونك عن دين الله، فقد جرت سُنَّة الله أن يكون الحق مع القلة، فأكثر الناس لا يتبعون إلا الظن الذي لا مستند له، حيث ظنوا أن معبوداتهم تقربهم إلى الله زُلْفَى، وهم يكذبون في ذلك.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ۝١١٧

إن ربك - أيها الرسول - أعلم بمن يضل عن سبيله من الناس، وهو أعلم بالمهتدين إليها، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ ۝١١٨

فكلوا - أيها الناس - مما ذُكِر اسم الله عليه عند الذبح، إن كنتم مؤمنين حقًّا ببراهينه الواضحة.

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ ۝١١٩

ما الذي يمنعكم - أيها المؤمنون- من أن تأكلوا مما ذُكِر اسمُ الله عليه، وقد بيَّن لكم الله ما حرمه عليكم، فيجب عليكم تركه، إلا إذا ألجأتكم إليه الضرورة، فالضرورة تبيح المحظور، وإن كثيرًا من المشركين ليبعدون أتباعهم عن الحق بسبب آرائهم الفاسدة جهلًا منهم، حيث يُحِلُّون ما حرَّم الله عليهم من الميتة وغيرها، ويحرِّمون ما أحل الله لهم من البَحِيرة والوَصِيلة والحامي وغيرها، إن ربك - أيها الرسول- هو أعلم بالمتجاوزين لحدود الله، وسيجازيهم على تجاوزهم لحدوده.

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ ۝١٢٠

واتركوا - أيها الناس - ارتكاب المعاصي في العلانية والسر، إن الذين يرتكبون المعاصي في السر أو العلانية، سيجزيهم الله على ما اكتسبوه منها.

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ۝١٢١

ولا تأكلوا - أيها المسلمون - مما لم يُذكر اسم الله عليه، سواء ذُكِر عليه اسم غيره أو لا، وإن الأكل منه لخُروج عن طاعة الله إلى معصيته، وإن الشياطين ليُوسْوِسون إلى أوليائهم بإلقاء الشُّبَه ليجادلوكم في أكل الميتة، وإن أطعتموهم - أيها المسلمون - فيما يلقونه من الشُّبَه - لإباحة الميتة - كنتم أنتم وهم سواء في الشرك.

أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٢٢

وهل يستوي الذي كان قبل هداية الله له ميتًا - لما هو فيه من الكفر والجهل والمعاصي - فأحييناه بهدايته للإيمان والعلم والطاعة - مع من هو في ظلمات الكفر والجهل والمعاصي لا يستطيع الخروج منها، قد التبست عليه الطرق، وأظلمت عليه المسالك؟! كما حُسِّن لهؤلاء المشركين ما هم عليه من الشرك وأكل الميتة والجدال بالباطل حُسِّن للكافرين ما كانوا يعملون من المعاصي ليجازوا عليها يوم القيامة بالعذاب الأليم.

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝١٢٣

ومثل ما حصل من أكابر المشركين في مكة من صدٍّ عن سبيل الله، جعلنا في كل قرية رؤساء وعظماء يعملون حيلهم وكيدهم في الدعوة إلى سبيل الشيطان ومحاربة الرسل وأتباعهم، والواقع أن مكرهم وكيدهم إنما يعود عليهم، ولكنهم لا يحسون بذلك لجهلهم واتباع أهوائهم.

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ ۝١٢٤

وإذا جاءت كُبراءَ الكفار آيةٌ من الآيات التي ينزلها الله على نبيه، قالوا: لن نؤمن حتى يعطينا الله مثل ما أعطى الأنبياء من النبوة والرسالة، فردَّ الله عليهم بأنه أعلم بمن هو صالح للرسالة والقيام بأعبائها، فيختصه بالنبوة والرسالة. سينال هؤلاء الطغاة ذلٌّ وإهانةٌ لتكبُّرهم عن الحق، وعذاب شديد بسبب مكرهم.

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٢٥

فمن يرد الله أن يوفقه إلى طريق الهداية يفسح صدره ويهيئه لقبول الإسلام، ومن يرد أن يخذله ولا يوفِّقه للهداية يجعل صدره شديد الضيق عن قبول الحق، بحيث يمتنع دخول الحق إلى قلبه كامتناع ارتقائه إلى السماء وعجزه عن ذلك بذاته، وكما جعل الله حال الضال بهذه الحال من الضيق الشديد يجعل العذاب على الذين لا يؤمنون به.

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ۝١٢٦

وهذا الدين الذي شرعناه لك -أيها الرسول - هو صراط الله المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، قد بيَّنا الآيات لمن له وَعْي وفهم يَعِي به عن الله.

لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٢٧

لهم دار يَسْلَمُون فيها من كل مكروه وهي الجنة، والله ناصرهم ومؤيدهم جزاءً على ما كانوا يعملون من الصالحات.

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ۝١٢٨

واذكر - أيها الرسول - يوم يحشر الله الثَّقَلَيْن من الإنس والجن، ثم يقول الله: يا معشر الجن، قد أكثرتم من إضلال الإنس وصدهم عن سبيل الله، وقال أتباعهم من الإنس مجيبين ربهم: يا ربنا، تَمَتَّع كل منا بصاحبه، فالجنِّي تَمَتَّع بطاعة الإنسي له، والإنسي تَمَتَّع بنيل شهواته، وبلغنا الأجل الذي أجَّلت لنا، فهذا يوم القيامة، قال الله: النار مُسْتَقَرُّكم خالدين فيها إلا ما شاء الله من قَدْرِ مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار، إن ربك - أيها الرسول - حكيم في تقديره وتدبيره، عليم بعباده، وبمن يستحق منهم العذاب.

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝١٢٩

وكما وَلَّينا المَرَدَة من الجن، وسَلَّطناهم على بعض الناس ليضلوهم، نولي كل ظالم ظالمًا يحثه على الشر ويحضه عليه، وينفِّره عن الخير، ويزهِّده فيه؛ جزاءً لهم على ما كانوا يكسبون من المعاصي.

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ ۝١٣٠

ونقول لهم يوم القيامة: يا معشر الإنس والجن، ألم يأتكم رسل من جنسكم - فهم من الإنس - يتلون عليكم ما أنزل الله عليهم، ويخوِّفونكم لقاء يومكم هذا الذي هو يوم القيامة؟ قالوا: بلى، أقررنا اليوم على أنفسنا بأن رسلك قد بلَّغونا، وأقررنا بلقاء هذا اليوم، لكن كذبنا رسلك، وكذَّبنا بلقاء هذا اليوم. وخدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من زينة وزُخْرف ونعيم زائل، وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا كافرين بالله وبرسله، ولن ينفعهم هذا الإقرار ولا الإيمان؛ لفوات وقته.

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ ۝١٣١

ذلك الإعذار بإرسال الرسل إلى الإنس والجن لئلا يُعاقَب أحدٌ على ما جناه وهو لم يُرْسَل إليه رسول، ولم تبلغه دعوة، فلم نعذب أمة من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم.

وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ۝١٣٢

ولكل منهم درجات بحسب أعمالهم، فلا يستوي كثير الشر وقليله، ولا التابع والمتبوع، كما لا يستوي ثواب الذين يعملون الصالحات، وليس ربك بغافل عما كانوا يعملونه، بل هو مطلع عليه، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيهم على أعمالهم.

وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ ۝١٣٣

وربُّك - أيها الرسول - هو الغني عن عباده، فلا يحتاج إليهم، ولا إلى عبادتهم، ولا يضره كفرهم، ومع غناه عنهم فهو ذو رحمة بهم، إن يشأ إهلاككم - أيها العباد العُصاة - يَسْتَأْصِلْكم بعذاب من عنده، ويوجد بعد إهلاككم من يشاء ممن يؤمنون به ويطيعونه، كما خلقكم أنتم من نسل قوم آخرين كانوا قبلكم.

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ۝١٣٤

إن ما توعدون به - أيها الكفار- من البعث والنشور والحساب والعقاب لآتٍ لا مَحَالة، ولن تفوتوا ربكم بالهرب، فهو آخذ بنواصيكم، ومعذبكم بعذابه.

قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝١٣٥

قل - أيها الرسول -: يا قوم اثبتوا على طريقتكم وما أنتم عليه من الكفر والضلال، فقد أعذرت وأقمت الحجة عليكم بالبلاغ المبين، فلست مباليًا بكفركم وضلالكم، بل سأثبت على ما أنا عليه من الحق، فستعلمون من يكون له النصر في الدنيا، ومن يرث الأرض، ومن له الدار الآخرة، إنه لا يفوز المشركون لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل عاقبتهم الخسران، وإن تمتعوا بما تمتعوا به في الدنيا.

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًا فَقَالُوا۟ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ۝١٣٦

وابتدع المشركون بالله أن جعلوا لله مما خلق من الزروع والأنعام قِسْمًا، فزعموا أنه لله، وقِسْمًا آخر لأوثانهم وأنصابهم، فما خصَّصوه لشركائهم لا يصل إلى المصارف التي شرع الله الصرف فيها كالفقراء والمساكين، وما خصَّصوه لله فهو يصل إلى شركائهم من الأوثان يصرف في مصالحها، ألا ساء حكمهم وقسمتهم.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ