انتقل إلى المحتوى
السبيل

سورة البقرة، الآية 217

2:217 الجزء 2 الحزب 4 الصفحة 34 من المصحف سورة مدنية

نص الآية 2:217

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢١٧

ترجمة معاني الآية بلغة أخرى
محمود خليل الحصري اقرأ الآية في سياق السورة

الآية 217 من سورة البقرة (2:217)، وهي سورة مدنية، تقع في الجزء 2، في الصفحة 34 من المصحف. اقرأها بالرسم العثماني مع تفسيرها، واستمع إليها بصوت 69 قارئًا.

استمع إلى الآية 217 من سورة البقرة

75 تلاوة بأصوات 69 قارئًا: اختر صوتًا تبدأ التلاوة في المشغّل.

كل الأصوات (75)

تفسير الآية 217

المختصر في التفسير

يسألك الناس - أيها النبي - عن حكم القتال في الأشهر الحرم: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، قل مجيبًا إياهم: القتال في هذه الأشهر عظيم عند الله ومستنكر، كما أن ما يقوم به المشركون من صد عن سبيل الله مستقبح كذلك، ومنع المؤمنين عن المسجد الحرام، وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام، والشرك الذي هم فيه أعظم من القتل. ولا يزال المشركون على ظلمهم يقاتلونكم - أيها المؤمنون - حتى يردوكم عن دينكم الحق إلى دينهم الباطل إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ومن يرجع منكم عن دينه، ويمت وهو على الكفر بالله؛ فقد بطل عمله الصالح، ومآله في الآخرة دخول النار وملازمتها أبدًا.

التفسير الميسر

يسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه، ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم، بل هم مستمرون عليها، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن يطعهم منكم -أيها المسلمون- ويرتدد عن دينه فيمت على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.

من كتب التفسير

تفسير ابن كثير الآيات 217 إلى 218

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، حدثني الحضرمي عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فلما ذهب ينطلق، بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسه، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو … تابع القراءة

تفسير الطبري

يعني بذلك جل ثناؤه: يسألك يا محمد أصحابك عن الشهر الـحرام وذلك رجب عن قتال فـيه. وخفض «القتال» علـى معنى تكرير عن علـيه، وكذلك كانت قراءة عبد الله بن مسعود فـيـما ذكر لنا. وقد: حدثت عن عمار بن الـحسن، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع قوله:{ يَسألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الـحَرَامِ قِتالٍ فِـيهِ} قال: يقول: يسألونك عن قتال فـيه. قال: وكذلك كان يقرؤها: «عن قتال فـيه». قال أبو جعفر: قل يا مـحمد قتال فـيه، يعنـي فـي الشهر الـحرام كبـير: أي عظيـم عند الله استـحلاله، وسفك الدماء فـيه. ومعنى قوله:{ قِتالٍ فِـيهِ} قل القتال فـيه كبـير. وإنـما قال: قل قتال فـيه كبـير، لأن العرب كانت لا تقرع … تابع القراءة

تفسير القرطبي الآيات 217 إلى 218

فيه ٱثنتا عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ} تقدّم القول فيه. وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فُضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهنّ في القرآن: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } [البقرة: 222]، «يسألونك عن الشهر الحرام»، { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ } [البقرة: 220]؛ ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. قال ٱبن عبد البر: ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. وروى أبو السوار عن جُنْدب بن عبد الله أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث رهطاً وبعث عليهم أبا عبيدة بن … تابع القراءة

تفسير السعدي

الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ، لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها، تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في البلد الحرام. ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل، لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما … تابع القراءة

تفسير الجلالين

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أول سراياه وعليها عبد الله بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل : { يسألونك عن الشهر الحرام } المحرم { قتال فيه } بدل اشتمال { قل } لهم { قتال فيه كبير } عظيم وزرا مبتدأ وخبر { وصد } مبتدأ منع للناس { عن سبيل الله } دينه { وكفر به } بالله { و } صد عن { المسجد الحرام } أي مكة { وإخراج أهله منه } وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وخبر المبتدأ { أكبر } أعظم وزرا { عند الله } من القتال فيه { والفتنة } الشرك منكم { أكبر من القتل } لكم فيه { ولا يزالون } أي الكفار { يقاتلونكم } أيها … تابع القراءة

تفسير البغوي الآيات 217 إلى 218

قوله تعالىٰ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أخت أبيه في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمه إلى المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال له: «سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فإذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم … تابع القراءة

التحرير والتنوير

{. من أهم تفاصيل الأحوال في القتال الذي كتب على المسلمين في الآية قبل هذه، أن يعلموا ما إذا صادف القتال بينهم وبين المشركين الأشهرَ الحُرمَ إذ كان محجراً في العرب من عهد قديم، ولم يذكر الإسلام إبطال ذلك الحجر؛ لأنه من المصالح قال تعالى { { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام } } [المائدة: 97] فكان الحال يبعث على السؤال عن استمرار حرمة الشهر الحرام في نظر الإسلام. روى الواحدي في «أسباب النزول» عن الزهري مرسلاً وروى الطبري عن عروة بن الزبير مرسلاً ومطوَّلاً، أن هذه الآية نزلت في شأن سَريَّة عبد الله بن جَحْش، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في ثمانية من أصحابه يتلقّى … تابع القراءة

أضواء البيان

قوله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ}. لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك أولا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى: { ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ }[المائدة: 3] الآية.. وبين في مواضع أُخر أنه مظهر دين الإسلام على كل دين كقوله في براءة، والصف والفتح: { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ }[التوبة: 33].

زاد المسير

قوله تعالى: {يسئلونك عن الشهر الحرامِ قتالٍ فيه} روى جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث رهطاً واستعمل عليهم أبا عبيدة، فلما انطلق ليتوجه بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتاباً، وأمره ألا يقرأه إلا بمكان كذا وكذا، وقال: «لا تكرهنَّ أحداً من أصحابك على المسير معك» فلما صار إِلى المكان، قرأ الكتاب واسترجع، وقال: سمعاً [وطاعة لأمر] الله ولرسوله [فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب]، فرجع رجلان من أصحابه، ومضى بقيتهم، فأتوا ابن الحضرمي فقتلوه، فلم يدروا ذلك اليوم، أمِن رجب، أو من جمادى الآخرة؟ فقال المشركون [للمسلمين]: قتلتم في الشهر … تابع القراءة

تفسير سورة البقرة كاملة

سبب نزول الآية 217 من سورة البقرة

أسباب النزول للواحدي

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية. [٢١٧].

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الشيرازي، حدَّثنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن خِمَيْرُوَيْةِ الهروي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الخزاعي، حدَّثنا أبو اليمان: الحكم بن نافع، أخبرني شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال:

أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث سرّية من المسلمين وأمرَ عليهم عبد الله بن جَحْش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نَخْلَة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش، في يوم يقي من الشهر الحرام؛ فاختصم المسلمون فقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلاَّ من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أَشْفَيْتُم عليه. فغلب عَلَى الأمْر الذين يريدون عرض الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين وبين المشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أَتُحِلُّ القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ﴾ إلى آخر الآية.

أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد الحارثي. أخبرني عبد الله بن محمد بن جعفر، حدَّثنا عبد الرحمن بن محمد الرازيّ، حدَّثنا سهل بن عثمان، حدَّثنا يحيى بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق، عن الزّهري قال.

تتمة النص

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن جحش ومعه نفر من المهاجرين، فقتل عبد الله بن وَاقِد الليثيُّ عمرو بن الحضرمي، في آخر يوم من رجب وأسروا رجلين، واستاقوا العير، فوقف على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لم آمركم بالقتال في الشهر الحرام. فقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام، فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي قد كانوا يفتنونكم وأنتم في حرم الله بعد إيمانكم، وهذا أكبر عند الله من أن تقتلوهم في الشهر الحرام مع كفرهم بالله.

قال الزهري: لما نزل هذا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير وفَادَى الأسيرين. ولما فرّج الله تعالى عن أهل تلك السرية ما كانوا فيه من غم، طمعوا فيما عند الله من ثوابه، فقالوا: يا نبي الله أنطمع أن تكون غزوة ولا نعطى فيها أجر المجاهدين في سبيل الله، فأنزل الله تعالى فيها: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾ الآية.

قال المفسرون: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقّاص الزهري، وعُكَّاشَة بن محْصَن الأسدي، وعُتْبة بن غَزْوان السلمي، وأبا حُذَيْفَة بن عتبة بن ربيعة، وسُهَيْل بن بيضاء، وعامر بن ربيعة، ووَاقِد بن عبد الله، وخالد بن بُكَيْر؛ وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله، ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين، فإذا نزلت منزلين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امض لما أمرتك، ولا تستكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك، فسار عبد الله يومين، ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نَخْلَةَ، فترصَّد بها عير قريش لعلّك أن تأتينا منه بخبر" فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمعاً وطاعة، ثم قال لأصحابه ذلك وقال: إنه قد نهاني أن أستكره أحداً منكم، حتى إذا كان بمَعْدِن فوق الفُرُع، وقد أضل سعد بن ابي وقّاص وعُتْبة بن غَزْوان بعيراً لهما كانا يَعْتَقِبَانِه، فأستأذنا أن يتخلفا في طلب بعيرهما، فأذن لهما، فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى وصلوا بَطْنَ نَخْلة بين مكة والطائف، فبيناهم كذلك إذ مرت بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأَدَماً وتجارة من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحَضْرَمِيّ، والحكم بن كَيْسَان، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، ونَوْفل بن عبد الله، المَخْزُومِيَّان. فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هابوهم، فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم، فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقاً أمنوا وقالوا: قوم عُمَّار، فحلقوا رأس عُكَّاشَة، ثم أشرف عليهم فقالوا: قوم عُمَّار لا بأس عليكم. فأمنوهم، وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى أو هو رجب، فتشاور القوم فيهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة ليَدخلُن الحَرمَ فليمتنعن منكم، فاجمعوا أمرهم في مُوَاقَعَة القوم، فرمى وَاقِد بن عبد الله التَّمِيمِي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، فكان أول قتيل من المشركين، واستأسر الحكم وعثمان، فكانا أول أسيرين في الإسلام. وأفلت نوفل وأعجزهم. واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمدينة فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف ويَيْذَعِرُّ الناس لمعاشهم، فسفكَ فيه الدماء وأخذ فيه الحَرَائب، وعير بذلك أهلُ مكة من كان بها من المسلمين فقالوا: يا معشر الصُّبَاة، استحللتم الشهر الحرام فقاتلتم فيه. وتفاءلت اليهود بذلك وقالوا وَاقِد: وقَدَت الحرب وعمْرو: عَمَرَت الحرب والحَضْرَمي: حَضَرَت الحرب، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لابن جحش واصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ووَقَّفَ العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فعظم ذلك على أصحاب السرية، وظنوا أن قد هلكوا، وسُقِطَ في أيديهم، وقالوا: يا رسول الله، إنا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب، فلا ندري أفي رجب أصبناه أو في جمادى؟ وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ الآية. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي بين اصحاب السَّرِيَّة فكان أول غنيمة في الإسلام. وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال: بل نَقِفُهما حتى يقدم سعد وعتبة، فإن لم يقدما قتلناهما بهما. فلما قدما فاداهما.

وأما الحكم بن كَيْسَان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيداً.

وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافراً.

وأما نَوْفَل فَضَرَب بطنَ فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعاً. فقتله الله تعالى وطلب المشركون جيفته بالثمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوه فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية.

فهذا سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ﴾ والآية التي بعدها.

لباب النقول للسيوطي

قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام الآية أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والبيهقي في سننه عن جندب بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم عبدالله بن جحش فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية فقال بعضهم إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس

لهم أجر فأنزل الله إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم وأخرجه ابن منده في الصحابة من طريق عثمان ابن عطاء عن أبيه عن ابن عباس

أسباب النزول (مركز تفسير)

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} [البقرة: 217، 218].

35 - عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه بعث رهطاً، وبعث عليهم أبا عبيدة، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجلس، فبعث عليهم عبد الله ابن جحش مكانه، وكتب له كتاباً وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك"، فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان ومضى بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى؟. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام؟! فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزراً فليس لهم أجر، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)} ¬أخرجه أبو يعلى برقم: 1534، والبيهقي: 9/ 11 - 12، وابن جرير في التفسير: 2/ 356، والطبراني في الكبير برقم: 1670، وقال الهيثمي في المجمع: 6/ 198 رواه الطبراني ورجاله ثقات، وصححه الشوكاني في فتح القدير: 1/ 218 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وصحح السيوطي إسناد البيهقي في الدر: 1/ 250.¥.

36 - وعن عروة بن الزبير -رضي الله عنهما- نحواً من هذا أيضاً - وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} الآية ¬أخرجه ابن جرير في التفسير: 2/ 347، وابن إسحاق في السيرة كما في سيرة ابن هام: 2/ 178، والبيهقي في السنن: 9/ 58 - 59، والواحدي في أسباب النزول: ص 68، وابن سعد: 2/ 10 - 11، وإسناده صحيح إلى عروة، وهو مرسل ويشهد له الحديث السابق، وقد استقصى الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة 3/ 17 طرق هذا الحديث.¥. قال تعالى: {* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)} [البقرة: 219].

من فوائد الآيات

فوائد الآيات من 216 إلى 219 من سورة البقرة (الصفحة 34 من المصحف).

  • الجهل بعواقب الأمور قد يجعل المرء يكره ما ينفعه ويحب ما يضره، وعلى المرء أن يسأل الله الهداية للرشاد.
  • جاء الإسلام بتعظيم الحرمات والنهي عن الاعتداء عليها، ومن أعظمها صد الناس عن سبيل الله تعالى.
  • لا يزال الكفار أبدًا حربًا على الإسلام وأهله حتَّى يخرجوهم من دينهم إن استطاعوا، والله موهن كيد الكافرين.
  • الإيمان بالله تعالى، والهجرة إليه، والجهاد في سبيله؛ أعظم الوسائل التي ينال بها المرء رحمة الله ومغفرته.
  • حرّمت الشريعة كل ما فيه ضرر غالب وإن كان فيه بعض المنافع؛ مراعاة لمصلحة العباد.

معاني كلمات الآية 217 من سورة البقرة

وَالْفِتْنَةُ
الشِّرْكُ.

السراج في بيان غريب القرآن

في كتب غريب القرآن

تذكرة الأريب لابن الجوزي

والشهر الحرام رجب اعلمهم ان تحريم القتال باق فيه ثم نسخ هذا بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجتموهموصد عن سبيل الله مرفوع بالابتداء والمسجد مخفوض على النسق على سبيل الله واخراج اهله حين اضطروا رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه الى الخروج أي هذه الاشياء اعظم من قتل كافروالفتنة الشرك

نزهة القلوب للسجستاني

حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ: أي بطلت.

التبيان لابن الهائم

الشهر الحرام: يأتي بيانه في براءة،

حبطت أعمالهم: بطلت

جذور كلمات الآية 217

كل كلمة مع جذرها: افتح الجذر لترى كل الآيات التي ورد فيها.

إعراب الآية 217 من سورة البقرة

إعراب القرآن للنحاس

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ وفي قراءة عبد الله عن قتال فيه وقراءة عكرمة عن الشهر الحرام قتل فيه بغير ألف وكذا: قل قتل فيه كبير. وقرأ الأعرج ويسئلونك بالواو. عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال أبو جعفر: الخفض عند البصريين على بدل الاشتمال، وقال الكسائي : هو مخفوض على التكرير أي عن قتال فيه، وقال الفراء : هو مخفوض على نيّة «عن»، وقال أبو عبيدة : هو مخفوض على الجوار. قال أبو جعفر: لا يجوز أن يعرب شيء على الجوار في كتاب الله عزّ وجلّ ولا في شيء من الكلام وإنما الجوار غلط وإنما وقع في شيء شاذّ وهو قولهم، هذا جحر ضبّ خرب. والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية: هذان جحرا ضبّ خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ولا يحمل شيء من كتاب الله عزّ وجلّ على هذا، ولا يكون إلّا بأفصح اللّغات وأصحّها، ولا يجوز إضمار «عن»، والقول فيه أنه بدل، وأنشد سيبويه: [الطويل] ٤٨-فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما

فأمّا قتال فيه بالرفع فغامض في العربية. والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه فقوله: «يسألونك» يدلّ على الاستفهام كما قال: [الطويل] ٤٩-أصاح ترى برقا أريك وميضهكلمع اليدين في حبي مكلّل

فالمعنى أترى برقا فحذف ألف الاستفهام لأن الألف التي في أصاح بدل منها وتدلّ عليها وإن كانت حرف النداء وكما قال :[المتقارب] ٥٠-

تروح من الحيّ أم تبتكر

تتمة النص

والمعنى: أتروح فحذف الألف لأن أم تدلّ عليها. قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ابتداء وخبر. وَصَدٌّ ابتداء. عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ خفض بعن. وَكُفْرٌ بِهِ عطف على صدّ. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على سبيل الله. وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ عطف على صدّ وخبر الابتداء. أكرم عند الله ووَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ابتداء وخبر أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام، وقيل: في المسجد الحرام عطف على الشهر أي ويسألونك عن المسجد فقال تعالى وإخراج أهله منه أكبر عند الله وهذا لا وجه له لأن القوم لم يكونوا في شكّ من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين في إخراجهم من منازلهم بمكة فيحتاجوا إلى المسألة عنه هل كان ذلك لهم، ومع ذلك فإنه قول خارج عن قول العلماء لأنهم أجمعوا أنها نزلت في سبب قتل ابن الحضرمي.

التبيان للعكبري

قَوْلُهُ تَعَالَى: قِتَالٍ فِيهِ هُوَ بَدَلٌ مِنَ الشَّهْرِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ ; لِأَنَّ الْقِتَالَ يَقَعُ فِي الشَّهْرِ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ هُوَ مَخْفُوضٌ عَلَى التَّكْرِيرِ يُرِيدُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: عَنْ قِتَالٍ فِيهِ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ ; لِأَنَّهُ قَالَ هُوَ مَخْفُوضٌ بِعَنْ مُضْمَرَةً وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ لَا يَبْقَى عَمَلُهُ بَعْدَ حَذْفِهِ فِي الِاخْتِيَارِ.

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ مَجْرُورٌ عَلَى الْجِوَارِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ قَوْلِهِمَا ; لِأَنَّ الْجِوَارَ مِنْ مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالشُّذُوذِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا وُجِدَتْ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ.

وَفِيهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِقِتَالٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِقَاتِلٍ.

وَقَدْ قُرِئَ بِالرَّفْعِ فِي الشَّاذِّ وَوَجْهُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَهُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ تَقْدِيرُهُ: أَجَائِزٌ قِتَالٌ فِيهِ.

(قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَجَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ ; لِأَنَّهَا قَدْ وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ: فِيهِ.

فَإِنْ قِيلَ: النَّكِرَةُ إِذَا أُعِيدَتْ أُعِيدَتْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَقَوْلِهِ: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، قِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْظِيمَ الْقِتَالِ الْمَذْكُورِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ حَتَّى يُعَادَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ بَلِ الْمُرَادُ تَعْظِيمُ أَيِّ قِتَالٍ كَانَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَعَلَى هَذَا الْقِتَالُ الثَّانِي غَيْرُ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ.

(وَصَدٌّ) : مُبْتَدَأٌ. وَ (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) : صِفَةٌ لَهُ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ (وَكُفْرٌ) : مَعْطُوفٌ عَلَى صَدٍّ. (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ) : مَعْطُوفٌ أَيْضًا، وَخَبَرُ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ (أَكْبَرُ).

وَقِيلَ: خَبَرُ صَدٍّ وَكُفْرٍ مَحْذُوفٌ أَيْضًا أَغْنَى عَنْهُ خَبَرُ إِخْرَاجِ أَهْلِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ عَلَى هَذَا أَكْبَرُ لَا كَبِيرَ كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ مِنْهُ أَكْبَرُ مِنَ الْكُفْرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

وَأَمَّا جَرُّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَقَدْ ضُعِّفَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْأَلُوا عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِذْ لَمْ يَشُكُّوا فِي تَعْظِيمِهِ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِدُخُولِهِ، فَخَافُوا مِنَ الْإِثْمِ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَيَّرُوهُمْ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي بِهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، إِلَّا أَنْ يُعَادَ الْجَارُّ.

وَقِيلَ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى السَّبِيلِ ; وَهَذَا لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ مَعْمُولُ الْمَصْدَرِ وَالْعَطْفُ بِقَوْلِهِ «وَكُفْرٌ بِهِ» يُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّلَةِ وَالْمَوْصُولِ وَالْجَيِّدُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الصَّدُّ تَقْدِيرُهُ: وَيَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [الْفَتْحِ: ٢٥].

(حَتَّى يَرُدُّوكُمْ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَتَّى بِمَعْنَى كَيْ، وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى إِلَى، وَهِيَ فِي الْوَجْهَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُقَاتِلُونَكُمْ، وَجَوَابُ (إِنِ اسْتَطَاعُوا) : مَحْذُوفٌ قَامَ مَقَامُهُ «وَلَا يَزَالُونَ».

(فَيَمُتْ) : مَعْطُوفٌ عَلَى يَرْتَدِدْ، وَيَرْتَدِدْ مُظْهَرٌ لَمَّا سُكِّنَتِ الدَّالُ الثَّانِيَةُ لَمْ يُمْكِنْ تَسْكِينُ الْأُولَى لِئَلَّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَرَبِيَّةِ يَرْتَدُّ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الْمَائِدَةِ بِالْوَجْهَيْنِ، وَهُنَالِكَ تُعَلَّلُ الْقِرَاءَتَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

وَمِنْكُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ.

«وَمَنْ» فِي مَوْضِعِ مُبْتَدَأٍ، وَالْخَبَرُ هُوَ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ قَوْلُهُ: (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ).

قَالَ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (١١٩)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) : الْأَحْسَنُ الْقِرَاءَةُ بِالْبَاءِ ; لِأَنَّهُ يُقَالُ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، وَيُقَالُ فِي الْفَوَاحِشِ الْعِظَامِ الْكَبَائِرُ وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ الصَّغَائِرُ، وَقَدْ قُرِئَ بِالثَّاءِ، وَهُوَ جَيِّدٌ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْكَثْرَةَ كِبَرٌ، وَالْكَثِيرُ كَبِيرٌ، كَمَا أَنَّ الصَّغِيرَ يَسِيرٌ حَقِيرٌ. (وَإِثْمُهُمَا) وَ (نَفْعِهِمَا) : مَصْدَرَانِ مُضَافَانِ إِلَى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِضَافَةَ الْمَصْدَرِ إِلَى الْفَاعِلِ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ هُوَ الَّذِي يُؤْثِمُ.

وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الْإِثْمِ أَوْ مَحَلُّهُ.

(قُلِ الْعَفْوَ) يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ، وَالْمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلِ الْمُنْفِقُ وَهَذَا إِذَا جَعَلْتَ مَاذَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، وَيُقْرَأُ بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ ; وَهَذَا إِذَا جَعَلْتَ مَا وَذَا اسْمًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْعَفْوَ جَوَابٌ وَإِعْرَابُ الْجَوَابِ كَإِعْرَابِ السُّؤَالِ.

(كَذَلِكَ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ تَبْيِينًا مِثْلُ هَذَا التَّبْيِينِ يُبَيِّنُ لَكُمْ.

الناسخ والمنسوخ في الآية 217 من سورة البقرة

الإيضاح لمكي بن أبي طالب

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَن الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتَالٌ فيه كبير﴾

أكثرُ العلماءِ أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ؛ لأنَّ اللهَ عظَّمَ القتالَ في الشهر الحرام. ثم نسخَ ذلك في براءة بقوله: ﴿فَاقْتُلوا المُشْرِكينَ حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وبقوله: ﴿قَاتِلوا الذِينَ لاَ يؤمِنُونَ باللهِ ولاَ باليوم الآخر﴾ [التوبة: ٢٩]. فأباح قتلَهم وقتالهم في كُلِّ موضِعٍ، وفي كُلِّ وقتٍ من شهر حرام وغيره، وهو (قولُ) ابنِ عبَّاس، وقتادة، والضَّحَّاك، والأوزاعي، وابنِ المسَيِّب. وقال عطاءٌ ومجاهدٌ: الآيةُ محكمةٌ، ولا يجوزُ القتالُ في الأشهرِ الحُرمِ. والجماعةُ على خلاف ذلك.

تتمة النص

والأَشهُرُ الحرُمُ التي كان الله قد حرَّم فيها القتالَ ثُمَّ نسخَه لم يختلف فيه أعيانها، وهي: المحرَّمُ، ورجبٌ، وذو القعدة وذو الحجّة. واختُلِفَ في ترتيبها:

فقال (قوم مِن) أهلِ المدينة: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. يجعلونها من سنتين.

وقال بعض المدنيين: أوّلُها رجب، وهي من سنتين؛ لأن النبيَّ - عليه السلام - قدم المدينة (في ربيع الآخر وقد قيل) في ربيع الأول (وأول شهر كان بعد قدومه من الحُرُم) رجب.

وقال الكوفيون: هي من سنة واحدة، وأولها المحرّم، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾. [التوبة: ٣٦].

وأمّا الأشهرُ الحرُمُ المذكورة في أول سورة براءة في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُر الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] (فليست الحُرُمَ) التي كان قد حُرِّمَ فيها القتال المذكور في (سورة) البقرة، ولا هي المذكورةُ في قوله تعالى:﴿مِنْهَا أربَعَةٌ حُرُم﴾ [التوبة: ٣٦].

إنما هي أربعةُ أشهرٍ بعد يوم النَّحْرِ من ذلك العام، وهو عهدٌ كان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش، ويقال لها: أَشهرُ السِّياحة، أمرَ الله المؤمنين أن يَقتلوا المشركين حيثُ وجدوهم بعد انقضاءِ أربعةِ أشهرٍ من يوم النّحر من ذلك العام، وهي آخرُ العهدِ الذي انعقَد بين النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش.

وأشهرُ الحجِّ: شوّال وذو القعدة وعَشْرٌ مِن ذي الحجَّة، (هذا قولُ أبي حنيفة) - رضي الله عنه -.

وقال الشافعي: تسعٌ من ذي الحجة.

وعن مالك: وذو الحجّة كُلُّه.

أحاديث ورد فيها ذكر هذه الآية

آيات ذات صلة بالآية 217

آيات متشابهة في اللفظ

تشترك مع هذه الآية في عبارة واحدة أو أكثر، فيحسن التفريق بينها عند الحفظ.

  • البقرة 2:39

    وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

  • آل عمران 3:22

    أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

  • الأعراف 7:36

    وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

  • آل عمران 3:116

    إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

  • البقرة 2:81

    بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

  • المجادلة 58:17

    لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

جميع متشابهات سورة البقرة

روابط ذات صلة

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ