انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحديد

تفسير القرطبيالآيات 25–29

تفسير سورة الحديد آية آية، من تفسير القرطبي.

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝٢٥ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٢٦

قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات البيّنة والشرائع الظاهرة. وقيل: الإخلاص لله تعالى في العبادة، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ بذلك دعت الرسل: نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي الكتب؛ أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم {وَٱلْمِيزَانَ} قال ٱبن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل في معاملاتهم. وقوله: {بِٱلْقِسْطِ} يدل على أنه أراد الميزان المعروف. وقال قوم: أراد به العدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب:

* عَلَفْتُهَـا تِبناً ومـاءً بـارداً

ويدل على هذا قوله تعالى: { وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ }[الرحمٰن:7] ثم قال: { وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ } } [الرحمٰن:9] وقد مضى القول فيه. {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح. وروى عكرمة عن ٱبن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام: الحجر الأسود وكان أشد بياضاً من الثلج، وعصا موسى وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان والكَلْبَتَان والمِيقَعة وهي المِطرقة؛ ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قال ٱبن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدّادين: السَّنْدَان، والْكَلْبَتَان، والمِيقَعة، والمِطْرقة، والإبرة. وحكاه القشيريّ قال: والمِيقَعة ما يحدّد به؛ يقال وَقَعْتُ الحديدةَ أقعها أي حددتها. وفي الصحاح: والمِيقَعة الموضع الذي يألفه البازِي فيقع عليه، وخشبة القَصّار التي يَدقّ عليها، والمِطْرقة والمِسنّ الطويل. وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء. {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أي لإهراق الدماء. ولذلك نهى عن الفصد والحِجامة في يوم الثلاثاء؛ لأنه يوم جرى فيه الدم. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:في يوم الثلاثاء ساعةً لا يرقأ فيها الدم. وقيل: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} أي أنشأناه وخلقناه؛ كقوله تعالى: { وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ }وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء. وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} يعني السلاح والكُرَاع والجُنة. وقيل: أي فيه من خشية القتل خوف شديد. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} قال مجاهد: يعني جُنَّة. وقيل: يعني ٱنتفاع الناس بالماعون من الحديد، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء؛ ليتعامل الناس بالحق، {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} وليرى الله من ينصر دينه {وَ} ينصر {رُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} قال ٱبن عباس: ينصرونهم لا يكذبونهم، ويؤمنون بهم «بِالْغَيْبِ» أي وهم لا يرونهم. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} «قَوِيُّ» في أخذه «عَزِيزٌ» أي منيع غالب. وقد تقدّم. وقيل: {بِٱلْغَيْبِ} بالإخلاص.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ} فصّل ما أجمل من إرسال الرّسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحاً وإبراهيم وجعل النبوّة في نسلهما {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} أي جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمماً يتلون الكتب المنزلة من السماء: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وقال ٱبن عباس: الكتاب الخط بالقلم {فَمِنْهُمْ} أي من ٱئتمّ بإبراهيم ونوح {مُّهْتَدٍ}. وقيل: {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ} أي من ذريتهما مهتدون. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } كافرون خارجون عن الطاعة.

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَـَٔاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ۝٢٧

فيه أربع مسائل:

الأولى قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا} أي أتبعنا {عَلَىٰ آثَارِهِم} أي على آثار الذرية. وقيل: على آثار نوح وإبراهيم {بِرُسُلِنَا} موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} وهو الكتاب المنزل عليه. وتقدّم ٱشتقاقه في أوّل سورة «آل عمران».

الثانية: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} على دينه يعني الحواريين وأتباعهم {رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي مودّة فكان يواد بَعضهم بعضاً. وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرّفوا الكلِم عن مواضعه. والرأفة اللين، والرحمة الشفقة. وقيل: الرأفة تخفيف الْكَلِّ، والرحمة تحمُّل الثقل. وقيل: الرأفة أشد الرحمة. وتم الكلام. ثم قال: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} أي من قِبل أنفسهم. والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل؛ قال أبو علي: وٱبتدعوها رهبانية ٱبتدعوها. وقال الزجاج: أي ٱبتدعوها رهبانية؛ كما تقول رأيت زيداً وعمراً كلّمت. وقيل: إنه معطوف على الرأفة والرحمة؛ والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيّروا وٱبتدعوا فيها. قال الماوردي: وفيها قراءتان؛ إحداهما بفتح الراء وهي الخوف من الرَّهب. الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرُّهبان كالرُّضْوانية من الرُّضْوان؛ وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع؛ وذلك أن ملوكهم غيّروا وبَدّلوا وبقي نفر قليل فترهّبوا وتبتّلوا. قال الضحاك: إن ملوكاً بعد عيسى عليه السلام ٱرتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم، فٱعتزلوا الناس وٱتخذوا الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ٱبتدعوها رفض النساء وٱتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع:

هي لحوقهم بالبراري والجبال. {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها؛ قاله ٱبن زيد. وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} أي ما أمرناهم إلا بما يرضي الله؛ قاله ٱبن مسلم. وقال الزجاج: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} معناه لم نكتب عليهم شيئاً البَتّة. ويكون {ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} بدلاً من الهاء والألف في «كَتَبْنَاهَا» والمعنى: ما كتبناها عليهم إلا ٱبتغاء رضوان الله. وقيل: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ} الاستثناء منقطع، والتقدير ما كتبناها عليهم لكن ٱبتدعوها ٱبتغاء رضوان الله. {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي فما قاموا بها حق القيام. وهذا خصوص؛ لأن الذين لم يرعوها بعض القوم، وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم كما قال تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } [التوبة:34] وهذا في قوم أدّاهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر. وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس في قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى، فقال أناس لملكهم: لو قتلت هذه الطائفة، فقال المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا. فطائفة قالت: ٱبنوا لنا ٱسطوانة ٱرفعونا فيها، وأعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية، فإذا قدرتم علينا فٱقتلونا. وطائفة قالت: ٱبنوا لنا دُوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا تروننا. وليس أحد من هؤلاء إِلا وله حميم منهم ففعلوا، فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غيّر الكتاب فقالوا: نسيح ونتعبّد كما تعبد أولئك، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان مَن تقدّم من الذين ٱقتدوا بهم؛ فذلك قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} الآية. يقول: ٱبتدعها هؤلاء الصالحون {فَمَا رَعَوْهَا} المتأخرون {حَقَّ رِعَايَتِهَا} {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} يعني الذين ٱبتدعوها أوّلاً وَرَعوها {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني المتأخرين، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل، جاؤوا من الكهوف والصَّوَامع والغِيران فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

الثالثة: وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ٱبتدع خيراً أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية. وعن أبي أمامة الباهلي ـ وٱسمه صُدَيّ بن عجلان ـ قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناساً من بني إسرائيل ٱبتدعوا بِدعاً لم يكتبها الله عليهم ٱبتغوا بها رضوان الله فما رَعَوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}.

الرابعة: وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغيّر الأصدقاء والإخوان. وقد مضى بيان هذا في سورة «الكهف» مستوفًى والحمد لله. وفي مسند أحمد بن حنبل من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال:

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيَّة من سراياه فقال: مَرَّ رجلٌ بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلّى عن الدنيا. قال: لو أني أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبيّ الله! إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لَغْدَوة أو رَوْحَةٌ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدهم في الصف الأوّل خير من صلاته ستين سنة. وروى الكوفيون عن ٱبن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدري أيّ الناس أعلم» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا ٱختلف الناس فيه وإن كان مقصراً في العمل وإن كان يزحف على ٱسته هل تدري من أين ٱتخذ بنو إسرائيل الرهبانية ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه فتعالوا نفترق في الأرض إلى أن يبعث الله النبيّ الأميّ الذي وعدنا عيسى ـ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ـ فتفرقوا في غِيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ـ وتلا «وَرَهْبَانِيَّةً» الآية ـ أتدري ما رهبانية أمتي الهجرة والجهاد والصوم والصلاة والحج والعمرة والتكبير على التلاع يا بن مسعود ٱختلف من كان قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة فنجا منهم فرقة وهلك سائرها وٱختلف مَن كان قبلكم من النصارى على ٱثنين وسبعين فرقة فنجا منهم ثلاثة وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى ـ عليه السلام ـ حتى قتلوا وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ٱبن مريم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهي التي قال الله تعالى فيهم: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} ـ الآية ـ فمن آمن بي وٱتبعني وصدّقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون» يعني الذين تهوّدوا وتنصروا. وقيل: هؤلاء الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به فأولئك هم الفاسقون. وفي الآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي إن الأولين أصروا على الكفر أيضاً فلا تعجب من أهل عصرك إن أصروا على الكفر. والله أعلم.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَءَامِنُوا۟ بِرَسُولِهِۦ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِۦ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٢٨ لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ۝٢٩

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي آمنوا بموسى وعيسى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي مثلين من الأجر على إيمانكم بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وهذا مثل قوله تعالى:

{ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } [القصص:54] وقد تقدم القول فيه. والكِفل الحظ والنصيب وقد مضى في «النساء» وهو في الأصل كِساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط؛ قاله ٱبن جريج. ونحوه قال الأزهري، قال: ٱشتقاقه من الكِساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه إذا ٱرتدفه لئلا يسقط؛ فتأويله يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي كما يحفظ الكِفل الراكب. وقال أبو موسى الأشعري: {كِفْلَيْنِ} ضعفين بلسان الحبشة. وعن ٱبن زيد: «كِفْلَيْن» أجر الدنيا والآخرة. وقيل: لما نزلت {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} ٱفتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. وقد ٱستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الحسنة إنما لها من الأجر مِثْل واحد؛ فقال: الحسنة ٱسم عام ينطلق على كل نوع من الإيمان، وينطلق على عمومه، فإذا ٱنطلقت الحسنة على نوع واحد فليس له عليها من الثواب إلا مِثْل واحد. وإن ٱنطلقت على حسنة تشتمل على نوعين كان الثواب عليها مثلين؛ بدليل هذه الآية فإنه قال: {كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} والكفل النصيب كالمثل، فجعل لمن ٱتقى الله وآمن برسوله نصيبين؛ نصيباً لتقوى الله ونصيباً لإيمانه برسوله. فدل على أن الحسنة التي جعل لها عشر هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو الإيمان الذي جمع الله تعالى في صفته عشرة أنواع، لقوله تعالى: { إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ }[الأحزاب:35] الآية بكمالها. فكانت هذه الأنواع العشرة التي هي ثوابها أمثالها فيكون لكل نوع منها مِثْل. وهذا تأويل فاسد، لخروجه عن عموم الظاهر، في قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} بما لا يحتمله تخصيص العموم، لأن ما جمع عشر حسنات فليس يُجزَى عن كل حسنة إلا بمثلها. وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها والأخبار دالة عليه. وقد تقدم ذكرها. ولو كان كما ذكر لما كان بين الحسنة والسيئة فرق. {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً} أي بياناً وهدًى، عن مجاهد. وقال ٱبن عباس: هو القرآن. وقيل: ضياء {تَمْشُونَ بِهِ} في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة. وقيل تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها. وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد عليه السلام. وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله، لا الرياسة الحقيقية في الدين. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

قوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} أي ليعلم، و«أن لا» صلة زائدة مؤكدة؛ قاله الأخفش. وقال الفراء: معناه لأن يعلم و«لا» صلة زائدة في كل كلام دخل عليه جَحْد. قال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} أي لأن يعلم أهل الكتاب أنهم {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}. وقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل. فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} أي ليعلم أهل الكتاب «أَنْ لاَ يَقْدِرُونَ» أي أنهم لا يقدرون؛ كقوله تعالى:

{ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً }[طه:89]. وعن الحسن: «لَيْلاَ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ» وروي ذلك عن ٱبن مجاهد. وروى قُطْرُب بكسر اللام وإسكان الياء. وفتح لام الجر لغة معروفة. ووجه إسكان الياء أنّ همزة «أَنْ» حذفت فصارت «لَنْ» فأدغمت النون في اللام فصار «لِلاَّ» فلما ٱجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء؛ كما قالوا في أَمّا: أَيْمَا. وكذلك القول في قراءة من قرأ «لِيْلاَ» بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه الجهة. وعن ٱبن مسعود «لِكَيْلاَ يَعْلَمَ» وعن حِطّان بن عبد الله «لأَنْ يَعْلَمَ». وعن عِكرمة «لِيَعْلَمَ» وهو خلاف المرسوم. «مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» قيل: الإسلام. وقيل: الثواب. وقال الكلبي: من رزق الله. وقيل: نعم الله التي لا تحصى. {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} ليس بأيديهم فيصرفون النبوّة عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يحبون. وقيل: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} أي هو له {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. وفي البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، قال حدثنا شعيب عن الزهري، قال أخبرني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر:إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطى أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى ٱنتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أعطى أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين قال أهل التوراة ربنا هؤلاءِ أقل عملاً وأكثر أجراً قال: هل ظلمتكم من أجركم من شيء قالوا لا فقال فذلك فضلي أوتيه من أشاءفي رواية:فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ربناالحديث {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}. (تم تفسير سورة «الحديد» والحمد لله).
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ