انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحديد

تفسير الطبريالآيات 1–20

تفسير سورة الحديد آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحديد

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 28:36

  1. 1 الآيات 1–15في هذه الصفحة 13:38
  2. 2 الآيات 16–29في هذه الصفحة 14:58

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢

يعني تعالى ذكره بقوله: {سَبَّحَ لِلّهِ ما في السَّمَوَاتِ والأرْضِ} أن كلّ ما دونه من خلقه يسبحه تعظيماً له، وإقراراً بربوبيته، وإذعاناً لطاعته، كما قال جلّ ثناؤه:

{ { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ والأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقُهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } }.

وقوله: {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} يقول: ولكنه جلّ جلاله العزيز في انتقامه ممن عصاه، فخالف أمره مما في السموات والأرض من خلقه {الحَكِيمُ} فِي تَدْبِيرِهِ أمرهم، وتصريفه إياهم فيما شاء وأحبّ.

وقوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول تعالى ذكره: له سلطان السموات والأرض وما فيهنّ ولا شيء فيهنّ يقدر على الامتناع منه، وهو في جميعهم نافذ الأمر، ماضي الحكم.

وقوله: {يُحْيِي ويُمِيتُ} يقول يحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده كيف يشاء، وذلك بأن يحدث من النطفة الميتة حيواناً بنفخ الروح فيها من بعد تارات يقلبها فيها، ونحو ذلك من الأشياء، ويميت ما يشاء من الأحياء بعد الحياة بعد بلوغه أجله فيفنيه {وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول جلّ ثناؤه: وهو على كل شيء ذو قدرة، لا يتعذّر عليه شيء أراده، من إحياء وإماتة، وإعزاز وإذلال، وغير ذلك من الأمور.

هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٣ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝٤

يقول تعالى ذكره: {هو الأوّل} قبل كل شيء بغير حدّ {والآخر} يقول: والآخر بعد كل شيء بغير نهاية. وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه كان ولا شيء موجود سواه، وهو كائن بعد فناء الأشياء كلها، كما قال جلّ ثناؤه:

{ { كُلُّ شَيْءٍ هالكٌ إلاَّ وَجْهَهُ } }. وقوله: {والظَّاهِرُ} يقول: وهو الظاهر عل كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه {والباطِنُ} يقول: وهو الباطن جميع الأشياء، فلا شيء أقرب إلى شيء منه، كما قال: { { وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْل الوَرِيدِ } }. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال به أهل التأويل. ذكر من قال ذلك، والخبر الذي روي فيه:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والباطِنُ} ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه، إذ ثار عليهم سحاب، فقال:

هَلْ تَدْرُونَ ما هَذَا؟قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:فإنَّها الرَّقِيعَ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ،قال:فَهَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَها »؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؟ قال:مَسِيرَةُ خَمْسٍ مِئَةِ سَنَةٍ »، قال:فَهَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذلكَ؟فقالوا مثل ذلك، قال:فَوْقَها سَماءٌ أُخْرَى وَبَيْنَهُما مَسِيرِةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ »، قال:هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذلك؟فقالوا مثل قولهم الأوّل، قال:فإنَّ فَوْقَ ذلكَ العَرْشَ، وَبَيْنَهُ وَبَينَ السَّماءِ السَّابِعَةِ مِثْلُ ما بَينَ السَّماءَيْن »، قال:هَلْ تَدْرُونَ ما الَّتِي تَحْتَكُمْ؟قالوا: الله ورسوله أعلم قال:فإنَّها الأرْضُ »، قال:فَهَلْ تَدْرُونَ ما تَحْتَها؟قالوا له مثل قولهم الأوّل، قال:فإنَّ تَحْتَها أرْضاً أُخْرَى، وَبَيْنَهُما مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ »، حتى عدّ سبع أرضين، بين كلّ أرضيْن مسيرة خمس مئة سنة، ثم قال:وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دُلِّيَ أحَدكُمْ بِحَبْل إلى الأرْضِ الأُخْرى لَهَبَطَ على اللّهِ »، ثُمَّ قرأ {هُوَ الأوَّلُ والآخَرُ والظَّاهِرُ والباطِنُ وَهُوْ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.

وقوله: {وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} يقول تعالى ذكره: وهو بكلّ شيء ذو علم، لا يخفى عليه شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، إلا في كتاب مبين.

وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ فِي سِتَّةِ أيَّامِ} يقول تعالى ذكره: هو الذي أنشأ السموات السبع والأرضين، فدبرهنّ وما فيهنّ، ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه وعلا.

وقوله: {يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها} يقول تعالى ذكره مخبراً عن صفته، وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه {يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأرْضِ} من خلقه. يعني بقوله: {يَلِجُ}: يدخل {وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ} إلى الأرض من شيء قطّ {وَما يَعْرُجُ فِيها} فيصعد إليها من الأرض {وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَما كُنْتُمْ} يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} يقول: والله بأعمالكم التي تعملونها من حسن وسيىء، وطاعة ومعصية، ذو بصر، وهو لها محص، ليجازي المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته

{ { يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } }.

لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٥ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٦

يقول تعالى ذكره: له سلطان السموات والأرض نافذ في جميعهنّ، وفي جميع ما فيهنّ أمره {وَإلى الله تُرْجَعُ الأُمُورُ} يقول جلّ ثناؤه: وإلى الله مصير أمور جميع خلقه، فيقضي بينهم بحكمه.

وقوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهار} يعني بقوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ} يدخل ما نقص من ساعات الليل في النهار، فيجعله زيادة في ساعاته {وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ} يقول: ويدخل ما نقص من ساعات النهار في الليل، فيجعله زيادة في ساعات الليل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:

وقد ذكرنا الرواية بما قالوا فيما مضى من كتابنا هذا، غير أن نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر هنالك إن شاء الله تعالى:

حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهار وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ} قال: قصر هذا في طول هذا، وطول هذا في قصر هذا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ} قال: دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ} قال: قصر أيام الشتاء في طول ليله، وقصر ليل الصيف في طول نهاره.

وقوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بذَاتِ الصُّدُورِ} يقول: وهو ذو علم بضمائر صدور عباده، وما عزمت عليه نفوسهم من خير أو شرّ، أو حدّثت بهما أنفسهم، لا يخفى عليه من ذلك خافية.

ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ۝٧

يقول تعالى ذكره: آمنوا بالله أيها الناس، فأقرّوا بوحدانيته وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدّقوه فيما جاءكم به من عند الله واتبعوه، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، يقول جلّ ثناؤه: وأنفقوا مما خوّلكم الله من المال الذي أورثكم عمن كان قبلكم، فجعلكم خلفاءهم فيه في سبيل الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} قال: المعمرين فيه بالرزق.

وقوله: {فالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وأنْفَقُوا} يقول: فالذين آمنوا بالله ورسوله منكم أيها الناس وأنفقوا مما خولهم الله عمن كان قبلهم ورزقهم من المال في سبيل الله {لَهُمْ أجْرٌ كَبِيرٌ} يقول: لهم ثواب عظم.

وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٨

يقول تعالى ذكره: وما لكم لا تؤمنون بالله، وما شأنكم أيها الناس لا تقرّون بوحدانية الله، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم يدعوكم إلى الإقرار بوحدانيته، وقد أتاكم من الحجج على حقيقة ذلك، ما قطع عذركم، وأزال الشكّ من قلوبكم، وقد أخذ ميثاقكم، قيل: عني بذلك وقد أخذ منكم ربكم ميثاقكم في صُلب آدم، بأن الله ربكم لا إله لكم سواه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {وَقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ} قال: في ظهر آدم.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والعراق غير أبي عمرو {وَقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ} بفتح الألف من أخذ ونصب الميثاق، بمعنى: وقد أخذ ربكم ميثاقكم. وقرأ ذلك أبو عمرو: «وقَدْ أُخِذَ مِيثاقُكُمْ» بضمّ الألف ورفع الميثاق، على وجه ما لم يسمّ فاعله.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، وإن كان فتح الألف من أخذ ونصب الميثاق أعجب القراءتين إليّ في ذلك لكثرة القرأة بذلك، وقلة القراء بالقراءة الأخرى.

وقوله: {إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} يقول: إن كنتم تريدون أن تؤمنوا بالله يوماً من الأيام، فالآن أحرى الأوقات، أن تؤمنوا لتتابع الحجج عليكم بالرسول وإعلامه، ودعائه إياكم إلى ما قد تقرّرت صحته عندكم بالإعلام والأدلة والميثاق المأخوذ عليكم.

هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِۦٓ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٩

يقول تعالى ذكره: الله الذي ينزّل على عبده محمد {آياتٍ بَيِّناتٍ} يعني مفصَّلات {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ} يقول جلّ ثناؤه: ليخرجكم أيها الناس من ظُلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن الضلالة إلى الهُدى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ} قال: من الضلالة إلى الهدى.

وقوله: {وَإنَّ اللّهَ بِكم لَرَءوفٌ رَحِيمٌ} يقول تعالى ذكره: وإن الله بإنزاله على عبده ما أنزل عليه من الآيات البيِّنات لهدايتكم، وتبصيركم الرشاد، لذو رأفة بكم ورحمة، فمن رأفته ورحمته بكم فعل ذلك.

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَٰتَلَ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَٰتَلُوا۟ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١٠

يقول تعالى ذكره: وما لكم أيها الناس لا تنفقوا مما رزقكم الله في سبيل الله وإلى الله صائرٌ أموالكم إن لم تنفقوها في حياتكم في سبيل الله، لأن له ميراث السموات والأرض، وإنما حثهم جلّ ثناؤه بذلك على حظهم، فقال لهم: أنفقوا أموالكم في سبيل الله، ليكون ذلكم لكم ذخراً عند الله من قبل أن تموتوا، فلا تقدروا على ذلك، وتصير الأموال ميراثاً لمن له السموات والأرض.

وقوله: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْح وَقاتَلَ}.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: لا يستوي منكم أيها الناس من آمن قبل فتح مكة وهاجر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقاتَلَ} قال: آمن فأنفق، يقول: من هاجر ليس كمن لم يهاجر.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ} يقول: من آمن.

قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: يقول غير ذلك.

وقال آخرون: عني بالفتح فتح مكة، وبالنفقة: النفقة في جهاد المشركين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ وَقاتَلُوا وكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى} قال: كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كانت النفقة والقتال من قبل الفتح «فتح مكة» أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ} قال: فتح مكة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم في هذه الآية {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتحِ} قال: فتح مكة.

وقال آخرون: عني بالفتح في هذا الموضع: صلح الحديبية. ذكر من قال ذلك:

حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، قال: فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية، يقول تعالى ذكره: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْح وَقاتَلَ...} الآية.

حدثني حُمَيد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا داود، عن عامر، في هذه الآية، قوله: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ منْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقاتَل} قال: فتح الحديبية، قال: فصل ما بين العمرتين فتح الحديبية.

حدثني ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية. وأُنزلت {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلَ الفَتْحِ...} إلى {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فقالوا: يا رسول الله فتحٌ هو؟ قال:

نَعَمْ عَظِيمٌ

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، قال: فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية، ثم تلا هنا الآية {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ...} الآية.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية:

يُوشِكُ أنْ يأتِي قَوْمٌ تَحَقِرُونَ أعمالَكُمْ مَعَ أعمالِهِمْ »، قلنا: من هم يا رسول الله، أقريش هم؟ قال:لا، وَلَكَنْ أهْلُ اليَمَنِ أرَقُّ أفْئِدَةً وألْيَنُ قُلُوباً »، فقلنا: هم خير منا يا رسول الله، فقال:لَوْ كانَ لأَحَدَهِمْ جَبَلٌ مِنْ ذَهَب فأنْفَقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكُمْ وَلا نَصِيفَهُ، ألا إنَّ هَذَا فَصْلُ ما بَيْنَنا وَبَينَ النَّاسِ، {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ...} الآية، إلى قوله: {وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ».

حدثني ابن البَرْقيّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد التمار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:يُوشِكُ أنْ يأَتِي قَوْمٌ تَحَقِرُونَ أعمالَكُمْ مع أعمالَهُمْ »، فقلنا: من هم يا رسولَ الله، أقريش؟ قال:لا، هُمْ أرَقُّ أفْئَدَةً وألْيَنُ قُلُوباً »، وأشار بيده إلى اليمن، فقال:هُمْ أهْلُ اليَمَنِ، ألا إنَّ الإيمانَ يمانِ، والْحِكْمَةُ يَمانِيَةٌفقلنا: يا رسول الله هم خير منا؟ قال:وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده لَوْ كان لأحَدِهِمْ جَبَلُ ذَهَب يُنْفِقَهُ ما أدْرَكَ مُدَّ أحَدِكُمْ وَلا نَصِيفَهُ »، ثم جمع أصابعه، ومدّ خنصره وقال:إلا إنَّ هَذَا فَصْلُ ما بَيْنَنا وَبَيَنَ النَّاسِ {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقاتَل أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى}.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: معنى ذلك لا يستوي منكم أيها الناس من أنفق في سبيل الله من قبل فتح الحُدَيبية للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رويناه عن أبي سعيد الخُدريّ عنه، وقاتل المشركين بمن أنفق بعد ذلك، وقاتل وترك ذكر من أنفق بعد ذلك، وقاتل استغناء بدلالة الكلام الذي ذُكر عليه من ذكره {أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا} يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك، وقاتلوا.

وقوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى} يقول تعالى ذكره: وكلّ هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعد الله الجنة بإنفاقهم في سبيله، وقتالهم أعداءه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد {مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا وآمَنُوا وكُلاًّ وَعَدَ الله الْحُسْنَى} قال: الجنة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى} قال: الجنة.

وقوله: {وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يقول تعالى ذكره: والله بما تعملون من النفقة في سبيل الله، وقتال أعدائه، وغير ذلك من أعمالكم التي تعملون، خبير لا يخفى عليه منها شيء، وهو مجازيكم على جميع ذلك يوم القيامة.

مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌ كَرِيمٌ ۝١١

يقول تعالى ذكره: من هذا الذي ينفق في سبيل الله في الدنيا محتسباً في نفقته مبتغياً ما عند الله، وذلك هو القرض الحسن، يقول: فيضاعف له ربه قرضه ذلك الذي أقرضه، بإنفاقه في سبيله، فيجعل له بالواحدة سبع مئة. وكان بعض نحويّي البصرة يقول في قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً} فهو كقول العرب: لي عندك قرض صدق، وقرض سَوْء إذا فعل به خيراً وأنشد ذلك بيتاً للشنفري:

سَنجْزِي سَلامانَ بنَ مُفْرِجَ قَرْضَهابِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فأزَلَّتِ

{وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ} يقول: وله ثواب وجزاء كريم، يعني بذلك الأجر: الجنة، وقد ذكرنا الرواية عن أهل التأويل في ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١٢

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينٌ وَالمُؤْمِناتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أيْدِيهِمْ وبأيمانِهِمْ} فقال بعضهم: معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يضيء نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يَوْمَ تَرَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ...} الآية، ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ يُضِيءُ نُورُهُ مِن المَدِينَةِ إلى عَدَنَ أبَيْنَ فَصَنْعاءَ، فَدُونَ ذلكَ، حتى إنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ لا يُضِيء نُورُهُ إلاَّ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ ».

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي يذكر عن المنهال، عن عمرو، عن قيس بن سكن، عن عبد الله، قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً على إبهامه يطفأ مرة ويقدُ مرّة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى إيمانهم وهداهم بين أيديهم، وبأيمانهم: كتبهم. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أيْدِيهِمْ وَبأيمانِهِمْ}: كتبهم، يقول الله: فأما من أوتي كتابه بيمينه، وأما نورهم فهداهم.

وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك، وذلك أنه لو عنى بذلك النور الضوء المعروف، لم يخصّ عنه الخبر بالسعي بين الأيدي والأيمان دون الشمائل، لأن ضياء المؤمنين الذي يؤتونه في الآخرة يضيء لهم جميع ما حولهم، وفي خصوص الله جلّ ثناؤه الخبر عن سعيه بين أيديهم وبأيمانهم دون الشمائل، ما يدلّ على أنه معنيّ به غير الضياء، وإن كانوا لا يخلون من الضياء.

فتأويل الكلام إذ كان الأمر على ما وصفنا: وكلاًّ وعد الله الحسنى يوم ترون المؤمنين والمؤمنات يسعى ثواب إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم تتطاير.

ويعني بقوله: {يَسْعَى} يمضي، والباء في قوله: {وبأيمانِهِمْ} بمعنى في. وكان بعض نحويي البصرة يقول: الباء في قوله: {وبأيمانِهِمْ} بمعنى على أيمانهم.

وقوله: {يَومَ تَرَى} من صلة وعد.

وقوله: {بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ} يقول تعالى ذكره يقال لهم: بشارتكم اليوم أيها المؤمنون التي تبشرون بها جنات تجري من تحتها الأنهار، فأبشروا بها.

وقوله: {خالِدِينَ فِيها} يقول: ماكثين في الجنات، لا ينتقلون عنها ولا يتحولون.

وقوله: {ذلكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيم} يقول: خلودهم في الجنات التي وصفها هو النجح العظيم الذي كانوا يطلبونه بعد النجاة من عقاب الله، ودخول الجنة خالدين فيها.

يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ۝١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝١٤

يقول تعالى ذكره: هو الفوز العظيم في يوم يقول المنافقون والمنافقات، واليوم من صلة الفوز للذين آمنوا بالله ورسله: انظرونا.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {انْظُرُونا} فقرأت ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة {انْظُرُونا} موصولة بمعنى: انتظرونا، وقرأته عامة قرّاء الكوفة «أنْظُرُونا» مقطوعة الألف من أنظرت بمعنى: أخرونا، وذكر الفرّاء أن العرب تقول: أنظرني وهم يريدون: انتظرني قليلاً وأنشد في ذلك بيت عمرو بن كلثوم:

أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْناوأنْظِرْنا نُخَبّرْكَ اليقِينَا

قال: فمعنى هذا: انتظرنا قليلاً نخبرك، لأنه ليس ها هنا تأخير، إنما هو استماع كقولك للرجل: اسمع مني حتى أخبرك.

والصواب من القراءة في ذلك عندي الوصل، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب إذا أريد به انتظرنا، وليس للتأخير في هذا الموضع معنى، فيقال: أنظرونا، بفتح الألف وهمزها.

وقوله: {نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} يقول: نستصبح من نوركم، والقبس: الشعلة.

وقوله: {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فالْتَمِسُوا نُوراً} يقول جلّ ثناؤه: فيجابون بأن يقال لهم: ارجعوا من حيث جئتم، واطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً، فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ...} إلى قوله:

{ وَبِئْسَ المَصِيرُ } قال ابن عباس: بينما الناس في ظلمة، إذ بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلاً من الله إلى الجنة فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا، تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذٍ: انظرونا نقتبس من نوركم، فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: {يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ وَالمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا...} الآية، كان ابن عباس يقول: بينما الناس في ظلمة، ثم ذكر نحوه.

وقوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ} يقول تعالى ذكره: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسُور، وهو حاجز بين أهل الجنة وأهل النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {بِسُورٍ لَهُ بَابٌ} قال: كالحجاب في الأعراف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ} السور: حائط بين الجنة والنار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ} قال: هذا السور الذي قال الله

{ وَبَيْنَهُما حِجابٌ }

وقد قيل: إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم. ذكر من قال ذلك:

حدثني عليّ، قال: ثنا الحسن بن بلال، قال: ثنا حماد، قال: أخبرنا أبو سنان، قال: كنت مع عليّ بن عبد الله بن عباس، عند وادي جهنم، فحدّث عن أبيه قال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ} فقال: هذا موضع السور عند وادي جهنم.

حدثني إبراهيم بن عطية بن رُدَيح بن عطية، قال: ثني عمي محمد بن رُدَيح بن عطية، عن سعيد بن عبد العزيز، عن أبي العوّام، عن عُبادة بن الصامت أنه كان يقول: {بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}، قال: هذا باب الرحمة.

حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوّام مؤذّنِ بيت المقدس، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ} هو السور الشرقيّ، باطنه المسجد، وظاهره وادي جهنم.

حدثني محمد بن عوف، قال: ثنا أبو المُغيرة، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا شريج أن كعباً كان يقول في الباب الذي في بيت المقدس: إنه الباب الذي قال الله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ}.

وقوله: {لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} يقول تعالى ذكره: لذلك السور باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبل ذلك الظاهر العذاب: يعني النار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ}: أي النار.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} قال: الجنة وما فيها.

وقوله: {يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى} يقول تعالى ذكره: ينادي المنافقون المؤمنين حين حُجز بينهم بالسور، فبقوا في الظلمة والعذاب، وصار المؤمنون في الجنة، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم، ونناكحكم ونوارثكم؟ قالوا: بلى، يقول: قال المؤمنون: بلى، بل كنتم كذلك، ولكنكم فَتَنتم أنفسكم، فنافقتم، وفِتْنتهم أنفسَهم في هذا الموضع كانت النفاق. وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ} قال: النفاق، وكان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم، ويغشَوْنهم، ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتاً، ويعطون النور جميعا يوم القيامة، فيطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويماز بينهم حينئذٍ.

وقوله: {وَتَرَبَّصْتُمْ} يقول: وتلبثتم بالإيمان، ودافعتم بالإقرار بالله ورسوله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال بعض أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَتَرَبَّصْتُمْ} قال: بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأ {فَتَرَبَّصُوا إنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَتَرَبَّصْتُمْ} يقول: تربصوا بالحق وأهله وقوله: {وَارْتَبْتُمْ} يقول: وشككتم في توحيد الله، وفي نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَارْتَبْتُمْ}: شكوا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَارْتَبْتُمْ} كانوا في شكّ من الله.

وقوله: {وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ} يقول: وخدعتكم أمانيّ نفوسكم، فصدتكم عن سبيل الله وأضلتكم {حتى جاءَ أمْرُ اللّهِ} يقول: حتى جاء قضاء الله بمناياكم، فاجتاحتكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حتى جاءَ أمْرُ اللّهِ} كانوا على خُدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.

وقوله: {وَغَرَّكُمْ باللّهِ الغَرُورُ} يقول: وخدعكم بالله الشيطان، فأطمعكم بالنجاة من عقوبته، والسلامة من عذابه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: {الغَرُورُ}: أي الشيطان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَغَرَّكُمْ باللّهِ الغَرُورُ}: أي الشيطان.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَغَرَّكُمْ باللّهِ الغَرُورِ}: الشيطان.

فَٱلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ هِىَ مَوْلَىٰكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٥

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل المؤمنين لأهل النفاق، بعد أن ميز بينهم في القيامة {فالْيَوْمَ} أيها المنافقون {لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} يعني: عوضاً وبدلاً يقول: لا يؤخذ ذلك منكم بدلاً من عقابكم وعذابكم، فيخلصكم من عذاب الله {وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يقول: ولا تؤخذ الفدية أيضاً من الذين كفروا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني المنافقين، ولا من الذين كفروا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ من المنافقين وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} معكم {مأوَاكُمُ النَّارُ}.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {فالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ} فقرأت ذلك عامة القرّاء بالياء {يُؤْخَذُ}، وقرأه أبو جعفر القارىء بالتاء.

وأولى القراءتين بالصواب الياء وإن كانت الأخرى جائزة.

وقوله: {مأْوَاكُمُ النَّارُ} يقول: مثواكم ومسكنكم الذي تسكنونه يوم القيامة النار.

وقوله: {هِيَ مَوْلاكُمْ} يقول: النار أولى بكم.

وقوله: {وَبِئْسَ المَصِيرُ} يقول: وبئس مصير من صار إلى النار.

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ۝١٦

يقول تعالى ذكره: {أَلمْ يَأَنِ للَّذِينَ آمَنُوا}: ألم يحن للذين صدّقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله، فتخضع قلوبهم له، ولما نزل من الحقّ، وهو هذا القرآن الذي نزّله على رسوله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أَلَمْ يَأَنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ} قال: تطيع قلوبهم.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة {ألَمْ يأَنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أَلَمْ يأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ...} الآية. ذُكر لنا أن شدّاد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

إن أوَّلَ ما يُرْفَعُ مِنَ النَّاس الخُشُوعُ ».

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان شدّاد بن أوس يقول أوّل ما يرفع من الناس الخشوع.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {وَما نَزَلَ مِنَ الحَقّ} فقرأته عامة القرّاء غير شيبة ونافع بالتشديد «نَزَّل»، وقرأه شيبة ونافع، {وما نزل} بالتخفيف، وبأيّ القراءتين قرأ القارىء فمصيب، لتقارب معنييهما.

وقوله: {وَلا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْل فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ} يقول تعالى ذكره: ألم يأن لهم أن ولا يكونوا، يعني الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم {كالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ} يعني من بني إسرائيل، ويعني بالكتاب الذي أوتوه من قبلهم التوراة والإنجيل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: جاء عتريس ابن عرقوب إلى ابن مسعود، فقال: يا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفاً، ولم ينكر قلبه منكراً، إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، وقست قلوبهم اخترعوا كتاباً من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القَرَن بين ثندُوَتَيْهِ فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويومىء إلى القرن الذي بين ثندُوَتَيْهِ، ومالي لا أومن بهذا الكتاب، فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن.

ويعني بقوله: {فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ} ما بينهم وبين موسى صلى الله عليه وسلم، وذلك الأمد الزمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {الأَمَدُ} قال: الدهر.

وقوله: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} عن الخيرات، واشتدّت على السكون إلى معاصي الله {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ} يقول جلّ ثناؤه: وكثير من هؤلاء الذين أوتوا الكتاب من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فاسقون.

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝١٧ إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ۝١٨

يقول تعالى ذكره: {اعْلَمُوا} أيها الناس {أنَّ اللّهَ يُحْيِي الأرْضَ} الميتة التي لا تنبت شيئاً {بَعْدَ مَوْتِها} يعني: بعد دثورها ودروسها، يقول: وكما نحيي هذه الأرض الميتة بعد دروسها، كذلك نهدي الإنسان الضّالّ عن الحقّ إلى الحقّ، فنوفِّقه ونسدّده للإيمان حتى يصير مؤمناً من بعد كفره، ومهتدياً من بعد ضلاله.

وقوله: {قَدْ بَيَّنا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يقول: قد بيَّنا لكم الأدلة والحجج لتعقلوا.

وقوله: {إنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقاتِ} اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال، بمعنى أن المتصدّقين والمتصدّقات، ثم تُدغم التاء في الصاد، فتجعلها صاداً مشدّدة، كما قيل: يا أيها المُزَّمِّلُ يعني المتزمل. وقرأ ابن كثير وعاصم «إنَّ المُصَدّقِينَ والمُصَدقاتِ» بتخفيف الصاد وتشديد الدال، بمعنى: إن الذين صدقوا الله ورسوله.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان صحيح معنى كلّ واحدة منهما فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

فتأويل الكلام إذن على قراءة من قرأ ذلك بالتشديد في الحرفين: أعني في الصاد والدال، أن المتصدّقين من أموالهم والمتصدّقات {وأقْرَضُوا للّهِ قَرْضاً حَسَناً} يعني بالنفقة في سبيله، وفيما أمر بالنفقة فيه، أو فيما ندب إليه {يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أجْرٌ كَرِيمٌ} يقول: يضاعف الله لهم قروضهم التي أقرضوها إياه، فيوفيهم ثوابها يوم القيامة، {وَلَهُمْ أجْرٌ كَرِيمٌ} يقول: ولهم ثواب من الله على صدقهم، وقروضهم إياه كريم، وذلك الجنة.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝١٩

يقول تعالى ذكره: والذين أقرّوا بوحدانية الله وإرساله رسله، فصدّقوا الرسل وآمنوا بما جاؤوهم به من عند ربهم، أولئك هم الصِّدِّيقون.

وقوله: {والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: والشهداء عند ربهم منفصل من الذي قبله، والخبر عن الذين آمنوا بالله ورسله، متناه عند قوله: {الصّدّيقُونَ}، والصدّيقون مرفوعون بقوله: هم، ثم ابتدىء الخبر عن الشهداء فقيل: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، والشهداء في قولهم مرفوعون بقوله: {لَهُمْ أجْرَهُمْ وَنُورُهُمْ}. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا باللّهِ وَرُسِلِهِ أُولَئِكَ هُمْ الصّدّيقُونَ} قال: هذه مفصولة {والشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق {أُولَئِكَ هُمُ الصّديقُونَ والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} قال: هي للشهداء خاصة.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: هي خاصة للشهداء.

قال: ثنا مهران، عن سفيان عن أبي الضحى {أُولَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ} ثم استأنف الكلام فقال: والشهداء عند ربهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا باللّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّدّيقُون} هذه مفصولة، سماهم الله صدّيقين بأنهم آمنوا بالله وصدّقوا رسله، ثم قال: {والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} هذه مفصولة.

وقال آخرون: بل قوله: {والشهداء} من صفة الذين آمنوا بالله ورسله قالوا: إنما تناهى الخبر عن الذين آمنوا عند قوله: {والشُهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ثم ابتدىء الخبر عما لهم، فقيل: لهم أجرهم ونورهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرنا أبو قيس أنه سمع هذيلاً يحدّث، قال: ذكروا الشهداء، فقال عبد الله: الرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، والرجل يقاتل للدنيا، والرجل يقاتل للسمعة، والرجل يقاتل للمغنم قال شعبة شيئاً هذا معناه: والرجل يقاتل يريد وجه الله، والرجل يموت على فراشه وهو شهيد، وقرأ عبد الله هذه الآية {وَالَّذِينَ آمَنُوا باللّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ}.

حدثنا ابن حُمَيد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، وليث عن مجاهد {والَّذِينَ آمَنُوا باللّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُم وَنُورُهُمْ} قال: كلّ مؤمن شهيد، ثم قرأها.

حدثني صالح بن حرب أبو معمر، قال: ثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَداءُ ». قال: ثم تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَالَّذِينَ آمَنُوا باللّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ }.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {الصّدّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قال: بالإيمان على أنفسهم بالله.

وقال آخرون: الشهداء عند ربهم في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم من قول الله عزّ وجلّ

{ { فَكَيْفَ إذَا جِئْنا مِنْ كُلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً } }.

والذي هو أولى الأقوال عندي في ذلك بالصواب قول من قال: الكلام والخبر عن الذين آمنوا، متناه عند قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} وإن قوله: {والشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} خبر مبتدأ عن الشهداء.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وأنّ الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يُراد به شهيد على ما آمن به وصدّقه، فيكون ذلك وجهاً، وإن كان فيه بعض البعد، لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه، إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: {والشُهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} إذن والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله، أو هلكوا في سبيله عند ربهم، لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم.

وقوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بآياتِنا أُولَئِكَ أصحَابُ الجَحِيمِ} يقول تعالى ذكره: والذين كفروا بالله وكذّبوا بأدلته وحججه، أولئك أصحاب الجحيم.

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ۝٢٠

يقول تعالى ذكره: اعلموا أيها الناس أن متاع الحياة الدنيا المعجلة لكم، ما هي إلا لعب ولهو تتفكَّهون به، وزينة تتزيَّنون بها، وتفاخر بينكم، يفخر بعضكم على بعض بما أولى فيها من رياشها {وَتكاثُرٌ في الأمْوَالِ والأوْلادِ} يقول تعالى ذكره: ويباهي بعضكم بعضاً بكثرةِ الأموال والأولاد {كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ} يقول تعالى ذكره: ثم ييبس ذلك النبات {فَتَراهُ مُصْفَرّاً} بعد أن كان أخضرَ نضِراً.

وقوله: {ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً} يقول تعالى ذكره: ثم يكون ذلك النبات حطاماً، يعني به أنه يكون نبتاً يابساً متهشماً {وفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} يقول تعالى ذكره: وفي الآخرة عذاب شديد للكفار {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ} لأهل الإيمان بالله ورسوله. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {اعْلَمُوا أنَّمَا الْحَياةُ الدُّنيْا لَعِبٌ ولَهْوٌ...} الآية، يقول: صار الناس إلى هذين الحرفين في الآخرة.

وكان بعض أهل العربية يقول في قوله: {وفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٌ} ذكر ما في الدنيا، وأنه على ما وصف، وأما الآخرة فإنها إما عذاب، وإما جنة. قال: والواو فيه وأو بمنزلة واحدة.

وقوله: {وَما الْحَياةُ الدُّنيْا إلاَّ مَتاعُ الغُرُورِ} يقول تعالى ذكره: وما زينة الحياة الدنيا المعجلة لكم أيها الناس، إلا متاع الغرور.

حدثنا عليّ بن حرب الموصلي، قال: ثنا المحاربيّ: عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وَما فيها ».
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ