انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحديد

تفسير القرطبيالآيات 1–24

تفسير سورة الحديد آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢ هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْـَٔاخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٣

قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي مَجِّد الله ونزّهه عن السوء. وقال ٱبن عباس: صلّى للَّهِ «مَا فيِ السَّمَوَاتِ» ممن خلق من الملائكة «وَالأَرْضِ» من شيء فيه رُوح أو لا رُوح فيه. وقيل: هو تسبيح الدلالة. وأنكر الزجاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهورِ آثار الصنعة لكانت مفهومة؛ فلِم قال:

{ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }[الإسراء:44] وإنما هو تسبيح مقال. وٱستدلّ بقوله تعالى: { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ }[الأنبياء:79] فلو كان هذا تسبيح دلالة فأيّ تخصيص لداود؟!

قلت: وما ذكره هو الصحيح، وقد مضى بيانه والقول فيه في «سبحان» عند قوله تعالى:

{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ }[الإسراء:44] {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي ٱنفرد بذلك. والْملكُ عبارة عن المَلْك ونفوذ الأمر فهو سبحانه الملك القادر القاهر. وقيل: أراد خزائن المطر والنبات وسائر الرزق. {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} يميت الأحياء في الدنيا ويحيي الأموات للبعث. وقيل: يُحيي النطف وهي موات ويُميت الأحياء. وموضع {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} رفع على معنى وهو يحيي ويميت. ويجوز أن يكون نصباً بمعنى {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} محييا ومميتا على الحال من المجرور في «لَهُ» والجار عاملاً فيها. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي الله لا يعجزه شيء.

قوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} ٱختلف في معاني هذه الأسماء وقد بيناها في الكتاب الأسنى. وقد شرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم شرحاً يغني عن قول كل قائل؛ فقال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة:

اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ٱقض عنا الدين وٱغننا من الفقرعنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم؛ والله أعلم. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} بما كان أو يكون فلا يخفى عليه شيء.

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝٤ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝٥ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٦

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدّم في «الأعراف» مستوفًى.

قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي يدخل فيها من مطر وغيره {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نبات وغيره {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من رزق ومطر ومَلَك {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد {وَهُوَ مَعَكُمْ} يعني بقدرته وسلطانه وعلمه {أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يبصر أعمالكم ويراها ولا يخفى عليه شيء منها. وقد جمع في هذه الآية بين {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} وبين {وَهُوَ مَعَكُمْ} والأخذ بالظاهرين تناقض فدل على أنه لا بدّ من التأويل، والإعراضُ عن التأويل ٱعتراف بالتناقض. وقد قال الإمام أبو المعالي: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لم يكن بأقرب إلى الله عز وجل من يونس بن متى حين كان في بطن الحوت. وقد تقدّم.

قوله تعالى: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} هذا التكرير للتأكيد أي هو المعبود على الحقيقة {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي أمور الخلائق في الآخرة. وقرأ الحسن والأعرج ويعقوب وٱبن عامر وأبو حَيْوة وٱبن مُحَيصن وحميد والأعمش وحمزة والكسائي وخلف «تَرْجِع» بفتح التاء وكسر الجيم. الباقون «تُرْجَعُ».

قوله تعالى: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تقدّم في «آل عمران». {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي لا تخفى عليه الضمائر، ومن كان بهذه الصفة فلا يجوز أن يعبد من سواه.

ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ۝٧ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٨ هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِۦٓ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٩

قوله تعالى: {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي صدّقوا أن الله واحد وأن محمداً رسوله {وَأَنفِقُواْ} تصدّقوا. وقيل أنفقوا في سبيل الله. وقيل: المراد الزكاة المفروضة. وقيل: المراد غيرها من وجوه الطاعات وما يقرب منه {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله فيثيبه على ذلك بالجنة. فمن أنفق منها في حقوق الله وهان عليه الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم. وقال الحسن: {مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم. وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النوّاب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم. {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وعملوا الصالحات {مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ} في سبيل الله {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنة.

قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} ٱستفهام يراد به التوبيخ. أي أيّ عذر لكم في ألاّ تؤمنوا وقد أزيحت العلل؟! {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} بيّن بهذا أنه لا حكم قبل ورود الشرائع. وقرأ أبو عمرو: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} على غير مسمى الفاعل. والباقون على مسمَّى الفاعل؛ أي أخذ الله مِيثاقكم. قال مجاهد: هو الميثاق الأوّل الذي كان وهم في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إلٰه لكم سواه. وقيل: أخذ مِيثاقكم بأن ركّب فيكم العقول، وأقام عليكم الدلائل والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إذ كنتم. وقيل: أي إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل. وقيل: أي إن كنتم مؤمنين بحق يوماً من الأيام؛ فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والأعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقد صحت براهينه. وقيل: إن كنتم مؤمِنين بالله خالقكم. وكانوا يعترفون بهذا. وقيل: هو خطاب لقوم آمنوا وأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم ميثاقهم فارتدوا. وقوله: {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم تقرون بشرائط الإيمان.

قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يريد القرآن. وقيل: المعجزات؛ أي لزمكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لما معه من المعجزات، والقرآنُ أكبرها وأعظمها. {لِّيُخْرِجَكُمْ} أي بالقرآن. وقيل: بالرسول. وقيل: بالدعوة. {مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ} وهو الشرك والكفر {إِلَى ٱلنُّورِ} وهو الإيمان. {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَٰتَلَ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَقَٰتَلُوا۟ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١٠

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي أيُّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقرِّبكم من ربكم وأنتم تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى. فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق. {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي إنهما راجعتان إليه بٱنقراض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق له.

الثانية: قوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح مكة. وقال الشعبيّ والزهريّ: فتح الحُدَيْبية. قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. وفي الكلام حذف؛ أي {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل؛ فحذف لدلالة الكلام عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم؛ لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفِعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشقّ والأجر على قدر النَّصَب. والله أعلم.

الثالثة: روي أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يُقدَّم أهل الفضل والعزم؛ وقد قال الله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} وقال الكلبي: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه؛ ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وتقديمه؛ لأنه أوّل من أسلم. وعن ٱبن مسعود: أوّل من أظهر الإسلام بسيفه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر؛ ولأنه أوّل من أنفق على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم.

وعن ابن عمر قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خَلَّلها في صدره بخِلاَل فنزل جبريل فقال: يا نبيّ اللهٰ مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خَلَّلها في صدره بخِلاَل؟ فقال: «قد أنفق عليّ ماله قبل الفتح» قال: فإن الله يقول لك ٱقرأ على أبي بكر السلام وقل له أراضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول أراضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط»؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربِّي لراضٍ إنّي عن ربّي لراضٍ إني عن ربي لراضٍ قال: «فإن الله يقول لك قد رضيت عنك كما أنت عني راضٍ» فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام: والذي بعثك يا محمد بالحقّ، لقد تَخلَّلت حملةُ العرش بالعُبِيّ منذ تَخلّل صاحبك هذا بالعباءة؛ ولهذا قدّمته الصحابة على أنفسهم، وأقرُّوا له بالتقدّم والسبق. وقال عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: سبق النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصَلَّى أبو بكر وثَلَّثَ عمر؛ فلا أوتي برجل فَضَّلني على أبي بكر إلا جلدته حدّ المفتري ثمانين جلدة وطرح الشهادة. فنال المتقدّمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضاً أنفذ.

الرابعة: التقدّم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدِّين فقد قالت عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في مرضه:

مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناسالحديث. وقال:يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب اللهوقال:وليؤمّكما أكبركمامن حديث مالك بن الحُوَيْرث وقد تقدم. وفهم منه البخاري وغيره من العلماء أنه أراد كِبر المنزلة، كما قال صلى الله عليه وسلم:الولاء لِلِكبَرولم يعن كبر السن. وقد قال مالك وغيره: إن للسنّ حقًّا. وراعاه الشافعي وأبو حنيفة وهو أحقّ بالمراعاة؛ لأنه إذا ٱجتمع العلم والسنّ في خيِّرين قُدِّم العلم،وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدِّين، فمن قُدِّم في الدين قُدِّم في الدنيا. وفي الآثار:ليس مِنا من لم يوقِّر كبيرَنَا ويرحمْ صغيرنا ويعرفْ لعالمنا حقَّه. ومن الحديث الثابت في الأفراد:ما أكرم شاب شيخاً لسِنِّه إلا قَيِّض الله له عند سنِّه من يكرمه. وأنشدوا:

يا عائباً لِلشيوخ مِن أَشَرِدَاخَلَهُ في الصِّبَا ومِن بَذَخِ ٱذكر إذا شئتَ أن تُعيِّرَهُمْجَدَّكَ وٱذكر أباك يا بن أخِ وٱعلم بأن الشباب منسلِخٌعنك وما وِزْرُه بمنسلِخِ من لا يعزّ الشيوخَ لا بلغتْيوماً به سِنُّه إلى الشَّيَخِ

الخامسة: قوله تعالى: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون، وعَدَهم الله جميعاً الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ ٱبن عامر «وَكُلٌّ» بالرفع، وكذلك هو بالرفع في مصاحف أهل الشام. الباقون «وَكُلاًّ» بالنصب على ما في مصاحفهم؛ فمن نصب فعلى إيقاع الفعل عليه أي وعد الله كلاّ الحسنى. ومن رفع فلأن المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل، والهاء محذوفة من وَعَدَه.

مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجْرٌ كَرِيمٌ ۝١١ يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَٰنِهِم بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ۝١٢

قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} ندب إلى الإنفاق في سبيل الله. وقد مضى في «البقرة» القول فيه. والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً: قد أقرض؛ كما قال:

وإذا جُوزِيتَ قَرْضاً فَٱجْزِهِإِنَّمَا يَجْزِي الفتى ليس الْجَمَلْ

وسمّي قرضاً؛ لأن القرض أخرج لاسترداد البدل. أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدِله الله بالأضعافِ الكثيرة. قال الكلبي: «قَرْضاً» أي صدقة «حَسَناً» أي محتسباً مِن قلبه بلا مَنٍّ ولا أذىً. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} ما بين السبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقيل: القرض الحسن هو أن يقول سبحان الله والحمد الله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر؛ رواه سفيان عن ابي حيان. وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل. الحسن: التطوع بالعبادات. وقيل: إنه عمل الخير؛ والعرب تقول: لي عند فلان قرض صِدقٍ وقرض سوء. القشيري: والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب النفس، يبتغي به وجه الله دون الرياء والسُّمعة، وأن يكون من الحلال. ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه؛ لقوله تعالى: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ }[البقرة:267] وأن يتصدق في حال يأمل الحياة؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال:أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذاوأن يخفى صدقته؛ لقوله تعالى: { وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [البقرة:271] وألاّ يَمُنّ؛ لقوله تعالى: { لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ }[البقرة:264] وأن يستحقر كثير ما يعطي؛ لأن الدنيا كلها قليلة، وأن يكون من أحبّ أمواله؛ لقوله تعالى: { لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ }[آل عمران:92] وأن يكون كثيراً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:أفضل الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} وقرأ ابن كثير وابن عامر «فَيُضَعِّفُه» بإسقاط الألف إلا ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء. وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة «فَيُضَاعِفهُ» بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصماً نصب الفاء. ورفع الباقون عطفاً على «يُقْرِضُ». وبالنصب جواباً على الاستفهام. وقد مضى في «البقرة» القول في هذا مستوفى: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يعني الجنة.

قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} العامل في «يَوْمَ» {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} وفي الكلام حذف أي «وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ» في «يَوْم تَرَى» فيه {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم} أي يمضي على الصراط في قول الحسن، وهو الضياء الذي يمرون فيه {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي قدّامهم. {وَبِأَيْمَانِهِم} قال الفراء: الباء بمعنى في؛ أي في أيمانهم. أو بمعنى عن أي عن أيمانهم. وقال الضحاك: {نُورُهُم} هداهم {وَبِأَيْمَانِهِم} كتبهم؛ وٱختاره الطبري. أي يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. فالباء على هذا بمعنى في. ويجوز على هذا أن يوقف على {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ولا يوقف إذا كانت بمعنى عن. وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو حيوة «وبِإِيمانِهِم» بكسر الألف، أراد الإيمان الذي هو ضد الكفر. وعطف ما ليس بظرف على الظرف؛ لأن معنى الظرف الحال وهو متعلق بمحذوف. والمعنى يسعى كائناً {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} وكائناً «بِإيَمانِهِمْ»، وليس قوله: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} متعلقاً بنفس «يَسْعَى». وقيل: أراد بالنور القرآن. وعن ٱبن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره على إبهام رجله فيطفأ مرة ويوقد أخرى. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن مِن المؤمنين من يضيء نوره كما بين المدينة وعدنٍ أو ما بين المدينة وصنعاء ودون ذلك حتى يكون منهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميهقال الحسن: ليستضيئوا به على الصراط كما تقدم. وقال مقاتل: ليكون دليلاً لهم إلى الجنة. والله أعلم.

قوله تعالى: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} التقدير يقال لهم: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ} دخول جناتٍ. ولا بد من تقدير حذف المضاف؛ لأن البشرى حدث، والجنة عين فلا تكون هي هي. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من تحتهم أنهار اللبن والماء والخمر والعسل من تحت مساكنها. {خَالِدِينَ فِيهَا} حال من الدخول المحذوف؛ التقدير «بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ» دخول جناتٍ {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} مقدرين الخلود فيها ولا تكون الحال من بشراكم؛ لأن فيه فصلاً بين الصلة والموصول. ويجوز أن يكون مما دل عليه البشرى، كأنه قال: تبشرون خالدين. ويجوز أن يكون الظرف الذي هو «الْيَوْمَ» خبراً عن «بُشْرَاكُمُ» و «جَنَّاتٌ» بدلاً من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم. و «خَالِدِينَ» حال حسب ما تقدم. وأجاز الفراء نصب «جَنَّات» على الحال على أن يكون «الْيَوْمَ» خبراً عن «بُشْرَاكُمُ» وهو بعيد؛ إذ ليس في «جَنَّات» معنى الفعل. وأجاز أن يكون «بُشْرَاكُمُ» نصباً على معنى يبشرونهم بشرى وينصب «جنات» بالبشرى وفيه تفرقة بين الصلة والموصول.

يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُوا۟ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُوا۟ نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ ۝١٣ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْأَمَانِىُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ ۝١٤ فَٱلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ هِىَ مَوْلَىٰكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٥

قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} العامل في «يَوْمَ» {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. وقيل: هو بدل من اليوم الأول. {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ} قراءة العامة بوصل الألف مضمومة الظاء من نظر؛ والنظر الانتظار أي ٱنتظرونا. وقرأ الأعمش وحمزة ويحيـى بن وثّاب «أَنْظِرُونَا» بقطع الألف وكسر الظاء من الإنظار. أي أمهلونا وأخرونا؛ أنظرته أخرته، وٱستنظرته أي ٱستمهلته. وقال الفراء: تقول العرب: أنظِرني ٱنتظرني؛ وأنشد لعمرو بن كُلْثوم:

أبا هِندٍ فلا تَعْجلْ عَلَيْنَاوأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ الْيقِينَا

أي ٱنتظرنا. {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} أي نستضيء من نوركم. قال ٱبن عباس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة ـ قال الماوردي: أظنها بعد فصل القضاء ـ ثم يعطون نوراً يمشون فيه. قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نوراً يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضاً نوراً خديعةً لهم؛ دليله قوله تعالى: { وَهُوَ خَادِعُهُمْ }[النساء:142]. وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه؛ قاله ٱبن عباس. وقال أبو أمامة: يعطي المؤمن النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحاً وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين؛ فذلك قوله تعالى: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} يقوله المؤمنون؛ خشية أن يُسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}. {قِيلَ ٱرْجِعُواْ ورَاءَكُمْ} أي قالت لهم الملائكة «ٱرْجِعُوا». وقيل: بل هو قول المؤمنين لهم {ٱرْجِعُواْ وَرَاءَكُم} إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نوراً فإنكم لا تقتبسون من نورنا. فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}، وقيل: أي هلاّ طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا. «بِسُورٍ» أي سُورٌ؛ والباء صلة. قاله الكسائي. والسُّور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السُّور ببيت المَقْدس عند موضع يعرف بوادي جهنم. {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} يعني ما يلي منه المؤمنين {وَظَاهِرُهُ مِن قِبِلِهِ ٱلْعَذَاب} يعني ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله بن عمرو: إنه سُور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد {وَظَاهِرُهُ مِن قِبِلِهِ ٱلْعَذَاب} يعني جهنم. ونحوه عن ٱبن عباس. وقال زياد ابن أبي سوادة: قام عبادة بن الصامت على سُور بيت المقدس الشرقي فبكى، وقال: من ههنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم. وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار «بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ» يعني الجنة {وَظَاهِرُهُ مِن قِبِلِهِ ٱلْعَذَاب} يعني جهنم. وقال مجاهد: إنه حجاب كما في «الأعراف» وقد مضى القول فيه. وقد قيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين.

قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ} أي ينادي المنافقون المؤمنين {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} في الدنيا يعني نصلي مثل ما تصلون، ونغزو مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون {قَالُواْ بَلَىٰ} أي يقول المؤمنون «بَلَى» قد كنتم معنا في الظاهر {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أي ٱستعملتموها في الفتنة. وقال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق. وقيل: بالمعاصي؛ قاله أبو سنان. وقيل: بالشهوات واللذات؛ رواه أبو نمير الهمْداني. {وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ} أي «تَرَبَّصْتُمْ» بالنبيّ صلى الله عليه وسلم الموت، وبالمؤمنين الدوائر. وقيل: «تَرَبَّصْتُمْ» بالتوبة {وَٱرْتَبْتُمْ} أي شككتم في التوحيد والنبوة {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} أي الأباطيل. وقيل: طول الأمل. وقيل: هو ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ونزول الدوائر بهم. وقال قتادة: الأماني هنا خدع الشيطان. وقيل: الدنيا؛ قاله عبد الله بن عباس. وقال أبو سنان: هو قولهم سَيُغْفَر لنا. وقال بلال بن سعد: ذكرك حسناتِك ونسيانك سيئاتِك غِرّةً. {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} يعني الموت. وقيل: نصرة نبيِّه صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: إلقاؤهم في النار. {وَغَرَّكُم} أي خدعكم {بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي الشيطان؛ قاله عكرمة. وقيل: الدنيا؛ قاله الضحاك. وقال بعض العلماء: إن للباقي بالماضي معتبراً، وللآخر بالأول مزدجراً، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ولا يركن إلى الخُدَع، ومن ذكر المنيّة نسي الأمنيّة، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل. وجاء «الْغَرُورُ» على لفظ المبالغة للكثرة. وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السَّمَيْقَع وسِمَاك بن حرب «الغُرُورُ» بضم الغين يعني الأباطيل وهو مصدر. وعن ٱبن عباس:

أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خطّ لنا خطوطاً، وخطّ منها خطًّا ناحية فقال: «أتدرون ما هذا؟ هذا مثل ٱبن آدم ومثل التمني وتلك الخطوط الآمال بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت». وعن ٱبن مسعود قال: خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا مربعاً، وخطّ وسطه خطًّا وجعله خارجاً منه، وخطّ عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً فقال: «هذا ٱبن آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله وهذه الخطوط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا»

قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} أيها المنافقون {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أيأسهم من النجاة. وقراءة العامة {يُؤْخَذُ} بالياء؛ لأن التأنيث غير حقيقي؛ ولأنه قد فصل بينها وبين الفعل. وقرأ ٱبن عامر ويعقوب «تُؤْخَذُ» بالتاء وٱختاره أبو حاتم لتأنيث الفدية. والأوّل ٱختيار أبي عبيد؛ أي لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا نفس أخرى. {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي مقامكم ومنزلكم {هِيَ مَوْلاَكُمْ} أي أَوْلى بكم، والمولى من يتولى مصالح الإنسان، ثم ٱستعمل فيمن كان ملازماً للشيء. وقيل: أي النار تملك أمرهم؛ بمعنى أن الله تبارك وتعالى يُرَكِّب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظاً على الكفار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى:

{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ }[ق:30]. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. أي ساءت مرجعاً ومصيراً.

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ۝١٦ ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۝١٧

قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي يقرب ويحين، قال الشاعر:

أَلَمْ يَأَنِ ليِ يَا قَلْبُ أَنْ أَتْركَ الْجَهْلاَوأن يُحْدِثَ الشَّيبُ المبينُ لنا عَقْلاَ

وماضيه أَنَى بالقصر يَأنى. ويقال: آن لك ـ بالمد ـ أن تفعل كذا يَئِين أَيْناً أي حان، مثل أَنَى لك وهو مقلوب منه. وأنشد ٱبن السِّكيت:

أَلَمَّا يئِنْ ليِ أَنْ تَجَلَّى عَمَايَتيِوأَقْصُرُ عن لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا

فجمع بين اللغتين، وقرأ الحسن «أَلَمَّا يَأْنِ» وأصلها «أَلَمْ» زيدت «ما» فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا؛ و «لم» نفي لقوله: كان كذا. وفي صحيح مسلم عن ٱبن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} إلا أربع سنين. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإِدلال ومذاكرة المَوْجِدة؛ تقول عاتبته معاتبة {أَن تَخْشَعَ} أي تذل وتلين {قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} روي أن المزاح والضحِك كثر في أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لما ترفَّهوا بالمدينة، فنزلت الآية؛ ولما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:«إن الله يستبطئكم بالخشوع» فقالوا عند ذلك: خَشَعنا . وقال ابن عباس: إن الله ٱستبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة فنزلت: { الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ }[يوسف: 1-2] إلى قوله: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ }[يوسف:3] الآية؛ فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره وأنفع لهم، فكفّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول فنزلت: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان. قال السديّ وغيره: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالظاهر وأسرّوا الكفر {أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}. وقيل: نزلت في المؤمنين. قال سعد: قيل يا رسول الله لو قصصت علينا فنزل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا فنزل: { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ }[الزمر:23] فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} ونحوه عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟ قال الحسن: ٱستبطأهم وهم أحبّ خلقه إليه. وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لأنه قال عقيب هذا: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى؛ إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيِّهم فقست قلوبهم.

قوله تعالى: {وَلاَ يَكُونُواْ} أي وألا يكونوا فهو منصوب عطفاً على {أَن تَخْشَعَ}. وقيل: مجزوم على النهي؛ مجازه ولا يكونن؛ ودليل هذا التأويل رواية رُوَيس عن يعقوب «لاَ تَكُونُوا» بالتاء؛ وهي قراءة عيسى وٱبن إسحاق. يقول: لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى؛ أعطوا التوراة والإنجيل فطالت الأزمان بهم. قال ٱبن مسعود: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فٱخترعوا كتاباً من عند أنفسهم ٱستحلّته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فآتركوهم وإلا فآقتلوهم. ثم ٱصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإن أبى قتلناه فلا يختلف علينا بعده أحد؛ فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في قَرْن وعلّقه في عنقه ثم لبس عليه ثيابه، فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره، وقال: آمنت بهذا يعني المعلّق على صدره. فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين مِلّة؛ وخير مللهم أصحاب ذي القَرْن. قال عبد الله: ومن يعش منكم فسيرى منكراً، وبحَسْب أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وقال مقاتل بن حيان: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد وٱستبطؤوا بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع. وقيل: من لا يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم. وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى. ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بُعِث النبيّ صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فَسَّقهم اللَّهُ. وقال محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدِبِين، فلما هاجروا أصابوا الرِّيف والنعمة، ففتروا عما كانوا فيه، فقست قلوبهم، فوعظهم الله فأفاقوا. وذكر ٱبن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس، قال: بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وٱنظروا فيها ـ أو قال في ذنوبكم ـ كأنكم عبيد؛ فإنما الناس رجلان معافًى ومبتلًى، فآرحموا أهل البلاء، وٱحمدوا الله على العافية. وهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وٱبن المبارك رحمهما الله تعالى: ذكر أبو المطرِّف عبد الرحمن بن مروان القَلاَنسيّ قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق، قال حدّثنا علي بن يعقوب الزيات، قال حدثنا إبراهيم بن هشام، قال حدثنا زكريا بن أبي أبان، قال حدثنا الليث بن الحرث قال حدّثنا الحسن بن داهر، قال سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال: كنت يوماً مع إخواني في بستان لنا، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعاً بضرب العودِ والطُّنبور، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له راشين السَّحَر، وأراد سنان يغنِّي، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان ـ يعني العود الذي بيده ـ ويقول: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} قلت: بلى واللَّه وكسرت العود، وصرفت من كان عندي، فكان هذا أوّل زهدي وتشميري. وبلغنا عن الشعر الذي أراد ٱبن المبارك أن يضرب به العود:

أَلَمْ يَأْنِ لي مِنك أن تَرْحَمَاوتَعْصِ العَواذِلَ واللُّوَّما وتَرْثِي لصَبٍّ بكم مُغْرَمٌأقام على هجرِكم مَأْتَمَا يَبِيتُ إِذا جَنَّهُ لَيْلُهُيُراعِي الكَواكِبَ والأَنْجُمَا وماذا على الظَّبي لَوْ أنّهُأحَلّ مِن الوَصْلِ ما حَرَّمَا

وأما الفضيل بن عياض فكان سبب توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلاً، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئاً يقرأ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} فرجع القهقري وهو يقول: بلى والله قد آن! فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة، وبعضهم يقول لبعض: إن فضيلاً يقطع الطريق. فقال الفضيل: أوّاه! أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني! اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام.

قوله تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي «يُحْيِـي ٱلأَرْضَ» الجدبة «بَعْدَ مَوْتِهَا» بالمطر. وقال صالح المري: المعنى يلين القلوب بعد قساوتها. وقال جعفر بن محمد: يحييها بالعدل بعد الجور. وقيل: المعنى فكذلك يحيـي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالكفر والضلالة. وقيل: كذلك يحيـي الله الموتى من الأمم، ويميّز بين الخاشع قلبه وبين القاسي قلبه. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنه لمحيي الموتى.

إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقْرَضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ۝١٨ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ۝١٩

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ} قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق، أي المصدّقين بما أنزل الله تعالى. الباقون بالتشديد أي المتصدقين والمتصدقات فأدغِمت التاء في الصاد، وكذلك في مصحف أُبيّ. وهو حثٌّ على الصدقات، ولهذا قال: {وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} بالصدقة والنفقة في سبيل الله. قال الحسن: كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع. وقيل: هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسباً صادقاً. وإنما عطف بالفعل على الاسم، لأن ذلك الاسم في تقدير الفعل، أي إن الذين صدّقوا وأقرضوا {يُضَاعَفُ لَهُمْ} أمثالها. وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله. وقرأ الأعمش «يُضَاعِفُه» بكسر العين وزيادة هاء. وقرأ ٱبن كثير وٱبن عامر ويعقوب «يُضَعَّفُ» بفتح العين وتشديدها. {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يعني الجنة.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} ٱختلف في {وَٱلشُّهَدَآءُ} هل هو مقطوع مما قبل أو متصل به. فقال مجاهد وزيد بن أسلم: إن الشهداء والصدّيقين هم المؤمنون وأنه متصل؛ وروي معناه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فلا يوقف على هذا على قوله: {ٱلصِّدِّيقُونَ} وهذا قول ٱبن مسعود في تأويل الآية. قال القشيري قال الله تعالى:

{ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ }[النساء:69] فالصدّيقون هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء هم الذين يتلون الصدّيقين، والصالحون يتلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدّق بالرسل؛ أعني {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ}. ويكون المعنى بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، فيكون صدّيق فوق صدّيق في الدرجات؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:إن أهل الجنات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الذي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنْعَمَاوروي عن ٱبن عباس ومسروق أن الشهداء غير الصدّيقين. فالشهداء على هذا منفصل مما قبله والوقف على قوله: {ٱلصِّدِّيقُونَ} حسن. والمعنى {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أي لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم. وفيهم قولان أحدهما ـ أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب؛ قاله الكلبي؛ ودليله قوله تعالى: { وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً }[النساء:41]. الثاني ـ أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون به قولان: أحدهما ـ أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية. وهذا معنى قول مجاهد. الثاني ـ يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل قولاً ثالثاً: إنهم القتلى في سبيل الله تعالى. ونحوه عن ٱبن عباس أيضاً قال: أراد شهداء المؤمنين. والواو واو الابتداء. والصدّيقون على هذا القول مقطوع من الشهداء.

وقد ٱختلف في تعيينهم؛ فقال الضحاك: هم ثمانية نفر؛ أبو بكر وعليّ وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة. وتابعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم؛ ألحقه الله بهم لما صدق نبيّه صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل بن حيان: الصدّيقون هم الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفة عين، مثل مؤمن آل فرعون، وصاحب آل ياسين، وأبي بكر الصديق، وأصحاب الأخدود.

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} أي بالرسل والمعجزات {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} فلا أجر لهم ولا نور.

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ۝٢٠ سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ۝٢١

قوله تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} وجه الاتصال أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفاً على نفسه من القتل، وخوفاً من لزوم الموت؛ فبين أن الحياة الدنيا منقضِية فلا ينبغي أن يترك أمر الله محافظة على ما لا يبقى. و «ما» صلة تقديره: ٱعلموا أنّ الحياة الدنيا لعِب باطل ولهو فرحٍ ثم ينقضي. وقال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. وقيل: إنه على المعهود من ٱسمه؛ قال مجاهد: كل لعب لهو. وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام» وقيل: الَّلعب ما رَغَّب في الدنيا، واللَّهو ما ألهى عن الآخرة؛ أي شَغل عنها. وقيل: اللعب الاقتناء، واللهو النساء. {وَزِينَةٌ} الزينة ما يتزين به؛ فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في غير طاعة الله. {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} أي يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخلقة والقوة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحدوصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحسابالحديث. وقد تقدم جميع هذا. {وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ} لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعة. قال بعض المتأخرين: «لَعِبٌ» كلعب الصبيان «ولَهْوٌ» كلهو الفتيان «وَزِينَةٌ» كزينة النسوان «وَتَفَاخُرٌ» كتفاخر الأقران «وَتَكَاثُرٌ» كتكاثر الدُّهقان. وقيل: المعنى أن الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء. وعن عليّ رضي الله عنه قال لعمّار: لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح؛ فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المِسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال؛ والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها. ثم ضرب الله تعالى لها مثلاً بالزرع في غيث فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ} أي مطر {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} الكفّار هنا: الزرّاع لأنهم يغطّون البذر. والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشِيماً كأن لم يكن، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن. وقد مضى معنى هذا المثل في «يونس» و«الكهف». وقيل: الكفّار هنا الكافرون بالله عز وجل؛ لأنهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين. وهذا قول حسن؛ فإن أصل الإعجاب لهم وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو التعظيم للدنيا وما فيها. وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم، وتتقلل عندهم وتدِق إذا ذكروا الآخرة. وموضع الكاف رفع على الصفة. {ثُمَّ يَهِيجُ} أن يجفّ بعد خضرته {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي متغيراً عما كان عليه من النضرة. {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} أي فُتاتاً وتِبْناً فيذهب بعد حسنه، كذلك دنيا الكافر. {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي للكافرين. والوقف عليه حسن، ويبتدىء {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ} أي للمؤمنين. وقال الفراء: {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ} تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على «شَدِيدٌ». {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} هذا تأكيد ما سبق؛ أي تغر الكفار، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرورِ تزهيداً في العمل للدنيا، وترغيباً في العمل للآخرة. قوله تعالى: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة؛ لأنها تؤدي إلى المغفرة؛ قاله الكلبي. وقيل التكبيرة الأولى مع الإمام؛ قاله مكحول. وقيل: الصف الأول. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} لو وصل بعضها ببعض. قال الحسن: يعني جميع السموات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها. وقيل: يريد لرجل واحد أي لكل واحد جنة بهذه السعة. وقال ٱبن كيسان: عنى به جنّة واحدة من الجنّات. والعرض أقل من الطول؛ ومن عادة العرب أنها تعبِّر عن سِعَةِ الشيء بعرضه دون طوله. قال:

كَأَنّ بِلاَدَ اللَّهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌعلى الْخَائِفِ المطْلوبِ كِفَّةُ حابِلِ

وقد مضى هذا كله في «آل عِمران». وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي الله عنه: أرأيت قول الله عز وجل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا وَلَّى وجاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} شرط الإيمان لا غير، وفيه تقوية الرجاء. وقد قيل: شرط الإيمان هنا وزاد عليه في «آل عمران» فقال: { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ }[آل عمران:133-134]. {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي إن الجنة لا تُنال ولا تُدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله. وقد مضى هذا في «الأعراف» وغيرها. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}.

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ۝٢٢ لِّكَيْلَا تَأْسَوْا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا۟ بِمَآ ءَاتَىٰكُمْ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ۝٢٣ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ ۝٢٤

قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ} قال مقاتل: القحط وقلة النبات والثمار. وقيل: الجوائح في الزرع. {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} بالأوصاب والأسقام؛ قاله قتادة. وقيل: إقامة الحدود؛ قاله ٱبن حيان. وقيل: ضيق المعاش؛ وهذا معنى رواه ٱبن جريج. {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} يعني في اللوح المحفوظ. {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} الضمير في «نَبْرَأَهَا» عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع. وقال ٱبن عباس: من قبل أن يخلق المصيبة. وقال سعيد بن جبير: من قبل أن يخلق الأرض والنفس. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي خَلْق ذلك وحِفْظ جميعه {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} هيّن. قال الربيع بن صالح: لما أخِذ سعيد ابن جبير رضي الله عنه بَكَيت؛ فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه. قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} الآية. وقال ٱبن عباس: لما خلق الله القلم قال له ٱكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ولقد ترك لهذه الآية جماعةٌ من الفضلاء الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكّلاً عليه، وقالوا قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة، فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا؛ قال الله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}. وقد قيل: إن هذه الآية تتصل بما قبل، وهو أن الله سبحانه هوّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتلٍ وجرح. وبيّن أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدّر لا مدفع له، وإنما على المرء ٱمتثال الأمر، ثم أدبهم فقال هذا: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق؛ وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فُرِغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه. وعن ٱبن مسعود أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

«لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه»ثم قرأ {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي من الدنيا؛ قاله ٱبن عباس. وقال سعيد بن جبير: من العافية والخصب. وروى عِكرمة عن ٱبن عباس: ليس مِن أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً، وغنيمته شكراً. والحزن والفرح المنهيّ عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز؛ قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس. وقراءة العامة «آتَاكُمْ» بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا. وٱختاره أبو حاتم. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو «أَتَاكُمْ» بقصر الألف وٱختاره أبو عبيد. أي جاءكم، وهو معادل لـ«ـفَاتَكُمْ» ولهذا لم يقل أفاتكم. قال جعفر بن محمد الصادق: يا بن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يردّه عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. وقيل لبرزجمهر: أيها الحكيم! ما لك لا تحزن على ما فات، ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالْعَبْرَةِ، والآتي لا يستدام بالحَبْرَةِ. وقال الفضيل بن عِياض في هذا المعنى الدنيا مُبِيد ومُفِيد؛ فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد آذن بالرحيل. وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار، وكلاهما شِرك خفيّ. والفخور بمنزلة المُصَرَّاةِ تُشَدّ أخلافهما ليجتمع فيها اللبن، فيتوهم المشتري أنّ ذلك معتاد وليس كذلك؛ فكذلك الذي يرى من نفسه حالاً وزينةً وهو مع ذلك مدّع فهو الفخور.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} أي لا يحب المختالين «ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ» فـ«ـالَّذِينَ» في موضع خفض نعتاً للمختال. وقيل: رفع بابتداء أي الذين يبخلون فالله غنيٌّ عنهم. قيل: أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبهم؛ لِئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم؛ قاله السدي والكلبي. وقال سعيد بن جبير: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} يعني بالعلم {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} أي بألاّ يعلِّموا الناس شيئاً. زيد ابن أسلم: إنه البخل بأداء حقّ الله عز وجل. وقيل: إنه البخل بالصدقة والحقوق؛ قاله عامر بن عبد الله الأشعريّ. وقال طوس: إنه البخل بما في يديه. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. وفرّق أصحاب الخواطِر بين البخل والسخاء بفرقين: أحدهما أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك. والسخيّ الذي يلتذ بالإعطاء. الثاني: أن البخيل الذي يعطي عند السؤال، والسخيّ الذي يعطي بغير سؤال. {وَمَن يَتَوَلَّ} أي عن الإيمان {فَإِنَّ ٱللَّهَ} غنيّ عنه. ويجوز أن يكون لما حثّ على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غنيّ عنهم. وقراءة العامة {بِٱلْبُخْلِ} بضم الباء وسكون الخاء. وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيـى بن يعمر ومجاهد وحميد وَٱبن محيصن وحمزة والكسائي «بِالْبَخَلِ» بفتحتين وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية وٱبن السَّمَيْقع «بِالْبَخْل» بفتح الباء وإسكان الخاء. وعن نصر بن عاصم «الْبُخُلِ» بضمتين وكلها لغات مشهورة. وقد تقدّم الفرق بين البخل والشحّ في آخر «آل عمران».

وقرأ نافع وٱبن عامر {فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} بغير «هُوَ». والباقون «هُوَ الْغَنِيُّ» على أن يكون فصلاً. ويجوز أن يكون مبتدأ و«الْغَنِيُّ» خبره والجملة خبر إن. ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلاً؛ لأن حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ