انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الانسان

تفسير الطبريالآيات 21–31

تفسير سورة الانسان آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الانسان

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطع واحد · 13:26

  1. 1 السورة كاملةفي هذه الصفحة 13:26

عَٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوٓا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ۝٢١

يقول تعالى ذكره: فوقهم، يعني فوق هؤلاء الأبرار ثياب سُنْدُسٍ. وكان بعض أهل التأويل يتأوّل قوله: {عالِيَهُمْ} فوق حِجَالهم المثبتة عليهم {ثِيابُ سُنْدُسٍ} وليس ذلك بالقول المدفوع، لأن ذلك إذا كان فوق حجالٍ هم فيها، فقد علاهم فهو عاليهم.

وقد اختلف أهل القراءة في قراءة ذلك فقرأته عامة قرّاء المدينة والكوفة وبعض قرّاء مكة: «عَالِيْهِمْ» بتسكين الياء. وكان عاصم وأبو عمرو وابن كثير يقرءونه بفتح الياء، فمن فتحها جعل قوله {عالِيَهُمْ} اسما مرافعا للثياب، مثل قول القائل: ظاهرهم ثياب سندس.

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وقوله: {ثِيابُ سُنْدُسٍ} يعني: ثياب ديباج رقيق حسن، والسندس: هو ما رقّ من الديباج.

وقوله: {خُضْرٌ} اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه أبو جعفر القارىء وأبو عمرو برفع {خُضْرٌ} على أنها نعت للثياب، وخفض «اسْتَبْرَقٍ» عطفاً به على السندس، بمعنى: وثياب إستبرق. وقرأ ذلك عاصم وابن كثير: «خُضْرٍ» خفضاً {واسْتَبْرَقٌ} رفعاً، عطفاً بالاستبرق على الثياب، بمعنى: عاليهم استبرق، وتصييراً للخضر نعتا للسندس. وقرأ نافع ذلك: {خُضْرٌ} رفعاً على أنها نعت للثياب {واسْتَبْرَقٌ} رفعاً عطفاً به على الثياب. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: «خُضْرٍ واسْتَبْرَقٍ» خفضاً كلاهما. وقرأ ذلك ابن محيصن بترك إجراء الاستبرق: «واسْتَبْرَقَ» بالفتح بمعنى: وثياب استبرق، وفَتَحَ ذلك لأنه وجَّهه إلى أنه اسم أعجميّ. ولكلّ هذه القراءات التي ذكرناها وجه ومذهب، غير الذي سبق ذكرنا عن ابن محيصن، فإنها بعيدة من معروف كلام العرب، وذلك أن الاستبرق نكرة، والعرب تجري الأسماء النكرة وإن كانت أعجمية، والاستبرق: هو ما غَلُظ من الديباج. وقد ذكرنا أقوال أهل التأويل في ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: الاستبرق: الديباج الغليظ.

وقوله: {وَحُلُّوا أساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} يقول: وحلاهم ربهم أساور، وهي جمع أسورة من فضة.

وقوله: {وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} يقول تعالى ذكره: وسقى هؤلاء الأبرار ربُّهُم شراباً طهوراً، ومن طهره أنه لا يصير بولاً نجساً، ولكنه يصير رشحاً من أبدانهم كرشح المسك، كالذي:

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيمي {وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} قال: عرق يفيض من أعراضهم مثل ريح المسك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، مثله.

قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم التيمي، قال: إن الرجل من أهل الجنة يقسَمُ له شهوة مئة رجل من أهل الدنيا، وأكلهم وهمتهم، فإذا أكل سقي شراباً طهوراً، فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك الأذفر، ثم تعود شهوته.

حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: {شَرَابا طَهُوراً} قال: ما ذكر الله من الأشربة.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبان، عن أبي قِلابة: إن أهل الجنة إذا أكلوا وشربوا ما شاءوا دَعَوا بالشراب الطهور فيشربونه، فتطهر بذلك بطونهم ويكون ما أكلوا وشربوا رَشْحا وريحَ مسك، فتضمر لذلك بطونهم.

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره «شكّ أبو جعفر الرازي» قال: صعد جبرائيل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة أُسريَ به إلى السماء السابعة، فاستفتَح، فقيل له: من هذا؟ فقال: جبرائيل قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أَوَ قَدْ أُرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ونعم المجيءُ جاء قال: فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس على كرسيّ عند باب الجنة، وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خَلَص من ألوانهم شيء ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خَلَصت ألوانهم، فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل من هذا الأشمط، ومن هؤلاء البيض الوجوه، ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، وما هذه الأنهار التي اغتسلوا فيها، فجاءوا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، أوّل من شَمِط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم. وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا، فتاب الله عليهم. وأما الأنهار، فأوّلها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً.

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ۝٢٢ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلًا ۝٢٣ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًا ۝٢٤

يقول تعالى ذكره: يقال لهؤلاء الأبرار حينئذ: إن هذا الذي أعطيناكم من الكرامة كان لكم ثواباً على ما كنتم في الدنيا تعملون من الصالحات {وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} يقول: كان عملكم فيها مشكوراً، حمدكم عليه ربكم، ورضيه لكم، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامة عليه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ هَذَا كانَ لَكُمْ جَزَاءً وكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً} غفر لهم الذنب، وشكر لهم الحسن.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: تلا قتادة {وكانَ سَعْيُكُم مَشْكُوراً} قال: لقد شَكر الله سعياً قليلاً.

وقوله: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرآنَ تَنْزِيلاً} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا نحن نزّلنا عليك يا محمد هذا القرآن تنزيلاً، ابتلاء منا واختباراً {فاصْبِرْ لِحُكُمِ رَبِّكَ} يقول: اصبر لما امتحنك به ربك من فرائضه، وتبليغ رسالاته، والقيام بما ألزمك القيام به في تنزيله الذي أوحاه إليك {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أو كَفُوراً} يقول: ولا تطع في معصية الله من مشركي قومك آثماً يريد بركوبه معاصيه، أو كفوراً: يعني جحوداً لنعمه عنده، وآلائه قِبلَه، فهو يكفر به، ويعبد غيره.

وقيل: إن الذي عني بهذا القول أبو جهل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أوْ كَفُوراً} قال: نزلت في عدوّ الله أبي جهل.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة أنه بلغه أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأنّ عنقه، فأنزل الله: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أوْ كَفُوراً}.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أوْ كَفُوراً} قال: الآثِم: المذنب الظالم والكفور، هذا كله واحد.

وقيل: {أوْ كَفُوراً} والمعنى: ولا كفوراً. قال الفرّاء: «أو» ههنا بمنزلة الواو، وفي الجحد والاستفهام والجزاء تكون بمعنى «لا»، فهذا من ذلك مع الجحد ومنه قول الشاعر:

لا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجَدْتُ وَلا وَجْدُ عَجُولٍ أضَلَّها رُبَعُ أوْ وَجْدُ شَيْخٍ أضَلَّ ناقَتَهُ يَوْمَ تَوَافَى الْحَجِيجُ فانْدَفَعُوا

أراد: ولا وجدُ شيخ، قال: وقد يكون في العربية: لا تطيعنّ منهم من أثم أو كفر، فيكون المعنى في أو قريباً من معنى الواو، كقولك للرجل: لأعطينك سألت أو سكتّ، معناه: لأعطينك على كلّ حال.

وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝٢٥ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ۝٢٦ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ۝٢٧

يقول تعالى ذكره: {وَاذْكُرْ} يا محمد {اسْمَ رَبِّكَ} فادعه به بكرة في صلاة الصبح، وعشياً في صلاة الظهر والعصر {وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ} يقول: ومن الليل فاسجد له في صلاتك، فسبحه ليلاً طويلاً، يعني: أكثر الليل، كما قال جلّ ثناؤه:

{ قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أو زِدْ عَلَيْهِ }. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} يعني: الصلاة والتسبيح.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأصِيلاً} قال: بكرة: صلاة الصبح وأصيلاً صلاة الظهر الأصيل.

وقوله: {ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} قال: كان هذا أوّل شيء فريضة. وقرأ:

{ يا أيُّها المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ }، ثم قال: { إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ }... إلى قوله فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ... إلى آخر الآية، ثم قال: مُحِيي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الناس، وجعله نافلة فقال: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ } قال: فجعلها نافلة.

وقوله: {إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ} يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المشركين بالله يحبون العاجلة، يعني الدنيا، يقول: يحبون البقاء فيها وتعجبهم زينتها {ويذرونَ وراءهُمْ يوماً ثَقِيلاً} يقول: ويدعون خلف ظهورهم العمل للآخرة، وما لهم فيه النجاة من عذاب الله يومئذ وقد تأوّله بعضهم بمعنى: ويذرون أمامهم يوماً ثقيلاً وليس ذلك قولاً مدفوعاً، غير أن الذي قلناه أشبه بمعنى الكلمة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً} قال: الآخرة.

نَّحْنُ خَلَقْنَٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَٰلَهُمْ تَبْدِيلًا ۝٢٨ إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ۝٢٩

يقول تعالى ذكره: {نحن خلقنا} هؤلاء المشركين بالله المخالفين أمره ونهيه {وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ}: وشددنا خلقهم، من قولهم: قد أُسِر هذا الرجل فأُحسِن أسره، بمعنى: قد خُلِقَ فأُحسِن خَلْقه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ} يقول: شددنا خلقهم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: {وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ} قال: خَلْقهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ}: خَلْقهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: الأَسْر: المفاصل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، سمعته، يعني خلاداً يقول: سمعت أبا سعيد، وكان قرأ القرآن على أبي هريرة قال: ما قرأت القرآن إلا على أبي هريرة، هو أقرأني، وقال في هذه الآية {وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ} قال: هي المفاصل.

وقال آخرون: بل هو القوّة.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَشَدَدْنا أسْرَهُمْ} قال: الأسر: القوّة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الأسر، هو ما ذكرت عند العرب ومنه قول الأخطل:

مِنْ كلّ مُجْتَنَبٍ شَدِيدٍ أسْرُه سَلِسِ الْقِيادِ تَخالُهُ مُخْتالاَ

ومنه قول العامة: خذه بأسره: أي هو لك كله.

وقوله: {وَإذَا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً} يقول: وإذا نحن شئنا أهلكنا هؤلاء وجئنا بآخرين سواهم من جنسهم أمثالهم من الخلق، مخالفين لهم في العمل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً} قال: بني آدم الذين خالفوا طاعة الله، قال: وأمثالهم من بني آدم.

وقوله: {إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} يقول: إن هذه السورة تذكرة لمن تذكر واتعظ واعتبر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: {إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} قال: إن هذه السورة تذكرة.

وقوله: {فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً} يقول: فمن شاء أيها الناس اتخذ إلى رضا ربه بالعمل بطاعته، والانتهاء إلى أمره ونهيه، سبيلاً.

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝٣٠ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۢا ۝٣١

يقول تعالى ذكره: {وَما تَشاءُونَ} اتخاذ السبيل إلى ربكم أيها الناس {إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ} ذلك لكم لأن الأمر إليه لا إليكم وهو في قراءة عبد الله فيما ذُكر: «وَما تَشاءُونَ إلاَّ ما شاءَ اللَّهُ».

وقوله {إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً} فلن يعدو منكم أحد ما سبق له في علمه بتدبيركم.

وقوله: {يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ} يقول: يدخل ربكم من يشاء منكم في رحمته، فيتوب عليه حتى يموت تائبا من ضلالته، فيغفر له ذنوبه، ويُدخله جنته {والظَّالَمِيِنَ أعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً} يقول: الذين ظلموا أنفسهم، فماتوا على شركهم، أعدّ لهم في الآخرة عذاباً مؤلماً موجعاً، وهو عذاب جهنم. ونصب قوله: {والظَّالمِينَ} لأن الواو ظرف لأعدّ، والمعنى: وأعدّ للظالمين عذاباً أليماً. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: «ولِلظَّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ» بتكرير اللام، وقد تفعل العرب ذلك، وينشد لبعضهم:

أقولُ لهَا إذا سألَتْ طَلاقا إلامَ تُسارِعِينَ إلى فِرَاقي؟

ولآخر:

فأصْبَحْنَ لا يسأَلَنْهُ عَنْ بِمَا بِهِ أصَعَّد فِي غاوِي الهَوَى أمْ تَصَوَّبا؟

بتكرير الباء، وإنما الكلام لا يسألنه عما به.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ