انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الانسان

تفسير القرطبيالآيات 1–18

تفسير سورة الانسان آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا ۝١ إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ۝٢ إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ۝٣

قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } «هَلْ»: بمعنى قد؛ قاله الكسائي والفراء وأبو عبيدة. وقد حكي عن سيبويه «هَلْ» بمعنى قد. قال الفراء: هل تكون جَحْداً، وتكون خبراً، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل أعطيتك؟ تُقَرِّره بأنك أعطيته. والجحد أن تقول: هل يقدر أحد على مثل هذا؟ وقيل: هي بمنزلة الاستفهام، والمعنى: أتى. والإنسان هنا آدم عليه السلام؛ قاله قتادة والثَّوريّ وعِكرمة والسّديّ. وروي عن ٱبن عباس. {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} قال ٱبن عباس في رواية أبي صالح: أربعون سنة مرّت به، قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف. وعن ٱبن عباس أيضاً في رواية الضحاك أنه خلق من طين، فأقام أربعين سنة، ثم من حَمَإٍ مسنون أربعين سنة، ثم من صَلْصال أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة. وزاد ٱبن مسعود فقال: أقام وهو من تراب أربعين سنة، فتم خلقه بعد مائة وستين سنة، ثم نفخ فيه الروح. وقيل: الحين المذكور ها هنا: لا يُعْرف مقدارُه؛ عن ٱبن عباس أيضاً، حكاه الماورديّ. {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} قال الضحاك عن ٱبن عباس: لا في السماء ولا في الأرض. وقيل: أي كان جسداً مصوّراً تراباً وطيناً، لا يُذكَر ولا يُعرَف، ولا يُدرَى ما ٱسمه ولا ما يراد به، ثم نُفِخ فيه الرُّوح، فصار مذكوراً؛ قاله الفراء وقطرب وثعلب. وقال يحيـى بن سلاّم: لم يكن شيئاً مذكوراً في الخَلْق وإن كان عند الله شيئاً مذكوراً. وقيل: ليس هذا الذِّكر بمعنى الإخبار، فإن إخبار الربّ عن الكائنات قديم، بل هذا الذِّكر بمعنى الخطر والشرف والقدر؛ تقول: فلان مذكور أي له شرف وقدر. وقد قال تعالى:

{ { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } } [الزخرف: 44] أي قد أتى على الإنسان حين لم يكن له قَدْر عند الخليقة. ثم لما عَرَّف الله الملائكة أنه جعل آدم خليفة، وحمَّله الأمانة التي عجز عنها السموات والأرض والجبال، ظهر فضله على الكل، فصار مذكوراً. قال القُشيريّ: وعلى الجملة ما كان مذكوراً للخلق، وإن كان مذكوراً لله. وحكى محمد ابن الجهم عن الفراء: «لَمْ يَكُنْ شَيْئاً» قال: كان شيئاً ولم يكن مذكوراً. وقال قوم: النفي يرجع إلى الشيء؛ أي قد مضى مُدَد من الدهر وآدم لم يكن شيئاً يذكر في الخليقة؛ لأنه آخر ما خلقه من أصناف الخليقة، والمعدوم ليس بشيء حتى يأتي عليه حين. والمعنى: قد مضت عليه أزمنة وما كان آدم شيئاً ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة. وهذا معنى قول قتادة ومقاتل: قال قتادة: إنما خلق الإنسان حديثاً ما نعلم من خليقة الله جل ثناؤه خليقة كانت بعد الإنسان. وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: هل أتى حين من الدهر لم يكن الإنسان شيئاً مذكوراً؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله، ولم يخلق بعده حيواناً. وقد قيل: «الإنسان» في قوله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ} عُنِيَ به الجنس من ذرّية آدم، وأن الحين تسعة أشهر، مدّة حمل الإنسان في بطن أمه {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}: إذ كان علقة ومضغة؛ لأنه في هذه الحالة جماد لا خطر له. وقال أبو بكر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية: ليتها تَمَّت فلا نُبْتَلى. أي ليت التي أتت على آدم لم تكن شيئاً مَذْكُوراً تَمَّت على ذلك، فلا يلد ولا يُبْتَلى أولادُه. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقرأ {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } فقال ليتها تَمَّت.

قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ} أي ٱبن آدم من غير خلاف {مِن نُّطْفَةٍ} أي من ماء يقطُر وهو المنيّ، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة؛ كقول عبد الله بن رواحة يعاتب نفسه:

مالي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّهْهل أنتِ إِلاَّ نُطْفةٌ في شَنَّهْ

وجمعها: نَطف ونِطَاف. {أَمْشَاجٍ}: أخلاط. واحدها: مِشْج ومَشِيج، مثل خِدْن وخَدِين؛ قال: رؤبة:

يَطْرحْن كُلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجِلَمْ يُكْسَ جِلْداً في دَمٍ أَمْشَاجِ

ويقال: مَشَجتُ هذا بهذا أي خلطته، فهو مَمْشوج ومَشِيج؛ مثل مَخْلوط وخَلِيط. وقال المبرّد: واحد الأمشاج: مشيج؛ يقال: مشج يمشِج: إذا خلط، وهو هنا ٱختلاط النطفة بالدم؛ قال الشَّمَّاخ:

طَوَتْ أَحْشَاء مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍعلى مَشَج سُلاَلَتُهُ مَهِينُ

وقال الفراء: أمشاج: أخلاط ماء الرجل وماء المرأة، والدم والعَلَقة. ويقال للشيء من هذا إذا خُلط: مَشِيج كقولك خَلِيط، ومَمْشوج كقولك مَخْلوط. وروي عن ٱبن عباس رضي الله عنه قال: الأمشاج: الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة. وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة؛ قال الهُذليّ:

كَأَنَّ الرِّيشَ والْفُوقَيْنِ مِنْهُخِلاَفَ النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ

وعن ٱبن عباس أيضاً قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، فما كان من عصب وعظم وقوّة فهو من ماء الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فهو من ماء المرأة. وقد روي هذا مرفوعاً؛ ذكره البزار. وروي عن ٱبن مسعود: أمشاجها عروق المضغة. وعنه: ماء الرجل وماء المرأة وهما لونان. وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء ونطفة المرأة خضراء وصفراء. وقال ٱبن عباس: خلق من ألوان؛ خلق من تراب، ثم من ماء الفرج والرحم، وهي نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظم ثم لحم. ونحوه قال قتادة: هي أطوار الخلق: طور وطور علقة وطور مضغة عظام ثم يكسو العظام لحماً؛ كما قال في سورة «المؤمنون» { { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } } [المؤمنون: 12] الآية. وقال ٱبن السِّكِّيت: الأمشاج الأخلاط؛ لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان منها ذا طبائع مختلفة. وقال أهل المعاني: والأمشاج ما جمع وهو في معنى الواحد؛ لأنه نعت للنطفة؛ كما يقال: بُرْمَةٌ أَعشَار وثوبٌ أخلاقٌ. وروي عن أبي أيوب الأنصاريّ: قال جاء حبر من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن ماء الرجل وماء المرأة؟ فقال: «ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فإذا عَلاَ ماء المرأة آنثَتْ وإذا عَلاَ ماءُ الرجل أَذْكَرَتْ» فقال الحبر: أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأنك رسول الله. وقد مضى هذا القول مستوفًى في سورة «البقرة». {نَبْتَلِيهِ} أي نختبره. وقيل: نقدر فيه الابتلاء وهو الاختبار. وفيما يختبر به وجهان: أحدهما ـ نختبره بالخير والشر؛ قاله الكلبي: الثاني ـ نختبر شكره في السَّراء وصبره في الضَّرَّاء؛ قاله الحسن. وقيل: «نَبْتَلِيهِ» نُكلِّفه. وفيه أيضاً وجهان: أحدهما ـ بالعمل بعد الخلق؛ قاله مقاتل. الثاني ـ بالدِّين ليكون مأموراً بالطاعة ومنهيًّا عن المعاصي. وروي عن ٱبن عباس: «نَبْتَلِيهِ»: نصرفه خلقاً بعد خلق؛ لنبتليه بالخير والشر. وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال: المعنى والله أعلم {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} لنبتليه، وهي مُقدَّمة معناها التأخير.

قلت: لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخِلْقة. وقيل: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}: يعني جعلنا له سمعاً يسمع به الهدى، وبصراً يبصر به الهدى.

قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ} أي بيّنا له وعَرَّفناه طريق الهدى والضلال، والخير والشرّ ببعث الرسل، فآمن أو كفر؛ كقوله تعالى:

{ { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } } [البلد: 10]. وقال مجاهد: أي بيّنا له السبيل إلى الشَّقاء والسَّعادة. وقال الضحاك وأبو صالح والسّديّ: السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل: منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} أي أيهما فعل فقد بيّنا له. قال الكوفيون: «إِن» ها هنا تكون جزاء و «ما» زائدة أي بيّنا له الطريق إن شَكَر أو كَفَر. وٱختاره الفراء ولم يجزْه البصريون؛ إذ لا تدخل «إِنْ» للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل. وقيل: أي هديناه الرشد، أي بيّنا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه؛ ثم إن خلقنا له الهداية ٱهتدى وآمن، وإن خذلناه كَفَر. وهو كما تقول: قد نصحت لك، إن شئت فاقبل، وإن شئت فٱترك؛ أي فإن شئت، فتحذف الفاء. وكذا {إِمَّا شَاكِراً} والله أعلم. ويقال: هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل. وقد تقدّم في «الفاتحة» وغيرها. وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع ٱجتماعهما في معنى المبالغة؛ نفياً للمبالغة في الشكر وإثباتاً لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يُؤدَّى، فٱنتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقَلَّ شكره، لكثرة النِّعم عليه وكَثرة كفره وإن قَلّ مع الإحسان إليه. حكاه الماورديّ.

إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَا۟ وَأَغْلَٰلًا وَسَعِيرًا ۝٤

قوله تعالى: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلَ وَأَغْلاَلاً وَسَعِيراً} بين حال الفريقين، وأنه تعَبَّد العقلاء وكَلَّفهم ومَكَّنهم مما أمرهم، فمن كَفَر فله العقاب، ومن وَحَّد وشكَر فله الثواب. والسلاسِل: القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعاً كما مضى في «الحاقة». وقرأ نافع والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ٱبن عامر «سَلاَسِلاً» منوّناً. الباقون بغير تنوين. ووقف قُنْبُل وٱبن كثير وحمزة بغير ألف. الباقون بالألف. فأما «قوارِير» الأوّل فنوّنه نافع وٱبن كثير والكسائيّ وأبو بكر عن عاصم، ولم ينوّن الباقون. ووقف فيه يعقوب وحمزة بغير ألف. والباقون بالألف. وأما «قَوَارِير» الثانية فنوّنه أيضاً نافع والكسائيّ وأبو بكر، ولم ينوّن الباقون. فمن نوّن قرأها بالألف، ومن لم ينوّن أسقط منها الألف، وٱختار أبو عُبيد التنوين في الثلاثة، والوقف بالألف ٱتباعاً لخط المصحف؛ قال: رأيت في مصحف عثمان «سَلاَسِلاً» بالألف و «قَوَارِيراً» الأوّل بالألف، وكان الثاني مكتوباً بالألف فَحُكَّت فرأيت أثرها هناك بَيِّناً. فمن صرف فله أربع حجج: أحدها ـ أن الجموع أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد، فجعلت في حكم الآحاد فصرفت. الثانية ـ أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أَفْعَل منك، وكذا قال الكسائيّ والفراء: هو على لغة من يُجرِ الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يُجْرونه؛ وأنشد ٱبن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كُلْثوم:

كَأَنَّ سُيوفَنَا فِينا وفِيهِمْمَخَارِيقٌ بِأَيْدِي لاَعِبِينَا

وقال لَبِيد:

وجَزُورِ أَيْسَارٍ دَعوتُ لِحَتفِهابِمَغَالِقٍ مُتَشَابِهٍ أَجْسَامُهَا

وقال لَبِيد أيضاً:

فَضَلاً وذو كَرمٍ يُعِينُ على النَّدَىسَمْحٌ كَسُوبُ رَغَائِبٍ غَنَّامُهَا

فصرف مَخَاريق ومَغَالق ورَغَائب، وسبيلها ألا تُصرَف. والحجة الثالثة ـ أن يقول نوّنت قوارِير الأوّل لأنه رأس آية، ورؤوس الآي جاءت بالنون، كقوله جلّ وعزّ: {مَّذْكُوراً} {سَمِيعاً بَصِيراً} فنوّنا الأوّل ليوقف بين رؤوس الآي، ونوّنا الثاني على الجوار للأوّل. والحجة الرابعة ـ ٱتباع المصاحف، وذلك أنهما جميعاً في مصاحف مكة والمدينة والكوفة بالألف. وقد ٱحتج من لم يصرفهنّ بأن قال: إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو حرفان أو حرف مشدّد لم يُصَرف في معرفة ولا نكرة؛ فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف قولك: قناديل ودنانير ومناديل، والذي بعد الألف منه حرفان قول الله عز وجل: { { لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ } } [الحج: 40] لأن بعد الألف منه حرفين، وكذلك قوله: { { وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً } } [الحج: 40] والذي بعد الألف منه حرف مُشَدّد شَوَابّ ودَوَابّ. وقال خلف: سمعت يحيـى بن آدم يحدّث عن ٱبن إدريس قال: في المصاحف الأوَل الحرف الأوّل بالألف والثاني بغير ألف؛ فهذا حجة لمذهب حمزة. وقال خلف: رأيت في مصحف ينسب إلى قراءة ٱبن مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف. وأما أَفْعَل مِنْك فلا يقول أحد من العرب في شعره ولا في غيره هو أفعل منك منوّناً؛ لأن مِن تقوم مقام الإضافة فلا يجمع بين تنوين وإضافة في حرف؛ لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين دليلين؛ قاله الفراء وغيره.

قوله تعالى: {وَأَغْلاَلاً} جمع غُلّ تُغلّ بها أيديهم إلى أعناقهم. وعن جُبَير ابن نُفَير عن أبي الدراء كان يقول: ٱرفعوا هذه الأيدي إلى الله جلّ ثناؤه قبل أن تُغلّ بالأغلال. قال الحسن: إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار؛ لأنهم أعجزوا الربّ سبحانه ولكن إذلالاً. {وَسَعِيراً} تقدّم القول فيه.

إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ۝٥ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ۝٦

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} الأبرار: أهل الصدق واحدهم بَرٌّ، وهو من ٱمتثل أمر الله تعالى. وقيل: البرّ الموحِّد والأبرار جمع بارّ مثل شاهد وأشهاد، وقيل: هو جمع بَرّ مثل نَهْر وأنهار؛ وفي الصحاح: وجمع البر الأبرار، وجمع البار البَرَرة، وفلان يَبَرُّ خالقَه وَيَتَبَّرره أي يُطِيعه، والأم بَرّةٌ بولدها. وروى ٱبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنما سمّاهم الله جل ثناؤه الأبرار لأنهم بَرُّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حقًّا. وقال الحسن: البَرّ الذي لا يؤذي الذَّرّ. وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدّون حقّ الله ويوفون بالنَّذْر. وفي الحديث:الأبرار الذين لا يؤذون أحداً. {يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ} أي من إناء فيه الشراب. قال ٱبن عباس: يريد الخمر. والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب: وإذا لم يكن فيه شراب لم يسمّ كأساً. قال عمرو بن كُلْثوم:

صَبنْتِ الكأسَ عَنَّا أُمَّ عَمرٍووكان الْكَأْسُ مَجْرَاها الْيَمِينَا

وقال الأصمعيّ: يقال صَبَنْتَ عنّا الهديةَ أو ما كان من معروف تَصبِنُ صَبْنا: بمعنى كَفَفْتَ؛ قاله الجوهري. {كَانَ مِزَاجُهَا} أي شَوْبها وخلطها؛ قال حسّان:

كَأَنَ سَبِيئةً مِن بيْتِ رَأَسٍيكونُ مِزَاجَها عَسلٌ وماءُ

ومنه مِزاج البدن وهو ما يمازجه من الصفراء والسوداء والحرارة والبرودة. {كَافُوراً} قال ٱبن عباس: هو ٱسم عين ماء في الجنة، يقال له عين الكافور. أي يمازجه ماء هذه العين التي تسمّى كافوراً. وقال سعيد عن قتادة: تُمزَج لهم بالكافور وتُختَم بالمسك. وقاله مجاهد. وقال عِكرمة: مِزَاجها طعمها. وقيل: إنما الكافور في ريحها لا في طعمها. وقيل: أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبَرْده؛ لأن الكافور لا يشرب؛ كقوله تعالى: { { حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً } } [الكهف: 96] أي كنارٍ. وقال ٱبن كَيْسان: طُيِّب بالمسك والكافور والزنجيل. وقال مقاتل: ليس بكافور الدنيا. ولكن سمَّى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب. وقوله: {كَانَ مِزَاجُهَا} «كَانَ» زائدة أي من كأس مِزاجُها كافورٌ. {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ} قال الفراء: إن الكافور ٱسم لعين ماء في الجنة؛ فـ «ـعَيْناً» بدل من كافور على هذا. وقيل: بدل من كأس على الموضع. وقيل: هي حال من المضمر في «مِزاجها». وقيل: نصب على المدح؛ كما يُذكَر الرّجلُ فتقول: العاقلَ اللبيبَ؛ أي ذكرتم العاقلَ اللبيبَ فهو نصب بإضمار أعني. وقيل يشربون عيناً. وقال الزجاج: المعنى من عين. ويقال: كافور وقافور. والكافور أيضاً: وعاء طلع النخل وكذلك الكُفُرَّي؛ قاله الأصمعيّ.

وأما قول الراعي:

تَكْسُو الْمَفَارِقَ واللَّبَّاتِ ذَا أَرَجٍمِن قُصْبِ مُعْتَلِفِ الكافورِ دَرَّاجِ

فإنّ الظبي الذي يكون منه المسك إنما يَرْعي سُنْبَل الطِّيب فجعله كافوراً. {يَشْرَبُ بِهَا} قال الفراء: يشرب بها ويشربها سواء في المعنى، وكأنّ يشرب بها يَرْوَي بها ويَنْقع؛ وأنشد:

شَرِبْنَ بمِاءِ البحرِ ثم تَرَفَّعتْمَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيج

قال: ومثله فلان يتكلم بكلام حسن، ويتكلم كلاماً حسناً. وقيل: المعنى يشربها والباء زائدة. وقيل: الباء بدل «مِن» تقديره يشرب منها؛ قاله القتبيّ. {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} فيقال: إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتبعه حيثما صعد إلى أعلى قصوره؛ وذلك قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} أي يُشقِّقونها شَقًّا كما يفجر الرجل النهر ها هنا وها هنا إلى حيث يريد. وعن ٱبن أبي نَجيح عن مجاهد {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} يقودونها حيث شاؤوا، وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم. وروى أبو مقاتل عن أبي صالح عن سعد عن أبي سهل عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً} والأخرى الزنجبيل والأخريان نَضًّاختان من فوق العرش إحداهما التي ذكر الله {عَيْناً فِيَها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً} والأخرى التَّسْنيمذكره الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول». وقال: فالتسنيم للمقربين خاصة شربا لهم، والكافور للأبرار شربا لهم؛ يمزج للأبرار من التسنيم شرابهم، وأما الزنجبيل والسلسبيل فللأبرار منها مِزاج هكذا ذكره في التنزيل وسكت عن ذكر ذلك لمن هي شرب، فما كان للأبرار مِزاج فهو للمقربين صِرف، وما كان للأبرار صِرف فهو لسائر أهل الجنة مِزاج. والأبرار هم الصادقون، والمقرَّبون: هم الصديقون.

يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا ۝٧ وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝٨ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا ۝٩

قوله تعالى: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي لا يُخلِفون إذا نَذَرواً. وقال مَعْمَر عن قتادة: بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعُمْرة وغيره من الواجبات. وقال مجاهد وعكرمة: يوفون إذا نذروا في حقّ الله جل ثناؤه. وقال الفرّاء والجرجاني: وفي الكلام إضمار؛ أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا. والعرب قد تزيد مرة «كان» وتحذف أخرى. والنذر: حقيقته ما أوجبه المكلّف على نفسه من شيء يفعله. وإن شئت قلت في حَدِّه: النذر: هو إيجاب المكلَّف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه. وقال الكَلْبيّ: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} أي يتممون العهود والمعنى واحد؛ وقد قال الله تعالى:

{ { ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } } [الحج: 29] أي أعمال نسكهم التي ألزموها أَنفسهم بإحرامهم بالحج. وهذا يقوّي قول قتادة. وأن النذر يندرج فيه ما ٱلتزمه المرء بإيمانه من ٱمتثال أمر الله؛ قاله القُشيري. وروى أشهب عن مالك أنه قال: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} هو نذر العتق والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز قال مالك: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ} قال: النذر: هو اليمين.

قوله تعالى: {وَيَخَافُونَ} أي يحذرون {يَوْماً} أي يوم القيامة. {كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} أي عالياً داهياً فاشياً وهو في اللغة ممتدّاً؛ والعرب تقول: ٱستطار الصدع في القارورة والزجاجة وٱستطال: إذا ٱمتد؛ قال الأعشى:

وبَانَتْ وقد أَسْأَرَتْ في الفُؤَادِ صَدْعاً على نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا

ويقال: ٱستطار الحريق: إذا ٱنتشر. وٱستطار الفجر إذا ٱنتشر الضوء.

وقال حسان:

وهَانَ على سَرَاة بنِي لُؤَيٍّحرِيقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

وكان قتادة يقول: ٱستطار واللَّهِ شرُّ ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض. وقال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات فٱنشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وفي الأرض نُسِفت الجبالُ وغارت المياهُ.

قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} قال ٱبن عباس ومجاهد: على قِلّته وحبّهم إياه وشهوتهم له. وقال الداراني: على حبّ الله. وقال الفُضَيل بن عِياض: على حبّ إطعام الطعام. وكان الربيع بن خيثم إذا جاءه السائل قال: أطعموه سُكَّراً فإن الربيع يحب السكر. {مِسْكِيناً} أي ذا مسكنة. وروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: هو الطوّاف يسألك مَالَكَ {وَيَتِيماً} أي من يتامى المسلمين. وروى منصور عن الحسن: أن يتيماً كان يحضر طعام ٱبن عمر، فدعا ذات يوم بطعامه، وطلب اليتيم فلم يجده، وجاءه بعد ما فرغ ٱبن عمر من طعامه فلم يجد الطعام، فدعا له بسَوِيق وعسل؛ فقال: دونك هذا، فوالله ما غُبِنتَ؛ قال الحسن وٱبن عمر: والله ما غُبِن. {وَأَسِيراً} أي الذي يؤسر فيحبس. فروى أبو صالح عن ٱبن عباس قال: الأسير من أهل الشرك يكون في أيديهم. وقاله قتادة. وروى ٱبن أبي نجيح عن مجاهد قال: الأسير هو المحبوس. وكذا قال سعيد بن جُبير وعطاء: هو المسلم يُحبس بحقّ. وعن سعيد بن جبير مثل قول قتادة وٱبن عباس. قال قتادة: لقد أمر الله بالأسرى أن يحسن إليهم، وأن أسراهم يومئذ لأَهلُ الشِّرك، وأخوك المسلم أحقُّ أن تطعمه. وقال عِكرمة: الأسير العبد. وقال أبو حمزة الثُّمَالي: الأسير المرأة، يدلّ عليه قوله عليه السلام:

ٱستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عَوَانٍ عندكمأي أسيرات. وقال أبو سعيد الخُدري: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} فقال: «المسكين الفقير، واليتيم الذي لا أب له، والأسير المملوك والمسجون»ذكره الثعلبي. وقيل: نسخ إطعام المسكين آية الصدقات؛ وإطعام الأسير (آية) السيف؛ قاله سعيد بن جُبير. وقال غيره: بل هو ثابت الحكم، وإطعام اليتيم والمسكين على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلاّ أن يتخير فيه الإمام. الماورديّ: ويحتمل أن يريد بالأسير الناقص العقل؛ لأنه في أسر خَبْله وجنونه، وأسر المشرك ٱنتقام يقف على رأي الإمام، وهذا بِرٌّ وإحسان. وعن عطاء قال: الأسير من أهل القبلة وغيرهم.

قلت: وكأنّ هذا القول عام يجمع جميع الأقوال، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى، غير أنه من صدقة التطوع، فأما المفروضة فلا. والله أعلم. ومضى القول في المسكين واليتيم والأسير وٱشتقاق ذلك من اللغة في «البقرة» مستوفًى والحمد لله.

قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} أي يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم والأسير {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ} في الله جلّ ثناؤه فزعاً من عذابه وطمعاً في ثوابه. {لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً} أي مكافأة. {وَلاَ شُكُوراً} أي ولا أن تثنوا علينا بذلك؛ قال ٱبن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا. وعن سالم عن مجاهد قال: أما إنهم ما تكلّموا به ولكن علمه الله جلّ ثناؤه منهم فأثنى به عليهم؛ ليرغب في ذلك راغب. وقاله سعيد بن جُبير حكاه عنه القُشيريّ. وقيل: إن هذه الآية نزلت في مُطْعِم بن ورقاء الأنصاريّ نذر نذراً فوفَّى به. وقيل: نزلت فيمن تكفّل بأسرى بدروهم سبعة من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعليّ والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأبو عبيدة رضي الله عنهم؛ ذكره الماورديّ. وقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً. وقال أبو حمزة الثُّمَالي: بلغني

أن رجلاً قال يا رسول الله أطعمني فإني واللَّهِ مجهود؛ فقال: «والذي نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن ٱطلب» فأتى رجلاً من الأنصار وهو يتعشى مع ٱمرأته فسأله، وأخبره بقول النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم يتيم فقال: يا رسول الله! أَطعمني فإني مجهود. فقال: «ما عندي ما أطعمك ولكن ٱطلب» فٱستطعم ذلك الأنصاريّ فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه، فأطعمه. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم أسير فقال: يا رسول الله! أطعمني فإني مجهود. فقال: «والله ما معي ما أطعمك ولكن ٱطلب» فجاء الأنصاريّ فطلب، فقالت المرأة: أطعمه وٱسقِه. فنزلت: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} ذكره الثعلبيّ. وقال أهل التفسير: نزلت في عليّ وفاطمة رضي الله عنهما وجارية لهما ٱسمها فضة.

قلت: والصحيح أنها نزلت في جميع الأبرار، ومَن فعل فعلاً حسناً؛ فهي عامة. وقد ذكر النقاش والثّعلبيّ والقشيريّ وغير واحد من المفسّرين في قصة عليّ وفاطمة وجاريتهما حديثاً لا يصح ولا يثبت، رواه ليث عن مجاهد عن ٱبن عباس: في قوله عزّ وجلّ: {يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} قال: مرض الحسن والحسين فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادهما عامة العرب؛ فقالوا: يا أبا الحسن ـ ورواه جابر الجُعْفيّ عن قَنْبَر مولى عليّ قال: مرض الحسن والحسين حتى عادهما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا أبا الحسن ـ رجع الحديث إلى حديث ليث بن أبي سليم ـ لو نذرتَ عن ولديك شيئاً، وكل نذر ليس له وفاء فليس بشيء. فقال رضي الله عنه: إن بَرأَ ولداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت جارية لهم نوبية: إن بَرأَ سيِّداي صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة مثل ذلك. وفي حديث الجُعْفيّ فقال الحسن والحسين: علينا مثل ذلك فأُلْبِس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق عليّ إلى شمعون بن حاريا الخيبريّ، وكان يهودياً، فٱستقرض منه ثلاثة أصوُع من شعير، فجاء به، فوضعه ناحية البيت، فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه. وفي حديث الجُعْفيّ: فقامت الجارية إلى صاع من شعير فخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، فلما مضى صيامهم الأوّل وضع بين أيديهم الخبز والملح الجريش؛ إذ أتاهم مسكين، فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهلَ بيت محمد ـ في حديث الجُعْفي ـ أنا مسكين من مساكين أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا والله جائع؛ أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ رضي الله عنه، فأنشأ يقول:

فاطمَ ذاتَ الفضلِ واليقينْيا بنتَ خير الناسِ أجمعينْ أما تَرَينَ البائسَ المسكينْقد قام بالباب له حنينْ يشكو إلى الله ويستكينْيشكو إلينا جائعٌ حزينْ كل ٱمرىء بكسبه رهينْوفاعل الخيرات يستبِينْ موعِدُنا جَنّة عِلِّيينْحرّمها الله على الضَّنِينْ ولِلبِخيل موقِفٌ مهِينتَهوِي بِهِ النار إلى سِجِّينْ شرابه الحميم والغِسْلينْمن يفعلِ الخيرَ يقم سمينْويَدْخُـل الجنـةَ أيّ حِيـنْ

فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول:

أمرُكَ عندي يا بن عَمٍّ طاعهْما بِيَ من لُؤْم ولا وَضَاعهْ غَدَيْتُ في الخبز له صناعهْأُطعِمه ولا أُبالي السَّاعهْ أرجو إذا أَشبعتُ ذا المَجَاعهْأَنْ أَلحقَ الأخيارَ والجَمَاعهْوأدخـلَ الجنـةَ لـي شَفاعـهْ

فأطعموه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الثاني قامت إلى صاع فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ فوقف بالباب يتيم فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين ٱستشهد والدي يوم العَقَبة. أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه عليّ فأنشأ يقول:

فاطِمَ بنتَ السِّيدِ الكريمْبنتَ نبِيٍّ ليس بالزَّنِيمْ لقد أتى الله بِذِي اليتيمْمن يرحم اليوم يكن رحِيمْ ويدخل الجنة أي سلِيمْقد حرم الخلدُ على اللئيمْ ألاَّ يَجوزَ الصراطَ المستقيمْيزلّ في النار إلى الجحيمْشرابُـه الصـديـدُ والحميـمْ

فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول:

أطعِمه اليوم ولا أبالِيوأوثر اللَّهَ على عيالي أَمَسوْا جياعاً وَهُمُ أَشْبَاليأصغرُهم يُقتَلُ في القِتالِ بِكَرْ بَلاَ يُقتَلُ بٱغْتَيالِيا ويلُ لِلقاتِل مَعْ وَبَالِ تَهوى به النار إلى سِفالِوفي يديهِ الغُلَّ والأغلال كبولـة زادت علـى الأكبـالِ

فأطعموه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح؛ فلما كانت في اليوم الثالث قامت إلى الصاع الباقي فطحنته وٱختبزته، وصلّى عليٌّ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين أيديهم؛ إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسروننا وتَشُدُّوننا ولا تُطْعِمونناٰ أطعموني فإنّي أسير محمد. فسمعه عليّ فأنشأ يقول:

فاطم يا بنتَ النبيِّ أحمدْبنت نبِيٍّ سيِّدٍ مُسَوَّدْ وسماه الله فهو محمدقد زانه الله بِحسنٍ أغيدْ هذا أسِيرٌ للنبيّ المهتدْمُثقَّلٌ في غُلِّه مُقيَّدْ يَشكو إلينا الجوعَ قد تمددْمن يُطعِمِ اليومَ يجِده في غدْ عند العليّ الواحِدِ الموحَّدْما يزرع الزارِعُ سوف يَحصُدْأعطيـه لا لا تجعلِيـهِ أقعـد

فأنشأت فاطمة رضي الله تعالى عنها تقول:

لم يَبْقَ مِمّا جاء غيرُ صاعْقد ذهبت كَفِّي مع الذِّراعْ ٱبنايَ والله هُمَا جِيَاعْيا ربّ لا تتركهما ضياعْ أبوهما للخير ذو ٱصطناعْيَصطنِع المعروفَ بابتداعْ عَبْلُ الذِّراعين شديد الباعْوما على رأسِيَ مِن قِناعْإلاَّ قنـاعاً نَسْجـهُ أَنْسَـاعْ

فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلا الماء القَرَاح، فلما أن كان في اليوم الرابع، وقد قضى الله النذر أخذ بيده اليمنى الحسن، وبيده اليسرى الحسين، وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع؛ فلما أبصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم ٱنطلق بنا إلى ٱبنتي فاطمةفانطلقوا إليها وهي في محرابها، وقد لصق بطنها بظهرها، وغارت عيناها من شدة الجوع، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف المجاعة في وجهها بكى وقال:واغوثاه يا الله، أهُل بيت محمد يموتون جوعاًفهبط جبريل عليه السلام وقال: السلام عليك، ربك يقرئك السلام يا محمد، خذه هنيئاً في أهل بيتك. قال: وما آخذ يا جبريلفأقرأه {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} إلى قوله: {وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً} قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: فهذا حديث مُزوَّق مُزيَّف، قد تَطرَّف فيه صاحبه حتى تَشبَّه على المستمعين، فالجاهل بهذا الحديث يَعَضُّ شفتيه تلهفاً ألاّ يكون بهذه الصفة، ولا يعلم أن صاحب هذا الفعل مذموم؛ وقد قال الله تعالى في تنزيله: { { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ } } [البقرة: 219] وهو الفضل الذي يفضل عن نفسك وعيالك، وجرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترة بأنخير الصدقة ما كان عن ظهر غِنًى». «وٱبدأ بنفسك ثم بمن تعولوٱفترض الله على الأزواج نفقة أهاليهم وأولادهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يَقُوتأفيحسب عاقل أن عليًّا جهل هذا الأمر حتى أجهد صبياناً صغاراً من أبناء خمس أو ست على جوع ثلاثة أيام ولياليهن؟ حتى تَضوَّروا من الجوع، وغارت العيون منهم؛ لخلاء أجوافهم، حتى أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهم من الجهد. هَبْ أنه آثَرَ على نفسه هذا السائل، فهل كان يجوز له أن يحمل أهله على ذلك؟! وهَبْ أنّ أهله سمحت بذلك لعليّ فهل جاز له أن يحمل أطفاله على جوع ثلاثة أيام بلياليهن؟! ما يُروج مثل هذا إلا على حَمْقى جهّال؛ أبى الله لقلوب متنبهة أن تظن بعليّ مثل هذا. وليت شعري من حفظ هذه الأبيات كل ليلة عن عليّ وفاطمة، وإجابة كل واحد منهما صاحبه، حتى أدّاه إلى هؤلاء الرواة؟! فهذا وأشباهه من أحاديث أهل السجون فيما أرى. بلغني أن قوماً يُخلَّدون في السجون فيبقون بلا حيلة، فيكتبون أحاديث في السَّمَر وأشباهه، ومثل هذه الأحاديث مفتعلة، فإذا صارت إلى الجهابذة رمَوا بها وزَيفَّوها، وما من شيء إلا له آفة ومكيدة، وآفة الدِّين وكيُده أكثر.

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ۝١٠ فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ۝١١

قوله تعالى: {إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} «عَبُوساً» من صفة اليوم، أي يوماً تعبِس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى نخاف يوماً ذا عبوس. وقال ٱبن عباس يعبس الكافر يومئذ حتى يسيلَ منه عرَق كالقطران. وعن ٱبن عباس: العَبُوس: الضَّيِّق، والقَمْطَرِير: الطويل؛ قال الشاعر:

شـدِيداً عبـوساً قَمْطَـرِيـراً

وقيل: القَمْطرير الشديد؛ تقول العرب: يوم قَمْطرير وقُمَاطِر وعَصِيب بمعنًى؛ وأنشد الفرّاء:

بنِي عَمِّنَا هل تَذْكُرونُ بَلاَءَناعليكْم إذا ما كان يومٌ قُمَاطِرُ

بضم القاف. وٱقْمَطَرَّ إذا ٱشتدّ. وقال الأخفش: القمطرير: أشدّ ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء؛ قال الشاعر:

ففرُّوا إذا ما الحرب ثار غُبارُهاولَجَّ بها اليومُ العَبُوسُ القُمَاطِرُ

وقال الكسائي: يقال ٱقْمَطَرّ اليومُ وٱزْمَهَرَّ ٱقمطراراً وٱزمِهراراً، وهو القمطرير والزمهرير، ويوم مُقْمَطِرّ إذا كان صعباً شديداً؛ قال الهذليّ:

بَنُو الحرْبِ أُرْضِعْنا لهم مُقْمَطِرَّةٌومَنْ يُلْقَ مِنّا ذلكَ اليومَ يَهْرُبِ

وقال مجاهد: إنّ العُبوس بالشفتين، والقمطرير بالجبهة والحاجبين؛ فجعلها من صفات الوجه المتغيّر من شدائد ذلك اليوم؛ وأنشد ٱبن الأعرابيّ:

يَغْدُو على الصَّيْدِ يَعُودُ مُنْكَسِرْويَقْمَطِرُّ ساعةً ويَكْفَهِرُّ

وقال أبو عبيدة: يقال رجل قَمْطرير أي متقبض ما بين العينين. وقال الزجاج: يقال ٱقْمَطرَّت الناقةُ: إذا رَفَعت ذَنَبها وجَمَعت قُطْرَيها، وزَمَّت بأنفها؛ فٱشتقه مِن القُطْر، وجعل الميم مزيدة. قال أسد بن ناعِصة:

وٱصطليتُ الحروبَ في كلّ يومٍباسِلِ الشَّرِّ قَمْطَرِيرِ الصَّباحِ

قوله تعالى: {فَوَقَاهُمُ ٱللَّهُ} أي دفع عنهم {شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ} أي بأسه وشدته وعذابه {وَلَقَّاهُمْ} أي أتاهم وأعطاهم حين لقُوه أي رأوه {نَضْرَةً} أي حسناً {وَسُرُوراً} أي حبوراً. قال الحسن ومجاهد: «نَضْرَةً» في وجوههم «وَسُرُوراً» في قلوبهم. وفي النضرة ثلاثة أوجه: أحدها أنها البياض والنقاء؛ قاله الضحاك. الثاني الحسن والبهاء؛ قاله ٱبن جبير. الثالث أنها أثر النعمة؛ قاله ٱبن زيد.

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا ۝١٢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ۝١٣ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ۝١٤

قوله تعالى: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ} على الفقر. وقال القرظيّ: على الصوم. وقال عطاء: على الجوع ثلاثة أيام وهي أيام النذْر. وقيل: بصبرهم على طاعة الله، وصبرهم على معصية الله ومحارمه. و «ما»: مصدرية، وهذا على أن الآية نزلت في جميع الأبرار ومن فعل فعلاً حسناً. وروى ٱبن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصبر فقال:

الصبر أربعة: أوّلها الصبر عند الصدمة الأولى، والصبر على أداء الفرائض، والصبر على ٱجتناب محارم الله، والصبر على المصائب. {جَنَّةً وَحَرِيراً} أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. أي يسمى بحرير الدنيا وكذلك الذي في الآخرة (وفيه) ما شاء الله عزّ وجلّ من الفضل. وقد تقدم: أن من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإنما أُلبسه من أُلبسه في الجنة عوضاً عن حبسهم أنفسهم في الدنيا عن الملابس التي حرم الله فيها.

قوله تعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا} أي في الجنة؛ ونصب «مُتَّكِئِينَ» على الحال من الهاء والميم في «جَزَاهُمْ» والعامل فيها جزي ولا يعمل فيها «صَبَرُوا»؛ لأن الصبر إنما كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة. وقال الفرّاء. وإن شئت جعلت «مُتَّكِئِينَ» تابعاً، كأنه قال جزاهم جنة {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا}. {عَلَىٰ ٱلأَرَائِكِ} السُّرُر في الحِجَال وقد تقدم. وجاءت عن العرب أسماء تحتوي على صفات: أحدها الأريكة لا تكون إلا في حَجَلة على سرير، ومنها السَّجْل، وهو الدّلو الممتليء ماءً، فإذا صَفِرت لم تُسمَّ سَجْلاً، وكذلك الذَّنُوب لا تُسمَّى ذَنُوباً حتى تُملأ، والكأس لا تسمى كأساً حتى تُتْرَع من الخمر. وكذلك الطَّبَق الذي تُهدَى عليه الهدية مِهْدَى، فإذا كان فارغاً قيل طَبَق أو خِوان؛ قال ذو الرُّمَّة:

خُدُودٌ جَفَتْ في السَّيْرِ حتَّى كأنَّمَايُبَاشِرْنَ بِالْمَعْزاءِ مَسَّ الأرائِكِ

أي الفرش على السرر. {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً} أي لا يرون في الجنة شدة حرٍّ كحرِّ الشمس {وَلاَ زَمْهَرِيراً} أي ولا برداً مفرطاً؛ قال الأعشى:

مُنَعَّمَةٌ طَفْلَةٌ كَالْمَهَاةِ لَمْ تَرَ شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيرَاً

وعن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٱشتكت النارُ إلى ربِّها عزّ وجلّ قالت: يا ربّ أَكَلَ بعضي بعضاً، فجعل لها نَفَسين نَفَساً في الشتاء ونَفَساً في الصّيف، فشدّة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدّة ما تجدون من الحرّ في الصيف من سَمُومها. وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:إن هواء الجنة سَجْسَج: لا حرٌّ ولا بردٌوالسَّجْسَج: الظِّل الممتد كما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. وقال مُرَّة الهَمْداني: الزمهرير البرد القاطع. وقال مقاتل بن حيان: هو شيء مثل رؤوس الإبر ينزل من السماء في غاية البرد. وقال ٱبن مسعود: هو لون من العذاب، وهو البرد الشديد، حتى إن أهل النار إذا أُلْقوا فيه سألوا الله أن يعذِّبهم بالنار ألف سنة أهونَ عليهم من عذاب الزمهرير يوماً واحداً. قال أبو النَّجْم:

أو كُنـتُ ريحـاً كُنـتُ زَمْهَـريـراً

وقال ثعلب: الزَّمْهرير: القمر بلغة طيِّيء؛ قال شاعرهم:

وليلةٍ ظَلاَمُهَا قدِ ٱعْتَكَرْقَطَعْتُهَا والزِّمْهَريرُ ما زَهَرْ

ويروى: ما ظهر؛ أي لم يطلع القمر. فالمعنى لا يرون فيها شمساً كشمس الدنيا ولا قمراً كقمر الدنيا، أي إنهم في ضياء مستديم، لا ليل فيه ولا نهار؛ لأن ضوء النهار بالشمس، وضوء الليل بالقمر. وقد مضى هذا المعنى مجوداً في سورة «مريم» عند قوله تعالى: { { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } } [مريم: 62]. وقال ٱبن عباس: بينما أهل الجنة في الجنة إذ رأوا نوراً ظنوه شمساً قد أشرقت بذلك النور الجنة، فيقولون: قال ربنا: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} فما هذا النور؟ فيقول لهم رضوان: ليست هذه شمس ولا قمر، ولكن هذه فاطمة وعليّ ضحكا، فأشرقت الجنان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله تعالى: {هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ} وأنشد:

أنا مَوْلىً لِفَتَىأُنْزِلَ فيه هَلْ أَتَى ذاكَ عليٌّ المُرْتَضَىوٱبن عَمِّ المصطفَى

قوله تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا} أي ظل الأشجار في الجنة قريبة من الأبرار، فهي مُظِلّة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس ولا قمر ثَمَّ؛ كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شَعَث ثَمَّ. ويقال: إن ٱرتفاع الأشجار في الجنة مقدار مائة عام، فإذا ٱشتهى وليّ الله ثمرتها دانت حتى يتناولها. وٱنتصبت «دَانِيَةً» على الحال عطفاً على {مُّتَّكِئِينَ} كما تقول: في الدار عبد الله متكئاً ومرسلة عليه الحجال. وقيل: ٱنتصبت نعتاً للجنة؛ أي وجزاهم جنةً دانيةً، فهي صفة لموصوف محذوف. وقيل: على موضع {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً} ويرون دانيةً. وقيل: على المدح أي دنت دانيةً. قاله الفراء. «ظِلاَلُهَا» الظلال مرفوعة بدانية، ولو قريء برفع دانية على أن تكون الظلال مبتدأ ودانية الخبر لجاز، وتكون الجملة في موضع الحال من الهاء والميم في «وجَزَاهُمْ» وقد قريء بذلك. وفي قراءة عبد الله «وَدَانِيًا عَلَيْهِمْ» لتقدم الفعل. وفي حرف أُبيّ «وَدَانٍ» رفع على الاستئناف {وَذُلِّلَتْ} أي سُخِّرت لهم {قُطُوفُهَا} أي ثمارها {تَذْلِيلاً} أي تسِخيراً، فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع، لا يرد أيديهم عنها بُعدٌ ولا شوك؛ قاله قتادة. وقال مجاهد: إن قام أحد ٱرتفعت له، وإن جلس تدلّت عليه، وإن ٱضطجع دنت منه فأكل منها. وعنه أيضاً: أرض الجنة من وَرِق، وترابها الزعفران، وطيبها مسك أذفر، وأصول شجرها ذهب وورِق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، والثمر تحت ذلك كله؛ فمن أكل منها قائماً لم تؤذِه، ومن أكل منها قاعداً لم تؤذِه، ومن أكل منها مضطجعاً لم تؤذِه. وقال ٱبن عباس: إذا همَّ أن يتناول من ثمارها تدلّت إليه حتى يتناول منها ما يريد، وتذليل القطوف تسهيل التناول. والقطوف: الثمار، الواحد قِطف بكسر القاف، سمّي به لأنه يُقطَف، كما سمّي الجَنَى لأنه يُجنى. {تَذْلِيلاً} تأكيد لما وصف به من الذِّل؛ كقوله: { { وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } } [الإسراء: 106] { { وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } } [النساء: 164]. الماورديّ: ويحتمل أن يكون تذليل قطوفها أن تبرز لهم من أكمامها، وتخلص لهم من نواها.

قلت: وفي هذا بعدٌ؛ فقد روى ٱبن المبارك، قال: أخبرنا سفيان عن حماد عن سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس قال: نخل الجنة: جذوعها زُمُرُّد أخضر، وكَرَبُها ذهب أحمر، وسَعَفها كُسْوة لأهل الجنة، منها مُقطَّعاتهم وحُلَلهم، وثمرها أمثال القِلال والدِّلا، أشدّ بياضاً من اللَّبَن، وأحلى من العسل، وألين من الزُّبْد ليس فيه عَجَم. قال أبو جعفر النحاس: ويقال المذلَّل الذي قد ذلّله الماءُ أي أرواه. ويقال المذلّل الذي يُفَيِّئُه أدنى ريح لنَعْمته، ويقال المذلَّل المُسَوَّى؛ لأن أهل الحجاز يقولون: ذَلِّلْ نَخْلكَ أي سَوِّه، ويقال المُذَلَّل القريب المتناوَل؛ من قولهم: حائط ذَليلٌ أي قصير. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي حكيناها ذكرها أهل العلم باللغة وقالوها في قول ٱمرىء القيس:

وسـاقٍ كَأَنْبـوبِ السَّقِـيّ المُـذَلَّلِ

وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِـَٔانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا۠ ۝١٥ قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ۝١٦ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ۝١٧ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا ۝١٨

قوله تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ} أي يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشراب {بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ} قال ٱبن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء؛ أي ما في الجنة أشرف وأعلى وأنقى. ثم لم تنف الأواني الذهبية بل المعنى يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب. وقد قال تعالى:

{ { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ } } [الزخرف: 71]. وقيل: نَبّه بذكر الفضّة على الذهب؛ كقوله: { { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } } [النحل: 81] أي والبرد؛ فنبّه بذكر أحدهما على الثاني. والأكواب: الكِيزان العظام التي لا آذان لها ولا عُرًى، الواحد منها كوب؛ وقال عَدِيّ:

مُتَّكِئاً تُقْرَعُ أبوابُهُيَسْعَى عليهِ العبدُ بِالكُوبِ

وقد مضى في «الزخرف». {كَانَتْ قَوَارِيرَاْ. قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ} أي في صفاء القوارير وبياض الفضة؛ فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضّة. وقيل: أرض الجنة من فضّة، والأواني تتخذ من تربة الأرض التي هي منها. ذكره ٱبن عباس وقال: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه، إلا القوارير من فضة. وقال: لو أخذت فضَّة من فضّة الدنيا فضربتها حتى تجعلها مثل جناح الذُّبَاب لم تر من ورائها الماء، ولكن قوارير الجنة مثل الفضّة في صفاء القوارير. {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} قراءة العامة بفتح القاف والدال؛ أي قَدّرها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم. قال ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما: أتوا بها على قدر رِيِّهم، بغير زيادة ولا نقصان. الكلبي: وذلك ألذ وأشهى؛ والمعنى: قدّرتها الملائكة التي تطوف عليهم. وعن ٱبن عباس أيضاً: قدّروها على مِلء الكف لا تزيد ولا تنقص، حتى لا تؤذيهم بثقل أو بإفراط صغر. وقيل: إن الشاربين قَدّروا لها مقادير في أنفسهم، على ما ٱشتهوا وقَدّروا. وقرأ عبيد ابن عمير والشَّعْبي وٱبن سيرين «قُدِّروها» بضم القاف وكسر الدال؛ أي جعللت لهم على قدر إرادتهم. وذكر هذه القراءة المهدويّ عن عليّ وٱبن عباس رضي الله عنهما؛ وقال: ومن قرأ «قُدِّرُوهَا» فهو راجع إلى معنى القراءة الأخرى، وكأنّ الأصل قُدِّروا عليها فحذف الجر؛ والمعنى قُدِّرت عليهم؛ وأنشد سيبويه:

آلَيْتَ حَبَّ العِراقِ الدّهْرَ آكُلُهُوالْحَبُّ يأكلُه في القَرْيةِ السُّوسُ

وذهب إلى أن المعنى على حَبِّ العراق. وقيل: هذا التقدير هو أن الأقداح تطير فتغترف بمقدار شهوة الشارب؛ وذلك قوله تعالى: {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً} أي لا يفضل عن الرِّيِّ ولا ينقص منه، فقد أُلْهِمت الأقداحُ معرفةَ مقدار رِيّ المشتهى حتى تغترف بذلك المقدار. ذكر هذا القول الترمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول».

قوله تعالى: {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً} وهي الخمر في الإناء. {كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً} «كَانَ» صلة؛ أي مزاجها زنجبيل، أو كان في حكم الله زنجبيلاً. وكانت العرب تستلذ من الشراب ما يُمزج بالزنجبيل لِطيب رائحتِه؛ لأنه يَحْذُو اللسان، ويهضم المأكول، فرغبوا في نعيم الآخرة بما ٱعتقدوه نهاية النَّعمة والطيب. وقال المسيَّب بن عَلَس يصف ثَغْر المرأة:

وكَأنَّ طَعْمَ الزنجبِيلِ بِهِإِذْ ذُقْتَهُ وَسَلاَفَةَ الخَمْرِ

ويروي: الكَرْم. وقال آخر:

كَأَنَّ جَنِيًّا مِن الزَّنْجَبِيــلِ بَاتَ بِفِيَها وأرْياً مشُوراً

ونحوه قول الأعشى:

كَأَنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنْجَبِيــلَ بَاتَا بِفيَها وأرياً مَشُوراً

وقال مجاهد: الزنجبيل ٱسم للعين التي منها مزاج شراب الأبرار. وكذا قال قتادة: والزّنجبيل ٱسم العين التي يشرب بها المقربون صِرفاً وتمزج لسائر أهل الجنة. وقيل: هي عين في الجنة يوجد فيها طعم الزنجبيل. وقيل: إنّ فيه معنى الشراب الممزوج بالزنجبيل. والمعنى كأنّ فيها زنجبيلاً. {عَيْناً} بدل من كأس. ويجوز أن ينتصب بإضمار فعل أي يسقون عيناً. ويجوز نصبه بإسقاط الخفاض أي من عين على ما تقدم في قوله تعالى: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ}. {فِيهَا} أي في الجنة {تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً} السَّلْسبيل الشراب اللذيذ، وهو فَعْلَلِيل من السَّلاَلة؛ تقول العرب: هذا شراب سَلِسٌ وسَلْسَال وسَلْسَلٌ وسَلْسَبِيل بمعنىً؛ أي طيّب الطعم لذيذه. وفي الصحاح: وتسلسل الماء في الحلق جرى، وسَلْسَلْتُه أنا صببته فيه، وماء سَلْسَل وسَلْسَال: سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسُّلاسل بالضم مثله. وقال الزجاج: السَّلْسَبيل في اللغة: ٱسم لما كان في غاية السَّلاَسة؛ فكأنّ العين سمّيت بصفتها. وعن مجاهد قال: سَلْسَبيلا: حديدة الجَرْية تسيل في حلوقهم ٱنسلالاً. ونحوه عن ٱبن عباس: إنها الحديدة الجَرْي. ذكره الماورديّ؛ ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ الْبَرِيصَ عليهمُبَردَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ

وقال أبو العالية ومقاتل: إنما سميّت سَلْسَبيلاً؛ لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم، تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنة. وقال قتادة: سلسة منقاد ماؤها حيث شاؤوا. ونحوه عن عِكرمة. وقال القَفَّال: أي تلك عين شريفة فَسَلْ سَبِيلاً إليها. وروي هذا عن عليّ رضي الله عنه. وقوله: «تسمَّى» أي إنها مذكورة عند الملائكة وعند الأبرار وأهل الجنة بهذا الاسم. وصرف سلسبيل؛ لأنه رأس آية؛ كقوله تعالى: {ٱلظُّنُونَاْ} و «السَّبِيلاً».
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ