انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الانسان

تفسير البغويالآيات 1–31

تفسير سورة الانسان آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا ۝١ إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا ۝٢

{هل أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ}، يعني آدم عليه السلام، {حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ}، أربعون سنة ملقىً من طين بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح، {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}، لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به، يريد: كان شيئاً ولم يكن مذكوراً، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن ينفخ فيه الروح.

روي أن عمر سمع رجلاً يقرأ هذه الآية: {لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} فقال عمر: ليتها تمت, يريد: ليته بقي على ما كان، قال ابن عباس: ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة.

{إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ}، يعني ولد آدم، {مِن نُّطْفَةٍ}، يعني: مَنْي الرجل ومني المرأة. {أَمْشَاجٍ}: أخلاط, واحدها: مَشْجٌ وَمَشِيْجٌ، مثل خدن وخدين.

قال ابن عباس, والحسن, ومجاهد, والربيع: يعني ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له, وما كان من عصب وعظم فهو من نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة.

وقال الضحاك: أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة, فنطفة الرجل بيضاء وحمراء وصفراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء وصفراء، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس. وكذلك قال الكلبي: قال: الأمشاج البياض في الحمرة والصفرة. وقال يمان: كل لونين اختلطا فهو أمشاج. وقال ابن مسعود: هي العروق التي تكون في النطفة.

وقال الحسن: نطفة مشجت بدم, وهو دم الحيضة, فإذا حبلت ارتفع الحيض.

وقال قتادة: هي أطوار الخلق نطفة، ثم علقة, ثم مضغة، ثم عظماً ثم يكسوه لحماً ثم ينشئه خلقاً آخر.

{نَّبْتَلِيهِ} نختبره بالأمر والنهي، {فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعاً بَصِيراً} قال بعض أهل العربية: فيه تقديم وتأخير، مجازه: فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة.

إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ۝٣ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَا۟ وَأَغْلَٰلًا وَسَعِيرًا ۝٤

{إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ}، أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة، وعرَّفناه طريق الخير والشر. {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}، إما مؤمناً سعيداً وإما كافراً شقياً. وقيل: معنى الكلام الجزاء, يعني: بيَّنا له الطريق إن شكر أو كفر.

ثم بيَّن ما للفريقين فقال: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ سَلَـٰسِلَ}، يعني: في جهنم، قرأ أهل المدينة والكسائي, وأبو بكر عن عاصم: "سلاسلاً: و "قواريراً" فقوارير بالألف في الوقف، وبالتنوين في الوصل فيهن جميعاً، وقرأ حمزة ويعقوب بلا ألف في الوقف، ولا تنوين في الوصل فيهن، وقرأ ابن كثير "قوارير" الأولى بالألف في الوقف وبالتنوين في الوصل، و "سلاسل" و "قوارير" الثانية بلا ألف ولا تنوين وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص "سلاسلاً" و "قواريراً" الأولى بالألف في الوقف على الخط وبغير تنوين في الوصل، و "قوارير" الثانية بغير ألف ولا تنوين. قوله {وأغلالاً} يعني في أيديهم, تغل في أعناقهم, {وسعيراً}، وقوداً شديداً.

إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ۝٥ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ۝٦ يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيرًا ۝٧ وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝٨

{إِنَّ ٱلأَبْرَارَ}، يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربهم, واحدهم بار، مثل شاهد وأشهاد, وناصر وأنصار، و "برّ" أيضاً مثل: نهر وأنهار، {يَشْرَبُونَ}، في الآخرة، {مِن كَأْسٍ}، فيها شراب {كَانَ مِزَاجُهَا كَـٰفُوراً}، قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك، قال عكرمة "مزاجها": طعمها، وقال أهل المعاني: أراد كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرده, لأن الكافور لا يشرب، وهو كقوله:

{ { حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً } } [الكهف: 96] أي كنارٍ. وهذا معنى قول قتادة ومجاهد: يمازجه ريح الكافور. وقال ابن كيسان: طيبت بالكافور والمسك والزنجبيل. وقال عطاء والكلبي: الكافور اسم لعين ماء في الجنة.

{عَيْناً}، نصب تبعاً للكافور. وقيل: هو نصب على المدح. وقيل: أعني عيناً. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين، {يَشْرَبُ بها}، قيل: يشربها والباء صلة وقيل بها أي منها، {عِبَادُ ٱللَّهِ}، قال ابن عباس أولياء الله، {يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً}، أي يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم، كمن يكون له نهر يفجره ها هنا وها هنا إلى حيث يريد.

{يُوفُونَ بِٱلنَّذْرِ}، هذا من صفاتهم في الدنيا أي كانوا في الدنيا كذلك.

قال قتادة: أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة ووالزكاة والصوم والحج والعمرة، وغيرها من الواجبات، ومعنى النذر: الإيجاب.

وقال مجاهد وعكرمة: إذا نذروا في طاعة الله وفوا به.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي, أخبرنا زاهر بن أحمد, أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي, أخبرنا أبو مصعب, عن مالك, عن طلحة بن عبد الملك الأيلي, عن القاسم بن محمد, عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ». {وَيَخَـٰفُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}، فاشياً ممتداً، يقال: استطار الصبح, إذا امتد وانتشر.

قال مقاتل: كان شره فاشياً في السموات فانشقت، وتناثرت الكواكب, وكورت الشمس والقمر, وفزعت الملائكة، وفي الأرض: فنسفت الجبال, وغارت المياه, وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء.

{وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ}، أي على حب الطعام وقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه. وقيل: على حب الله عز وجل، {مِسْكِيناً}، فقيراً لا مال له، {وَيَتِيماً}، صغيراً لا أب له {وَأَسِيراً}، قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء: هو المسجون من أهل القبلة. وقال قتادة: أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم, وإن أسراهم يومئذ لأَهل الشرك. وقيل: الأسير المملوك. وقيل: المرأة, يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوانأي أسراء.

واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكيناً ويتيماً وأسيراً.

وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، فقبض الشعير فطحن ثلثه فجعلوه منه شيئاً ليأكلوه، فلما تم إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تمّ إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك: وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه دليل على أن إطعام الأسارى, وإن كانوا من أهل الشرك, حَسَنٌ يُرْجَى ثوابه.

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا ۝٩ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ۝١٠ فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلْيَوْمِ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ۝١١ وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُوا۟ جَنَّةً وَحَرِيرًا ۝١٢ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ۝١٣ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ۝١٤ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِـَٔانِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا۠ ۝١٥ قَوَارِيرَا۟ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ۝١٦ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ۝١٧ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا ۝١٨

{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جزآءً ولا شُكُوراً}، والشُّكور مصدر كالعُقود والدُّخول والخروج. قال مجاهد وسعيد بن جبير: إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم، فأثنى عليهم.

{إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً}، تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، ونسب العبوس إلى اليوم، كما يقال: يوم صائم وليل قائم. وقيل: وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة، {قَمْطَرِيراً}، قال قتادة, ومجاهد, ومقاتل: "القمطرير": الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبيس. قال الكلبي: العبوس الذي لا انبساط فيه، و "القمطرير": الشديد، قال الأخفش: "القمطرير": أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، يقال: يوم قمطرير وقماطر, إذا كان شديداً كريهاً، واقْمَطَرَّ اليوم فهو مُقْمَطِر.

{فَوَقَـٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ ٱلْيَومِ}, الذي يخافون، {وَلَقَّـٰهُمْ نَضْرَةً}، حُسْناً في وجوههم، {وَسُرُوراً}، في قلوبهم.

{وَجَزَٰهُمْ بِمَا صَبَرُواْ}، على طاعة الله واجتباب معصيته، وقال الضحاك: على الفقر. وقال عطاء: على الجوع. {جَنَّةً وَحَرِيراً}، قال الحسن: أدخلهم الله الجنة وألبسهم الحرير.

{مُّتَّكِئِينَ}، نصب على الحال، {فِيهَا} في الجنة، {عَلَىٰ ٱلأَرَآئِكِ}، السرُر في الحِجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا، {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}، أي صيفاً ولا شتاءً. قال مقاتل: يعني شمساً يؤذيهم حرها ولا زمهريراً يؤذيهم برده، لأنهما يؤذيان في الدنيا. والزمهرير: البرد الشديد.

{وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَـٰلُهَا}, أي قريبة منهم ظلال أشجارها، ونصب "دانيةً"، بالعطف على قوله: "متكئين"، وقيل: على موضع قوله: {لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً}، ويرون {دانيةً}، وقيل: على المدح، {وَذُلِّلَتْ}، سُخّرت وقُربت، {قُطُوفُهَا}، ثمارها، {تَذْلِيلاً}، يأكلون من ثمارها قياماً وقعوداً ومضطجعين ويتناولونها كيف شاؤوا على أي حال كانوا.

{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ * قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ}, قال المفسرون: أراد بياض الفضة في صفاء القوارير، فهي من فضة في صفاء الزجاج، يرى ما في داخلها من خارجها.

قال الكلبي: إن الله جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة، فجعل منها قوارير يشربون فيها، {قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً}، قدروا الكأس على قدر ريِّهم لا يزيد ولا ينقص، أي قدرها لهم السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم يقدرونها ثم يسقون.

{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً}، يشوّق ويطرب، والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه جداً، فوعدهم الله تعالى أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة. قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل الدنيا. قال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماهُ ليس له في الدنيا مثل. وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل. قال قتادة: يشربها المقربون صرفاً، ويمزج لسائر أهل الجنة.

{عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً}، قال قتادة: سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاؤوا، وقال مجاهد: حديدةٌ شديدةُ الجرْيَة. وقال أبو العالية ومقاتل بن حيان: سميت سلسبيلاً لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان وشراب الجنة على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك. قال الزجَّاج: سميت سلسبيلاً لأنها في غاية السلاسة تتسلسل في الحلق، ومعنى قوله: "تسمى" أي توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلاً صفة لا اسم.

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا ۝١٩ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ۝٢٠ عَٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوٓا۟ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَىٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ۝٢١ إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ۝٢٢ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلًا ۝٢٣ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَوْ كَفُورًا ۝٢٤

{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً}، قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ وحسنه, واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط، كان أحسن منه منظوماً. وقال أهل المعاني: إنما شُبِّهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، فلو كانوا صفاً لشبهوا بالمنظوم.

{وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ}، أي إذا رأيت ببصرك ونظرت به ثَمَّ يعني في الجنة، {رَأَيْتَ نَعِيماً}، لا يوصف، {وَمُلْكاً كَبِيراً}، وهو أن أدناهم منزلة ينظر إلى ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه. قال مقاتل والكلبي: هو أن رسول ربِّ العزة من الملائكة لا يدخل عليه إلا بإذنه. وقيل: مُلكاً لا زوال له.

{عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ}، قرأ أهل المدينة وحمزة: "عاليْهِم" ساكنة الياء مكسورة الهاء، فيكون في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ثياب سندس، وقرأ الآخرون بنصب الياء وضم الهاء على الصفة، أي فوقهم وهو نصب على الظرف {ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ}، قرأ نافع وحفص {خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ} مرفوعاً عطفاً على الثياب، وقرأهما حمزة والكسائي مجرورين، وقرأ ابن كثير وأبو بكر "خضرٍ" بالجر "واستبرقٌ" بالرفع، وقرأ أبو جعفر وأهل البصرة والشام على ضده فالرفع على نعت الثياب والجر على نعت السندس. وإستبرق بالرفع على أنه معطوف على وثيابُ إستبرقٍ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله "وأسألِ القرية" أي أهل القرية، ومثله قوله: خز أي ثوب خز, وأما جر إستبرق فعلى أنه معطوف على سندس وهو جر بإضافة الثياب إليه, وهما جنسان أضيفت الثياب إليهما كما تقول: ثوب خز وكتان فتضيفه إلى الجنسين.

{وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}، قيل: طاهراً من الأقذار والأقذاء لم تدنسه الأيدي والأرجل كخمر الدنيا.

وقال أبو قلابة وإبراهيم: إنه لا يصير بولاً نجساً ولكنه يصير رشحاً في أبدانهم، ريحه كريح المسك، وذلك أنهم يؤتون بالطعام, فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فتطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحاً يخرج من جلدوهم ريحاً أطيب من المسك الإذفر، وتضمر بطونهم وتعود شهوتهم.

وقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد.

{إِنَّ هَـٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً}, أي ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم وكان سعيكم عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكوراً، قال عطاء: شكرتم عليه فأثيبكم أفضل الثواب.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ تَنزِيلاً}، قال ابن عباس: متفرقاً آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة.

{فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ}، يعني من مشركي مكة، {ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً}، يعني وكفوراً، والألف صلة.

قال قتادة: أراد بالآثم الكفور أبا جهل وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأنّ عنقه.

وقال مقاتل: أراد بـ "الآثم": عتبة بن ربيعة، وبـ "الكفور" الوليد بن المغيرة، قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله هذه الآية.

وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝٢٥ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ۝٢٦ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ۝٢٧ نَّحْنُ خَلَقْنَٰهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَٰلَهُمْ تَبْدِيلًا ۝٢٨

قوله عزّ وجلّ: {وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ}، يعني صلاة المغرب والعشاء، {وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}، يعني التطوع بعد المكتوبة.

{إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ}، يعني كفار مكة {يُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ} أي الدار العاجلة وهي الدنيا {وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ}, يعني أمامهم، {يَوْماً ثَقِيلاً}، شديداً وهو يوم القيامة. أي يتركونه فلا يؤمنون به ولا يعملون له.

{نَّحْنُ خَلَقْنَـٰهُمْ وَشَدَدْنَا}، قوّينا وأحكمنا، {أَسْرَهُمْ}، قال مجاهد وقتادة ومقاتل: "أسرهم" أي: خلقهم، يقال رجل حسن الأسر أي الخلق.

وقال الحسن: يعني أوصالهم شددنا بعضها إلى بعض بالعروق والعصب.

وروي عن مجاهد في تفسير "الأَسر" قال: الشرج, يعني موضع مَصْرَفَيّ البول والغائط, إذا خرج الأذى تقبَّضا. {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً}، أي: إذا شئنا أهلكناهم. وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلاً منهم.

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ۝٢٩ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝٣٠ يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِۦ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۢا ۝٣١

{إِنَّ هَـٰذِهِ}، يعني هذه السورة، {تَذْكِرَةٌ}، تذكير وعظة، {فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً}، وسيلة بالطاعة.

{وَمَا تَشَآءُونَ}, قرأ ابن كثير, وابن عامر, وأبو عمرو: "يشاؤون" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة الله عزَّ وجلّ، لأن الأمر إليه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى رَحْمَتِهِ وَٱلظَّـٰلِمِينَ}، أي المشركين. {أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ