انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الجن

تفسير القرطبيالآيات 19–28

تفسير سورة الجن آية آية، من تفسير القرطبي.

وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا۟ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ۝١٩ قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُوا۟ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٠ قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ۝٢١

قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ يَدْعُوهُ} يجوز الفتح؛ أي أوحى الله إليه أنه. ويجوز الكسر على الاستئناف. و«عبد الله» هنا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يصلّي ببطن نخلة ويقرأ القرآن، حَسْب ما تقدّم أوّل السورة. {يَدْعُوهُ} أي يعبده. وقال ٱبن جُريج: «يَدْعُوه» أي قام إليهم داعياً إلى الله تعالى. {كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} قال الزبير بن العوّام: هم الجنّ حين ٱستمعوا القرآن من النبيّ صلى الله عليه وسلم. أي كاد يركب بعضهم بعضاً ٱزدحاماً ويسقطون، حرصاً على سماع القرآن. وقيل: كادوا يركبونه حرصاً؛ قاله الضحاك. ٱبن عباس: رغبة في سماع الذكر. وروى بُرْد عن مكحول: أن الجنّ بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة وكانوا سبعين ألفاً، وفرغوا من بيعته عند ٱنشقاق الفجر. وعن ٱبن عباس أيضاً: إن هذا من قول الجنّ لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وٱئتمامهم به في الركوع والسجود. وقيل: المعنى كاد المشركون يركبون بعضهم بعضاً، حَرداً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال الحسن وقتادة وٱبن زيد: يعني {لَّمَا قَامَ عَبْدُ ٱللَّهِ} محمد بالعدوة تَلبّدت الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفئوه، وأَبَى الله إلا أن ينصره ويتم نوره. وٱختار الطبريّ أن يكون المعنى: كادت العرب يجتمعون على النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويتظاهرون على إطفاء النور الذي جاء به. وقال مجاهد: قوله «لِبَداً» جماعات وهو من تَلَبُّد الشيء على الشيء أي تجمع، ومنه اللِّبْد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقاً شديداً فقد لبّدته، وجمع اللِّبدة لِبَد مثل قِربة وقِرب. ويقال للشَّعر الذي على ظهر الأسد لِبدة وجمعها لِبد؛ قال زهير:

لَدى أَسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذّفٍله لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لم تقَلَّمِ

يقال للجراد الكثير: لِبد. وفيه أربع لغات وقراءات؛ فتح الباء وكسر اللام، وهي قراءة العامة. وضم اللام وفتح الباء، وهي قراءة مجاهد وٱبن مُحَيْصن وهشام عن أهل الشام، واحدتها لُبْدة. وبضم اللام والباء، وهي قراءة أبي حَيْوة ومحمد بن السَّمَيْقَع وأبي الأشهب العُقَيلي والجَحْدري واحدها لَبْد مثل سَقْفٍ ورَهْن ورُهُن. وبضم اللام وشدّ الباء وفتحها، وهي قراءة الحسن وأبي العالية والأعرج والجَحْدري أيضاً واحدها لابِد؛ مثل راكِع ورُكَّع، وساجِد وسُجَّد. وقيل: اللُّبَد بضم اللام وفتح الباء الشيء الدائم؛ ومنه قيل لنَسر لقمان لُبَد لدوامه وبقائه؛ وقال النابغة:

أَخْنَـى عليها الذي أَخْنَـى على لُبَدِ

القشيريّ: وقرىء «لُبُدا» بضم اللام والباء، وهو جمع لَبِيد، وهو الجَوْلَق الصغير. وفي الصحاح: (وقوله تعالى) { { أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } } [البلد: 6] أي جَمًّا. ويقال أيضاً: الناس لُبَد أي مجتمعون، واللُّبَد أيضاً الذي لا يسافر ولا يبرح منزله. قال الشاعر:

مِن ٱمرىءٍ ذِي سَماحٍ لا تَزالُ لَهُبَزْلاءُ يَعْيَا بِها الجَثَّامَة اللبَدُ

ويروى: اللَّبِد. قال أبو عُبيد: وهو أشبه.

والبزلاء: الرأي الجيّد. وفلان نهاض ببزلاء: إذا كان ممن يقوم بالأمور العظام؛ قال الشاعر:

إنِّي إذا شَغَلَتْ قوماً فُرُوجُهُمُرَحْبُ المَسَالِكِ نَهَّاضٌ بِبَزْلاَءِ

ولُبَد: آخر نسور لقمان، وهو ينصرف؛ لأنه ليس بمعدول. وتزعم العرب أن لقمان هو الذي بعثته عاد في وفدها إلى الحرم يستسقي لها، فلما أهلكوا خُيّر لقمان بين بقاء سبع بَعَرات سُمْر، مِن أَظْبٍ عُفْرٍ، لا يَمسها القَطْر؛ أو بقاء سبعة أنسر كلما هلك نَسر خلف بعده نَسر، فٱختار النُّسور، وكان آخر نُسوره يسمى لُبَدا، وقد ذكرته الشعراء؛ قال النابغة:

أَضْحَت خَلاَءً وأَمْسَى أَهْلُها ٱحْتَمَلواأَخْنَى عليها الّذي أَخْنَى على لُبَدِ

وَاللّبِيد: الجُوَالق الصغير؛ يقال: ألبدت القِربة جعلتها في لَبيد. ولبِيد: ٱسم شاعر من بني عامر.

قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي} أي قال صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَآ أَدْعُو رَبِّي} {وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} وكذا قرأ أكثر القرّاء «قَالَ» على ا لخبر. وقرأ حمزة وعاصم «قُلْ» على الأمر. وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا له: إنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فٱرجع عن هذا فنحن نجيرك؛ فنزلت.

قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً} أي لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً ولا أسوق لكم خيراً. وقيل: {لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً} أي كفراً {وَلاَ رَشَداً} أي هدًى، أي إنما عليّ التبليغ. وقيل: الضرَّ: العذاب، والرَّشد النعيم. وهو الأوّل بعينه. وقيل: الضر الموت، والرشد الحياة.

قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا ۝٢٢ إِلَّا بَلَٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۝٢٣ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ۝٢٤ قُلْ إِنْ أَدْرِىٓ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُۥ رَبِّىٓ أَمَدًا ۝٢٥

قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ} أي لا يدفع عذابه عني أحد إن ٱستحفظته؛ وهذا لأنهم قالوا ٱترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك. وروى أبو الْجَوْزاء

عن ٱبن مسعود قال: ٱنطلقت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ حتى أتى الحَجُون فخطّ عليّ خطًّا، ثم تقدّم إليهم فٱزدحموا عليه، فقال سيّدهم يقال له وَرْدان: أنا أَزْجُلهم عنك؛ فقال: {إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ} ذكره الماورديّ. قال: ويحتمل معنيين أحدهما لن يجيرني مع إجارة الله لي أحد. الثاني لن يجيرني مما قدره الله تعالى عليّ أحد. {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي ملتجأً ألجأ إليه؛ قاله قتادة. وعنه: نصيراً ومولىً. السُّديّ: حِرزاً. الكَلْبي: مَدْخلاً في الأرض مثل السَّرَب. وقيل: وليًّا ولا مولَى. وقيل؛ مذهباً ولا مسلكاً. حكاه ٱبن شجرة، والمعنى واحد؛ ومنه قول الشاعر:

يا لَهْفَ نفسي ولَهْفِي غيرُ مجِديةٍعَنِّي وما مِن قَضاءِ اللَّهِ مُلْتَحَدُ

{إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ} فإن فيه الأمان والنجاة؛ قاله الحسن. وقال قتادة: {إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ} فذلك الذي أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما. فعلى هذا يكون مردوداً إلى قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً} أي لا أملك لكم إلا أن أبلغكم. وقيل: هو ٱستثناء منقطع من قوله: {لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً} أي إِلا أن أبلغكم أي لكن أبلغكم ما أرسلت به؛ قاله الفراء. وقال الزجاج: هو منصوب على البدل من قوله: «مُلْتَحَداً» أي {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} إلا أن أبلغ ما يأتيني من الله ورسالاته؛ أي ومن رسالاته التي أمرني بتبليغها. أو إلا أن أبلغ عن الله وأعمل برسالته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري. وقيل هو مصدر، و«لا» بمعنى لم، و«إن» للشرط. والمعنى لن أجد من دونه ملتحداً: أي إن لم أبلغ رسالات ربي بلاغا.

قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في التوحيد والعبادة. {فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} كسرت إن لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ٱبتداء وقد تقدم. {خَالِدِينَ فِيهَآ} نصب على الحال، وجمع «خَالِدِينَ» لأن المعنى لكل من فعل ذلك، فوحد أوّلاً للفظ «مَن» ثم جمع للمعنى. وقوله {أَبَداً} دليل على أن العصيان هنا هو الشرك. وقيل: هو المعاصي غير الشرك، ويكون معنى {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} إلا أن أعفو أو تلحقهم شفاعة، ولا محالة إذا خرجوا من الدنيا على الإيمان يلحقهم العفو. وقد مضى هذا المعنى مبيّناً في سورة «النساء» وغيرها.

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} «حَتَّى» هنا مبتدأ، أي {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ} من عذاب الآخرة، أو ما يوعدون من عذاب الدنيا، وهو القتل ببدر {فَسَيَعْلَمُونَ} حينئذ {مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً} أهم أم المؤمنون. {وَأَقَلُّ عَدَداً} معطوف.

قوله تعالى: {قُلْ إِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني قيام الساعة. وقيل: عذاب الدنيا؛ أي لا أدري فـ«ـإن» بمعنى «ما» أو «لا»؛ أي لا يعرف وقت نزول العذاب ووقت قيام الساعة إلا الله؛ فهو غيب لا أعلم منه إلا ما يعرفنيه الله. و«ما» في قوله: «مَا يُوعَدُونَ»: يجوز أن يكون مع الفعل مصدراً، ويجوز أن تكون بمعنى الذي ويقدّر حرف العائد. {أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيۤ أَمَداً} أي غاية وأجلاً. وقرأ العامة بإسكان الياء من ربي. وقرأ الحِرْميان وأبو عمرو بالفتح.

عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا ۝٢٧

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} «عَالِمُ» رفعا نعتاً لقوله «رَبِّي». وقيل: أي هو {عَالِمُ ٱلْغَيْبِ} والغيب ما غاب عن العباد. وقد تقدّم بيانه في أوّل سورة «البقرة» {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً. إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه؛ لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات؛ وفي التنزيل:

{ { وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } } [آل عمران: 49]. وقال ٱبن جُبيرُ: «إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» هو جبريل عليه السلام. وفيه بعدٌ، والأوْلى أن يكون المعنى: أي لا يظهر على غيبه إلا من ٱرتضى أي ٱصطفى للنبّوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه: ليكون ذلك دالا على نبوّته.

الثانية: قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدّح سبحانه بعلم الغيب وٱستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه، ثم ٱستثنى مَن ٱرتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزةً لهم ودلالةً صادقةً على نبوّتهم. وليس المنجّم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ٱرتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله مفترٍ عليه بحدسه وتخمينه وكذبه. قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان على ٱختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم الملك والسُّوقة، والعالم والجاهل، والغنيّ والفقير، والكبير والصغير، مع ٱختلاف طوالعهم، وتباين مواليدهم، ودرجات نجومهم؛ فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله: إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على ٱختلافها عند ولادة كل واحد منهم، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم. وفيه ٱستحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال:

حَكم المنجِّمُ أن طالعَ مولِدِييقضِي عليّ بِميتةِ الغَرِقِ قُلْ لِلْمُنَجِّمِ صَبْحَةَ الطُّوفَانِ هَلْوُلِد الْجَمِيعُ بكَوْكَبِ الْغَرَقَ

وقيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟ فقال رضي الله عنه: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر. فٱنظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الردّ على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم. وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين! لا تسر في هذه الساعة وسِرْ في ثلاث ساعات يمضين من النهار. فقال له علي رضي الله عنه: ولم؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت وأصبت ما طلبت. فقال عليّ رضي الله عنه: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم مُنَجِّم، ولا لنا من بعده ـ في كلام طويل يَحتجُّ فيه بآيات من التنزيل ـ فمن صدّقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن ٱتخذ من دون الله نِدًّا أو ضدّاً، اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك. ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلاّ ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر؛ وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، واللَّهِ لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان. ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم وهي وقعة النَهْرَوَان الثابتة في الصحيح لمسلم. ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل سار في الساعة التي أمر بها المنجم، ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجّم ولا لنا مِن بعده، فتح الله علينا بلاد كِسرى وقيصر وسائر البُلدان ـ ثم قال: يا أيها الناس! توكلوا على الله وثِقوا به؛ فإنه يكفي ممن سواه. {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً} يعني ملائكة يحفظونه عن أن يقرب منه شيطان؛ فيحفظ الوحي من ٱستراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة. قال الضحاك: ما بعث الله نبياً إلا ومعه ملائكة يحرسونه من الشياطين عن أن يتشبهوا بصورة المَلَك، فإذا جاءه شيطان في صور المَلَك قالوا: هذا شيطان فٱحذره. وإن جاءه المَلَك قالوا: هذا رسول ربّك. وقال ٱبن عباس وٱبن زيد: «رَصَداً» أي حَفَظة يحفظون النبيّ صلى الله عليه وسلم من أمامه وورائه من الجنّ والشياطين. قال قتادة وسعيد بن المسيّب: هم أربعة من الملائكة حفظة. وقال الفراء: المراد جبريل؛ كان إذا نزل بالرسالة نزلت معه ملائكة يحفظونه من أن تستمع الجنّ الوحي، فيلقوه إلى كهنتهم، فيسبقوا الرسول. وقال السديّ: «رَصَداً» أي حفظة يحفظون الوحي، فما جاء من عند الله قالوا: إنه من عند الله، وما ألقاه الشيطان قالوا: إنه من الشيطان. و«رَصَداً» نصب على المفعول. وفي الصحاح: والرَّصَدَ القوم يرصُدون كالحرس، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث وربما قالوا أرصاداً. والراصد للشيء الراقب له؛ يقال: رَصَدَه يَرْصُده رَصْداً ورَصَداً. والتَّرصد الترقب والمَرْصَد موضع الرّصد.

لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا۟ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًۢا ۝٢٨

قوله تعالى: {لِّيَعْلَمَ} قال قتادة ومقاتل: أي ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلّغ هو الرسالة. وفيه حذف يتعلق به اللام؛ أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على مثل حالته من التبليغ بالحقّ والصدق. وقيل: ليعلم محمد أن قد أبلغ جبريل ومن معه إليه رسالة ربه؛ قاله ٱبن جبير. قال: ولم ينزل الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة عليهم السلام. وقيل: ليعلم الرسل أن الملائكة بلّغوا رسالات ربهم. وقيل: ليعلم الرسول أيُّ رسول كان أن الرسل سواه بلّغوا. وقيل: أي ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم سليمة من تخليطه وٱستراق أصحابه. وقال ٱبن قتيبة: أي ليعلم الجنّ أن الرسل قد بلّغوا ما نزل عليهم ولم يكونوا هم المبلّغين بٱستراق السمع عليهم. وقال مجاهد: ليعلم من كذّب الرسل أن المرسلين قد بلّغوا رسالات ربهم. وقراءة الجماعة «لِيَعْلَمَ» بفتح الياء وتأويله ما ذكرناه. وقرأ ٱبن عباس ومجاهد وحُميد ويعقوب بضم الياء أي ليُعْلِم الناس أنّ الرسل قد أبلغوا. وقال الزجاج: أي ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته بفتح الياء؛ كقوله تعالى:

{ { وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ } } [آل عمران:142] المعنى: ليعلم الله ذلك علم مشاهدة كما علمه غيباً. {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} أي أحاط علمه بما عندهم، أي بما عند الرسل وما عند الملائكة. وقال ٱبن جبير: المعنى: ليعلم الرسل أن ربهم قد أحاط علمه بما لديهم، فيبلّغوا رسالاته. {وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} أي أحاط بعدد كل شيء وعرفه وعلمه فلم يخف عليه منه شيء. و«عَدَداً» نصب على الحال، أي أحصى كل شيء في حال العدد، وإن شئت على المصدر، أي أحصى وعدّ كل شيء عدداً، فيكون مصدر الفعل المحذوف. فهو سبحانه المحصي المحيط العالم الحافظ لكل شيء. وقد بينا جميعه في الكتاب الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى. والحمد لله وحده.
الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ