انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الكهف

تفسير الطبريالآيات 21–29

تفسير سورة الكهف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الكهف

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:10:26

  1. 1 الآيات 17–31في هذه الصفحة 15:55

التفسير الصوتي لسورة الكهف كاملًا (6 مقاطع)

وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَآ إِذْ يَتَنَٰزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا۟ ٱبْنُوا۟ عَلَيْهِم بُنْيَٰنًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: وكما بعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم ساعة رقدوا، لـيتساءلوا بـينهم، فـيزدادوا بعظيـم سلطان الله بصيرة، وبحسن دفـاع الله عن أولـيائه معرفة {كَذلكَ أعْثَرْنا عَلَـيْهِمْ} يقول: كذلك أطلعنا علـيهم الفريق الآخر الذين كانوا فـي شكّ من قُدرة الله علـى إحياء الـموتـى، وفـي مِرْية من إنشاء أجسام خـلقه، كهيئتهم يوم قبضهم بعد البِلَـى، فـيعلـموا أن وعْد الله حقّ، ويُوقنوا أن الساعة آتـية لا ريب فـيها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وكذلكَ أعْثَرْنا عَلَـيْهِمْ} يقول: أطلعنا علـيهم لـيعلـم من كذب بهذا الـحديث، أن وعد الله حقّ، وأن الساعة لا ريب فـيها.

وقوله: {إذْ يَتَنازَعُون بَـيْنَهُمْ أمْرَهُمْ} يعنـي: الذين أعثروا علـى الفتـية. يقول تعالـى: وكذلك أعثرنا هؤلاء الـمختلفـين فـي قـيام الساعة، وإحياء الله الـموتـى بعد مـماتهم من قوم تـيذوسيس، حين يتنازعون بـينهم أمرهم فـيـما الله فـاعل بـمن أفناه من عبـاده، فأبلاه فـي قبره بعد مـماته، أمنشئهم هو أم غير منشئهم. وقوله: {فقالُوا ابْنُوا عَلَـيْهِمْ بُنْـياناً} يقول: فقال الذين أعثرناهم علـى أصحاب الكهف: ابنوا علـيهم بنـيانا {رَبُّهمْ أعْلَـمُ بِهِمْ} يقول: ربّ الفتـية أعلـم بـالفتـية وشأنهم. وقوله: {قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلـى أمْرِهِمْ} يقول جلّ ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا علـى أمر أصحاب الكهف {لَنَتَّـخِذَنَّ عَلَـيْهِمْ مَسْجِداً}.

وقد اختُلف فـي قائلـي هذه الـمقالة، أهم الرهط الـمسلـمون، أم هم الكفـار؟ وقد ذكرنا بعض ذلك فـيـما مضى، وسنذكر إن شاء الله ما لـم يـمض منه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا علـى أمْرِهِمْ لَنَتَّـخِذَنَّ عَلَـيْهِمْ مَسْجِداً} قال: يعنـي عدوّهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن عبد العزيز بن أبـي روّاد، عن عبد الله بن عبـيد بن عمير، قال: عمَّى الله علـى الذين أعثرهم علـى أصحاب الكهف مكانهم، فلـم يهتدوا، فقال الـمشركون: نبنـي علـيهم بنـياناً، فإنهم أبناء آبـائنا، ونعبد الله فـيها، وقال الـمسلـمون: بل نـحن أحقّ بهم، هم منا، نبنـي علـيهم مسجداً نصلـي فـيه، ونعبد الله فـيه.

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًۢا بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّىٓ أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءً ظَٰهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا ۝٢٢

يقول تعالى ذكره: سيقول بعض الـخائضين فـي أمر الفِتْـية من أصحاب الكهف، هم ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول بعضهم: هم خمسة سادسهم كلبهم {رجْماً بـالغَيْبِ}: يقول: قذفـا بـالظنّ غير يقـين علـم، كما قال الشاعر:

وأجْعَلُ مِنِّـي الـحَقَّ غَيْبـاً مُرَجَّمَا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بـالغَيْبِ}: أي قذفـا بـالغيب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {رَجْماً بـالغَيْبِ} قال: قذفـا بـالظنّ.

وقوله: {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامنُهُمْ كَلْبُهُمْ} يقول: ويقول بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم. {قُلْ رَبـيّ أعْلَـمُ بِعِدَّتِهِمْ} يقول عزّ ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لقائلـي هذه الأقوال فـي عدد الفتـية من أصحاب الكهف رجما منهم بـالغيب: {رَبِّـي أعْلَـمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَـمُهُمْ} يقول: ما يعلـم عددهم {إلاَّ قَلِـيـلٌ} من خـلقه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ما يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ قَلِـيـلٌ} يقول: قلـيـل من الناس.

وقال آخرون: بل عنى بـالقلـيـل: أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـي، عن ابن عبـاس {ما يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ قَلِـيـلٌ} قال: يعنـي أهل الكتاب. وكان ابن عبـاس يقول: أنا مـمن استثناه الله، ويقول: عدتهم سبعة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس {ما يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ قَلِـيـلٌ} قال: أنا من القلـيـل، كانوا سبعة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، ذكر لنا أن ابن عبـاس كان يقول: أنا من أولئك القلـيـل الذين استثنى الله، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم، وأنا مـمن استثنى الله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {ما يَعْلَـمُهُمْ إلاَّ قَلِـيـلٌ} قال: كان ابن عبـاس يقول: أنا من القلـيـل، هم سبعة وثامنهم كلبهم.

وقوله: {فَلا تُـمَارِ فِـيهِمْ إلاَّ مِرَاءً ظاهِراً} يقول عزّ ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فلا تـمار يا مـحمد: يقول: لا تـجادل أهل الكتاب فـيهم، يعنـي فـي عدّة أهل الكهف، وحُذِفت العِدّة اكتفـاء بذكرهم فـيها لـمعرفة السامعين بـالـمراد. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {فَلا تُـمارِ فِـيهِمْ} قال: لا تـمار فـي عدّتهم.

وقوله: {إلاَّ مِرَاءً ظاهِراً} اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـمِراء الظاهر الذي استثناه الله، ورخص فـيه لنبـيه صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو ما قصّ الله فـي كتابه أبـيح له أن يتلوه علـيهم، ولا يـماريهم بغير ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعيد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَلا تُـمَارِ فِـيهِمْ إلاَّ مِرَاءً ظاهِراً} يقول: حَسْبُك ما قصصت علـيك فلا تـمار فـيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {فَلا تُـمَارِ فِـيهِمْ إلاَّ مِرَاءً ظاهِراً} يقول: إلا بـما قد أظهرنا لك من أمرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَلا تُـمَارِ فِـيهِمْ إلاَّ مِرَاءً ظاهِراً}: أي حسبك ما قصصنا علـيك من شأنهم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {فَلا تُـمَارِ فِـيهِمْ} قال: حَسْبُك ما قصصنا علـيك من شأنهم.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَلا تُـمَارِ فِـيهِمْ إلاَّ مِرَاءً ظاهِراً} يقول: حَسْبُك ما قصصنا علـيك.

وقال آخرون: الـمِراء الظاهر هو أن يقول لـيس كما تقولون، ونـحو هذا من القول. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {إلاَّ مِرَاءً ظاهِراً} قال: أن يقول لهم: لـيس كما تقولون، لـيس تعلـمون عدّتهم إن قالوا كذا وكذا فقل لـيس كذلك، فإنهم لا يعلـمون عدّتهم، وقرأ: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} حتـى بلغ {رَجْماً بـالغَيْبِ}.

وقوله: {وَلا تَسْتَفْتِ فِـيهِمْ مِنْهُمْ أحَداً} يقول تعالـى ذكره: ولا تستفت فـي عدّة الفتـية من أصحاب الكهف منهم، يعنـي من أهل الكتاب، أحداً، لأنهم لا يعلـمون عدتهم، وإنـما يقولون فـيهم رجما بـالغيب، لا يقـينا من القول. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفـيان، عن قابوس، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلا تَسْتَفْتِ فِـيهِمْ مِنْهُمْ أحَداً} قال: هم أهل الكتاب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلا تَسْتَفْتِ فِـيهِمْ مِنْهُمْ أحَداً} من يهود.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {وَلا تَسْتَفْتِ فِـيهِمْ مِنْهُمْ أحَداً}: من يهود، قال: ولا تسأل يهودَ عن أمر أصحاب الكهف، إلا ما قد أخبرتك من أمرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلا تَسْتَفْتِ فِـيهِمْ مِنْهُمْ أحَداً}: من أهل الكتاب. كنا نـحدّث أنهم كانوا بنـي الركنا. والركنا: ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتفرّدوا بدينهم، واعتزلوا قومهم، حتـى انتهوا إلـى الكهف، فضرب الله علـى أصمختهم، فلبثوا دهراً طويلاً حتـى هلكت أمَّتهم وجاءت أمَّة مسلـمة بعدهم، وكان ملكهم مسلـماً.

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ۝٢٣ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا ۝٢٤

وهذا تأديب من الله عزّ ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم عهد إلـيه أن لا يجزم علـى ما يحدث من الأمور أنه كائن لا مـحالة، إلا أن يصله بـمشيئة الله، لأنه لا يكون شيء إلا بـمشيئة الله.

وإنـما قـيـل له ذلك فـيـما بلغنا من أجل أنه وعد سائلـيه عن الـمسائل الثلاث اللواتـي قد ذكرناها فـيـما مضى، اللواتـي إحداهنّ الـمسألة عن أمر الفتـية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهنّ غد يومهم، ولـم يستثن، فـاحتبس الوحي عنه فـيـما قـيـل من أجل ذلك خمس عشرة، حتـى حزنه إبطاؤه، ثم أنزل الله علـيه الـجواب عنهنّ، وعرف نبـيه سبب احتبـاس الوحي عنه، وعلَّـمه ما الذي ينبغي أن يستعمل فـي عِدَاته وخبره عما يحدث من الأمور التـي لـم يأته من الله بها تنزيـل، فقال: {وَلا تَقُولَنَّ} يا مـحمد {لِشَيْءٍ إنّـي فـاعِلٌ ذلك غَداً} كما قلت لهؤلاء الذين سألوك عن أمر أصحاب الكهف، والـمسائل التـي سألوك عنها، سأخبركم عنها غدا {إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ}. ومعنى الكلام: إلا أن تقول معه: إن شاء الله، فترك ذكر تقول اكتفـاء بـما ذكر منه، إذ كان فـي الكلام دلالة علـيه. وكان بعض أهل العربـية يقول: جائز أن يكون معنى قوله: {إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ} استثناء من القول، لا من الفعل كأن معناه عنده: لا تقولنّ قولاً إلا أن يشاء الله ذلك القول، وهذا وجه بعيد من الـمفهوم بـالظاهر من التنزيـل مع خلافه تأويـل أهل التأويـل.

وقوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} اختلف أهل التأويـل فـي معناه، فقال بعضهم: واستثن فـي يـمينك إذا ذكرت أنك نسيت ذلك فـي حال الـيـمين. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن هارون الـحربـيّ، قال: ثنا نعيـم بن حماد، قال: ثنا هشيـم، عن الأعمش، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي الرجل يحلف، قال له: أن يستثنَـي ولو إلـى سنة، وكان يقول: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} فـي ذلك قـيـل للأعمش سمعتَه من مـجاهد، فقال: ثنـي به لـيث بن أبـي سلـيـم، يرى ذهب كسائي هذا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، فـي قوله {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنّـي فـاعِلٌ ذلكَ غَداً إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} الاستثناء، ثم ذكرت فـاستثن.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، فـي قوله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} قال: بلغنـي أن الـحسن، قال: إذا ذكر أنه لـم يقل: إن شاء الله، فلـيقل: إن شاء الله.

وقال آخرون: معناه: واذكر ربك إذا عصيت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن، قال: ثنا حكام بن سلـم، عن أبـي سنان، عن ثابت، عن عكرِمة، فـي قول الله: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ} قال: اذكر ربك إذا عصيت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبـي سنان، عن ثابت، عن عكرمة، مثله.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره، لأن أحد معانـي النسيان فـي كلام العرب الترك، وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى قبل.

فإن قال قائل: أفجائز للرجل أن يستثنـيَ فـي يـمينه إذ كان معنى الكلام ما ذكرت بعد مدة من حال حلفه؟ قـيـل: بل الصواب أن يستثنى ولو بعد حِنْثه فـي يـمينه، فـيقول: إن شاء الله لـيخرج بقـيـله ذلك مـما ألزمه الله فـي ذلك بهذه الآية، فـيسقط عنه الـحرج بتركه ما أمره بقـيـله من ذلك فأما الكفـارة فلا تسقط عنه بحال، إلا أن يكون استثناؤه موصولاً بـيـمينه.

فإن قال: فما وجه قول من قال له: ثُنْـياه ولو بعد سنة، ومن قال له ذلك ولو بعد شهر، وقول من قال ما دام فـي مـجلسه؟ قـيـل: إن معناهم فـي ذلك نـحو معنانا فـي أن ذلك له، ولو بعد عشر سنـين، وأنه بـاستثنائه وقـيـله إن شاء الله بعد حين من حال حلفه، يسقط عنه الـحرج الذي لو لـم يقله كان له لازما فأما الكفـارة فله لازمة بـالـحِنْث بكلّ حال، إلا أن يكون استثناؤه كان موصولاً بـالـحلف، وذلك أنا لا نعلـم قائلاً قال مـمن قال له الثُّنْـيا بعد حين يزعم أن ذلك يضع عنه الكفـارة إذا حنِث، ففـي ذلك أوضح الدلـيـل علـى صحة ما قلنا فـي ذلك، وأن معنى

القول فـيه، كان نـحو معنانا فـيه.

وقوله: {وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّـي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً} يقول عزّ ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل ولعلّ الله أن يهدينـي فـيسدّدنـي لأسدَّ مـما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون، إن هو شاء.

وقد قـيـل: إن ذلك مـما أُمر النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن يقوله إذا نسي الاستثناء فـي كلامه، الذي هو عنده فـي أمر مستقبل مع قوله: إن شاء الله، إذا ذكر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، عن مـحمد، رجل من أهل الكوفة، كان يفسر القرآن، وكان يجلس إلـيه يحيى بن عبـاد، قال: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنّـي فـاعِلٌ ذلكَ غَداً إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أنْ يَهْدِيَنَ رَبّـي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً} قال فقال: وإذا نسي الإنسان أن يقول: إن شاء الله، قال: فتوبته من ذلك، أو كفَّـارة ذلك أن يقول: {عَسَى أنْ يَهْدِينِ رَبّـي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً}.

وَلَبِثُوا۟ فِى كَهْفِهِمْ ثَلَٰثَ مِا۟ئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا۟ تِسْعًا ۝٢٥ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا۟ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًا ۝٢٦

اختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله {وَلَبَثُوا فِـي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِـينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} فقال بعضهم: ذلك خبر من الله تعالـى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك، واستشهدوا علـى صحة قولهم ذلك بقوله: {قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا} وقالوا: لو كان ذلك خبرا من الله عن قدر لبثهم فـي الكهف، لـم يكن لقوله {قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا} وجه مفهوم، وقد أعلـم الله خـلقه مبلغ لبثهم فـيه وقدره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَبِثُوا فِـي كَهْفِهِمْ ثلاثَ مِئَةٍ سِنِـينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} هذا قول أهل الكتاب، فردّه الله علـيهم فقال: {قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَواتِ والأرْضِ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فـي قوله {وَلَبِثُوا فِـي كَهْفِهِمْ} قال: فـي حرف ابن مسعود: «وَقالُوا وَلَبِثُوا» يعنـي أنه قال الناس، ألا ترى أنه قال: {قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا}.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربـيعة، عن ابن شوذب عن مطر الورّاق، فـي قول الله: {وَلَبِثُوا فِـي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِـينَ} قال: إنـما هو شيء قالته الـيهود، فردّه الله علـيهم وقال: {قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا}.

وقال آخرون: بل ذلك خبر من الله عن مبلغ ما لبثوا فـي كهفهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلَبِثُوا فِـي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِـينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} قال: عدد ما لبثوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد بنـحوه، وزاد فـيه {قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن عبد العزيز بن أبـي رواد، عن عبد الله بن عبـيد بن عمير، قال: {ولَبَثُوا فـي كْهفِهْم ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِـينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} قال: وتسع سنـين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق بنـحوه.

حدثنا موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنـي الأجلـح، عن الضحاك بن مزاحم، قال: نزلت هذه الآية {وَلَبِثُوا فِـي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ} فقالوا: أياما أو أشهرا أو سنـين؟ فأنزل الله: {سِنِـينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَلَبِثُوا فـي كَهْفِهِمْ} قال: بـين جبلـين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال كما قال الله عزّ ذكره: ولبث أصحاب الكهف فـي كهفهم رقوداً إلـى أن بعثهم الله، لـيتساءلوا بـينهم، وإلـى أن أعثر علـيهم من أعثر، ثلاث مئة سنـين وتسع سنـين، وذلك أن الله بذلك أخبر فـي كتابه. وأما الذي ذُكر عن ابن مسعود أنه قرأ «وَقالُوا: وَلَبِثُوا فِـي كَهْفِهِم» وقول من قال: ذلك من قول أهل الكتاب، وقد ردّ الله ذلك علـيهم، فإن معناه فـي ذلك: إن شاء الله كان أن أهل الكتاب قالوا فـيـما ذكر علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للفتـية من لدن دخـلوا الكهف إلـى يومنا ثلاث مئة سنـين وتسع سنـين، فردّ الله ذلك علـيهم، وأخبر نبـيه أن ذلك قدر لبثهم فـي الكهف من لدن أوَوا إلـيه أن بعثهم لـيتساءلوا بـينهم ثم قال جلّ ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد: الله أعلـم بـما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم، من بعد أن بعثهم من رقدتهم إلـى يومهم هذا، لا يعلـم بذلك غير الله، وغير من أعلـمه الله ذلك.

فإن قال قائل: وما يدلّ علـى أن ذلك كذلك؟ قـيـل: الدالّ علـى ذلك أنه جلّ ثناؤه ابتدأ الـخبر عن قدر لبثهم فـي كهفهم ابتداء، فقال: {وَلِبثُوا فـي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مئَةٍ سنـينَ وَازْدَادُوا تسْعاً} ولـم يضع دلـيلاً علـى أن ذلك خبر منه عن قول قوم قالوه، وغير جائز أن يضاف خبره عن شيء إلـى أنه خبر عن غيره بغير برهان، لأن ذلك لو جاز جاز فـي كلّ أخبـاره، وإذا جاز ذلك فـي أخبـاره جاز فـي أخبـار غيره أن يضاف إلـيه أنها أخبـاره، وذلك قلب أعيان الـحقائق وما لا يخيـل فساده.

فإن ظنّ ظانّ أن قوله: {قُلِ اللّهُ أعْلَـمُ بِـمَا لَبِثُوا} دلـيـل علـى أن قوله: {وَلِبثُوا فِـي كَهْفِهِمْ} خبر منه عن قوم قالوه، فإن ذلك كان يجب أن يكون كذلك لو كان لا يحتـمل من التأويـل غيره فأما وهو مـحتـمل ما قلنا من أن يكون معناه: قل الله أعلـم بـما لبثوا إلـى يوم أنزلنا هذه السورة، وما أشبه ذلك من الـمعانـي فغير واجب أن يكون ذلك دلـيلاً علـى أن قوله: {وَلِبِثُوا فـي كَهْفِهِمْ} خبر من الله عن قوم قالوه، وإذا لـم يكن دلـيلاً علـى ذلك، ولـم يأت خبر بأن قوله: {وَلِبِثُوا فـي كَهْفِهِمْ} خَبر من الله عن قوم قالوه، ولا قامت بصحة ذلك حجة يجب التسلـيـم لها، صحّ ما قلنا، وفسَد ما خالفه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِـينَ} فقرأت ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـين {ثَلاثِ مِئَةٍ سِنِـينَ} بتنوين: ثلاث مئةٍ، بـمعنى: ولبثوا فـي كهفهم سنـين ثلاث مئة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة: «ثَلاثَ مِئَةِ سِنِـينَ» بإضافة ثلاث مئة إلـى السنـين، غير منوّن.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراة من قرأه: {ثلاثَ مِئَةٍ} بـالتنوين {سِنِـينَ}، وذلك أن العرب إنـما تضيف الـمئة إلـى ما يفسرها إذا جاء تفسيرها بلفظ الواحد، وذلك كقولهم ثلاث مئة درهم، وعندي مئة دينار، لأن الـمئة والألف عدد كثـير، والعرب لا تفسر ذلك إلا بـما كان بـمعناه فـي كثرة العدد، والواحد يؤدّي عن الـجنس، ولـيس ذلك للقلـيـل من العدد، وإن كانت العرب ربـما وضعت الـجمع القلـيـل موضع الكثـير، ولـيس ذلك بـالكثـير. وأما إذا جاء تفسيرها بلفظ الـجمع، فإنها تنوّن، فتقول: عندي ألفٌ دراهمُ، وعندي مئةٌ دنانـير، علـى ما قد وصفت.

وقوله: {لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يقول تعالـى ذكره: لله علـم غيب السموات والأرض، لا يعزب عنه علـم شيء منه، ولا يخفـى علـيه شيء، يقول: فسلـموا له علـم مبلغ ما لبثت الفتـية فـي الكهف إلـى يومكم هذا، فإن ذلك لا يعلـمه سوى الذي يعلـم غيب السموات والأرض، ولـيس ذلك إلا الله الواحد القهار.

وقوله: {أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ} يقول: أبصر بـالله وأسمع، وذلك بـمعنى الـمبـالغة فـي الـمدح، كأنه قـيـل: ما أبصره وأسمعه.

وتأويـل الكلام: ما أبصر الله لكلّ موجود، وأسمعه لكلّ مسموع، لا يخفـى علـيه من ذلك شيء، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ} فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع، تبـارك وتعالـى.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أبْصرْ بِهِ وأسمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِـيّ} قال: يرى أعمالهم، ويسمع ذلك منهم سميعاً بصيراً.

وقوله: {ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِـيّ} يقول جلّ ثناؤه: ما لـخـلقه دون ربهم الذي خـلقهم ولـيّ، يـلـي أمرهم وتدبـيرهم، وصرفهم فـيـما هم فـيه مصرفون. {وَلا يُشْرِكُ فِـي حُكمِهِ أحَداً} يقول: ولا يجعل الله فـي قضائه، وحكمه فـي خـلقه أحداً سواه شريكاً، بل هو الـمنفرد بـالـحكم والقضاء فـيهم، وتدبـيرهم وتصريفهم فيما شاء وأحبّ.

وَٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واتبع يا مـحمد ما أنزل إلـيك من كتاب ربك هذا، ولا تتركنّ تلاوته، واتبـاع ما فـيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه، فتكون من الهالكين وذلك أن مصير من خالفه، وترك اتبـاعه يوم القـيامة إلـى جهنـم {لا مُبَدّلَ لكَلـماتِهِ} يقول: لا مغير لـما أوعد بكلـماته التـي أنزلها علـيك أهل معاصيه، والعاملـين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إلـيك.

وقوله: {وَلَنْ تَـجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَـحَداً} يقول: وإن أنت يا مـحمد لـم تتل ما أوحى إلـيك من كتاب ربك فتتبعه وتأتـمّ به، فنالك وعيد الله الذي أوعد فـيه الـمخالفـين حدوده، لن تـجد من دون الله موئلاً تئل إلـيه ومعدلاً تعدل عنه إلـيه، لأن قدرة الله مـحيطة بك وبجميع خـلقه، لا يقدر أحد منهم علـى الهرب من أمر أراد به.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى قوله: {مُلْتَـحَداً} قال أهل التأويـل، وإن اختلفت ألفـاظهم فـي البـيان عنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله: {مُلْتَـحَداً} قال: مَلْـجَأ.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {مُلْتَـحَداً} قال: ملـجأ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَلَنْ تَـجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَـحَداً} قال: موئلاً.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {مُلْتَـحَداً} قال: ملـجأ ولا موئلاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَنْ تَـجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَـحَداً} قال: لا يجدون ملتـحدا يـلتـحدونه، ولا يجدون من دونه ملـجأ ولا أحداً يـمنعهم. والـملتـحد: إنـما هو الـمفتعل من اللـحد، يقال منه: لـحدت إلـى كذا: إذا ملت إلـيه ومنه قـيـل للـحد: لـحد، لأنه فـي ناحية من القبر، ولـيس بـالشقّ الذي فـي وسطه، ومنه الإلـحاد فـي الدين، وهو الـمعاندة بـالعدول عنه، والترك له.

وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ} يا مـحمد {نَفْسَكَ مَعَ} أصحابك {الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بـالغَدَاةِ والعَشِيّ} بذكرهم إياه بـالتسبـيح والتـحميد والتهلـيـل والدعاء والأعمال الصالـحة من الصلوات الـمفروضة وغيرها {يُرِيدُونَ} بفعلهم ذلك {وَجْهَهُ} لا يريدون عرضا من عرض الدنـيا.

وقد ذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـي قوله {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بـالغَدَاةِ والعَشِيّ} فـي سورة الأنعام، والصواب من

القول فـي ذلك عندنا، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع. والقرّاء علـى قراءة ذلك: {بـالغَدَاة والعَشِيّ}، وقد ذُكر عن عبد الله بن عامر وأبـي عبد الرحمن السلـمي أنهما كانا يقرآنه: «بـالغدوة والعشيّ»، وذلك قراءة عند أهل العلـم بـالعربـية مكروهة، لأن غدوة معرّفة، ولا ألف ولا لام فـيها، وإنـما يعرّف بـالألف واللام ما لـم يكن معرفة فأما الـمعارف فلا تعرّف بهما. وبعد، فإن غدوة لا تضاف إلـى شيء، وامتناعها من الإضافة دلـيـل واضح علـى امتناع الألف واللام من الدخول علـيها، لأن ما دخـلته الألف واللام من الأسماء صلـحت فـيه الإضافة وإنـما تقول العرب: أتـيتك غداة الـجمعة، ولا تقول: أتـيتك غدوة الـجمعة، والقراءة عندنا فـي ذلك ما علـيه القرّاء فـي الأمصار لا نستـجيز غيرها لإجماعها علـى ذلك، وللعلة التـي بـيَّنا من جهة العربـية.

وقوله: {وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ} يقول جلّ ثناؤه لنبـيه صلى الله عليه وسلم: ولا تصرف عيناك عن هؤلاء الذين أمرتك يا مـحمد أن تصبر نفسك معهم إلـى غيرهم من الكفـار، ولا تـجاوزهم إلـيه وأصله من قولهم: عدوت ذلك، فأنا أعدوه: إذا جاوزته. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ} قال: لا تـجاوزهم إلـى غيرهم.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنـي عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ} يقول: لا تتعدّهم إلـى غيرهم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {واصْبِرْ نَفْسِكَ...} الآية، قال: قال القوم للنبـيّ صلى الله عليه وسلم: إنا نستـحيـي أن نـجالس فلاناً وفلاناً وفلاناً، فجانبهم يا مـحمد، وجالس أشراف العرب، فنزل القرآن {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بـالغَدَاة والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ} ولا تـحقرهم، قال: قد أمرونـي بذلك، قال: {وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً}.

حدثنا الربـيع بن سلـيـمان، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرنـي أسامة بن زيد، عن أبـي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنـيف، أن هذه الآية لـما نزلت علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فـي بضع أبـياته {وَاصْبْر نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بـالغَدَاةِ والعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} فخرج يـلتـمس، فوجد قوماً يذكرون الله، منهم ثائر الرأس، وجافّ الـجلد، وذو الثوب الواحد، فلـما رآهم جلس معهم، فقال:

الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي جَعَلَ لِـي فِـي أُمَّتـي مَنْ أمرنـي أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُورُفعت العينان بـالفعل، وهو لا تعد.

وقوله: {تُرِيدُ زِينَة الـحَياةَ الدُّنـيْا} يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: لا تعدُ عيناك عن هؤلاء الـمؤمنـين الذين يدعون ربهم إلـى أشراف الـمشركين، تبغي بـمـجالستهم الشرف والفخر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فـيـما ذكر قوم من عظماء أهل الشرك، وقال بعضهم: بل من عظماء قبـائل العرب مـمن لا بصيرة لهم بـالإسلام، فرأوه جالسا مع خبـاب وصهيب وبلال، فسألوه أن يقـيـمهم عنه إذا حضروا، قالوا: فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله علـيه: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بـالغَدَاةِ وَالعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ثم كان يقوم إذا أراد القـيام، ويتركهم قعوداً، فأنزل الله علـيه {وَاصْبِرْ نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بـالغَدَاةِ والعَشِيّ...} الآية {وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الـحَياةِ الدُّنـيْا} يريد بزينة الـحياة الدنـيا: مـجالسة أولئك العظماء الأشراف، وفد ذكرت الرواية بذلك فـيـما مضى قبل فـي سورة الأنعام.

حدثنـي الـحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا أسبـاط بن نصر، عن السدي، عن أبـي سعيد الأزدي، وكان قارىء الأزد عن أبـي الكنود، عن خبـاب فـي قصة ذكرها عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، ذكر فـيها هذا الكلام مدرجا فـي الـخبر {وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الـحَياةِ الدُّنـيْا} قال: تـجالس الأشراف.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن عيـينة بن حصن قال للنبـيّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلـم: لقد آذانـي ريح سلـمان الفـارسي، فـاجعل لنا مـجلسا منك لا يجامعوننا فـيه، واجعل لهم مـجلساً لا نـجامعهم فـيه، فنزلت الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أنه لـما نزلت هذه الآية قال نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم:

الـحَمْدِ لِلّهِ الَّذِي جَعَلَ فِـي أُمَّتـي مَنْ أُمرْتُ أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {تُرِيدُ زِينَةَ الـحَياةِ الدُّنـيْا} قال: تريد أشراف الدنـيا.

حدثنا صالـح بن مسمار، قال: ثنا الولـيد بن عبد الـملك، قال: سلـيـمان بن عطاء، عن مسلـمة بن عبد الله الـجهنـيّ، عن عمه أبـي مشجعة بن ربعي، عن سلـمان الفـارسي، قال: جاءت الـمؤلفة قلوبهم إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيـينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم، فقالوا: يا نبـيّ الله، إنك لو جلست فـي صدر الـمسجد، ونفـيت عنا هؤلاء وأرواح جبـابهم يعنون سلـمان وأبـا ذرّ وفقراء الـمسلـمين، وكانت علـيهم جبـاب الصوف، ولـم يكن علـيهم غيرها جلسنا إلـيك وحادثناك، وأخذنا عنك فأنزل الله:

{ وَاتْلُ ما أُوحِيَ إلَـيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدّلَ لِكَلِـماتِهِ وَلَنْ تَـجدَ مِنْ دُونهِ مُلْتَـحَداً }، حتـى بلغ { إنَّا أعْتَدْنا للظَّالِـمِينَ ناراً } يتهدّدهم بـالنار فقام نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يـلتـمسهم حتـى أصابهم فـي مؤخر الـمسجد يذكرون الله، فقال:الـحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَـمْ يُـمتْنِـي حتـى أمَرَنِـي أنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رجِالٍ مِنْ أُمَّتِـي، مَعَكُمُ الـمَـحيْا وَمَعَكُمُ الـمَـماتُ

وقوله:{وَلا تُطعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: ولا تطع يا مـحمد من شغلنا قلبه من الكفـار الذين سألوك طرد الرهط الذين يدعون ربهم بـالغداة والعشيّ عنك، عن ذكرنا، بـالكفر وغلبة الشقاء علـيه، واتبع هواه، وترك اتبـاع أمر الله ونهيه، وآثر هوى نفسه علـى طاعة ربه، وهم فـيـما ذُكر: عيـينة بن حصن، والأقرع بن حابس وذووهم.

حدثنـي الـحسين بن عمرو بن مـحمد العنقزي، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، عن أبـي سعيد الأزدي، عن أبـي الكنود، عن خبـاب {وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا} قال: عيُـينة، والأقرع.

وأما قوله: {وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله: {وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً} قال ابن عمرو فـي حديثه قال: ضائعاً. وقال الـحرث فـي حديثه: ضياعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: ضياعا.

وقال آخرون: بل معناه: وكان أمره ندماً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا بدل بن الـمـحبر، قال: ثنا عبـاد بن راشد، عن داود فُرُطاً قال: ندامة.

وقال آخرون: بل معناه: هلاكاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحسين بن عمرو، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، عن أبـي سعيد الأزدي، عن أبـي الكنود، عن خبـاب {وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً} قال: هلاكاً.

وقال آخرون: بل معناه: خلافـاً للـحق. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً} قال: مخالفـا للحقّ، ذلك الفُرُط.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: معناه: ضياعاً وهلاكاً، من قولهم: أفرط فلان فـي هذا الأمر إفراطاً: إذا أسرف فـيه وتـجاوز قدره، وكذلك قوله: {وكانَ أمْرُهُ فُرُطاً} معناه: وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا فـي الرياء والكبر، واحتقار أهل الإيـمان، سرفـاً قد تـجاوز حدّه، فَضَيَّع بذلك الـحقّ وهلك. وقد:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: قـيـل له: كيف قرأ عاصم؟ فقال {كانَ أمْرُهُ فُرُطاً} قال أبو كريب: قال أبو بكر: كان عُيـينة بن حصن يفخر بقول أنا وأنا.

وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا مـحمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا، واتبعوا أهواءهم: الـحقّ أيها الناس من عند ربكم، وإلـيه التوفـيق والـحذلان، وبـيده الهدى والضلال يهدي من يشاء منكم للرشاد، فـيؤمن، ويضلّ من يشاء عن الهدى فـيكفر، لـيس إلـيّ من ذلك شيء، ولست بطارد لهواكم من كان للـحقّ متبعا، وبـالله وبـما أنزل علـيّ مؤمناً، فإن شئتـم فآمنوا، وإن شئتـم فـاكفروا، فإنكم إن كفرتـم فقد أعدّ لكم ربكم علـى كفركم به نار أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتـم به وعملتـم بطاعته، فإن لكم ما وصف الله لأهل طاعته. وروي عن ابن عبـاس فـي ذلك ما:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَمَنْ شاءَ فَلْـيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْـيَكْفُرْ} يقول: من شاء الله له الإيـمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر، وهو قوله:

{ وَما تَشاءُونَ إلاَّ أنْ يَشاءَ اللّهُ رَبْ العَالَـمِينَ }ولـيس هذا بإطلاق من الله الكفر لـمن شاء، والإيـمان لـمن أراد، وإنـما هو تهديد ووعيد.

وقد بـين أن ذلك كذلك قوله: {إنَّا اعْتَدْنا للظَّالِـمينَ ناراً} والآيات بعدها. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن عمر بن حبـيب، عن داود، عن مـجاهد، فـي قوله: {فَمَنْ شاءَ فَلْـيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْـيَكْفُرْ}. قال: وعيد من الله، فلـيس بـمعجزي.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {فَمَنْ شاءَ فَلْـيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْـيَكْفُرْ}، وقوله

{ اعْمَلُوا ما شِئْتُـمْ }قال: هذا كله وعيد لـيس مصانعة ولا مراشاة ولا تفويضاً. وقوله: {إنَّا أعْتَدْنا للظَّالِـمينَ ناراً} يقول تعالـى ذكره: إنا أعددنا، وهو من العُدّة. للظالـمين: الذين كفروا بربهم. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّا أعْتَدْنا للظَّالِـمِينَ ناراً أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها} قال: للكافرين.

وقوله: {أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها} يقول: أحاط سرادق النار التـي أعدّها الله للكافرين بربهم، وذلك فـيـما قـيـل: حائط من نار يطيف بهم كسرادق الفسطاط، وهي الـحجرة التـي تطيف بـالفسطاط، كما قال رؤبة:

يا حَكَمَ بنَ الـمُنْذِرِ بْنَ الـجارُودْسُرادِقُ الفَضْلِ عَلَـيْكَ مَـمْدُودْ

وكما قال سلامة بن جندل:

هُوَ الـمُوِلـجُ النُّعْمانَ بـيْتاً سَماؤُهُصُدُورُ الفُـيُولِ بعدَ بَـيْتٍ مُسَرْدَق

يعنـي: بـيتا له سرادق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله: {إنَّا أعْتَدْنا للظَّالِـمِينَ ناراً أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها} قال: هي حائط من نار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عمن أخبره، قال {أحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} قال: دخان يحيط بـالكفـار يوم القـيامة، وهو الذي قال الله:

{ ظلّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ }

وقد رُوي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي ذلك خبر يدلّ علـى أن معنى قوله {أحاطَ بِهمْ سرادِقُها} أحاط بهم ذلك فـي الدنـيا، وأن ذلك السرادق هو البحر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي العبـاس بن مـحمد والـحسين بن نصر، قالا: ثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، قال: ثنـي مـحمد بن حيـي بن يعلـى، عن صفوان بن يعلـى، عن يعلـى بن أمية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

البَحْرُ هُوَ جَهَنَّـمُقال: فقـيـل له: كيف ذلك، فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: {ناراً أحاطَ بِهمْ سُرَادِقُها} ثم قال:واللّهِ لا أدْخُـلُها أبَداً أوْ ما دُمْتُ حَيًّا، وَلا تُصِيبُنـي مِنْها قَطْرَة

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا يعمر بن بشر، قال: ثنا ابن الـمبـارك، قال: أخبرنا رشدين بن سعد، قال: ثنـي عمرو بن الـحرث، عن أبـي السمـح، عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد الـخدري، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

سُرَادِقُ النَّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلّ وَاحِدٍ مِثْلُ مَسِيرَةِ أرْبعِينَ سَنَةً

حدثنا بشر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عمرو بن الـحارث، عن درّاج، عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إنَّ لِسُرَادِقِ النَّارِ أرْبَعَةَ جُدُرٍ، كِثْفُ كُلّ وَاحِدَة مِثْلُ مَسِيرةِ أرْبَعِينَ سَنَةً

حدثنابشر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرنـي عمرو، عن دراج، عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ماءٌ كالـمُهْلِ، قالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فإذَا قَرَّبَهُ إلَـيْه سقط فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِـيهِ

وقوله:{وَإن يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِـمَاءٍ كالـمُهْلِ} يقول تعالـى ذكره: وإن يستغث هؤلاء الظالـمون يوم القـيامة فـي النار من شدّة ما بهم من العطش، فـيطلبونَ الـماء يُغاثوا بـماء الـمُهْل.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمهل، فقال بعضهم: هو كلّ شيء أذيب وإنـماع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن ابن مسعود أهديت إلـيه سِقاية من ذهب وفضة، فأمر بأخدود فخدّ فـي الأرض، ثم قذف فـيه من جزل حطب، ثم قذف فـيه تلك السقاية، حتـى إذا أزبدت وانـماعت قال لغلامه: ادع من يحضُرنا من أهل الكوفة، فدعا رهطاً، فلـما دخـلوا علـيه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم، قال: ما رأينا فـي الدنـيا شبـيها للـمهل أدنى من هذا الذهب والفضة، حين أزبد وإنـماع.

وقال آخرون: هو القـيح والدم الأسود. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبـي بَزّة، عن مـجاهد فـي قوله: {وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثوا بِـمَاءٍ كالـمُهْلِ} قال: القـيح والدم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {بـمَاءٍ كالـمُهْلِ} قال: القـيح والدم الأسود، كعكر الزيت. قال الـحرث فـي حديثه: يعنـي درديّة.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {كالـمُهْلِ} قال: يقول: أسود كهيئة الزيت.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {بِـمَاءٍ كالـمَهْلِ} ماء جهنـم أسود، وهي سوداء، وشجرها أسود، وأهلها سود.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِـمَاءٍ كالـمُهْلِ} قال: هو ماء غلـيظ مثل دردي الزيت.

وقال آخرون: هو الشيء الذي قد انتهى حرّة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبـير، قال: الـمهل: هو الذي قد انتهى حرّة.

وهذه الأقوال وإن اختلفت بها ألفـاظ قائلـيها، فمتقاربـات الـمعنى، وذلك أن كلّ ما أذيب من رصاص أو ذهب أو فضة فقد انتهى حرّة، وأن ما أوقدت علـيه من ذلك النار حتـى صار كدردي الزيت، فقد انتهى أيضاً حرّة. وقد:

حُدثت عن معمر بن الـمثنى، أنه قال: سمعت الـمنتـجع بن نبهان يقول: والله لفلان أبغض إلـيّ من الطلـياء والـمهل، قال: فقلنا له: وما هما؟ فقال: الجربـاء، والـملة التـي تنـحدر عن جوانب الـخبزة إذا ملت فـي النار من النار، كأنها سهلة حمراء مدققة، فهي أحمره، فـالـمهل إذا هو كلّ مائع قد أوقد علـيه حتـى بلغ غاية حرِّة، أو لـم يكن مائعا، فإنـماع بـالوقود علـيه، وبلغ أقصى الغاية فـي شدّة الـحرّ.

وقوله: {يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} يقول جلّ ثناؤه: يشوي ذلك الـماء الذي يغاثون به وجوههم. كما:

حدثنـي مـحمد بن خـلف العسقلانـي، قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقـية، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بُسْر هكذا قال ابن خـلف عن أبـي أمامة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فـي قوله

{ ويُسْقَـى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ يَتَـجَرَّعُهُ }قال:يقرب إلـيه فـيتكرّهه، فإذا قرب منه، شوى وجهه، ووقعت فَرْوة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، يقول الله: {وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِـمَاءٍ كالـمُهْلِ يَشوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ}.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا إبراهيـم بن إسحاق الطالَقانـي ويعمر بن بشر، قالا: ثنا ابن الـمبـارك، عن صفوان، عن عبد الله بن بُسْر، عن أبـي أمامة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـمثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبـير، قال هارون: إذا جاع أهل النار. وقال جعفر: إذا جاء أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها، فـاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّاً مارّ بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فـيها، ثم يصبّ علـيهم العطش، فـيستغيثون، فـيغاثون بـماء كالـمهل، وهو الذي قد انتهى حرّة، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حرّة لـحوم وجوههم التـي قد سقطت عنها الـجلود.

وقوله: {بِئْسَ الشَّرابُ} يقول تعالـى ذكره: بئس الشراب، هذا الـماء الذي يغاث به هؤلاء الظالـمون فـي جهنـم الذي صفته ما وصف فـي هذه الآية. وقوله: {وَساءَتْ مُرْتَفَقاً} يقول تعالـى ذكره: وساءت هذه النار التـي أعتدناها لهؤلاء الظالـمين مرتفقا والـمرتفَق فـي كلام العرب: الـمتكأ، يقال منه: ارتفقت إذا اتكأت، كما قال الشاعر:

قالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ ألا فَتَـىيَسُوقُ بـالقَوْمِ غَزَالاتِ الضُّحَى

أراد: واتكأت علـى مرفقها وقد ارتفق الرجل: إذا بـات علـى مرفقه لا يأتـيه نوم، وهو مرتفق، كما قال أبو ذؤيب الهذلـيّ:

نامَ الـخَـلِـيُّ وَبِتُّ اللَّـيْـلَ مُرْتَفِقاًكأنَّ عَيْنِـيَ فِـيها الصَّابُ مَذْبُوحُ

وأما من الرفق فإنه يقال: قد ارتفقت بك مرتفقاً، وكان مـجاهد يتأوّل قوله: {وَساءَتْ مُرْتَفَقاً} يعنـي الـمـجتـمع. ذكر الرواية بذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {مُرْتَفَقاً}: أي مـجتـمعاً.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا معتـمر، عن لـيث، عن مـجاهد {وَساءَتْ مُرْتَفَقَاً} قال: مـجتـمعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

ولست أعرف الارتفـاق بـمعنى الاجتـماع فـي كلام العرب، وإنـما الارتفـاق: افتعال، إما من الـمرفق، وإما من الرفق.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ