انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الكهف

تفسير الطبريالآيات 66–85

تفسير سورة الكهف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الكهف

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:10:26

  1. 1 الآيات 51–74في هذه الصفحة 13:51
  2. 2 الآيات 75–98في هذه الصفحة 13:17

التفسير الصوتي لسورة الكهف كاملًا (6 مقاطع)

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ۝٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ۝٦٧

يقول تعالـى ذكره: قال موسى للعالـم: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلـى أنْ تَعَلِّـمَنِ} من العلـم الذي علـمك الله ما هو رشاد إلـى الـحقّ، ودلـيـل علـى هدى؟ {قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعَي صَبْراً} يقول تعالـى ذكره: قال العالـم: إنك لن تطيق الصبر معي، وذلك أنـي أعمل ببـاطن علـم علَّـمنـيه الله، ولا علـم لك إلا بالظاهر من الأمور، فلا تصبر علـى ما ترى من الأفعال، كما ذكرنا من الـخبر عن ابن عبـاس قَبلُ من أنه كان رجلاً يعمل علـى الغيب قد علـم ذلك.

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِۦ خُبْرًا ۝٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا ۝٦٩

يقول عزّ ذكره مخبراً عن قول العالـم لـموسى: وكيف تصبر يا موسى علـى ما ترى منـي من الأفعال التـي لا علـم لك بوجوه صوابها، وتقـيـم معي علـيها، وأنت إنـما تـحكم علـى صواب الـمصيب وخطأ الـمخطىء بـالظاهر الذي عندك، وبـمبلغ علـمك، وأفعالـي تقع بغير دلـيـل ظاهر لرأي عينك علـى صوابها، لأنها تُبتدأ لأسبـاب تـحدث آجلة غير عاجلة، لا علـم لك بـالـحادث عنها، لأنها غيب، ولا تـحيط بعلـم الغيب خبراً يقول علـما، قال: {سَتَـجِدُنِـي إنْ شاءَ اللّهُ صَابِراً} علـى ما أرى منك وإن كان خلافـاً لـما هو عندي صواب {وَلا أعْصِي لَكَ أمْراً} يقول: وأنتهي إلـى ما تأمرنـي، وإن لـم يكن موافقاً هواي.

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْـَٔلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىٰٓ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ۝٧٠

يقول تبـارك وتعالـى: قال العالـم لـموسى: فإن اتبعتنـي الآن فلا تسألنـي عن شيء أعمله مـما تستنكره، فإنـي قد أعلـمتك أنـي أعمل العمل علـى الغيب الذي لا تـحيط به علـما {حتـى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} يقول: حتـى أحدث أنا لك مـما ترى من الأفعال التـي أفعلها التـي تستنكرها أذكرها لك وأبـين لك شأنها، وأبتدئك الـخبر عنها، كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {فَلا تَسأَلْنِـي عَنْ شَيْءٍ حتـى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً} يعنـي عن شيء أصنعه حتـى أبـين لك شأنه.

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًا ۝٧١

يقول تعالـى ذكره: فـانطلق موسى والعالـم يسيران يطلبـان سفـينة يركبـانها، حتـى إذا أصابـاها ركبـا فـي السفـينة، فلـما ركبـاها، خرق العالـم السفـينة، قال له موسى: أخرقتها بعد ما لَـجَجنا فـي البحر {لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً} يقول: لقد جئت شيئاً عظيـماً، وفعلت فعلاً مُنكراً.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً}: أي عجبـاً، إن قوماً لـججوا سفـينتهم فخرقتها، كأحوج ما نكون إلـيها، ولكن علـم من ذلك ما لـم يعلـم نبـيّ الله موسى ذلك من علـم الله الذي آتاه، وقد قال لنبـيّ الله موسى علـيه السلام:

{ فإنِ اتَّبَعْتَنِـي فَلا تَسألْنِـي عَنْ شَيْءٍ حتـى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً }

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً} يقول: نُكراً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إمْراً} قال: منكراً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

والإمر: فـي كلام العرب: الداهية ومنه قول الراجز:

قَدْ لَقِـيَ الأقْرَانُ مِّنِـي نُكْرَادَاهِيَةً دَهْياءَ إدًّا إمْرَا

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول: أصله: كلّ شيء شديد كثـير، ويقول منه: قـيـل للقوم: قد أَمِروا: إذا كثروا واشتدّ أمرهم. قال: والـمصدر منه: الأَمَر، والاسم: الإمْر.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {لِتُغْرِقَ أهْلَها} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين {لِتُغْرِقَ أهْلَها} بـالتاء فـي لتغرق، ونصب الأهل، بـمعنى: لتُغرق أنت أيها الرجل أهل هذه السفـينة بـالـخرق الذي خرقت فـيها. وقرأه عامة قرّاء الكوفة: «لِـيَغْرَقَ» بـالـياء أهلها بـالرفع، علـى أن الأهل هم الذين يغرقون.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان مستفـيضتان فـي قرأة الأمصار، متفقتا الـمعنى وإن اختلفت ألفـاظهما، فبأيّ ذلك قرأ القارىء فمصيب.

وإنـما قلنا: هما متفقتا الـمعنى، لأنه معلوم أن إنكار موسى علـى العالِـم خرق السفـينة إنـما كان لأنه كان عنده أن ذلك سبب لغرق أهلها إذا أحدث مثل ذلك الـحدث فـيها فلا خفـاء علـى أحد معنى ذلك قرىء بـالتاء ونصب الأهل، أو بـالـياء ورفع الأهل.

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ۝٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا ۝٧٣

يقول عزّ ذكره: {قَالَ} العالم لموسى إذ قال له ما قال {أَلمْ أقُل إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} علـى ما ترى من أفعالـي، لأنك ترى ما لـم تُـحِط به خبراً قال له موسى: {لا تُؤَاخِذْنِـي بِـمَا نَسِيتُ}. فـاختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: كان هذا الكلام من موسى علـيه السلام للعالِـم معارضة، لا أنه كان نسي عهده، وما كان تقدّم فـيه حين استصحبه بقوله:

{ فإنِ اتَّبَعْتَنِـي فَلا تَسألْنِـي عَنْ شَيْءٍ حتـى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً }. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن يحيى بن زياد، قال: ثنـي يحيى بن الـمهلب، عن رجل، عن سعيد بن جبـير، عن أبـيّ بن كعب الأنصاريّ فـي قوله: {لا تُؤَاخِذْنِـي بِـمَا نَسِيتُ} قال: لـم ينس، ولكنها من معاريض الكلام.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تؤاخذنـي بتركي عهدك، ووجه أن معنى النسيان: الترك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي مـحمد بن إسحاق، عن الـحسن بن عمارة، عن الـحكم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قالَ {لا تُؤاخِذْنِـي بِـمَا نَسِيتُ}: أي بـما تركت من عهدك.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذِه بِـما نسِي فـيه عهده من سؤاله إياه علـى وجه ما فعل وسببه لا بـما سأله عنه، وهو لعهده ذاكر للصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن ذلك معناه من الـخبر، وذلك ما:

حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، عن أبـيّ بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا تُؤاخِذْنِـي بِـمَا نَسِيتُ} قالَ:

كانَتِ الأُوَلـى مِنْ مُوسَى نِسْياناً

وقوله: {ولا تُرْهِقْنِـي مِنْ أمْرِي عُسْراً} يقول: لا تُغْشِنـي من أمري عسراً، يقول: لا تضيق علـيّ أمري معك، وصحبتـي إياك.

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمًا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةًۢ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا نُّكْرًا ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: {فـانطلقا حتـى إذا لقـيا غلاماً فقتله} العالـم، فـ{قال} له موسى: {أقتلت نفساً زكية}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والبصرة: «أقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً» وقالوا معنى ذلك: الـمطهرة التـي لا ذنب لها، ولـم تذنب قطّ لصغرها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: {نَفْساً زَكِيَّةً} بـمعنى: التائبة الـمغفور لها ذنوبها. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {أقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} والزكية: التائبة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {قالَ أقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} قال: الزكية: التائبة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر أقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً قال: قال الـحسن: تائبة، هكذا فـي حديث الـحسن وشهْر زاكية.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله {نَفْساً زَكيَّةً} قال: تائبة. ذكر من قال: معناها الـمسلـمة التـي لا ذنب لها:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي يعلـى بن مسلـم، أنه سمع سعيد بن جبـير يقول: وجد خضر غلـماناً يـلعبون، فأخذ غلاماً ظريفـاً فأضجعه ثم ذبحه بـالسكين. قال: وأخبرنـي وهب بن سلـيـمان عن شعيب الـجبئي قال: اسم الغلام الذي قتله الـخضر: جيسور «قالَ أقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً» قال: مسلـمة. قال: وقرأها ابن عبـاس: {زَكِيَّةً} كقولك: زكياً.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من أهل الكوفة يقول: معنى الزكية والزاكية واحد، كالقاسية والقسية، ويقول: هي التـي لـم تـجن شيئا، وذلك هو الصواب عندي لأنـي لـم أجد فرقاً بـينهما فـي شيء من كلام العرب.

فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتـين قرأ ذلك القارىء فمصيب، لأنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرأة الأمصار بـمعنى واحد.

وقوله: {بِغَيْرِ نَفْسٍ} يقول: بغير قصاص بنفس قتلت، فلزمها القتل قوداً بها. وقوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} يقول: لقد جئت بشيء منكر، وفعلت فعلاً غير معروف. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل: ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} والنُّكْرُ أشدّ من الإمر.

قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ۝٧٥ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَٰحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا ۝٧٦

يقول تعالـى ذكره: قال العالـم لـموسى {ألَـمْ أقُلْ لكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ مَعِيَ صَبْراً} علـى ما ترى من أفعالـي التـي لـم تُـحط بها خبرا، قال موسى له: {إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها} يقول: بعد هذه الـمرّة {فَلا تُصَاحِبْنِـي} يقول: ففـارقنـي، فلا تكن لـي مصاحبـاً {قَدَ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّـي عُذْراً} يقول: قد بلغت العذر فـي شأنـي.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة: «مِنْ لَدُنِـي عُذْراً» بفتـح اللام وضم الدال وتـخفـيف النون. وقرأه عامة قرّاء الكوفة والبصرة بفتـح اللام وضمّ الدال وتشديد النون. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بإشمام اللام الضم وتسكين الدال وتـخفـيف النون، وكأن الذين شدّدوا النون طلبوا للنون التـي فـي لدن السلامة من الـحركة، إذ كانت فـي الأصل ساكنة، ولو لـم تشدّد لتـحرّكت، فشدّدوها كراهة منهم تـحريكها، كما فعلوا فـي «من، وعن» إذ أضافوهما إلـى مكنـيّ الـمخبر عن نفسه، فشدّدوهما، فقالوا منـي وعنِّـي. وأما الذين خفَّفوها، فإنهم وجدوا مكنـيّ الـمخبر عن نفسه فـي حال الـخفض ياء وحدها لا نون معها، فأجروا ذلك من لدن علـى حسب ما جرى به كلامهم فـي ذلك مع سائر الأشياء غيرها.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أنهما لغتان فصيحتان، قد قرأ بكلّ واحدة منهما علـماء من القرّاء بـالقرآن، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، غير أن أعجب القراءتـين إلـيّ فـي ذلك قراءة من فتـح اللام وضمّ الدال وشدّد النون. لعلتـين: إحداهما أنها أشهر اللغتـين، والأخرى أن مـحمد بن نافع البصري:

حدثنا، قال: ثنا أمية بن خالد، قال: ثنا أبو الـجارية العبدي، عن أبـي إسحاق، عن سعد بن جبـير، عن ابن عبـاس، عن أبـيّ بن كعب، أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قرأ {قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّـي عُذْراً} مثقلة.

حدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن حمزة الزيات، عن أبـي إسحاق، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، عن أبـيّ بن كعب، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم مثله، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال:

اسْتَـحيْا فِـي اللّهِ مُوسَى

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا بدل بن الـمـحبر، قال: ثنا عبـاد بن راشد، قال: ثنا داود، فـي قول الله عزّ وجلّ {إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِـي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنّـي عُذْراً} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اسْتَـحيْا فِـي اللّهِ مُوسَى عِنْدَها

حدثنـي عبد الله بن أبـي زياد، قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن حمزة الزيات، عن أبـي إسحاق، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، عن أبـيّ بن كعب، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم:

رَحْمَةُ اللّهِ عَلَـيْنا وَعلـى مُوسَى، لَوْ لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لأَبْصَرَ العَجَبَ وَلَكِنَّهُ قالَ: إنْ سألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصَاحِبْنِـي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّـي عُذْراًمُثَقلة.

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره: فـانطلق موسى والعالـم {حَتَّـى إذَا أتَـيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعمَا أهْلَها} من الطعام فلـم يطعموهما واستضافـاهم {فَأبَوْا أن يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدَا فِـيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ} يقول: وجدا فـي القرية حائطا يريد أن يسقط ويقع يقال منه: انقضّت الدار: إذا انهدمت وسقطت ومنه انقضاض الكوكب، وذلك سقوطه وزواله عن مكانه ومنه قول ذي الرُّمة:

فـانْقَضَّ كالكَوْكَبِ الدُّرّي مُنْصَلِتا

وقد رُوي عن يحيى بن يعمر أنه قرأ ذلك: «يُرِيدُ أنْ يَنْقاضَّ».

وقد اختلف أهل العلـم بكلام العرب إذا قرىء ذلك كذلك فـي معناه، فقال بعض أهل البصرة منهم: مـجاز ينقاضّ: أي ينقلع من أصله، ويتصدّع، بـمنزلة قولهم: قد انقاضت السنّ: أي انصدعت، وتصدّعت من أصلها، يقال: فراق كقبض السنّ: أي لا يجتـمع أهله. وقال بعض أهل الكوفة منهم: الانقـياض: الشقّ فـي طول الـحائط فـي طيّ البئر وفـي سنّ الرجل، يقال: قد انقاضت سنة: إذا انشقَّت طولاً. وقـيـل: إن القرية التـي استطعم أهلها موسى وصاحبه، فأبوا أن يضيفوهما: الآيـلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحسين بن مـحمد الذارع، قال: ثنا عمران بن الـمعتـمر صاحب الكرابـيسي، قال: ثنا حماد أبو صالـح، عن مـحمد بن سيرين، قال: انتابوا الأيـلة، فإنه قلّ من يأتـيها فـيرجع منها خائبـا، وهي الأرض التـي أبوا أن يضيفوهما، وهي أبعد أرض الله من السماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فـانْطَلَقا حتـى إذَا أتـيَا أهْلَ قَرْيَةٍ}، وتلا إلـى قوله {لاتَّـخَذْتَ عَلَـيْهِ أجْراً} شرّ القرى التـي لا تُضِيف الضيف، ولا تعرف لابن السبـيـل حقه.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي معنى قول الله عزّ وجلّ {يَرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ} فقال بعض أهل البصرة: لـيس للـحائط إرادة ولا للـمَوَات، ولكنه إذا كان فـي هذه الـحال من رثة فهو إرادته. وهذا كقول العرب فـي غيره:

يُرِيدُ الرُّمْـحُ صَدْرَ أبـي بَرَاءٍوَيَرْغَبُ عَنْ دِماء بَنِـي عُقَـيْـلِ

وقال آخر منهم: إنـما كلـم القوم بـما يعقلون، قال: وذلك لـما دنا من الانقضاض، جاز أن يقول: يريد أن ينقضّ، قال: ومثله { تَكادُ السَّمَواتُ يَتَفَطَّرْن }وقولهم: إنـي لأكاد أطير من الفرح، وأنت لـم تقرب من ذلك، ولـم تهمّ به، ولكن لعظيـم الأمر عندك. وقال بعض الكوفـيـين منهم: من كلام العرب أن يقولوا: الـجدار يريد أن يسقط قال: ومثله من قول العرب قول الشاعر:

إنّ دهْراً يَـلُفُّ شَمِلـي بِجُمْلٍلَزَمانٌ يَهُمُّ بـالإِحْسانِ

وقول الآخر:

يَشْكُو إلـيَّ جَمَلِـي طُولَ السُّرَىصَبْراً جَمِيلاً فَكِلانا مُبْتَلَـى

قال: والـجمل لـم يشك، إنـما تكلَّـم به علـى أنه لو تكلـم لقال ذلك قال: وكذلك قول عنترة:

وَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنا بِلَبـانِهِوشَكا إلـيَّ بعَبْرَةٍ وتَـحَمْـحُمِ

قال: ومنه قول الله عزّ وجلّ: { ولَـمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ } والغضب لا يسكت، وإنـما يسكت صاحبه. وإنـما معناه: سكن. وقوله: { فَإذَا عَزَمَ الأَمْرُ }إنـما يعزم أهله. وقال آخر منهم: هذا من أفصح كلام العرب، وقال: إما إرادة الـجدار: ميـله، كما قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم «لا تَرَاءى نارَاهُما» وإنـما هو أن تكون ناران كلّ واحدة من صاحبتها بـموضع لو قام فـيه إنسان رأى الأخرى فـي القُرب قال: وهو كقول الله عزّ وجلّ فـي الأصنام: { وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إلَـيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } قال: والعرب تقول: داري تنظر إلـى دار فلان، تعنـي: قرب ما بـينهما واستشهد بقول ذي الرُّمَّة فـي وصفه حوضاً أو منزلاً دارساً:

قَدْ كادَ أوْ قَدْ هَمَّ بـالبُـيُودِ

قال: فجعله يهمّ، وإنـما معناه: أنه قد تغير للبلـى. والذي نقول به فـي ذلك أن الله عزّ ذكره بلطفه، جعل الكلام بـين خـلقه رحمة منه بهم، لـيبـين بعضهم لبعض عما فـي ضمائرهم. مـما لا تـحسُّه أبصارهم، وقد عقلت العرب معنى القائل:

فِـي مَهْمَةٍ قَلِقَتْ بِهِ هاماتُهاقَلَقَ الفُؤُوسِ إذَا أرَدْنَ نُصُولا

وفهمت أن الفؤوس لا توصف به بما يوصف بنو آدم من ضمائر الصدور مع وصفها إياها بأنها تريد. وعلـمت ما يريد القائل بقوله:

كمِثْلِ هَيْـلِ النَّقا طافَ الـمُشاةُ بِهِيَنْهالُ حِيناً ويَنْهاهُ الثَّرَى حِينا

وإنـما لـم يرد أن الثرى نطق، ولكنه أراد به أنه تلبَّد بـالندى، فمنعه من الانهيال، فكان منعه إياه من ذلك كالنهي من ذوي الـمنطق فلا ينهال. وكذلك قوله: {جِدَاراً يُرِيدُ أنْ يَنْقُضَّ} قد علـمت أن معناه: قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنـما خاطب جلّ ثناؤه بـالقرآن من أنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضلّ فـيه ذوو الـجهالة والغبـا.

وقوله: {فَأقامَهُ} ذكر عن ابن عبـاس أنه قال: هدمه ثم قعد يبنـيه.

حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، عن الـحسن بن عُمارة، عن الـحكم بن عتـيبة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس. وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبـير {فوجدا فـيها جِدَاراً يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ} قال: رفع الـجدار بـيده فـاستقام.

والصواب من القول فـي ذلك أن يُقال: إن الله عزّ ذكره أخبر أن صاحب موسى وموسى وجدا جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه صاحب موسى، بـمعنى: عَدَل مَيَـله حتـى عاد مستوياً. وجائز أن يكون كان ذلك بإصلاح بعد هدم. وجائز أن يكون كان برفع منه له بـيده، فـاستوى بقدرة الله، وزال عنه مَيْـلُه بلطفه، ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر للعذر قاطع بأيّ ذلك كان من أيّ.

وقوله: {قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّـخَذْتَ عَلَـيْهِ أجْراً} يقول: قال موسى لصاحبه: لو شئت لـم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتـى يعطوك علـى إقامتك أجراً، فقال بعضهم: إنـما عَنَى موسى بـالأجر الذي قال له {لَوْ شِئْتَ لاتَّـخَذْتَ عَلَـيْهِ أجْراً} القِرى: أي حتـى يَقْرُونا، فإنهم قد أبوا أن يضِّيفونا.

وقال آخرون: بل عنى بذلك العِوَض والـجزاء علـى إقامته الـحائط الـمائل.

واختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل الـمدينة والكوفة {لَوْ شِئْتَ لاتَّـخَذْتَ عَلَـيْهِ أجْراً} علـى التوجيه منهم له إلـى أنه لافتعلت من الأخذ. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة «لَوْ شَئِتَ لَتَـخِذْتَ» بتـخفـيف التاء وكسر الـخاء، وأصله: لافتعلت، غير أنهم جعلوا التاء كأنها من أصل الكلـمة، ولأن الكلام عندهم فـي فعل ويفعل من ذلك: تـخِذ فلان كذا يَتْـخَذُهُ تَـخْذا، وهي لغة فـيـما ذكر لهُذَيـل. وقال بعض الشعراء:

وَقَدْ تَـخِذَتْ رِجْلِـي لَدَى جَنْبِ غَرْزِهانَسِيفـاً كأُفُحُوصِ القَطاةِ الـمُطَرِّقِ

والصواب من القول فـي ذلك عندي: أنهما لغتان معروفتان من لغات العرب بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب، غير أنـي أختار قراءته بتشديد التاء علـى لافتعلت، لأنها أفصح اللغتـين وأشهرهما، وأكثرهما علـى ألسن العرب.

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ۝٧٨

يقول تعالى ذكره صاحب موسى لموسى هذا الذي قلته وهو قوله

{ لو شئت ٱتخذت عليه أجراً }{فراق بيني وبينك}. يقول: فرقة ما بيني وبينك: أي مفرق بيني وبينك. {سأُنَبِّئُك} يقول: سأخبرك {بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً} يقول بما يؤل إليه عاقبة أفعالي التي فعلتها فلم تستطع على ترك المسألة عنها وعن النكيرعلى فيها صبراً والله أعلم.

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ۝٧٩

يقول: أما فِعْلـي ما فعلت بـالسفـينة، فلأنها كانت لقوم مساكين {يَعْمَلُونَ فِـي البَحْرِ فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها} بـالـخَرق الذي خرقتها، كما:

حدثنـي مـحمد ابن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها} قال: أخرقها.

حدثنا الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد مثله.

وقوله: {وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِـينَةٍ غَصْبـاً} وكان أمامهم وقُدّامهم ملك. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} قال قتادة: أمامهم، ألا ترى أنه يقول:

{ مِنْ وَرَائِهمْ جَهَنَـمُ } وهي بـين أيديهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان فـي القرآن: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفـينة صحيحة غصبـاً. وقد ذُكر عن ابن عيـينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس أنه قرأ ذلك: وكان أمامهم ملك.

قال أبو جعفر: وقد جعل بعض أهل الـمعرفة بكلام العرب «وراء» من حروف الأضداد، وزعم أنه يكون لـما هو أمامه ولـما خـلفه، واستشهد لصحة ذلك بقول الشاعر:

أيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعي وطاعَتِـيوَقَوْمي تَـمِيـمٌ والفَلاةُ وَرَائيَا

بمعنى أمامي، وقد أغفل وجه الصواب فـي ذلك. وإنـما قـيـل لـما بـين يديه: هو ورائي، لأنك من ورائه، فأنت ملاقـيه كما هو ملاقـيك، فصار: إذ كان ملاقـيك، كأنه من ورائك وأنت أمامه. وكان بعض أهل العربـية من أهل الكوفة لا يجيز أن يقال لرجل بـين يديك: هو ورائي، ولا إذا كان وراءك أن يقال: هو أمامي، ويقول: إنـما يجوز ذلك فـي الـمواقـيت من الأيام والأزمنة كقول القائل: وراءك برد شديد، وبـين يديك حرّ شديد، لأنك أنت وراءه، فجاز لأنه شيء يأتـي، فكأنه إذا لـحقك صار من ورائك، وكأنك إذا بلغته صار بـين يديك. قال: فلذلك جاز الوجهان.

وقوله: {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِـينَةٍ غَصْبـاً} فـيقول القائل: فما أغنى خَرْق هذا العالـم السفـينة التـي ركبها عن أهلها، إذ كان من أجل خرقها يأخذ السفن كلها، مَعِيبها وغير معيبها، وما كان وجه اعتلاله فـي خرقها بأنه خرقها، لأن وراءهم ملك يأخذ كلّ سفـينة غصبـاً؟ قـيـل: إن معنى ذلك، أنه يأخذ كل سفـينة صحيحة غصبـاً، ويدع منها كلّ معيبة، لا أنه كان يأخذ صحاحها وغير صحاحها. فإن قال: وما الدلـيـل علـى أن ذلك كذلك؟ قـيـل: قوله: {فأَرَدْتُ أنْ أعِيبَها} فأبـان بذلك أنه إنـما عابها، لأن الـمعيبة منها لا يعرض لها، فـاكتفـى بذلك من أن يقال: وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفـينة صحيحة غصبـاً علـى أن ذلك فـي بعض القراءات كذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: هي فـي حرف ابن مسعود: «وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفـينة صالـحة غصبـاً».

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: ثنـي الـحسن بن دينار، عن الـحكم بن عيـينة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: فـي قراءة أُبـي: «وكان وراءهم ملك يأخذ كلّ سفـينة صالـحة غصبـاً». وإنـما عبتها لأردّه عنها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {وكانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِـينَةٍ غَصْبـاً} فإذا خـلفوه أصلـحوها بزفت فـاستـمتعوا بها. قال ابن جريج: أخبرنـي وهب بن سلـيـمان، عن شعيب الـجَبَـائِي، أن اسم الرجل الذي يأخذ كلّ سفـينة غصبـاً: هُدَدُ بنُ بُدد.

وَأَمَّا ٱلْغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَٰنًا وَكُفْرًا ۝٨٠ فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوٰةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ۝٨١

يقول تعالـى ذكره: وأما الغلام، فإنه كان كافراً، وكان أبواه مؤمنـين، فعلـمنا أنه يرهقهما. يقول: يغشيهما طغياناً، وهو الاستكبـار علـى الله، وكفراً به. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. وقد ذُكر ذلك فـي بعض الـحروف. وأما الغلام فكان كافراً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: «وأمَّا الغُلامُ فَكانَ كافِراً» فـي حرف أُبـيّ، وكان أبواه مؤمنـين {فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَأمَّا الغُلامُ فَكانَ أبَوَاه مُوْمِنَـيْنِ} وكان كافراً بعض القراءة. وقوله: {فَخَشِينا} وهي فـي مصحف عبد الله: «فخَافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وكُفْراً».

حدثنا عمرو بن علـيّ، قال: ثنا أبو قتـيبة، قال: ثنا عبد الـجبـار بن عبـاس الهمْدانـي، عنا بن إسحاق، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، عن أبـيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الغُلامُ الَّذِي قَتَلَهُ الـخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِراً

والـخشية والـخوف توجههما العرب إلـى معنى الظنّ، وتوجه هذه الـحروف إلـى معنى العلـم بـالشيء الذي يُدرك من غير جهة الـحسّ والعيان. وقد بـيَّنا ذلك بشواهده فـي غير هذا الـموضع، بـما أغنى عن إعادته.

وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: معنى قوله {خَشِينا} فـي هذا الـموضع: كرهنا، لأنّ الله لا يخشَى. وقال فـي بعض القراءات: فخاف ربكُ، قال: وهو مثل خفت الرجلـين أن يعولا، وهو لا يخاف من ذلك أكثر من أنه يكرهه لهما.

وقوله: {فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا}: اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه جماعة من قرّاء الـمكيـين والـمدنـيـين والبصريـين: «فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا». وكان بعضهم يعتلّ لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشدّدا فـي عامَّة القرآن، كقول الله عزّ وجلّ:{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَـمُوا}، وقوله: {وَإذَا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ إيَةٍ}، فألـحق قوله: {فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا بِه}. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة: {فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا} بتـخفـيف الدال. وكان بعض من قرأ ذلك كذلك من أهل العربـية يقول: أبدل يُبْدِل بـالتـخفـيف وبَدَّل يُبدِّل بـالتشديد: بـمعنى واحد.

والصواب من القول فـي ذلك عندي: أنهما قراءتان متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكلّ واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وقـيـل: إن الله عزّ وجلّ أبدل أبَوَي الغلام الذي قتله صاحب موسى منه بجارية. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا الـمبـارك بن سعيد، قال: ثنا عمرو بن قـيس فـي قوله: {فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} قال: بلغنـي أنها جارية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرنـي سلـيـمان بن أميَّة أنه سمع يعقوب بن عاصم يقول: أُبْدِلاَ مكان الغلام جارية.

قال ابن جريج: وأخبرنـي عبد الله بن عثمان بن خُثَـيـم، أنه سمع سعيد بن جبـير يقول: أبدلا مكان الغلام جارية.

وقال آخرون: أبدلهما ربهما بغلام مسلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج {فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً} قال: كانت أمه حُبلـى يومئذ بغلام مسلـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، أنه ذكر الغلام الذي قتله الـخضر، فقال: قد فرح به أبواه حين ولد وحزناً علـيه حين قتل، ولو بقـي كان فـيه هلاكهما، فلـيرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للـمؤمن فـيـماط يكره خير له من قضائه فـيـما يحبّ.

وقوله: {خَيْراً مِنْهُ زَكاةً} يقول: خيراً من الغلام الذي قتله صلاحاً وديناً، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً} قال: الإسلام.

وقوله: {وأقْرَبَ رُحْماً} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأقرب رحمة بوالديه وأبرّ بهما من الـمقتول. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة {وأقْرَبَ رُحْماً}: أبرّ بوالديه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة {وأقْرَبَ رُحْماً} أي أقرب خيراً.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقرب أن يرحمه أبواه منهما للـمقتول. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج {وأقْرَبَ رُحْماً} أرحم به منهما بـالذي قتل الـخضر.

وكان بعض أهل العربـية يتأوّل ذلك: وأقرب أن يرحماه والرُّحْم: مصدر رحمت، يقال: رَحِمته رَحْمة ورُحما. وكان بعض البصريـين يقول: من الرَّحِم والقرابة. وقد يقال: رُحْم ورُحُم مثل عُسْر وعُسُر، وهُلْك وهُلُك، واستشهد لقوله ذلك ببـيت العجاج:

ولَـمْ تُعَوَّجْ رُحْمُ مَنْ تَعَوَّجا

ولا وجه للرَّحيـم فـي هذا الـموضع. لأن الـمقتول كان الذي أبدل الله منه والديه ولداً لأبوي الـمقتول، فقرابتهما من والديه، وقربهما منه فـي الرَّحيـم سواء. وإنـما معنى ذلك: وأقرب من الـمقتول أن يرحم والديه فـيبرهما كما قال قتادة. وقد يتوجه الكلام إلـى أن يكون معناه. وأقرب أن يرحماه، غير أنه لا قائل من أهل تأويـل تأوّله كذلك. فإذ لـم يكن فـيه قائل، فـالصواب فـيه ما قلنا لـما بـيَّ

وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُۥ عَنْ أَمْرِى ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ۝٨٢

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قول صاحب موسى: وأما الـحائط الذي أقمته، فإنه كان لغلامين يتـيـمين فـي الـمدينة، وكان تـحته كنزلهما.

اختلف أهل التأويـل فـي ذلك الكنز، فقال بعضهم: كان صُحُفـاً فـيها علِـم مدفونة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: كان تـحته كنْزُ علـم.

حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا حصين، عن سعيد بن جبـير: {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: كان كنز علـم.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: علـم.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبـي حصين، عن سعيد بن جبـير {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: علم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: صحف لغلامين فـيها علـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: صحف علـم.

حدثنـي أحمد بن حازم الغفـاريّ، قال: ثنا هنادة ابنة مالك الشيبـانـية، قالت: سمعت صاحبـي حماد بن الولـيد الثقـفـي يقول: سمعت جعفر بن مـحمد يقول فـي قول الله عزّ وجلّ: {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: سطران ونصف، لـم يتـمّ الثالث: «عجبت للـموقن بـالرزق كيف يتعب، وعجبت للـموقن بـالـحساب كيف يغفل، وعجبت للـموقن بـالـموت كيف يفرح» وقد قال:

{ وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلِ أتـيْنا بِها وَكَفـى بِنا حاسِبِـينَ }قالت: وذكر أنهما حُفِظا بصلاح أبـيهما، ولـم يذكر منهما صلاح، وكان بـينهما وبـين الأب الذي حُفظا به سبعة آبـاء، كان نساجاً.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا الـحسن ابن حبيب بن ندبة، قال: ثنا سلـمة بن مـحمد، عن نعيـم العنبريّ، وكان من جُلساء الـحسن، قال: سمعت الـحسن يقول فـي قوله: {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: لوح من ذهب مكتوب فـيه: «بسم الله الرحمٰن الرحيـم: عجبت لـمن يؤمن كيف يحزن وعجبت لـمن يوقن بـالـموت كيف يفرح وعجبت لـمن يعرف الدنـيا وتقلبها بأهلها، كيف يطمئنّ إلـيها لا إله إلا الله، مـحمد رسول الله».

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، عن الـحسن بن عمارة، عن الـحكم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس أنه كان يقول: ما كان الكنز إلا علْـماً.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن حميد، عن مـجاهد، فـي قوله {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: صُحُف من علـم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وعب، قال: أخبرنـي عبد الله بن عياش، عن عمر مولـى غُفْرة، قال: إن الكنز الذي قال الله فـي السورة التـي يذكر فـيها الكهف {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: كان لوحا من ذهب مصمت، مكتوبـا فـيه: بسم الله الرحمٰن الرحيـم. عَجَبٌ مـمن عرف الـموت ثم ضحك، عَجَبٌ مـمن أيقن بـالقدر ثم نَصِب، عَجَبٌ مـمن أيقن بـالـموت ثم أمن، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مـحمداً عبده ورسوله.

وقال آخرون: بل كان مالاً مكنوزاً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: كنز مال.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي حصين، عن عكرمة، مثله.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: أخبرنـي أبو حُصَين، عن عكرمة، مثله، قال شعبة: ولـم نسمعه منه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة {وكانَ تَـحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما} قال: مال لهما، قال قتادة: أُحِلَّ الكنز لـمن كان قبلنا، وحُرّم علـينا، فإن الله يُحلّ من أمره ما يشاء، ويحرّم، وهي السنن والفرائض، ويحلّ لأمة، ويحرّم علـى أخرى، لكنّ الله لا يقبل من أحد مضى إلا الإخلاص والتوحيد له.

وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب: القول الذي قاله عِكْرمة، لأن الـمعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لـما يكنز من من مال، وأن كلّ ما كنز فقد وقع علـيه اسم كنز، فإن التأويـل مصروف إلـى الأغلب من استعمال الـمخاطبـين بـالتنزيـل، ما لـم يأت دلـيـل يجب من أجله صرفه إلـى غير ذلك، لعلل قد بـيَّناها فـي غير موضع.

وقوله: {وكان أبُوهُما صَالِـحاً فأرَادَ رَبّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما} يقول: فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدّتهما، ويستـخرجا حينئذ كنزهما الـمكنوز تـحت الـجدار الذي أقمته، رحمة من ربك بهما، يقول: فعلت فعل هذا بـالـجدار، رحمة من ربك للـيتـيـمين. وكان ابن عبـاس يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عبد الـملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبـير، قال: قال ابن عبـاس، فـي قوله {وَكانَ أبُوهُما صالِـحاً} قال: حُفِظا بصلاح أبـيهما، وما ذكر منهما صلاح.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا سفـيان، عن مسعر، عن عبد الـملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، بمثله.

وقوله: {وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي} يقول: وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتنـي فعلته عن رأيـي، ومن تلقاء نفسي، وإنـما فعلته عن أمر الله إياي به، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي}: كان عبدا مأمورا، فمضى لأمر الله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي} ما رأيت أجمع ما فعلته عن نفسي.

وقوله: {ذَلِكَ تَأْوِيـلُ ما لَـمْ تَسْطِعْ عَلَـيْهِ صَبْراً} يقول: هذا الذي ذكرت لك من الأسبـاب التـي من أجلها فعلت الأفعال التـي استنكرتها منـي، تأويـل. يقول: ما تؤول إلـيه وترجع الأفعال التـي لـم تسطع علـى ترك مسألتك إياي عنها، وإنكارك لها صبراً.

وهذه القصص التـي أخبر الله عزّ وجلّ نبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم بها عن موسى وصاحبه، تأديب منه له، وتقدمٌ إلـيه بترك الاستعجال بعقوبة الـمشركين الذين كذّبوه واستهزؤوا به وبكتابه، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فـيـما ترى الأعين بـما قد يجري مثله أحيانا لأولـيائه، فإن تأويـله صائر بهم إلـى أحوال أعدائه فـيها، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة فـي الظاهر عند موسى، إذ لـم يكن عالـما بعواقبها، وهي ماضية علـى الصحة فـي الـحقـيقة وآئلة إلـى الصواب فـي العاقبة، ينبىء عن صحة ذلك قوله:

{ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُوءَاخِذُهُمْ بِـمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ العَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا }. ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه، يعلـم نبـيه أن تركه جلّ جلاله تعجيـل العذاب لهؤلاء الـمشركين، بغير نظر منه لهم، وإن كان ذلك فـيـما يَحْسِب من لا علـم له بـما اللهمدبر فـيهم، نظراً منه لهم، لأن تأويـل ذلك صائر إلـى هلاكهم وبوارهم بـالسيف فـي الدنـيا واستـحقاقهم من الله فـي الآخرة الـخَزْيَ الدائم.

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ۝٨٣ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا ۝٨٤ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ۝٨٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ويسألك يا مـحمد هؤلاء الـمشركون عن ذي القرنـين ما كان شأنه، وما كانت قصته، فقل لهم: سأتلو علـيكم من خبره ذكراً يقول: سأقصّ علـيكم منه خبراً. وقد قـيـل: إن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر ذي القرنـين، كانوا قوما من أهل الكتاب. فأما الـخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل. وأما الـخبر بأن الذين سألوه، كانوا قوماً من أهل الكتاب.

فحدثنا به أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حبـاب عن ابن لهيعة، قال: ثنـي عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من نـجيب، قال: أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلـى عقبة بن عامر نتـحدّث، قالا: فأتـياه فقالا: جئنا لتـحدثنا، فقال: كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده، فلقـينـي قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـاستأذن لنا علـيه، فدخـلت علـيه، فأخبرته، فقال:

مالـي ومالهم، مالـي علـم إلا ما علـمنـي الله، ثم قال:اسكب لـي ماء، فتوضأ ثم صلـى، قال: فما فرغ حتـى عرفت السرور فـي وجهه، ثم قال:أدخـلهم علـيّ، ومن رأيت من أصحابـي فدخـلوا فقاموا بـين يديه، فقال:إن شئتـم سألتـم فأخبرتكم عما تـجدونه فـي كتابكم مكتوبـاً، وإن شئتـم أخبرتكم، قالوا: بلـى أخبرنا، قال:جئتـم تسألونـي عن ذي القرنـين، وما تـجدونه فـي كتابكم: كان شاباً من الروم، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية فلـما فرغ جاءه ملك فعلا به فـي السماء، فقال له ما ترى؟ فقال: أرى مدينتـي ومدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتـي، ثم علا به فقال: ما ترى؟ قال: أرى الأرض، قال: فهذا ألـيـم مـحيط بـالدنـيا، إن الله بعثنـي إلـيك تعلـم الـجاهل، وتثبت العالـم، فأتـى به السدّ، وهو جبلان لـينان يَزْلَق عنهما كل شيء، ثم مضى به حتـى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلـى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتـى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتـى قطع به هؤلاء إلـى أمة أخرى قد سماهم

واختلف أهل العلـم فـي الـمعنى الذي من أجله قـيـل لذي القرنـين: ذو القرنـين، فقال بعضهم: قـيـل له ذلك من أجل أنه ضُرِب علـى قَرنه فهلك، ثم أُحْيِـي فضُرب علـى القرن الآخر فهلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبـيد الـمُكْتِب، عن أبـي الطُّفَـيـل، قال: سأل ابن الكوّاء علـياً عن ذي القرنـين، فقال: هو عبد أحبّ الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فأمرهم بتقوى الله فضربوه علـى قَرْنه فقتلوه، ثم بعثه الله، فضربوه علـى قرنه فمات.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن أبـي الطفـيـل، قال: سئل علـيّ رضوان الله علـيه عن ذي القرنـين، فقال: كان عبداً ناصح الله فناصحه، فدعا قومه إلـى الله، فضربوه علـى قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلـى الله، فضربوه علـى قرنه فمات، فسمي ذا القرنـين.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبـي بَزَّة، عن أبـي الطفـيـل، قال: سمعت علـيا وسألوه عن ذي القرنـين أنبـياً كان؟ قال: كان عبداً صالـحاً، أحبّ الله فأحبه، وناصَحَ الله فنصحه، فبعثه الله إلـى قومه، فضربوه ضربتـين فـي رأسه، فسمي ذا القرنـين، وفـيكم الـيوم مثله.

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنـي به مـحمد بن سهل البخاريّ، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل، قال: قال وهب بن منبه: كان ذو القرنـين مَلِكاً، فقـيـل له: فلـم سُمّي ذا القرنـين؟ قال: اختلف فـيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: مَلَك الروم وفـارس. وقال بعضهم: كان فـي رأسه شبه القرنـين.

وقال آخرون: إنـما سمي ذلك لأن صفحتـي رأسه كانتا من نـحاس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثنـي من لا أتهم عن وهب بن منبه الـيـمانـي، قال: إنـما سمي ذا القرنـين أن صفحتـي رأسه كانتا من نـحاس.

وقوله:

{ إنَّا مَكَّنا لَهُ الأرْضِ وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً }يقول: إنا وطأنا له فـي الأرض، { وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً }يقول: وآتـيناه من كلّ شيء: يعنـي ما يتسبب إلـيه وهو العلـم به.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:

{ وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً } يقول: علـما.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

{ وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً }: أي علـما.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله:

{ وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً }قال: من كلّ شيء علـما.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله:

{ وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً }قال: علـم كلّ شيء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس

{ وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً }علـماً.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله:

{ وآتَـيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سبَبـاً } يقول: علـماً.

وقوله:

{ فَأَتْبَعَ سبَبـاً }اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة: «فـاتَّبع» بوصل الألف، وتشديد التاء، بـمعنى: سلك وسار، من قول القائل: اتَّبعتُ أثر فلان: إذا قـفوته وسرت وراءه. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة { فَأَتْبَعَ } بهمز، وتـخفـيف التاء، بـمعنى لـحق.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب: قراءة من قرأ: «فـاتَّبَعَ» بوصل الألف، وتشديد التاء، لأن ذلك خبر من الله تعالـى ذكره عن مسير ذي القرنـين فـي الأرض التـي مكن له فـيها، لا عن لـحاقه السبب، وبذلك جاء تأويـل أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس «فـاتَّبَعَ سَبَبـاً» يعنـي بـالسبب: الـمنزل.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله:

{ سَبَبـاً } قال: منزلاً وطريقاً ما بـين الـمشرق والـمغرب.

حدثنـا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن عُمارة الأسديّ، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد «فـاتَّبَعَ سَبَبـا» قال: طريقاً فـي الأرض.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة «فـاتَّبَعَ سَبَبـا»: اتبع منازل الأرض ومعالـمها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله «فـاتَّبَعَ سَبَبـاً» قال: هذه الآن سبب الطرق كما قال فرعون

{ يا هامانُ ابْنِ لـي صَرْحاً لَعَلِّـي أبْلُغُ الأسْبَـابَ أسْبـابَ السَّمَوَاتِ }قال: طُرق السموات.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: «فـاتَّبَعَ سَبَبـاً» قال: منازل الأرض.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: «فـاتَّبَعَ سَبَبـاً» قال: الـمنازل.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ