انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الكهف

تفسير الطبريالآيات 30–50

تفسير سورة الكهف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الكهف

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:10:26

  1. 1 الآيات 17–31في هذه الصفحة 15:55
  2. 2 الآيات 32–50في هذه الصفحة 12:20

التفسير الصوتي لسورة الكهف كاملًا (6 مقاطع)

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ۝٣٠

يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعة الله، وانتهوا إلـى أمره ونهيه، إنا لا نضيع ثواب من أحسن عملاً، فأطاع الله، واتبع أمره ونهيه، بل نـجازيه بطاعته وعمله الـحسن جنات عدن تـجري من تـحتها الأنهار.

فإن قال قائل: وأين خَبَر «إنّ» الأولـى؟ قـيـل: جائز أن يكون خبرها قوله: {إنَّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَنْ أحْسَنَ عَمَلاً} فـيكون معنى الكلام: إنا لا نضيع أجر من عمل صالـحاً، فترك الكلام الأوّل، واعتـمد علـى الثانـي بنـية التكرير، كما قـيـل:

{ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الـحَرَامِ قِتالٍ فِـيهِ }بـمعنى: عن قتال فـيه علـى التكرير، وكما قال الشاعر:

إنَّ الـخَـلِـيفَةَ إنَّ اللّهَ سَرْبَلَهُسِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الـخَواتِـيـمُ

ويروى: تُرْخَى وجائز أن يكون: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} جزاءً، فـيكون معنى الكلام: إن من عمل صالـحاً فإنا لا نضيع أجره، فتضمر الفـاء فـي قوله «إنَّا» وجائز أن يكون خبرها: أولئك لهم جنات عدن، فـيكون معنى الكلام: إن الذين آمنوا وعملوا الصالـحات، أولئك لهم جنات عدن.

أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ جَنَّٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ۝٣١

يقول تعالـى ذكره: لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالـحات جناتُ عدن، يعنـي بساتـين إقامة فـي الآخرة. {تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِهِمُ الأنهَارُ} يقول: تـجري من دونهم ومن أيديهم الأنهار. وقال جلّ ثناؤه: {من تـحتهم}، ومعناه: من دونهم وبـين أيديهم، {يُحَلَّوْنَ فِـيها مِنْ أساوِرَ} يقول: يـلبسون فـيها من الـحلـيّ أساور من ذهب، والأساور: جمع إسوار.

وقوله: {يَـلْبَسُونَ ثِـيابـاً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ} والسندس: جمع واحدها سندسة، وهي ما رقّ من الديبـاج: والاستبرق: ما غلظ منه وَثـخُن وقـيـل: إن الاستبرق: هو الـحرير ومنه قول الـمرَقِّش:

تَرَاهُنَّ يَـلْبَسْنَ الـمَشاعِرَ مَرَّةًواسْتَبْرَقَ الدّيبـاجِ طَوْراً لِبـاسُها

يعني: وغليظ الديبـاج.

وقوله: {مُتَّكِيئنَ فِـيها علـى الأرَائِكِ} يقول: متكئين فـي جنات عدن علـى الأرائك، وهي السُّرُر فـي الـحِجال، واحدتها: أريكة ومنه قول الشاعر:

خُدُودا جَفَتْ فـي السَّيْرِ حتـى كأنَّـمايُبـاشِرْنَ بـالـمَعْزاءِ مَسَّ الأرَائِك

ومنه قول الأعشى:

بـينَ الرّوَاقِ وجانِبٍ مِنْ سِتْرِهامِنْها وبـينَ أرِيكَةٍ الأنْضادِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {عَلَـى الأرَائِكِ} قال: هي الـحجال. قال معمر، وقال غيره: السرر فـي الـحجال.

وقوله: {نِعْمَ الثَّوَابُ} يقول: نعم الثواب جنات عدن، وما وصف جلّ ثناؤه أنه جعل لهؤلاء الذين آمنوا وعلـموا الصالـحات {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} يقول: وحسُنت هذه الأرائك فـي هذه الـجنان التـي وصف تعالـى ذكره فـي هذه الآية متكأ. وقال جلّ ثناؤه: {وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً} فأنث الفعل بـمعنى: وحسنت هذه الأرائك مرتَفَقاً، ولو ذكر لتذكير الـمرتفق كان صوابـاً، لأن نِعْم وبِئْس إنـما تدخـلهما العرب فـي الكلام لتدلا علـى الـمدح والذمّ لا للفعل، فلذلك تذكرهما مع الـمؤنث، وتوحَّدهما مع الاثنـين والـجماعة.

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَٰبٍ وَحَفَفْنَٰهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ۝٣٢ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًٔا وَفَجَّرْنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرًا ۝٣٣ وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واضرب يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين بـالله، الذين سألوك أن تطرُد الذين يدعون ربهم بـالغداة والعشيّ يريدون وجهه، {مَثلاً} مثل {رَجُلَـينِ جَعَلْنا لأَحَدهِما جَنَّتَـيْنِ} أي جعلنا له بساتـين من كروم {وحَفَفْناهُمَا بنَـخْـلٍ} يقول: وأطفنا هذين البساتـين بنـخـل. وقوله: {وَجَعَلْنا بَـيْنَهُما زَرْعاً} يقول: وجعلنا وسط هذين البساتـين زرعاً. وقوله: {كِلْتا الـجَنَّتَـيْنِ آتَتْ أُكُلَها} يقول: كلا البستانـين أطعم ثمره وما فـيه من الغروس من النـخـل والكرم وصنوف الزرع. وقال: كلتا الـجنتـين، ثم قال: آتت، فوحَّد الـخبر، لأن كلتا لا يفرد واحدتها، وأصله كلّ، وقد تفرد العرب كلتا أحيانا، ويذهبون بها وهي مفردة إلـى التثنـية قال بعض الرُّجاز فـي ذلك:

فِـي كِلْتَ رِجْلَـيْها سُلاَمي وَاحدَهكِلْتاهُما مَقْرُونَةٌ بِزَائِدَهْ

يريد بكلت: كلتا، وكذلك تفعل بكلتا وكلا وكل إذا أضيفت إلـى معرفة، وجاء الفعل بعدهن ويجمع ويوحد. وقوله:{ولَـمْ تَظْلِـمْ مِنْهُ شَيْئاً} يقول: ولـم تنقص من الأكل شيئاً، بل آتت ذلك تاما كاملاً، ومنه قولهم: ظلـم فلان فلانا حقَّه: إذا بخَسَهُ ونقصه، كما قال الشاعر:

تَظَّلَـمَنِـي ما لـي كَذَا وَلَوى يَدِيلَوَى يَدَهُ اللّهُ الَّذِي هُوَ غالِبُهْ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ولَـمْ تَظْلِـمْ مِنْهُ شَيْئاً}: أي لـم تنقص منه شيئا.

وقوله: {وَفَجَّرْنا خِلاَلهُما نَهَراً} يقول تعالـى ذكره: وَسيَّـلنا خلال هذين البستانـين نهراً، يعنـي بـينها وبـين أشجارهما نهراً. وقـيـل: {وفَجَّرْنا} فثقل الـجيـم منه، لأن التفجير فـي النهر كله، وذلك أنه يـميد ماء فـيُسيـل بعضه بعضاً.

وقوله: {وكانَ لَهُ ثَمَرٌ} اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـحجاز والعراق: «وكانَ لَهُ ثُمُرٌ» بضمّ الثاء والـميـم. واختلف قارئو ذلك كذلك، فقال بعضهم: كان له ذهب وفضة، وقالوا: ذلك هو الثمر، لأنها أموال مثمرة، يعنـي مكَّثرة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد فـي قول الله عزّ وجلّ: {وكانَ لَهُ ثَمَرٌ} قال: ذهب وفضة، وفـي قول الله عزّ وجلّ:

{ بِثُمُرِهِ } قال: هي أيضا ذهب وفضة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله ثَمَرٌ قال: ذهب وفضة. قال: وقوله:

{ وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ }هي هي أيضا.

وقال آخرون: بل عُنِـي به: الـمال الكثـير من صنوف الأموال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن هارون، عن سعيد بن أبـي عَروبة، عن قتادة، قال: قرأها ابن عبـاس: «وكانَ لَهُ ثُمُرُ» بـالضمّ، وقال: يعنـي أنواع الـمال.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: «وكانَ لَهُ ثُمُرٌ» يقول: مال.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد. قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: «وكانَ لَهُ ثُمُرٌ» يقول: من كلّ الـمال.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ قال: الثمر من الـمال كله يعنـي الثمر، وغيره من الـمال كله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال: «الثُّمُر» الـمال كله، قال: وكلّ مال إذا اجتـمع فهو ثُمُر إذا كان من لون الثمرة وغيرها من الـمال كله.

وقال آخرون: بل عنى به الأصل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: «وكانَ لَهُ ثُمُرٌ» الثمر الأصل. قال

{ وأُحيطَ بثُمُرِهِ }قال: بأصله.

وكأنّ الذين وجَّهوا معناها إلـى أنها أنواع من الـمال، أرادوا أنها جمع ثمار جمع ثمر، كما يجمع الكتاب كتبـاً، والـحمار حمراً. وقد قرأ بعض من وافق هؤلاء فـي هذه القراءة «ثُمْرٌ» بضمّ الثاء وسكون الـميـم، وهو يريد الضمّ فـيها غير أنه سكنها طلب التـخفـيف. وقد يحتـمل أن يكون أراد بها جمع ثمرة، كما تـجمع الـخَشبة خَشَبـاً. وقرأ ذلك بعض الـمدنـيـين: {وكانَ لَهُ ثَمَرٌ} بفتـح الثاء والـميـم، بـمعنى جمع الثَّمرة، كما تـجمع الـخشبة خَشبـاً. والقَصبة قَصبـاً.

وأولـى القراءات فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأ {وكانَ لَهُ ثُمُرٌ} بضمّ الثاء والـميـم لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه وإن كانت جمع ثمار، كما الكتب جمع كتاب.

ومعنى الكلام: {وَفَجَّرْنا خِلاَلُهِما نَهَراً وكانَ لَهُ} منهما {ثُمُرٌ} بـمعنى من جنتـيه أنواع من الثمار. وقد بـين ذلك لـمن وفق لفهمه، قوله: {جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَـيْنِ مِنْ أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بنَـخْـلٍ وَجَعَلْنا بَـيْنَهُما زَرْعاً} ثم قال: وكان له من هذه الكروم والنـخـل والزرع ثمر.

وقوله: {فَقالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ} يقول عزّ وجلّ: فقال هذا الذي جعلنا له جنتـين من أعناب، لصاحبه الذي لا مال له وهو يخاطبه: {أنا أكْثَرُ مِنْكَ مالاً وأعَزُّ نَفَراً} يقول: وأعزّ عشيرة ورَهْطاً، كما قال عُيـينة والأقرع لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نـحن سادات العرب، وأربـاب الأموال، فنـحّ عنا سلـمان وَخَّبـابـاً وصُهيبـاً، احتقاراً لهم، وتكبراً علـيهم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنْك مالاً وأعَزُّ نَفَراً} وتلك والله أمنـية الفـاجر: كثرة الـمال، وعزّة النفر.

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدًا ۝٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: هذا الذي جعلنا له جنتـين من أعناب {دَخَـلَ جَنَّتَهُ} وهي بستانه {وَهُوَ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ} وظلـمه نفسه: كفره بـالبعث، وشكه فـي قـيام الساعة، ونسيانه الـمعاد إلـى الله تعالـى، فأوجب لها بذلك سخط الله وألـيـم عقابه. وقوله: {قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِـيدَ هَذِهِ أبَداً} يقول جلّ ثناؤه: قال لـما عاين جنته، ورآها وما فـيها من الأشجار والثمار والزروع والأنهار الـمطردة شكاً فـي الـمعاد إلـى الله: ما أظنّ أن تبـيد هذه الـجنة أبداً، ولا تفنى ولا تـخْرب، وما أظنّ الساعة التـي وعد الله خـلقه الـحشر فـيها تقول فتـحدث، ثم تـمنى أمنـية أخرى علـى شكّ منه، فقال: {وَلَئِنَ رُدِدْتُ إلـى رّبـي} فرجعت إلـيه، وهو غير موقن أنه راجع إلـيه {لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَبـاً} يقول: لأجدنّ خيرا من جنتـي هذه عند الله إن رددت إلـيه مرجعاً ومردّاً، يقول: لـم يعطنـي هذه الـجنة فـي الدنـيا إلا ولـى عنده أفضل منها فـي الـمعاد إن رددت إلـيه. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَما أظُنَّ السَّاعَةَ قائِمَةً} قال: شكّ، ثم قال: {وَلَئِنْ} كان ذلك ثم {رُدِدْتُ إلـى رَبّـي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَبـاً} ما أعطانـي هذه إلا ولـي عنده خير من ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَدَخَـلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِـمٌ لَنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِـيدَ هَذِهِ أبَداً وَما أظُنُّ السَّاعة قائمَةً} كفور لنعم ربه، مكذّب بلقائه، متـمنّ علـى الله.

قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًا ۝٣٧ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًا ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: قال لصاحب الـجنتـين صاحبه الذي هو أقلّ منه مالاً وولداً، {وَهُوَ يُحاوِرُهُ}: يقول: وهو يخاطبه ويكلـمه: {أكَفَرْتَ بـالَّذِي خَـلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} يعنـي خـلق أبـاك آدم من تراب {ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} يقول: ثم أنشأك من نطفة الرجل والـمرأة، {ثم سوّاك رَجُلاً} يقول: ثم عَد لك بشراً سوياً رجلاً، ذكراً لا أنثى، يقول: أكفرت بـمن فعل بك هذا أن يعيدك خـلقاً جديداً بعد ما تصير رفـاتاً {لَكِنَّ هُوَ اللّهُ رَبّـي} يقول: أما أنا فلا أكفر بربـي، ولكن أنا هو الله ربـي، معناه أنه يقول: ولكن أنا أقول: هو الله ربـي {وَلا أُشْرِكُ بِرَبـيّ أحَداً}. وفـي قراءة ذلك وجهان: أحدهما لكنّ هو الله ربـي بتشديد النون وحذف الألف فـي حال الوصل، كما يقال: أنا قائم فتـحذف الألف من أنا، وذلك قراءة عامة قرّاء أهل العراق. وأما فـي الوقـف فإن القرأة كلها تثبت فـيها الألف، لأن النون إنـما شدّدت لاندغام النون من لكن، وهي ساكنة فـي النون التـي من أنا، إذ سقطت الهمزة التـي فـي أنا، فإذا وقـف علـيها ظهرت الألف التـي فـي أنا، فقـيـل: لكنا، لأنه يقال فـي الوقـف علـى أنا بإثبـات الألف لا بإسقاطها. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـحجاز: {لَكِنَّا} بإثبـات الألف فـي الوصل والوقـف، وذلك وإن كان مـما ينطق به فـي ضرورة الشعر، كما قال الشاعر:

أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فـاعْرِفُونِـيحُمَيْداً قد تَذَرَّيْتُ السَّنامَا

فأثبت الألف فـي أنا، فلـيس ذلك بـالفصيح من الكلام، والقراءة التـي هي القراءة الصحيحة عندنا ما ذكرنا عن العراقـيـين، وهو حذف الألف من «لكنّ» فـي الوصل، وإثبـاتها فـي الوقـف.

وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ۝٣٩

يقول عزّ ذكره: وهلا إذ دخـلت بستانك، فأعجبك ما رأيت منه، قلت ما شاء الله كان وفـي الكلام مـحذوف استغنـي بدلالة ما ظهر علـيه منه، وهو جواب الـجزاء، وذلك كان.

وإذا وجه الكلام إلـى هذا الـمعنى الذي قلنا كانت «ما» نصبـاً بوقوع فعل الله علـيه، وهو شاء وجاز طرح الـجواب، لأن معنى الكلام معروف، كما قـيـل: فإن استطعت أن تبتغي نفقاً فـي الأرض، وترك الـجواب، إذ كان مفهوماً معناه. وكان بعض أهل العربـية يقول «ما» من قوله: {ما شاءَ اللّهُ} فـي موضع رفع بإضمار هو، كأنه قـيـل: قلت هو ما شاء الله {لا قُوَّةَ إلاَّ بـاللّهِ} يقول: لا قوّة علـى ما نـحاول من طاعته إلا به. وقوله: {إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً} وهو قول الـمؤمن الذي لا مال له، ولا عشيرة، مثل صاحب الـجنتـين وعشيرته، وهو مثل سَلْـمان وصُهَيب وَخبـاب، يقول: قال الـمؤمن للكافر: إن ترن أيها الرجل أنا أقلّ منك مالاً وولداً فإذا جعلت أنا عماداً نصبت أقل، وبه القراءة عندنا، لأن علـيه قراءة الأمصار، وإذا جعلته اسماً رفعت أقل.

فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ۝٤٠ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًا ۝٤١

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قـيـل الـمؤمن الموقن للـمعاد إلـى الله للكافر الـمرتاب فـي قـيام الساعة: إن تَرَن أيها الرجل أنا أقلّ مالاً وولداً فـي الدنـيا، فعسى ربـي أن يرزقنـي خيراً من بستانك هذا {وَيُرْسِلَ عَلَـيْها} يعنـي علـى جنة الكافر التـي قال لها: ما أظنّ أن تبـيد هذه أبداً {حُسْبـاناً مِنَ السَّماءِ} يقول: عذابـا من السماء ترمي به رميا، وتقذف. والـحُسْبـان: جمع حُسْبـانة، وهي الـمرامي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أوْ يُرْسِلَ عَلَـيْها حُسْبـاناً مِنَ السَّماءِ} عذابـاً.

حُدثت عن مـحمد بن يزيد، عن جويبر، عن الضحاك، قال: عذابـاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أوْ يُرْسِلَ عَلَـيْها حُسْبـاناً مِنَ السَّماءِ}. قال: عذابـاً، قال: الـحُسبـان: قضاء من الله يقضيه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: الـحُسبـان: العذاب.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {حُسْبـاناً مِنَ السَّماءِ} قال: عذابـاً. وقوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقا} يقول عزّ ذكره: فتصبح جنتك هذه أيها الرجل أرضاً ملساء لا شيء فـيها، قد ذهب كلّ ما فـيها من غَرْس ونبت، وعادت خرابـاً بلاقع، زَلَقاً، لا يثبت فـي أرضها قدم لا ملساسها، ودروس ما كان نابتاً فـيها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً}: أي قد حُصِد ما فـيها فلـم يُترك فـيها شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} قال: مثل الـجُرز.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، فـي قوله: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} قال: صعيداً زلقاً وصعيداً جُرزاً واحد لـيس فـيها شيء من النبـات.

وقوله: {أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً} يقول: أو يصبح ماؤها غائراً فوضع الغور وهو مصدر مكان الغائر، كما قال الشاعر:

تَظَلُّ جِيادُهُ نَوْحاً عَلَـيْهِمُقَلَّدَةً أعِنَّتَها صُفُونا

بـمعنى نائحة وكما قال الآخر:

هَرِيقـي مِنْ دُمُوعِهِما سَجامَاضُبـاعَ وجَاوِبـي نَوْحاً قِـيامَاً

والعرب توحد الغَور مع الـجمع والاثنـين، وتذكر مع الـمذكر والـمؤنث، تقول: ماء غور، وماءان غَوْر ومياه غَور. ويعنـي بقوله: {غَوْراً} ذاهبـاً قد غار فـي الأرض، فذهب فلا تلـحقه الرِّشاء، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً} أي ذاهبـاً قد غار فـي الأرض.

وقوله: {فَلنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَبـاً} يقول: فلن تطيق أن تدرك الـماء الذي كان فـي جنتك بعد غَوْره، بطلبك إياه.

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًا ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره: وأحاط الهلاك والـجوائح بثمره، وهي صنوف ثمار جنته التـي كان يقول لها:

{ ما أظُنُّ أنْ تَبِـيدَ هَذِهِ أبَداً }فأصبح هذا الكافر صاحب هاتـين الـجنتـين، يقلب كفَّـيه ظهرا لبطن، تلهفـاً وأسفـاً علـى ذهاب نفقته التـي أنفق فـي جنته {وَهِيَ خاوِيَةٌ علـى عُرُوشِها} يقول: وهي خالـية علـى نبـاتها وبـيوتها. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {فأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّـيْهِ}: أي يصفق {كَفـيه عَلـى ما أنْفَقَ فِـيها} متلهفـاً علـى ما فـاته.

{وَ} هو {يقول يا لَـيْتَنِـي لَـمْ أُشْرِكْ بِرَبّـي أحَداً} ويقول: يا لـيتنـي، يقول: يتـمنى هذا الكافر بعد ما أصيب بجنته أنه لـم يكن كان أشرك بربه أحداً، يعنـي بذلك: هذا الكافر إذا هلك وزالت عنه دنـياه وانفرد بعمله، ودّ أنه لـم يكن كفر بـالله ولا أشرك به شيئاً.

وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ۝٤٣ هُنَالِكَ ٱلْوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: ولـم يكن لصاحب هاتـين الـجنتـين فِئَة، وهم الـجماعة كما قال العَجَّاج:

كمَا يَحُوزُّ الفِئَةُ الكَمِيّ

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل، وإن خالف بعضهم فـي العبـارة عنه عبـارتنا، فإن معناهم نظير معنانا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله عزّ وجلّ: {وَلَـمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ} قال: عشيرته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {ولَـمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ}: أي جند ينصرونه.

وقوله: {يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللّهِ} يقول: يـمنعونه من عقاب الله وعذاب الله إذا عاقبه وعذّبه. وقوله {وَما كانَ مُنْتَصِراً} يقول: ولـم يكن مـمتنعاً من عذاب الله إذا عذّبه، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {وَما كانَ مُنْتَصِراً}: أي مـمتنعاً.

وقوله: {هُنالكَ الوَلايَةُ لِلّهِ الـحَقِّ} يقول عزّ ذكره: ثم وذلك حين حلّ عذاب الله بصاحب الـجنتـين فـي القـيامة.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: الولاية، فقرأ بعض أهل الـمدينة والبصرة والكوفة {هُنالكَ الوَلايَةُ} بفتـح الواو من الولاية، يعنون بذلك هنالك الـمُوالاة لله، كقول الله:

{ اللَّهُ وَلِـيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } وكقوله: { ذلكَ بأنَّ اللّهَ مَوْلَـى الَّذِينَ آمَنُوا }يذهبون بها إلـى الوَلاية فـي الدين. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة: «هُنالِكَ الوِلايَةُ» بكسر الواو: من الـمُلك والسلطان، من قول القائل: وَلِـيتُ عمل كذا، أو بلدة كذا ألـيه ولاية.

وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأ بكسر الواو، وذلك أن الله عقب ذلك خبره عن مُلكه وسلطانه، وأن من أحلّ به نقمته يوم القـيامة فلا ناصر له يومئذٍ، فإتبـاع ذلك الـخبر عن انفراده بـالـمـملكة والسلطان أولـى من الـخبر عن الـموالاة التـي لـم يجر لها ذكر ولا معنى، لقول من قال: لا يسمَّى سلطان الله ولاية، وإنـما يسمى ذلك سلطان البشر، لأن الولاية معناها أنه يـلـي أمر خـلقه منفردا به دون جميع خـلقه، لا أنه يكون أميراً علـيهم.

واختلفوا أيضاً فـي قراءة قوله {الـحَقِّ} فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة والعراق خفضاً، علـى توجيهه إلـى أنه من نعت الله، وإلـى أن معنى الكلام: هنالك الولاية لله الـحقّ ألوهية، لا البـاطل بطول ألوهيته التـي يدعونها الـمشركون بـالله آلهة. وقرأ ذلك بعض أهل البصرة وبعض متأخري الكوفـيـين: «لِلّهِ الـحَقُّ» برفع الـحقّ توجيها منهما إلـى أنه من نعت الولاية، ومعناه: هنالك الولاية الـحقّ، لا البـاطل لله وحده لا شريك له.

وأولـى القراءتـين عندي فـي ذلك بـالصواب، قراءة من قرأه خفضاً علـى أنه من نعت الله، وأن معناه ما وصفت علـى قراءة من قرأه كذلك.

وقوله: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَابـاً} يقول عزّ ذكره: خير للـمنـيبـين فـي العاجل والآجل ثوابـاً {وخَيْرٌ عُقْبـاً} يقول: وخيرهم عاقبة فـي الآجل إذا صار إلـيه الـمطيع له، العامل بـما أمره الله، والـمنتهى عما نهاه الله عنه. والعقب هو العاقبة، يقال: عاقبة أمر كذا وعُقْبـاه وعُقُبه، وذلك آخره وما يصير إلـيه منتهاه.

وقد اختلف القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة {عُقْبـاً} بضم العين وتسكين القاف.

و

القول فـي ذلك عندنا. أنهما قراءتان مستفـيضتان فـي قرأة الأمصار بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرِّيَٰحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِرًا ۝٤٥

يقول عزّ ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واضرب لـحياة هؤلاء الـمستكبرين الذين قالوا لك: اطرد عنك هؤلاء الذين يدعون ربهم بـالغداة والعشيّ، إذا نـحن جئناك الدنـيا منهم مثلاً يقول: شبهاً{ كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ } يقول: كمطر أنزلناه من السماء {فـاخْتَلَطَ بِهِ نَبـاتُ الأرْضِ} يقول: فـاختلط بـالـماء نبـات الأرض {فأصْبَحَ هَشِيـماً} يقول: فأصبح نبـات الأرض يابسا متفتتا {تَذْرُوهُ الرّياحُ} يقول تطيره الرياح وتفرّقه يقال منه: ذَرَته الريح تَذْروه ذَرْواً، وَذَرتْه ذَرْياً، وأذرته تُذْرِيهِ إذراء كما قال الشاعر:

فَقُلْتُ لَهُ صَوّبْ وَلا تُـجْهِدَنَّهُفَـيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطاةِ فَتزْلَقِ

يقال: أذريت الرجل عن الدابة والبعير: إذا ألقـيته عنه.

وقوله: {وكانَ اللّهُ علـى كُلّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً} يقول: وكان الله علـى تـخريب جنة هذا القائل حين دخـل جنته:

{ ما أظُنُّ أنْ تَبِـيدَ هَذِهِ أبَدا وَما أظُنُّ السَّاعَةَ قائمَةً }وإهلاك أموال ذي الأمْوَالِ البـاخـلـين بها عن حقوقها، وإزالة دنـيا الكافرين به عنهم، وغير ذلك مـما يشاء قادر، لا يعجزه شيء أراده، ولا يعْيـيه أمر أراده، يقول: فلا يفخر ذو الأموال بكثرة أمواله، ولا يستكبر علـى غيره بها، ولا يغترنّ أهل الدنـيا بدنـياهم، فإنـما مَثَلُها مثل هذا النبـات الذي حسُن استواؤه بـالـمطر، فلـم يكن إلا رَيْثَ أن انقطع عنه الـماء، فتناهى نهايته، عاد يابساً تذروه الرياح، فـاسداً، تنبو عنه أعين الناظرين، ولكن لـيعمل للبـاقـي الذي لا يفنى، والدائم الذي لا يبـيد ولا يتغير.

ٱلْمَالُ وَٱلْبَنُونَ زِينَةُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ۝٤٦

يقول تعالـى ذكره: الـمال والبنون أيها الناس التـي يفخر بها عيـينة والأقرع، ويتكبران بها علـى سلـمان وخبـاب وصهيب، مـما يتزين به فـي الـحياة الدنـيا، ولـيسا من عداد الآخرة {والبـاقـياتُ الصَّالِـحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابـاً} يقول: وما يعمل سلـمان وخبـاب وصهيب من طاعة الله، ودعائهم ربهم بـالغداة والعشيّ يريدون وجهه، البـاقـي لهم من الأعمال الصالـحة بعد فناء الـحياة الدنـيا، خير يا مـحمد عند ربك ثوابـاً من الـمال والبنـين التـي يفتـخر هؤلاء الـمشركون بها، التـي تفنى، فلا تبقـى لأهلها {وخَيْرٌ أمَلاً} يقول: وما يؤمل من ذلك سلـمان وصهيب وخبـاب، خير مـما يؤمل عيـينة والأقرع من أموالهما وأولادهما. وهذه الآيات من لدن قوله:

{ وَاتْلُ ما أُوحيَ إلَـيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ }إلـى هذا الـموضع، ذُكر أنها نزلت فـي عيـينة والأقرع. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا أسبـاط بن نصر، عن السديّ، عن أبـي سعيد الأزدي، وكان قارىء الأزد، عن أبـي الكنود، عن خبـاب فـي قوله:

{ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بـالغَدَاةِ والعَشيّ }ثم ذكر القصة التـي ذكرناها فـي سورة الأنعام فـي قصة عيـينة والأقرع، إلـى قوله: { وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنا قَلْبَه عَنْ ذِكْرِنا }قال: عيـينة والأقرع { وَاتَّبعَ هَوَاهُ } قال: قال: ثم ضرب لهم مثلاً رجلـين، ومثل الـحياة الدنـيا.

واختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيّ بـالبـاقـيات الصالـحات، اختلافهم فـي الـمعنىّ بـالدعاء الذي وصف جلّ ثناؤه به الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن طردهم، وأمره بـالصبر معهم، فقال بعضهم: هي الصلوات الـخمس. وقال بعضهم: هي ذكر الله بـالتسبـيح والتقديس والتهلـيـل، ونـحو ذلك. وقال بعضهم: هي العمل بطاعة الله. وقال بعضهم: الكلام الطيب. ذكر من قال: هي الصلوات الـخمس:

حدثنـي مـحمد بن إبراهيـم الأنـماطي، قال: ثنا يعقوب بن كاسب، قال: ثنا عبد الله بن عبد الله الأموي قال: سمعت عبد الله بن يزيد بن هرمز، يحدّث عن عبـيد الله بن عتبة، عن ابن عبـاس أنه قال: البـاقـيات الصالـحات: الصلوات الـخمس.

حدثنـي زريق بن إسحاق، قال: ثنا قبـيصة، عن سفـيان، عن عبد الله بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَالبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ} قال: الصلوات الـخمس.

حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبـي إسحاق عن عمرو بن شُرَحبـيـل فـي هذه الآية {والبـاقـياتُ الصَّالِـحاتُ} قال: هي الصلوات الـمكتوبـات.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الله بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: البـاقـيات الصالـحات: الصلوات الـخمس.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان عن الـحسن بن عبد الله، عن إبراهيـم، قال {البـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ} الصلوات الـخمس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبـي إسحاق، عن أبـي ميسرة {والبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ} قال: الصلوات الـخمس. ذكر من قال: هنّ ذكر الله بـالتسبـيح والتـحميد ونـحو ذلك:

حدثنا ابن حميد وعبد الله بن أبـي زياد ومـحمد بن عمارة الأسدي، قالوا: ثنا عبد الله بن يزيد، قال: أخبرنا حيوة، قال: أخبرنا أبو عقـيـل زهرة بن معبد القرشي من بنـي تـيـم من رهط أبـي بكر الصدّيق، أنه سمع الـحرث مولـى عثمان بن عفـان، يقول: قـيـل لعثمان: ما البـاقـيات الصالـحات؟ قال: هنّ لا إله إلا الله، وسبحان الله، والـحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله.

حدثنـي سعد بن عبد الله بن عبد الـحكم، قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا حيوة، قال: ثنا أبو عقـيـل زهرة بن معبد، أنه سمع الـحرث مولـى عثمان بن عفـان يقول: قـيـل لعثمان بن عفـان: ما البـاقـيات الصالـحات؟ قال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده، والله أكبر، والـحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله.

حدثنـي ابن عبد الرحيـم البرّقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: ثنا نافع بن يزيد ورشدين بن سعد، قالا: ثنا زهرة بن معبد، قال: سمعت الـحارث مولـى عثمان بن عفـان يقول: قالوا لعثمان: ما البـاقـيات الصالـحات؟ فذكر مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن عبد الله بن مسلـم بن هرمز، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَالبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ} قال: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الـملك، عن عطاء، عن ابن عبـاس، فـي قوله {وَالبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ} قال: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن عبد الـملك، عن عطاء، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا مالك، عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن الـمسيب، قال: {البـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ}: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: أخبرنـي عبد الله بن عثمان بن خُثَـيـم، عن نافع بن سرجس، أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن البـاقـيات الصالـحات، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله. قال ابن جريج، وقال عطاء بن أبـي رَبـاح مثل ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، قال: البـاقـيات الصالـحات: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، فـي قوله {والبـاقـياتُ الصَّالِـحاتُ} قال: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنـي أبو صخر: أن عبد الله بن عبد الرحمن، مولـى سالـم بن عبد الله، حدثه قال: أرسلنـي سالـم بن مـحمد بن كعب القُرَظي، فقال: قل له الْقَنِـي عند زاوية القبر، فإن لـي إلـيك حاجة، قال: فـالتقـيا، فسلـم أحدهما علـى الآخر، ثم قال سالـم: ما تعدّ البـاقـيات الصالـحات؟ فقال: لا إله إلا الله، والـحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله، فقال له سالـم: متـى جعلت فـيها لا حول ولا قوّة إلا بـالله؟ فقال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرّتـين أو ثلاثاً فلـم ينزع. قال: فأثبت، قال سالـم: أجل، فأثبت فإن أبـا أيوبَ الأنصاري حدثنـي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

عُرِجَ بِـي إلـى السَّماءِ فَأُرِيتُ إبْرَاهِيـمَ، فقال: يا جِبْرِيـلُ مَنْ هَذَا مَعَك؟ فقالَ: مُـحَمَّد، فَرَحَّبَ بِـي وَسَهَّلَ، ثُمَّ قالَ: مُرْ أمَّتَكَ فَلْتُكْثِرْ مِنْ غِرَاسِ الـجَنَّةِ، فإنَّ تُرْبَتَها طَيِّبَةٌ، وأرْضُها وَاسِعَةٌ، فَقُلْتُ: وَما غِرَاسُ الـجَنَّةِ؟ قالَ: لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بـاللّهِ

وجدت فـي كتابـي عن الـحسن بن الصَّبـاح البَزَّار، عن أبـي نصر التـمار، عن عبد العزيز بن مسلـم، عن مـحمد بن عجلان، عن سعيد الـمَقْبُري، عن أبـيه، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

سُبْحَانَ اللّهِ، والـحَمْدُ لِلّهِ، وَلا إلهَ إلاَّ اللّهُ، وَاللّهُ أكْبَرُ مِنَ البـاقِـياتِ الصَّالِـحاتِ

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن وقتادة، فـي قوله: {والبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ خَيْرٌ} قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والـحمد لله، وسبحان الله، هنّ البـاقـيات الصالـحات.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الـحارث، أن دراجاً أبـا السمـح حدثه عن أبـي الهيثم، عن أبـي سعيد الـخُدريّ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

اسْتَكْثَرُوا مِنَ البـاقِـياتِ الصَّالِـحاتِ، قـيـلَ: وما هي يا رسول الله؟ قال:الـمِلَّة، قـيـل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكْبِـيرُ والتَّهْلِـيـلُ والتسبِـيحُ، والـحَمْدُ، ولا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلاَّ بـاللّهِ

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي مالك، عن عمارة بن صياد، أنه سمع سعيد بن الـمسيب يقول فـي البـاقـيات الصالـحات: إنها قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله، والـحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله.

حدثنـي ابن البَرْقـي، قال: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: ثنـي ابن عَجْلان، عن عمارة بن صياد، قال: سألنـي سعيد بن الـمسيب، عن البـاقـيات الصالـحات، فقلت: الصلاة والصيام، قال: لـم تصب فقلت: الزكاة والـحجّ، فقال:لـم تصب، ولكنهنّ الكلـمات الـخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والـحمد لله، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله. ذكر من قال: هي العمل بطاعة الله عزّ وجلّ:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس {والبـاقِـياتُ الصَّالـحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابـاً وخَيْرٌ أمَلاً} قال: الأعمال الصالـحة: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

حدثنـي علـيّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {والبـاقِـياتُ الصَّالـحاتُ} قال: هي ذكر الله قول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والـحمد لله، وتبـارك الله، ولا حول ولا قوّة إلا بـالله، وأستغفر الله، وصلـى الله علـى رسول الله والصيام والصلاة والـحجّ والصدقة والعتق والـجهاد والصلة، وجميع أعمال الـحسنات، وهنّ البـاقـيات الصالـحات، التـي تبقـى لأهلها فـي الـجنة ما دامت السموات والأرض.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله {والبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابـاً وخَيْرٌ أمَلاً} قال: الأعمال الصالـحة. ذكر من قال: هي الكلـم الطيب:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {والبـاقـياتُ الصَّالِـحاتُ} قال: الكلام الطيب.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: هنّ جميع أعمال الـخير، كالذي رُوي عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، لأن ذلك كله من الصالـحات التـي تبقـى لصاحبها فـي الآخرة، وعلـيها يجازي ويُثاب، وإن الله عزّ ذكره لـم يخصص من قوله {والبـاقِـياتُ الصَّالِـحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابـاً} بعضاً دون بعض فـي كتاب، ولا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن ظنّ ظانّ أن ذلك مخصوص بـالـخبر الذي رويناه عن أبـي هريرة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك بخلاف ما ظن، وذلك أن الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنـما ورد بأن قول: سبحان الله، والـحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هنّ من البـاقـيات الصالـحات، ولـم يقل: هنّ جميع البـاقـيات الصالـحات، ولا كلّ البـاقـيات الصالـحات وجائز أن تكون هذه بـاقـيات صالـحات، وغيرها من أعمال البرّ أيضا بـاقـيات صالـحات.

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ۝٤٧ وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۭ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا ۝٤٨

يقول تعالى ذكره: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الـجِبـالَ} عن الأرض، فَنبسُّها بَسًّا، ونـجعلها هبـاء منبثا {وَتَرَى الأرْضَ بـارِزَةً} ظاهرة، وظهورها لرأي أعين الناظرين من غير شيء يسترها من جبل ولا شجر هو بروزها. وبنـحو ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {وَتَرى الأرْضَ بـارِزَةً} قال: لا خَمَر فـيها ولا غيابة ولا بناء، ولا حجر فـيها.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَتَرى الأرْضَ بـارِزَةً} لـيس علـيها بناء ولا شجر.

وقـيـل: معنى ذلك: وترى الأرض بـارزاً أهلها الذين كانوا فـي بطنها، فصاروا علـى ظهرها. وقوله {وَحَشْرناهُمْ} يقول: جمعناهم إلـى موقـف الـحساب {فَلَـمْ نُغادِرُ مِنْهُمْ أحَداً}، يقول: فلـم نترك، ولـم نبق منهم تـحت الأرض أحداً، يقال منه: ما غادرت من القوم أحداً، وما أغدرت منهم أحداً، ومن أغدرت قول الراجز:

هَلْ لكِ والعارِضُ مِنْكِ عائِضُفِـي هَجْمَةٍ يُغْدِرُ مِنْها القابِضُ

وقوله: {وَعُرِضُوا عَلـى رَبِّكَ صَفًّـا} يقول عزّ ذكره: وعُرض الـخـلق علـى ربك يا مـحمد صفـاً{ لَقَدْ جِئْتُـمُونا كمَا خَـلَقْناكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ } يقول عزّ ذكره: يقال لهم إذ عُرضوا علـى الله: {لقد جئتـمونا أيها الناس أحياء كهيئتكهم حين خـلقناكم أوّل مرّة} وحذف يقال من الكلام لـمعرفة السامعين بأنه مراد فـي الكلام.

وقوله: {بَلْ زَعَمْتُـمْ ألَّنْ نَـجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً} وهذا الكلام خرج مخرج الـخبر عن خطاب الله به الـجميع، والـمراد منه الـخصوص، وذلك أنه قد يرد القـيامة خـلق من الأنبـياء والرسل، والـمؤمنـين بـالله ورسله وبـالبعث. ومعلوم أنه لا يُقال يومئذٍ لـمن وردها من أهل التصديق بوعد الله فـي الدنـيا، وأهل الـيقـين فـيها بقـيام الساعة، بل زعمتـم أن لن نـجعل لكم البعث بعد الـمـمات، والـحشر إلـى القـيامة موعداً، وأن ذلك إنـما يقال لـمن كان فـي الدنـيا مكذّبـا بـالبعث وقـيام الساعة.

وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ۝٤٩

يقول عزّ ذكره: ووضع الله يومئذٍ كتاب أعمال عبـاده فـي أيديهم، فأخذ واحد بـيـمينه وأخذ واحد بشماله {فَتَرى الـمُـجْرِمينَ مُشْفقـينَ مِـمَّا فِـيهِ} يقول عزّ ذكره: {ترى الـمـجرمين الـمشركين بـالله مشفقـين، يقول: خائفـين وجلـين مـما فـيه مكتوب من أعمالهم السيئة التـي عملوها فـي الدنـيا أن يؤاخذوا بها {وَيَقُولُونَ يا وَيْـلَتَنا ما لَهَذَا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبِـيرةً إلاَّ أحْصَاها} يعنـي أنهم يقولون إذا قرأوا كتابهم، ورأوا ما قد كُتب علـيهم فـيه من صغائر ذنوبهم وكبـائرها، نادوا بـالويـل حين أيقنوا بعذاب الله، وضجوا مـما قد عرفوا من أفعالهم الـخبـيثة التـي قد أحصاها كتابهم، ولـم يقدروا أن ينكروا صحتها كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما لِهَذَا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِـيرَةً إلاَّ أحْصَاها} اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء، ولـم يشتك أحد ظلـما، «فإياكم والـمـحقَّرات من الذنوب، فإنها تـجتـمع علـى صاحبها حتـى تهلكه». ذُكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب لها مثلاً، يقول كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتـى نزلوا بفلاة من الأرض، وحضر صنـيع القوم، فـانطلق كلّ رجل يحتطب، فجعل الرجل يجيء بـالعود، ويجيء الآخر بـالعود، حتـى جمعوا سواداً كثـيراً وأجّجوا ناراً، فإن الذنب الصغير يجتـمع علـى صاحبه حتـى يهلكه. وقـيـل: إنه عنى بـالصغيرة فـي هذا الـموضع: الضحك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا مـحمد بن موسى، عن الزيال بن عمرو، عن ابن عبـاس {لا يُغادِرُ صَغِيرةً وَلا كَبِـيرةً} قال: الضحك.

حدثنا أحمد بن حازم، قال: ثنا أبـي، قال: حدثتنـي أمي حمادة ابنة محمد، قال: سمعت أبـي محمد بن عبد الرحمن يقول فـي هذه الآية فـي قول الله عزّ وجلّ: {ما لِهَذَا الكِتابِ لا يُغَادِرُ صَغيِرةً وَلا كَبِـيرةً إلاَّ أحْصَاها} قال: الصغيرة: الضحك.

ويعنـي بقوله: {ما لِهَذَا الكِتابِ}: ما شأن هذا الكتاب {لا يُغادِرُ صَغِيرةً وَلا كَبِـيرَةً} يقول: لا يبقـى صغيرة من ذنوبنا وأعمالنا ولا كبـيرة منها {إلاَّ أحْصَاها} يقول: إلا حفظها {وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا} فـي الدنـيا من عمل {حاضِراً} فـي كتابهم ذلك مكتوبـاً مثبتاً، فجوّزوا بـالسيئة مثلها، والـحسنة ما الله جازيهم بها {وَلا يَظْلِـمُ رَبُّكَ أحَداً} يقول: ولا يجازي ربك أحداً يا مـحمد بغير ما هو أهله، لا يجازي بـالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بـالسيئة إلا أهل السيئة، وذلك هو العدل.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ بِئْسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلًا ۝٥٠

يقول تعالى ذكره مذكِّرا هؤلاء الـمشركين حسد إبلـيس أبـاهم ومعلـمهم ما كان منه من كبره واستكبـاره علـيه حين أمره بـالسجود له، وأنه من العداوة والـحسد لهم علـى مثل الذي كان علـيه لأبـيهم: وَ اذكر يا مـحمد {إذْ قُلْنا للْـمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِـيسَ} الذي يطيعه هؤلاء الـمشركون ويتبعون أمره، ويخالفون أمر الله، فإنه لـم يسجد له استكبـاراً علـى الله، وحسداً لآدم {كانَ مِنَ الـجِنّ}.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله {كانَ مِنَ الـجِنّ} فقال بعضهم: إنه كان من قبـيـلة يقال لهم الـجنّ. وقال آخرون: بل كان من خزّان الـجنة، فنُسب إلـى الـجنة. وقال آخرون: بل قـيـل من الـجنّ، لأنه من الـجنّ الذين استـجنوا عن أعين بنـي آدم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عبـاس قال: كان اسمه قبل أن يركب الـمعصية عزازيـل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشدّ الـملائكة اجتهاداً وأكثرهم علـماً، فذلك هو الذي دعاه إلـى الكبر، وكان من حيّ يسمى جنا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: كان إبلـيس من حيّ من أحياء الـملائكة يقال لهم الـجنّ، خُـلقوا من نار السموم من بـين الـملائكة، وكان اسمه الـحارث. قال: وكان خازناً من خزّان الـجنة. قال: وخُـلقت الـملائكة من نور غير هذ الـحيّ. قال: وخُـلقت الـجنّ الذين ذكروا فـي القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون فـي طرفها إذا التهبت.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنـي شيبـان، قال: ثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن الـمسيب، قال: كان إبلـيس رئيس ملائكة سماء الدنـيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي عن الأعمش، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {إلاَّ إبْلِـيسَ كانَ مِنَ الـجِن} قال: كان إبلـيس من خزّان الـجنة، وكان يدبر أمر سماء الدنـيا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: كان إبلـيس من أشراف الـملائكة وأكرمهم قبـيـلة. وكان خازنا علـى الـجنان، وكان له سلطان السماء الدنـيا، وكان له سلطان الأرض، وكان فـيـما قضى الله أنه رأى أن له بذلك شرفـاً وعظمة علـى أهل السماء، فوقع من ذلك فـي قلبه كبر لا يعلـمه إلا الله فما كان عند السجود حين أمره أن يسجد لآدم استـخرج الله كبره عند السجود، فلعنه وأخَّره إلـى يوم الدين. قال: قال ابن عبـاس: وقوله: {كانَ مِنَ الـجِنّ} إنـما سمي بـالـجنان أنه كان خازنا علـيها، كما يقال للرجل: مكيّ، ومدنـيّ، وكوفـيّ، وبصريّ، قاله ابن جريج.

وقال آخرون: هم سبط من الـملائكة قبـيـلة، وكان اسم قبـيـلته الـجنّ:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن صالـح مولـى التوأمة، وشريك بن أبـي نـمر أحدهما أو كلاهما، عن ابن عبـاس، قال: إن من الـملائكة قبـيـلة من الـجنّ، وكان إبلـيس منها، وكان يسوس ما بـين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله علـيه فمسخه شيطاناً رجيـماً، لعنه الله مـمسوخاً. قال: وإذا كانت خطيئة الرجل فـي كبر فلا ترجه، وإذا كانت خطيئته فـي معصية فـارجه، وكانت خطيئة آدم فـي معصية، وخطيئة إبلـيس فـي كبر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذْ قُلْنا للْـمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِـيسَ كانَ مِنَ الـجِنّ} قبـيـل من الـملائكة يقال لهم الـجنّ. وقال ابن عبـاس: لو لـم يكن من الـملائكة لـم يؤمر بـالسجود، وكان علـى خزانة السماء الدنـيا. قال: وكان قتادة يقول: جنّ عن طاعة ربه. وكان الـحسن يقول: ألـجأه الله إلـى نسبه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله {إلاَّ إبْلِـيسَ كانَ مِنَ الـجِنّ} قال: كان من قبـيـل من الـملائكة يقال لهم الـجنّ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن الـحسن، قال: ما كان إبلـيس من الـملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الـجنّ، كما أن آدم علـيه السلام أصل الإنس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول: كان إبلـيس علـى السماء الدنـيا وعلـى الأرض وخازن الـجنان.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَسَجَدُوا إلاَّ إبْلِـيسَ كانَ مِنَ الـجِنّ}: كان ابن عبـاس يقول: إن إبلـيس كان من أشراف الـملائكة وأكرمهم قبـيـلة، وكان خازناً علـى الـجنان، وكان له سلطان السماء الدنـيا وسلطان الأرض، وكان مـما سوّلت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفـا علـى أهل السماء، فوقع من ذلك فـي قلبه كبر لا يعلـمه إلا الله، فـاستـخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بـالسجود لآدم، فـاستكبر وكان من الكافرين، فذلك قوله للـملائكة:

{ إنّـي أعْلَـمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ وأعْلَـمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُـم تَكْتُـمُونَ }يعنـي: ما أسرّ إبلـيس فـي نفسه من الكبر.

وقوله: {كانَ مِنَ الـجِنّ} كان ابن عبـاس يقول: قال الله {كانَ مِنَ الـجِنّ} لأنه كان خازناً علـى الـجنان، كما يقال للرجل: مكيّ، ومدنـي، وبصريّ، وكوفـيّ.

وقال آخرون: كان اسم قبـيـلة إبلـيس الـجنّ، وهم سبط من الـملائكة يقال لهم الـجنّ، فلذلك قال الله عزّ وجلّ {كانَ مِنَ الـجِنّ} فنسبه إلـى قبـيـلته.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، فـي قوله {كانَ مِنَ الـجِنّ} قال: من الـجنانـين الذين يعملون فـي الـجنان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو سعيد الـيحمدي إسماعيـل بن إبراهيـم، قال: ثنـي سوار بن الـجعد الـيحمدي، عن شهر بن حوشب، قوله: {مِنَ الـجنّ} قال: كان إبلـيس من الـجنّ الذين طردتهم الـملائكة، فأسره بعض الـملائكة، فذهب به إلـى السماء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله {إلاَّ إبْلـيسَ كانَ مِنَ الـجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ} قال: كان خازن الـجنان فسمي بـالـجنان.

حدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا أحمد بن بشير، عن سفـيان بن أبـي الـمقدام، عن سعيد بن جبـير، قال: كان إبلـيس من خزنة الـجنة.

وقد بـيَّنا

القول فـي ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا، وذكرنا اختلاف الـمختلفـين فـيه، فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وقوله: {فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ} يقول: فخرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال، كما قال رؤبة:

يَهْوِينَ فِـي نَـجْدٍ وغَوْراً غائرَافَوَاسقاً عَنْ قَصْدِها جَوَائِرَا

يعنـي بـالفواسق: الإبل الـمنعدلة عن قصد نـجد، وكذلك الفسق فـي الدين إنـما هو الانعدال عن القصد، والـميـل عن الاستقامة. ويُحكى عن العرب سماعا: فسقت الرطبة من قشرها: إذا خرجت منه، وفسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها. وكان بعض أهل العربـية من أهل البصرة يقول: إنـما قـيـل: {فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ} لأنه مراد به: ففسق عن ردّه أمر الله، كما تقول العرب: اتـخمت عن الطعام، بـمعنى: اتـخمت لـما أكلته. وقد بـيَّنا

القول فـي ذلك، وأن معناه: عدل وجار عن أمر الله، وخرج عنه. وقال بعض أهل العلـم بكلام العرب: معنى الفسق: الاتساع. وزعم أن العرب تقول: فسق فـي النفقة: بـمعنى اتسع فـيها. قال: وإنـما سمى الفـاسق فـاسقا، لاتساعه فـي مـحارم الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى «ح» وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى {فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ} قال: فـي السجود لآدم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله {فَفَسَق عَنْ أمْرِ رَبِّهِ} قال: عصى فـي السجود لآدم.

وقوله: {أفَتَتَّـخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أوْلِـياءَ مِنْ دُونِـي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ} يقول تعالـى ذكره: أفتوالون يا بنـي آدم من استكبر علـى أبـيكم وحسده، وكفر نعمتـي علـيه، وغرّه حتـى أخرجه من الـجنة ونعيـم عيشه فـيها إلـى الأرض وضيق العيش فـيها، وتطيعونه وذرّيته من دون الله مع عدواته لكم قديـماً وحديثاً، وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم علـيكم وأكرمكم، بأن أسجد لوالدكم ملائكته، وأسكنه جناته، وآتاكم من فواضل نعمه ما لا يحصى عدده، وذرّية إبلـيس: الشياطين الذين يغرّون بنـي آدم. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد {أفَتَتَّـخِذونَه وَذُرّيَّتهُ أوْلِـياءَ مِنْ دُونِـي} قال: ذرّيته: هم الشياطين، وكان يعدّهم «زلنبور» صاحب الأسواق ويضع رايته فـي كلّ سوق ما بـين السماء والأرض، و«ثبر» صاحب الـمصائب، و«الأعور» صاحب الزنا و«مسوط» صاحب الأخبـار، يأتـي بها فـيـلقـيها فـي أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلاً، و«داسم» الذي إذا دخـل الرجل بـيته ولـم يسلـم ولـم يذكر الله بصره من الـمتاع ما لـم يرفع، وإذا أكل ولـم يذكر اسم الله أكل معه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: سمعت الأعمش يقول: إذا دخـلتُ البـيت ولـم أسلـم، رأيت مطهرة، فقلت: ارفعوا ارفعوا، وخاصمتهم، ثم أذكر فأقول: داسم داسم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي أبو معاوية، عن الأعمش، عن مـجاهد، قال: هم أربعة ثبر، وداسم، وزلنبور، والأعور، ومسوط: أحدها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {أفَتَتَّـخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أوْلِـياءَ مِنْ دُونِـي...} الآية، وهم يتوالدون كما تتوالد بنو آدم، وهم لكم عدوّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أفَتَتَّـخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أوْلِـياءَ مِنْ دُونِـي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ} وهو أبو الـجنّ كما آدم أبو الإنس. وقال: قال الله لإبلـيس: إنـي لا أذرأ لآدم ذرّية إلا ذرأت لك مثلها، فلـيس من ولد آدم أحد إلا له شيطان قد قرن به.

وقوله: {بِئْسَ للظَّالِـمينَ بَدَلاً} يقول عزّ ذكره: بئس البدل للكافرين بـالله اتـخاذ إبلـيس وذرّيته أولـياء من دون الله، وهم لكم عدّو من تركهم اتـخاذ الله ولـياً بـاتبـاعهم أمره ونهيه، وهو الـمنعم علـيهم وعلـى أبـيهم آدم من قبلهم، الـمتفضّل علـيهم من الفواضل ما لا يحصى بدلاً. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {بِئْسَ للظَّالِـمِينَ بَدَلاً} بئْسما استبدلوا بعبـادة ربهم إذ أطاعوا إبلـيس.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ